«كل هذا الموت»... فيلم دمى متحرّكة للكبار وعنهُم

بيروت و«فلاديمير» يلفظان النفس الأخير في بلدٍ تغزوه أوراق النعي والنعوش

«فلاديمير» بطل فيلم الدمى والرسوم المتحركة اللبناني «كل هذا الموت» (صور المخرج)
«فلاديمير» بطل فيلم الدمى والرسوم المتحركة اللبناني «كل هذا الموت» (صور المخرج)
TT

«كل هذا الموت»... فيلم دمى متحرّكة للكبار وعنهُم

«فلاديمير» بطل فيلم الدمى والرسوم المتحركة اللبناني «كل هذا الموت» (صور المخرج)
«فلاديمير» بطل فيلم الدمى والرسوم المتحركة اللبناني «كل هذا الموت» (صور المخرج)

ينزل «فلاديمير» كل صباح من بيته الكائن في إحدى بنايات بيروت القديمة. لا يقصد الرجل المسنّ وظيفة، ولا قريباً، ولا حتى دكّاناً. يسير في مشواره اليوميّ على إيقاع الموت... يقرأ أوراق النعي الكثيرة المعلّقة على جدران المدينة، ثم يمزّقها. ينتقل إلى الكنائس ليشارك في جنائز الغرباء. ولا ينسى محطّته الأساسية عند الحانوتي، حيث يبحث لنفسه عن بيتٍ أبديّ على هيئة تابوت.

كيف لشخصيةٍ آتية من عالم الدمى أن تجسّد كل هذا الحزن؟! وكيف لفيلم قصير للرسوم المتحرّكة أن يكون مُثقلاً بمعاني عنوانِه، وهو «كل هذا الموت»؟! يشرح المخرج اللبناني فادي سرياني أنّه عندما قرر العودة إلى بيروت عام 2018 بعد غربة طويلة للعمل خارجاً، كان يعرف مسبقاً أنه يضرب موعداً مع خيبات البلاد.

رسم في رأسه شخصية «فلاديمير»، مستوحياً إياها من أحد جيران والدته، والذي أمضى عمره متنقلاً بين أعراس وجنائز الغرباء، وسائر مناسباتهم الاجتماعية. إلّا أنّ ما حصل بعد ذلك في العاصمة اللبنانية وباقي البلد تخطّى كل الخيبات المتوقّعة، وفرض تطويراً على الشخصية، والإطار الذي تتحرّك فيه. صار «فلاديمير» -بوجهه الشاحب، والمخطّط، وبتعابيره المتأرجحة بين الأسى والذهول- صورةً عن مدينة تتلاشى، وتكثر فيها النعوش، والجدران الممزّقة، وعن الكبار الوحيدين المسلوبين قروشهم البيضاء، والمنتظرين موتاً قريباً.

يضيء الفيلم على جيل من المسنّين الكبار الوحيدين المسلوبين قروشهم البيضاء والمنتظرين موتاً قريباً (صور المخرج)

لم يكن 4 أغسطس (آب) 2020 يوماً عاديّاً في روزنامة اللبنانيين، بمَن فيهم سرياني. مثله مثل كثيرين، كان من الممكن أن يكون المخرج ضحيةً إضافية من ضحايا تفجير مرفأ بيروت. أمضى شهوراً يلملم الشظايا، ويكنس الزجاج المحطّم حوله، قبل أن يعود إليه «فلاديمير» بحكايةٍ جديدة، فرضتها التحوّلات التي قاستها المدينة، وناسُها.

كل معاني الفَقد مرسومةٌ على وجه العجوز. لا ينتبهُ لطفلةٍ تحاول استدراجه للّهو معها، ولا يلتفتُ إلى باقة وردٍ عند باب محل الأزهار. يمشي من خريفه إلى شتاءٍ محتوم. هو شتاء مدينةٍ أقفلت متاجرها بداعي الإفلاس، واستُبدلت أعراسُها بجنائز، وتحوّلت باقاتُ وردِها إلى أكاليل بيضاء.

بيروت في الفيلم هي مدينةٌ تكثر فيها المتاجر المقفلة وأوراق النعي (صور المخرج)

الصمتُ سيّدٌ في الفيلم القصير، يخترقه أحياناً كلامٌ غير مفهوم للكاهن وهو يلقي عظة الجنازة، أو للحانوتيّ وهو يُنجز «بيزنس» الموت على الهاتف. يفسّر سرياني خياره لفيلمٍ صامت على أنه انعكاسٌ للعالم الموازي الذي يعيش فيه «فلاديمير»، حيث هو منفصل عن الواقع، ومعتزلٌ ضجيج الحياة منذ ما ألمّ به. «هذا الرجل يعيش منتظراً الموت، لا يسمع ما يدور حوله، ولا يبغي النطقَ حتى». ويضيف المخرج أنّه اختار الكلام غير المفهوم للشخصيات الأخرى، لأنها مهما قالت فهي لن تُضفي شيئاً، ولن تبدّل مصير «فلاديمير»، ولا مسارَه.

ترك المخرج فادي سرياني مهنة الهندسة ليتفرّغ لصناعة أفلام الرسوم المتحركة (الشرق الأوسط)

قد يظنّ البعض أنّ دميةً متحرّكة تتنقّل وسط ديكور مرسوم لا تمتّ إلى الحقيقة بصِلة. غير أنّ «فلاديمير» هو الحقيقة بذاتها. فتلك الدمية هي نموذج مصغّر عن جيلٍ لبناني بكامله. «هو الجيل الذي عرف لبنان بسنواته الذهبية، ثم عايش الحرب بفصولها كافةً، لينتهي به المطاف مسلوباً جنى عمره المودَع في المصارف، ومنسلخاً عن الأمان الذي يستحقه الكبار في نهاية العمر»، يقول سرياني.

يعيش «فلاديمير» في شقة خالية سوى من الذكريات. أسطوانات الفينيل باتت تُصدر ألحاناً جنائزيّة، زهور الإناء ذابلة، ولا ماء يُحييها. حتى الصحن فارغ، وإن أراد الرجل سندويش لبنة، مرغ الفراغ بالسكّين على يده فلا خبز ولا لبنة هنا. يوضح المخرج أنّ الهدف من هكذا مشهد ليس إظهار الشخصية بهيئة المسكين، بقَدرِ ما هو انعكاسٌ لانفصاله عن تفاصيل الحياة اليوميّة.

الدمية هي نموذج مصغّر عن جيلٍ لبناني بكامله (صور المخرج)

في عزلته تلك، وفي سلوكه اليوميّ لمسار الجنائز والنعوش، يضع «فلاديمير» قدَماً في العالم الآخر، ويُبقي نصفه الثاني على الأرض. ما زال طيفُ زوجته يزوره. تُبدّل الزهور الذابلة من دون جدوى. كلُّ ما في البيت ذَبُلَ برحيلها، و«فلاديمير» يُعدّ سرير الموت استعداداً للّحاق بها.

رغم سوداويّة القصة، يحافظ الفيلم على قدرٍ عالٍ من الشاعريّة، والإحساس. يستعين بالرموز والديكورات ليتركَ تأثيراً بصرياً وعاطفياً على مُشاهديه.

في اللحظات الأخيرة من «كل هذا الموت» تتحوّل الدمية التي تلهو بها الطفلة إلى مخلوقٍ مضيء بجناحَين. «رمت الفتاة لعبتها في الهواء فتحوّلت إلى ملاك، وذلك لطمأنة (فلاديمير) بأنّ ما بعد الموت ليس مخيفاً، ولا قبيحاً»، يشرح سرياني. أما الديكورات والأماكن فمعظمها واقعيّ. من المبنى الذي يقطنه «فلاديمير» في منطقة الأشرفية في بيروت، إلى الشارع الذي يتنقّل فيه، والمتاجر التي يمرّ أمامها، وصولاً إلى الكنيسة، ومحلّ الحانوتيّ. «صوّرتُها كلها، ثم حوّلناها إلى رسوم متحرّكة في ألمانيا، أما دمية (فلاديمير) فصُمّمت وصُنعت ما بين فرنسا وألمانيا لتوضع اللمسات الأخيرة على الفيلم في لبنان»، يوضح المخرج. مع العلم بأنّ الفيلم خالٍ تماماً من أي تدخّل للذكاء الاصطناعي.

صناعة الفيلم خالية من أي استعانة بالذكاء الاصطناعي (صور المخرج)

لعلّ المشهد الأخير في «كل هذا الموت» -والذي يلتقط بيروت من فوق بمبانيها المشظّاة منها، وتلك الجديدة- يَشي بمهنة المخرج الأساسية، وهي الهندسة. أمضى فادي سرياني 15 عاماً مهندساً معمارياً، قبل أن يستفيق حلمُه الأصليّ، ويلحّ عليه بالتفرّغ للرسوم المتحرّكة، وعالم الدُمى.

ترك الوظيفة خلفه وعاد إلى بيروت ليؤسس «منصة التحريك للشباب»، ولينقل من خلالها حرفتَه إلى مواهب شابة، وواعدة. «صحيح أنّ بلادنا العربية لا تُصدّر الرسوم المتحرّكة، لكنها زاخرة بالمواهب في هذا المجال»، يقول سرياني. «يبقى علينا أن نفهم أنّ الدمى والرسوم المتحرّكة ليست محصورةً بالمشاهدين الصغار، وبالإعلانات التجارية، بل هي تروي حكاياتٍ للكبار كذلك».

بموازاة التعليم يعمل فادي سرياني على مشاريعه السينمائية. وعلى قاعدة أنّ الوقت لا يأتي متأخّراً، ها هو يجول مع فيلمه الأول على مهرجانات العالم منذ صيف 2025.


مقالات ذات صلة

3 أجيال للمنافسة على كعكة الموسم الصيفي بالسينما المصرية

يوميات الشرق هنيدي ومنى زكي وتارا عماد في لقطة من «الجواهرجي» (فيسبوك)

3 أجيال للمنافسة على كعكة الموسم الصيفي بالسينما المصرية

تستعد دور العرض السينمائي في مصر لاستقبال 3 أفلام جديدة وهي «الست لما» ليسرا، و«الجواهرجي» لمحمد هنيدي، و«محمود التاني» لأحمد بحر.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق بيتر باركر بوجه مثخن بالجراح (imdb)

«الرجل العنكبوت: يوم جديد»... سبايدرمان يبحث عن بيتر باركر

في أفلام الأبطال الخارقين نادراً ما يسير البطل بمفرده، فدائماً حوله فريق أو شريك، وجمهور يهتف له في كل زاوية من المدينة...

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق الممثل الأميركي فينسنت باستوري خلال حضور حفل توزيع جوائز «إم تي في» الموسيقية لعام 2019 بـ«مركز برودينشال» في نيو جيرسي (أ.ف.ب)

وفاة نجم مسلسل «ذا سوبرانوس» فينسنت باستوري عن 80 عاماً

توفي فينسنت باستوري، الممثل المخضرم الذي جسَّد شخصيات رجال العصابات، واشتهر بأداء دور سلفاتوري بونبنسيرو في مسلسل «ذا سوبرانوس»، عن عمر يناهز 80 عاماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)

الأفلام القصيرة في «مهرجان عمّان السينمائي»... حكايات خارج العلبة

يتنافس في «مهرجان عمّان السينمائي» 20 فيلماً قصيراً آتياً من مختلف أنحاء العالم العربي.

كريستين حبيب (عمّان)
يوميات الشرق إلهام شاهين (فيسبوك)

«الحافي» و«حين يكتب الحب» يعيدان إلهام شاهين للسينما

تعود الفنانة المصرية إلهام شاهين للسينما، بعد ابتعاد دام 5 سنوات منذ تقديمها لفيلم «حظر تجول»، الذي نال جوائز عدة من مؤسسات فنية مختلفة.

داليا ماهر (القاهرة )