الأفلام القصيرة في «مهرجان عمّان السينمائي»... حكايات خارج العلبة

يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)
يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)
TT

الأفلام القصيرة في «مهرجان عمّان السينمائي»... حكايات خارج العلبة

يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)
يتنافس 20 فيلماً ضمن مسابقة الأفلام القصيرة (مهرجان عمّان السينمائي)

يتنافس في مسابقة الأفلام القصيرة ضمن «مهرجان عمّان السينمائي»، 20 فيلماً آتياً من محيط العالم العربي إلى خليجه وما بينهما. في كل عملٍ تُروَى حكاية، إلّا أنَّ خيطاً خفياً يجمع بين تلك الأفلام وهو التأصّل في الجذور، والسعي إلى التعمّق في الهوية الإنسانية والنفسية، والأهمّ جرأة الطرح والموضوعات الخارجة من العلبة.

يلفت المدير المشارك في برمجة الأفلام، فادي حدّاد، إلى أنَّ ما يتحكَّم باختيار الأعمال المتنافسة، «أصالتها وكيفية سردِها لقصص عربية، ضمن سياق عربي، ولجمهور عربي». ويصنِّف حدَّاد في حديثه مع «الشرق الأوسط» الأفلام المُختارة في هذه الدورة ضمن 3 مجموعات، وفقاً للقضايا التي تطرح، وهي: «المرأة»، و«الهويّة»، و«الحرب».

العدسة على المرأة الأردنية

تهجس غالبية الأفلام الأردنيّة حديثة الإنتاج بقضايا الأنثى، وهكذا هي الحال في الأفلام القصيرة المشاركة في مهرجان عمّان السينمائي. تتصدّر المرأة والفتاة الأردنيتان الصورة. ففي فيلم «لا تقتلع الورد» للمخرجة بنان المناصير، يُطرح واقع الفتيات المراهقات بين الحرية والقمع. يُظهر الفيلم كيف أنّ أحلام البراءة من الممكن أن تتحوّل إلى كوابيس ومآسٍ باسم الكرامة والشرف.

أما «ثورة غضب» من إخراج عايشة شهّال طوق فيقلب المعادلة النسويّة، مقدّماً حبكةً غير متوقعة. فبعد أن تظهر الشقيقتان «بتول» و«رهف» في خانة الضحية، هاربتَين من والدهما في شاحنة تقودها الكبرى، يتحوّل المشهد مع دخول رجلٍ غريب القصة. بين الخوف من الوالد والشكّ في نوايا الغريب الذي يعرض المساعدة في تصليح الشاحنة المعطّلة، يتبيَّن أن ليس كل رجل محوراً للشرّ في الحكاية.

في «زواج سفر» الذي أخرجه الأردني عبد الله الزيادي، عرضٌ لشقاء سيدة فلسطينية مقيمة في الأردن. تعيش الأرملة «هاجر» على المساعدات الاجتماعية، وتبيعها لصاحب الدكّان لفرط حاجتها للمال مواجهةً التحرّش. تخيط الملابس وتستدين من الجيران، لكن كل ذلك لا يكفي من أجل تأمين جواز سفرٍ لابنتها المتفوقة في المدرسة. لقد حصلت الفتاة «روى» على منحة للدراسة في الخارج، وسوف تقوم الوالدة بكل ما تستطيع من تضحيات كي تؤمّن مستقبلاً أفضل لابنتها.

بالانتقال إلى فيلم جوانا عريضة «لساتني أنا»، ليست الصدارة فقط لامرأتَين هما الأمّ المصابة بألزهايمر وابنتها التي تعتني بها، بل تدخل على الخط قضية الأبناء الذين يهتمّون بذويهم كلّما تقدّمَ بهم السنّ والمرض. لم يُطرَح هذا الموضوع كثيراً في السينما العربية، رغم كونه منتشراً في كل بيتٍ عربيّ تقريباً. وقد قدَّمته عريضة باحترافٍ عزَّزه حضور الممثلتان الأردنيتان ريم سعادة وسجى كيلاني.

يحضر موضوع المرأة بصراعاتها المجتمعيّة والعاطفية كذلك، في فيلم «عليا» للمخرجة اللبنانية يارا ملكي.

السينما تتذكّر كبار السن

تعود ثيمة التقدّم في السنّ ورعاية الكبار في الفيلم القصير «ما لم تأخذه الشمس» الآتي من تونس. بأسلوبٍ أقرب إلى التوثيق وبلغةٍ سينمائية صامتة، يصوّر المخرج يوسف القرمازي امرأةً تعتني بأختها المسنّة والمريضة. وسط نوستالجيا ما مضى من أيام والقلق من الموت الطالع من سرير الأخت، يمضي الفيلم بإيقاعٍ ينحدر بطيئاً نحو النهاية المحتومة.

مَن يرى «فلاديمير»، وهو بطل فيلم «كل هذا الموت» للمخرج اللبناني فادي سرياني، يظنّ للوهلة الأولى أنّ شخصية الرسوم المتحرّكة العجوز تلك تنتمي إلى عالم الكوميديا. لكن يكفي أن يبدأ الرجل مساره اليوميّ على أرصفة المدينة مقتلعاً أوراق النعي الكثيرة عن جدرانها ومشاركاً في جنائز الغرباء، حتى يُدرِك المُشاهد أنّ الفيلم المتحرّك الصامت لا يمتّ إلى الضحك بصلة. فلاديمير هو ذاكرة مدينةٍ تتلاشى وتكثر فيها التوابيت، والبيوت المُدمَّرة، والكبار الوحيدون المنتظرون موتاً قريباً.

الحرب ومخلفاتها

في «وبركي قصفوا هون الليلة؟» يعرض المخرج والممثل سمير سرياني لليلةٍ في حياة ثنائيّ مقيم في لبنان. هي ليلة من تلك الليالي الكثيرة التي يظلّلها هدير المسيّرات الإسرائيلية، ما ينسكب ذعراً على سمير الخائف من سقوط الزجاج المركّب حديثاً في سقف بيته، على رأسه ورأس زوجته نادين. بأسلوبٍ هو أقرب إلى شاشة الواقع، يتطرّق الفيلم إلى «التروما» وصدمات الحروب التي تنام مع اللبناني في سريره.

والحرب ليست طائرةً معادية فحسب، إنما مُخلّفات قاتلة كثيرة مثل الهجرة غير الشرعية. ويتكرَّر هذا الموضوع في فيلمَي «لا أثر للأفق» الآتي من السودان للمخرجة إيمان الخليفة، حيث يغادر «عمر» بلاده الممزّقة بالحرب. لكن عندما يتّصل بأمّه «نادية» القلقة عليه، يكشف أنه في عرض البحر يصارع عاصفة.

تعود الهجرة غير الشرعية في «بيمو» للمخرجة أمنية هنادر. يطرح الفيلم الجزائري القصير معاناة الغربة والمهاجرين الشرعيِّين وغير الشرعيِّين، من خلال قصة «سهام» التي تنقلب حياتها عندما تعلم أنَّ شقيقها ركب البحر لينضمّ إليها في مرسيليا الفرنسية.

في قضايا النفس والروح

اللافت في مجموعة الأفلام القصيرة المتنافسة ضمن «مهرجان عمّان السينمائي»، أنها تُشرّح النفس البشريّة ولا تتردّد في طرح موضوع الأمراض والندوب النفسية. هكذا يفعل فيلم «سالم غير سالم» للمخرج والممثل البحريني عمر فاروق، والفيلم السعودي «الرجل الذي تَعثّر بكلماته» للمخرج مبارك الزوبع. وكِلاهُما يصوّر بجرأة قضيةً كانت تُعَدُّ من المحرّمات حتى أمسٍ قريب. فبطلا الفيلمَين «سالم» و«نايف» يعيشان صراعَين داخليَّين مع آلامٍ غير مرئية تقلب حياتهما رأساً على عقب.

تُستأنف رحلة تفكيك شيفرة النفس، وهي غالباً ما تكون أمّارةً بالسوء، على غرار ما يدور في فيلم «قُمع» للمخرج المصري مارك أيمن. في هذا الفيلم القصير، تتحوَّل قضية رَكن سيارة إلى عداوة شخصية ضارية بين الأستاذ الجامعي «حسن» وعامل الجراج «محمد».

أما في الفيلم الفلسطيني «أنا سعيد لأنك ميت» الحاصل على «السعفة الذهبية» في «مهرجان كان»، فيغوص المخرج توفيق برهوم في دهاليز النفس البشريّة المحمّلة بأثقال الماضي. يروي قصة شقيقَين يعودان إلى جزيرة طفولتهما ليواجها لعنة ذكرياتٍ مؤلمة دفعت أحدهما إلى ارتكاب فعلٍ رهيب. في أولى تجاربه السينمائية، استقى المخرج الفلسطيني الصاعد القصة من الواقع الفلسطيني وحكاية حصلت مع شخصٍ يعرفه.

يذهب عدد من الأفلام القصيرة المشارِكة في «مهرجان عمّان السينمائي» أبعد من الحبكة النفسيّة. تطرح بعض الأعمال موضوع الصوفيّة الذي يلقى رواجاً مؤخراً لدى المخرجين الشباب. يقتبس المخرج المصري عبد الوهاب شوقي رواية الأديب نجيب محفوظ ليقدِّم على طريقته «آخر المعجزات». هي قصة الصحافي «يحيى» الذي يأخذه خطأٌ مهنيّ صغير في رحلةٍ إلى المجهول، ليتحوّل من ساعٍ خلف الخير إلى ساعٍ خلف الروحانيّة والتصوّف. إلّا أنّ تطوّر الأحداث لا يضمن أنّ طريق الرو يتّجه دائماً نحو الأعلى.

صحيح أنّ فيلم «عايشة» للمخرجة المغربية سناء العلوي ينتمي إلى فئة «الرعب السيكولوجي»، إلّا أنه يتطرّق هو الآخر إلى الصوفيّة، بما أنّ البطلة تنضمّ إلى طقسٍ صوفيّ في محاولةٍ لترميم ما تدمَّر بينها وبين ابنتها.

أما في «قبل الظهر» للمخرج المصري مروان الشافعي، فيخوض البطل المراهق «سيف» رحلة تطهّر روحيّة وإنسانية بعد ابتلائه بمأساة شخصية.

الهويّة والجذور والعائلة

في حين يبقى موضوع الهويّة بمثابة خيطٍ مشترك ما بين الأفلام القصيرة كلّها، يبرز هذا الموضوع أكثر في أفلامٍ مثل «مكان أنتمي إليه» للمخرج التونسي يوسف هندوس، و«كاراميل مملّح» للمخرج العراقي مصطفى خلف. أما في «32 B» للمخرج المصري محمد طاهر فتتصدّر القضايا العائلية المشهد، إذ يروي الفيلم القصير يوميات رجل أرمل مع ابنته المراهقة ومعاناته في مقاربة الموضوعات الأنثويّة وإياها.


مقالات ذات صلة

«الحافي» و«حين يكتب الحب» يعيدان إلهام شاهين للسينما

يوميات الشرق إلهام شاهين (فيسبوك)

«الحافي» و«حين يكتب الحب» يعيدان إلهام شاهين للسينما

تعود الفنانة المصرية إلهام شاهين للسينما، بعد ابتعاد دام 5 سنوات منذ تقديمها لفيلم «حظر تجول»، الذي نال جوائز عدة من مؤسسات فنية مختلفة.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق من أحد أهم معالم هذا المهرجان شاشته الكبيرة المقامة في الهواء الطلق (موقع المهرجان)

«مهرجان لوكارنو» يمزج الحاضر والماضي في دورته الجديدة

إلى جانب الحياد السياسي، والشوكولاته، والساعات، وسرية مصارفها، تشتهر سويسرا بمهرجانها السينمائي «لوكارنو إنترناشيونال فيلم فستيفال» الذي ينطلق هذا الأسبوع.

محمد رُضا (لوكارنو)
يوميات الشرق ركز المخرج على جوانب مختلفة في شخصية الطفلة (إدارة المهرجان)

كينسوكي أوتشيدا: أُفضّل السينما التي تترك للمُشاهد حق التأويل

أراد أن يعكس من خلال فيلمه أنّ الإنسان يحمل بداخله دائماً جانباً مضيئاً وآخر مظلماً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الممثلة التونسية هند صبري عضوة لجنة تحكيم مهرجان عمّان السينمائي (إدارة المهرجان)

السينما التونسية ضيفة شرف مهرجان عمّان وهند صبري تُحادث جمهورها

تعود هند صبري إلى بداياتها في السينما والخيارات التي شكّلت هويتها الفنية، كما تتحدث عن النقلة المصيرية من تونس إلى مصر في حوار مفتوح مع جمهور «عمّان السينمائي».

كريستين حبيب (عمّان)
سينما «هيلين الطروادية» (وورنر برذرز)

«الأوديسة» يحيي أفلام العصر الذهبي للسينما التاريخية

يُحسب لفيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» أنه يحيي، بنجاحه، عصراً من الأفلام الملحمية التاريخية التي شهدت ذروتها الإنتاجية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)