«كل هذا الموت»... فيلم دمى متحرّكة للكبار وعنهُم

بيروت و«فلاديمير» يلفظان النفس الأخير في بلدٍ تغزوه أوراق النعي والنعوش

«فلاديمير» بطل فيلم الدمى والرسوم المتحركة اللبناني «كل هذا الموت» (صور المخرج)
«فلاديمير» بطل فيلم الدمى والرسوم المتحركة اللبناني «كل هذا الموت» (صور المخرج)
TT

«كل هذا الموت»... فيلم دمى متحرّكة للكبار وعنهُم

«فلاديمير» بطل فيلم الدمى والرسوم المتحركة اللبناني «كل هذا الموت» (صور المخرج)
«فلاديمير» بطل فيلم الدمى والرسوم المتحركة اللبناني «كل هذا الموت» (صور المخرج)

ينزل «فلاديمير» كل صباح من بيته الكائن في إحدى بنايات بيروت القديمة. لا يقصد الرجل المسنّ وظيفة، ولا قريباً، ولا حتى دكّاناً. يسير في مشواره اليوميّ على إيقاع الموت... يقرأ أوراق النعي الكثيرة المعلّقة على جدران المدينة، ثم يمزّقها. ينتقل إلى الكنائس ليشارك في جنائز الغرباء. ولا ينسى محطّته الأساسية عند الحانوتي، حيث يبحث لنفسه عن بيتٍ أبديّ على هيئة تابوت.

كيف لشخصيةٍ آتية من عالم الدمى أن تجسّد كل هذا الحزن؟! وكيف لفيلم قصير للرسوم المتحرّكة أن يكون مُثقلاً بمعاني عنوانِه، وهو «كل هذا الموت»؟! يشرح المخرج اللبناني فادي سرياني أنّه عندما قرر العودة إلى بيروت عام 2018 بعد غربة طويلة للعمل خارجاً، كان يعرف مسبقاً أنه يضرب موعداً مع خيبات البلاد.

رسم في رأسه شخصية «فلاديمير»، مستوحياً إياها من أحد جيران والدته، والذي أمضى عمره متنقلاً بين أعراس وجنائز الغرباء، وسائر مناسباتهم الاجتماعية. إلّا أنّ ما حصل بعد ذلك في العاصمة اللبنانية وباقي البلد تخطّى كل الخيبات المتوقّعة، وفرض تطويراً على الشخصية، والإطار الذي تتحرّك فيه. صار «فلاديمير» -بوجهه الشاحب، والمخطّط، وبتعابيره المتأرجحة بين الأسى والذهول- صورةً عن مدينة تتلاشى، وتكثر فيها النعوش، والجدران الممزّقة، وعن الكبار الوحيدين المسلوبين قروشهم البيضاء، والمنتظرين موتاً قريباً.

يضيء الفيلم على جيل من المسنّين الكبار الوحيدين المسلوبين قروشهم البيضاء والمنتظرين موتاً قريباً (صور المخرج)

لم يكن 4 أغسطس (آب) 2020 يوماً عاديّاً في روزنامة اللبنانيين، بمَن فيهم سرياني. مثله مثل كثيرين، كان من الممكن أن يكون المخرج ضحيةً إضافية من ضحايا تفجير مرفأ بيروت. أمضى شهوراً يلملم الشظايا، ويكنس الزجاج المحطّم حوله، قبل أن يعود إليه «فلاديمير» بحكايةٍ جديدة، فرضتها التحوّلات التي قاستها المدينة، وناسُها.

كل معاني الفَقد مرسومةٌ على وجه العجوز. لا ينتبهُ لطفلةٍ تحاول استدراجه للّهو معها، ولا يلتفتُ إلى باقة وردٍ عند باب محل الأزهار. يمشي من خريفه إلى شتاءٍ محتوم. هو شتاء مدينةٍ أقفلت متاجرها بداعي الإفلاس، واستُبدلت أعراسُها بجنائز، وتحوّلت باقاتُ وردِها إلى أكاليل بيضاء.

بيروت في الفيلم هي مدينةٌ تكثر فيها المتاجر المقفلة وأوراق النعي (صور المخرج)

الصمتُ سيّدٌ في الفيلم القصير، يخترقه أحياناً كلامٌ غير مفهوم للكاهن وهو يلقي عظة الجنازة، أو للحانوتيّ وهو يُنجز «بيزنس» الموت على الهاتف. يفسّر سرياني خياره لفيلمٍ صامت على أنه انعكاسٌ للعالم الموازي الذي يعيش فيه «فلاديمير»، حيث هو منفصل عن الواقع، ومعتزلٌ ضجيج الحياة منذ ما ألمّ به. «هذا الرجل يعيش منتظراً الموت، لا يسمع ما يدور حوله، ولا يبغي النطقَ حتى». ويضيف المخرج أنّه اختار الكلام غير المفهوم للشخصيات الأخرى، لأنها مهما قالت فهي لن تُضفي شيئاً، ولن تبدّل مصير «فلاديمير»، ولا مسارَه.

ترك المخرج فادي سرياني مهنة الهندسة ليتفرّغ لصناعة أفلام الرسوم المتحركة (الشرق الأوسط)

قد يظنّ البعض أنّ دميةً متحرّكة تتنقّل وسط ديكور مرسوم لا تمتّ إلى الحقيقة بصِلة. غير أنّ «فلاديمير» هو الحقيقة بذاتها. فتلك الدمية هي نموذج مصغّر عن جيلٍ لبناني بكامله. «هو الجيل الذي عرف لبنان بسنواته الذهبية، ثم عايش الحرب بفصولها كافةً، لينتهي به المطاف مسلوباً جنى عمره المودَع في المصارف، ومنسلخاً عن الأمان الذي يستحقه الكبار في نهاية العمر»، يقول سرياني.

يعيش «فلاديمير» في شقة خالية سوى من الذكريات. أسطوانات الفينيل باتت تُصدر ألحاناً جنائزيّة، زهور الإناء ذابلة، ولا ماء يُحييها. حتى الصحن فارغ، وإن أراد الرجل سندويش لبنة، مرغ الفراغ بالسكّين على يده فلا خبز ولا لبنة هنا. يوضح المخرج أنّ الهدف من هكذا مشهد ليس إظهار الشخصية بهيئة المسكين، بقَدرِ ما هو انعكاسٌ لانفصاله عن تفاصيل الحياة اليوميّة.

الدمية هي نموذج مصغّر عن جيلٍ لبناني بكامله (صور المخرج)

في عزلته تلك، وفي سلوكه اليوميّ لمسار الجنائز والنعوش، يضع «فلاديمير» قدَماً في العالم الآخر، ويُبقي نصفه الثاني على الأرض. ما زال طيفُ زوجته يزوره. تُبدّل الزهور الذابلة من دون جدوى. كلُّ ما في البيت ذَبُلَ برحيلها، و«فلاديمير» يُعدّ سرير الموت استعداداً للّحاق بها.

رغم سوداويّة القصة، يحافظ الفيلم على قدرٍ عالٍ من الشاعريّة، والإحساس. يستعين بالرموز والديكورات ليتركَ تأثيراً بصرياً وعاطفياً على مُشاهديه.

في اللحظات الأخيرة من «كل هذا الموت» تتحوّل الدمية التي تلهو بها الطفلة إلى مخلوقٍ مضيء بجناحَين. «رمت الفتاة لعبتها في الهواء فتحوّلت إلى ملاك، وذلك لطمأنة (فلاديمير) بأنّ ما بعد الموت ليس مخيفاً، ولا قبيحاً»، يشرح سرياني. أما الديكورات والأماكن فمعظمها واقعيّ. من المبنى الذي يقطنه «فلاديمير» في منطقة الأشرفية في بيروت، إلى الشارع الذي يتنقّل فيه، والمتاجر التي يمرّ أمامها، وصولاً إلى الكنيسة، ومحلّ الحانوتيّ. «صوّرتُها كلها، ثم حوّلناها إلى رسوم متحرّكة في ألمانيا، أما دمية (فلاديمير) فصُمّمت وصُنعت ما بين فرنسا وألمانيا لتوضع اللمسات الأخيرة على الفيلم في لبنان»، يوضح المخرج. مع العلم بأنّ الفيلم خالٍ تماماً من أي تدخّل للذكاء الاصطناعي.

صناعة الفيلم خالية من أي استعانة بالذكاء الاصطناعي (صور المخرج)

لعلّ المشهد الأخير في «كل هذا الموت» -والذي يلتقط بيروت من فوق بمبانيها المشظّاة منها، وتلك الجديدة- يَشي بمهنة المخرج الأساسية، وهي الهندسة. أمضى فادي سرياني 15 عاماً مهندساً معمارياً، قبل أن يستفيق حلمُه الأصليّ، ويلحّ عليه بالتفرّغ للرسوم المتحرّكة، وعالم الدُمى.

ترك الوظيفة خلفه وعاد إلى بيروت ليؤسس «منصة التحريك للشباب»، ولينقل من خلالها حرفتَه إلى مواهب شابة، وواعدة. «صحيح أنّ بلادنا العربية لا تُصدّر الرسوم المتحرّكة، لكنها زاخرة بالمواهب في هذا المجال»، يقول سرياني. «يبقى علينا أن نفهم أنّ الدمى والرسوم المتحرّكة ليست محصورةً بالمشاهدين الصغار، وبالإعلانات التجارية، بل هي تروي حكاياتٍ للكبار كذلك».

بموازاة التعليم يعمل فادي سرياني على مشاريعه السينمائية. وعلى قاعدة أنّ الوقت لا يأتي متأخّراً، ها هو يجول مع فيلمه الأول على مهرجانات العالم منذ صيف 2025.


مقالات ذات صلة

مهرجانات للسينما بمصر تراهن على الشباب والأفلام النوعية

يوميات الشرق مهرجان «ميدفيست مصر» تناول قضايا الصحة النفسية (فيسبوك)

مهرجانات للسينما بمصر تراهن على الشباب والأفلام النوعية

تراهن العديد من المهرجانات السينمائية التي أقيمت أخيراً بمصر على سينما الشباب وعلى الأفلام النوعية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق زحمة مهرجان «تورونتو» (ملف مهرجان تورونتو)

أزمة إسرائيلية في سماء مهرجان تورونتو الـ51

يتميّز مهرجان «تورونتو» عن غيره من المهرجانات الكبرى بأن أبرز جوائزه تُمنح بناءً على تصويت الجمهور، لا بقرار لجنة تحكيم.

محمد رُضا (تورونتو)
يوميات الشرق ملصق ترويجي للإعلان عن إطلاق الأكاديمية (إدارة الأكاديمية)

عز الدين شلح: نريد تحويل آلاف الحكايات من غزة إلى أفلام

قال المخرج الفلسطيني عز الدين شلح، أحد مؤسسي أكاديمية غزة للسينما، إن فكرة الأكاديمية ولدت من حاجة تتجاوز تعليم صناعة الأفلام إلى بناء مساحة سينمائية مستدامة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)

«امرأة مجهولة»... ماضٍ يطارد امرأة عند عتبة حياة جديدة

لا تمنح مي الطوخي بطلتها العذر وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى منح جميع الدنماركيات اللواتي أقمن علاقات مع جنود وضباط نازيين ذلك العذر.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق المخرج البرتغالي إدغار بيرا (الشركة المنتجة)

إدغار بيرا: الحرية هي القضية التي تشغلني في كل أفلامي

قال المخرج البرتغالي إدغار بيرا إن فيلمه «حرب العصابات على الأسفلت» رحلة عبر 4 عقود، تطرح أسئلة عن الحاضر والمستقبل من خلال السينما.

أحمد عدلي (القاهرة)

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
TT

السعودية تطلق دليلاً لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي

يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)
يقدّم الدليل إرشادات تسهم في تمكين العاملين من مواكبة التقنيات الحديثة وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة (وزارة الثقافة)

أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليل «أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي»، الذي يهدف إلى ترسيخ ممارساتٍ واعية، ومسؤولة، وعادلة في توظيف التقنيات في الصناعات الإبداعية، والحد من مخاطر إساءة استخدامها، وتحقيق التوازن بين الاستفادة من إمكاناتها والمحافظة على أصالة الإبداع، والثقافة.

ويستهدف الدليل الإرشادي -الذي يشمل 11 قطاعاً ثقافياً- المؤسسات، والممارسين الثقافيين، ومطوّري تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومستعرضاً أبرز أنماط إساءة الاستخدام المحتملة في كل قطاع.

كما يقدّم إرشاداتٍ تسهم في تمكين العاملين في القطاع الثقافي من مواكبة التقنيات الحديثة، وتوظيفها بصورةٍ مسؤولة، وتعزيز الابتكار بما يدعم تطوره، ونموه، ورفع مستوى الوعي بالممارسات الأخلاقية وغير الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ويرتكز الدليل على سبعة مبادئ توجيهية هي: السلامة والأصالة الثقافيتان، وملكية الأعمال الإبداعية ونسبتها إلى أصحابها، والشفافية وقابلية التفسير والاستخدام النظامي للبيانات، والاستخدام الأخلاقي والعادل للذكاء الاصطناعي، وتوظيفه أداةً لتمكين الإبداع، وتعزيز الوصول للمحتوى الثقافي، وحماية خصوصية البيانات وأمنها.

ويؤكد الإصدار بقاء الإنسان مسؤولاً عن الرؤية الإبداعية، والصياغة الفنية النهائية، وأن يكون الذكاء الاصطناعي أداةً مساندةً تدعم قدرات المبدعين، مع الإفصاح عن استخدامه، والحصول على الموافقات اللازمة، والتحقق من سلامة البيانات، والمخرجات، واحترام حقوق المؤلف، والملكية الفكرية.

ويتوافق الدليل مع الإرشادات الصادرة عن الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وينسجم مع توصية منظمة «الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة» (اليونيسكو) بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والأطر ذات الصلة الصادرة عن «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا). كما يُعد وثيقة إرشادية غير ملزمة، مع بقاء الأولوية للأنظمة واللوائح المعمول بها في البلاد.

ويأتي الإصدار ضمن جهود الوزارة لتعزيز الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة، وترسيخ الإبداع البشري، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، والمحتوى الثقافي، والإسهام في حفظ التراث، وإدارته، بما يدعم بناء مستقبل ثقافي رقمي أكثر أماناً، وشمولاً، واستدامة، وينسجم مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة تحت مظلة «رؤية السعودية 2030».


مخاطر مناخية تهدد إنتاج الشوكولاته

الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
TT

مخاطر مناخية تهدد إنتاج الشوكولاته

الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)
الكاكاو أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة دولية، عن أن تغير المناخ يفرض تهديداً لا يحظى بالاهتمام الكافي على إنتاج الكاكاو، يتمثل في الأمطار الغزيرة وتوقيت هطولها، وليس الجفاف وارتفاع درجات الحرارة فقط؛ ما قد يؤثر في محصول أحد أهم المكونات الأساسية لصناعة الشوكولاته.

ووجد باحثون من جامعة هارفارد الأميركية وجامعة غانا في الدراسة التي نُشرت نتائجها، الاثنين، بدورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم». أن أنماطاً جوية واسعة النطاق قد تجعل بعض مخاطر الأمطار الشديدة قابلة للتنبؤ قبل أشهر؛ ما يمنح مزارعي الكاكاو وقتاً لاتخاذ إجراءات تساعد على حماية الأشجار والمحاصيل.

وتعتمد أشجار الكاكاو، التي يمكن أن تعيش لعقود، على سلسلة دقيقة من المراحل لإنتاج محصول جيد، تبدأ بالإزهار والتلقيح ثم تكوين الثمار ونموها. ويمكن للأمطار القليلة جداً أو الغزيرة في التوقيت الخاطئ أن تلحق أضراراً بالمحصول وتؤثر في إنتاج الموسم بأكمله. وأوضح الباحثون أن الأمطار الغزيرة خلال الإزهار، أو التي توفر ظروفاً مواتية لانتشار الأمراض الفطرية خلال الإزهار والمراحل الأولى من نمو الثمار، قد تأثر بدرجة تأثير الجفاف نفسها.

وركز الباحثون في البداية على غانا، إحدى الدول الرئيسية المنتجة للكاكاو، وحللوا نحو عقدين من بيانات الإنتاج على مستوى المناطق، إلى جانب سجلات الطقس اليومية. وأظهرت النتائج أن الأمطار الزائدة خلال موسم الأمطار، إلى جانب الجفاف خلال موسم الجفاف، تفسر نحو ثلثي التغيرات السنوية في إنتاج الكاكاو في غانا.

واختبر الباحثون مجموعة من العوامل المناخية، بينها متوسط هطول الأمطار، والأمطار الغزيرة، وفترات الجفاف، ورطوبة التربة، ودرجات الحرارة القصوى. وتبيَّن أن أفضل مؤشرين للتنبؤ بالتغيرات في الإنتاج هما الأمطار الشديدة خلال موسم الأمطار الرئيسي ونقص الأمطار خلال موسم الجفاف.

وتظهر التأثيرات الأشد للأمطار في غانا بين أبريل (نيسان) ويونيو (حزيران)، عندما تكون الأشجار في مرحلة الإزهار وتبدأ الثمار الصغيرة في التكوّن، في حين قد يؤدي نقص الأمطار بين نوفمبر (تشرين الثاني) وفبراير (شباط) إلى الإضرار بالمحصول أثناء استمرار نمو الثمار. كما يمكن للرطوبة وتناثر مياه الأمطار أن يساعدا في انتشار الأمراض الفطرية التي تصيب الأشجار والثمار.

وللتأكد من اتساع نطاق النتائج؛ حلل الباحثون بيانات من الإكوادور وإندونيسيا، وهما من كبار منتجي الكاكاو، ووجدوا نمطاً مشابهاً؛ إذ ارتبطت السنوات التي شهدت أمطاراً أغزر خلال مواسم الأمطار بتراجع الإنتاج. ويرى الباحثون أن فهم توقيت الأمطار الشديدة ربما يساعد المزارعين على تحسين توقيت إجراءات مكافحة الأمراض، خصوصاً مع توفر توقعات جوية مسبقة. وقد تشمل إجراءات الحماية زيادة الغطاء النباتي لحماية الأزهار من قطرات المطر الكبيرة، والإبقاء على مزيد من الأوراق المتساقطة على الأرض للحد من تناثر المياه ونقل مسببات العدوى من التربة إلى الثمار.

وحسب الفريق، ترتبط بعض أنماط الأمطار المؤثرة في المحصول بظواهر مناخية واسعة النطاق، مثل «النينيو» والتغيرات في درجات حرارة سطح المحيط الأطلسي؛ ما قد يتيح التنبؤ ببعض مواسم الخطر قبل أشهر. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الأمطار ليست التحدي الوحيد؛ إذ يؤثر في إنتاج الكاكاو أيضاً تقدم عمر الأشجار، والتنقيب عن الذهب، والتهريب، وارتفاع تكاليف الأسمدة، والآفات والأمراض.


القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
TT

القهوة السعودية... حكاية قديمة في مقاهٍ جديدة

تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)
تنتشر المقاهي في المدن السعودية بتصاميمها العصرية (إنستغرام ميراكي)

يصعب أن نتخيل الحياة الاجتماعية في السعودية من دون القهوة. فهي ليست مجرد مشروب يبدأ به الصباح أو يُقدَّم للضيف، وإنما جزء من طقوس اجتماعية متوارثة؛ فنجان صغير يفتح باب الحديث، ويعلن الترحيب، ويمنح الجلسة وقتاً أطول.

المفارقة أن المقاهي التي تنتشر اليوم في المدن السعودية، بتصاميمها العصرية وقوائمها التي تحتفي بأصول البن وطرق تحضيره، ليست فكرة جديدة تماماً. فقبل قرون، كانت مكة المكرمة من الأماكن التي شهدت ظهور أحد أقدم أشكال المقاهي العامة.

ووفقاً لموقع «إي دي ميدل إيست»، بدأت القهوة رحلتها في القرن الـ15 من اليمن، حيث ارتبطت في بداياتها بالأوساط الصوفية، قبل أن تنتقل إلى مكة، وتظهر فيها أماكن عُرفت باسم «القهوة خانة». وبحلول أوائل القرن الـ16، أصبحت هذه الأماكن جزءاً من الحياة اليومية في المدينة.

يصعب أن نتخيل الحياة الاجتماعية في السعودية من دون القهوة (فيسبوك ميراكي)

لم تكن تشبه المقاهي التي نعرفها اليوم، لكنها أدت وظيفة قريبة منها؛ إذ كانت أماكن بسيطة ومفتوحة في محيط الأسواق والطرق التجارية، يقصدها الناس للراحة من الحر، والاستماع إلى الأخبار، ومناقشة الأعمال وشؤون المجتمع.

وبذلك، ارتبطت القهوة منذ وقت مبكر بفكرة المكان الذي يجتمع فيه الناس، وليس فقط بالمشروب نفسه. ومن مكة، انتشرت المقاهي إلى مدن عربية وإسلامية أخرى، مثل القاهرة ودمشق وإسطنبول، لتصبح لاحقاً جزءاً من المشهد الحضري في المنطقة.

من المقهى إلى المجلس

في السعودية، أخذت القهوة لاحقاً طريقاً مختلفاً، وانتقلت بدرجة أكبر من الأماكن العامة إلى البيوت والمجالس.

وهناك اكتسبت معنى أكثر خصوصية؛ فأصبحت جزءاً من استقبال الضيف، وعلامةً على الكرم، وطقساً اجتماعياً له تفاصيله المعروفة. ولم يعد الفنجان مجرد مشروب، بل أصبح وسيلةً للتقارب وبدء الأحاديث.

وبعد قرون، بدأت القهوة تستعيد حضورها في الفضاء العام، مع انتشار المقاهي الجديدة خلال العقد الثاني من القرن الـ21.

جاءت هذه العودة في وقت كانت فيه السعودية تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة، وظهر معها اهتمام متزايد بما يُعرف عالمياً بـ«الموجة الثالثة للقهوة»، وهي ثقافة تتعامل مع القهوة بوصفها حرفةً وفناً، بدءاً من مصدر حبوب البن، مروراً بالتحميص وطريقة الاستخلاص، ووصولاً إلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع التجربة.

لكن السعودية لم تكتفِ باستيراد هذا الاتجاه، بل مزجته بثقافتها الخاصة.

مقاهٍ تحمل ذاكرة المكان

«ميراكي» محاولة للجمع بين القديم والجديد (إنستغرام قهوة ميراكي)

في جدة، المدينة التي ارتبط تاريخها بالتجارة والحجاج وحركة القهوة في المنطقة، ظهرت مقاهٍ حاولت منح التجربة الجديدة هويةً محلية.

ومن بينها «ميراكي» (Meraki)، الذي كان من المقاهي اللافتة في تلك المرحلة. ويقول أحد مؤسسيه، محمد شطا، إن التصميم بالنسبة إليه كان محاولةً للجمع بين القديم والجديد، بحيث يمنح التراث المكان عمقه، بينما تمنحه الحياة المعاصرة روحاً جديدةً.

وفي الرياض، يقدم «شملات» مثالاً آخر على هذه الفكرة؛ فقد رُمِّم بيت طيني تاريخي وحُوِّل إلى مساحة تجمع بين المقهى والنشاط الثقافي، مع الحفاظ على ملامح المبنى ومواده الأصلية.

أما «كمل ستيب» (Camel Step)، فقد جعل من التصميم جزءاً من تجربة القهوة نفسها. ويقول المصمم فارس العاصمي إن قراءة تاريخ المكان ومواده وعادات الناس فيه تمثل نقطة البداية في تصميم فروع العلامة.

وفي حائل، استُلهم تصميم أحد الفروع من إرث العمارة البروتالية السعودية، مستخدماً الخرسانة المكشوفة والخشب وضوء النهار بطريقة هادئة، لتقديم مساحة حديثة تستلهم الماضي من دون أن تعيش فيه.

فنجان يجمع الماضي بالحاضر

تصميم مقهى «كمل ستيب» يستلهم تاريخ المكان ومواده وعادات أهله (موقع المقهى)

لهذا تبدو قصة القهوة السعودية اليوم أكبر من مجرد انتشار المقاهي المختصة؛ فما يحدث هو إعادة اكتشاف لعلاقة قديمة بين القهوة والمكان والناس.

فمن «القهوة خانة» في مكة، حيث كان الناس يجتمعون لتبادل الأخبار والأحاديث، إلى المقاهي الحديثة التي أصبحت أماكن للعمل واللقاء والثقافة والتصميم، تغيرت القهوة وطريقة تقديمها والأماكن التي نلتقي فيها حولها، لكن الفكرة الأساسية بقيت كما هي: فنجان قهوة كان دائماً أكثر من مجرد فنجان.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended