«الرجل العنكبوت: يوم جديد»... سبايدرمان يبحث عن بيتر باركر

الفيلم يراهن على الإنسان خلف القناع... ويرصد ثمن العزلة

بيتر باركر بوجه مثخن بالجراح (imdb)
بيتر باركر بوجه مثخن بالجراح (imdb)
TT

«الرجل العنكبوت: يوم جديد»... سبايدرمان يبحث عن بيتر باركر

بيتر باركر بوجه مثخن بالجراح (imdb)
بيتر باركر بوجه مثخن بالجراح (imdb)

في أفلام الأبطال الخارقين نادراً ما يسير البطل بمفرده، فدائماً حوله فريق أو شريك، وجمهور يهتف له في كل زاوية من المدينة... وحتى أكثر الشخصيات انعزالاً، مثل باتمان، تعود في النهاية إلى حياة الإنسان «بروس واين» الاجتماعية؛ حيث تبقى العلاقات الإنسانية جزءاً من الحكاية.

أما في فيلم «Spider-Man: Brand New Day» (الرجل العنكبوت: يوم جديد)، فيسلك بيتر باركر (توم هولاند) طريقاً مختلفاً، ليحمل عبء البطولة وحده، بلا أصدقاء، ويقضي أيامه متنقلاً بين مطاردة المجرمين وإنقاذ المدينة، قبل أن يعود إلى شقته المتواضعة في نيويورك، محاطاً بالشاشات والأجهزة التي يطورها باستمرار لصقل قدراته، في عزلة تفرض نفسها على كل تفصيل في حياته، وتصبح الهوية أكثر من أي خصم جديد، وهي المعركة الحقيقية التي يخوضها في الفيلم الذي بدأ عرضه مؤخراً في صالات السينما، ويلقى رواجاً كبيراً من حول العالم.

بيتر باركر داخل خيوط العنكبوت (imdb)

بطل يبحث عن نفسه

الفيلم، الذي يخرجه ديستن دانيال كريتون، يُعيد الشخصية إلى شوارع نيويورك؛ حيث يستعيد سبايدرمان دوره التقليدي بوصفه محارباً للجريمة داخل المدينة، مع اهتمام أكبر بالجانب النفسي للشخصية. فبيتر باركر، يعيش عزلة قاسية بعد اختفاء هويته من ذاكرة الجميع (في الجزء السابق No Way Home)، ويجد نفسه مضطراً إلى حمل عبء البطولة وحده، في حين يراقب الأشخاص الأقرب إليه يواصلون حياتهم كأنهم يلتقون به للمرة الأولى.

يمنح هذا التحوّل الفيلم عمقاً درامياً مؤثراً مقارنة بالأجزاء السابقة، كما يُقدم توم هولاند في مساحة تعد الأفضل له في السلسلة حتى الآن؛ حيث اعتمد أداؤه على الصمت بقدر اعتماده على الحوار، وعلى نظرات تحمل قدراً كبيراً من الحيرة والإنهاك أكثر من اعتماده على الكوميديا التي ارتبطت بالشخصية طوال السنوات الماضية، ليرى الجمهور سبايدرمان وهو أكثر وعياً بثمن البطولة، وأقل اندفاعاً في التعامل مع العالم من حوله.

في المقابل، تحضر زيندايا بشخصية «إم جيه» التي تحمل مفارقة عاطفية مؤلمة؛ فهي تقف أمام الرجل الذي أحبته في يوم ما، في حين تتعامل معه بوصفه شخصاً غريباً. ويستثمر الفيلم هذه الفكرة في عدد من مشاهده الأكثر تأثيراً، خصوصاً تلك التي يقترب فيها الاثنان من استعادة شيء من الذاكرة، قبل أن تنزلق اللحظة مرة أخرى نحو الغموض.

كما يبدو اختيار العودة إلى قصة أكثر بساطة، بعد فوضى «No Way Home»، قراراً ذكياً، فبدلاً من الاتكاء على مفاجآت الضيوف أو الحنين إلى الماضي يراهن الفيلم على شخصية بيتر باركر نفسها، وعلى سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره: من يكون الإنسان عندما تختفي ذكراه من حياة الآخرين، فيما تبقى ذاكرته مثقلة بكل ما عاشه؟

بيتر باركر مع إم جيه (imdb)

شخصيات توسّع القصة

بناءً على ذلك، يبتعد الفيلم عن الاستعراض البصري المعتاد، لترتبط مشاهد المطاردات والاشتباكات بالحالة النفسية للبطل، وكأن كل قفزة بين المباني تحمل محاولة جديدة للهرب من الأسئلة التي تطارده. ومع ذلك، يحتفظ العمل بإيقاعه التجاري، عبر سلسلة من المعارك المصممة بعناية، خصوصاً المواجهة التي تجمع سبايدرمان مع هالك (مارك روفالو)، والتي تُعد من أبرز لحظات الفيلم، بفضل حجمها وإيقاعها والتباين الواضح بين الشخصيتين.

ويضيف ظهور فرانك كاسل، الذي يؤديه جون بيرنثال، طاقة مختلفة تماماً، فالشخصية تدخل الأحداث بخشونتها المعتادة، وتفرض حضورها منذ اللحظة الأولى، في حين يخلق اختلافها الجذري عن سبايدرمان مساحة من الكوميديا ما بين الحوار والاحتكاك بينهما، إذ إن أحدهما يؤمن بفرصة جديدة، والآخر يتحرك بمنطق أكثر قسوة، في موازنة ما بين الفكاهة والتوتر.

أما سادي سينك، فتقدم واحدة من أكثر الشخصيات غموضاً في الفيلم؛ حيث تتعامل الحبكة معها تدريجياً، محافظة على مساحة من الغموض حول دوافعها وحقيقتها، قبل أن تكشف الأحداث عن شخصية تحمل قدراً كبيراً من الألم والاضطراب الداخلي، ما يمنحها هدوءاً نسبياً، يجعلها أكثر تعقيداً من صورة الشرير التقليدي، ويضيف طبقة إنسانية جديدة إلى الصراع.

نهاية تفتح فصلاً جديداً

في المقابل، يواجه السيناريو تحدياً واضحاً في كثرة الخيوط الدرامية، فالأحداث تنتقل بين أزمة الهوية، والصراع النفسي، والخصم الغامض، وظهور هالك، وشخصيات أخرى، وهو ما يجعل بعض الأفكار تظهر بسرعة ثم تفسح المجال لفكرة جديدة قبل أن تنال وقتاً كافياً للنمو، ويظهر أثر ذلك خصوصاً في النصف الأخير؛ حيث تتزاحم التطورات بوتيرة متسارعة خلال مدة الفيلم التي تمتد إلى أكثر من ساعتين.

وعلى المستوى التقني يواصل عالم سبايدرمان تقديم جودة إنتاجية مرتفعة. يمنح التصوير، بقيادة بريت باولاك، مدينة نيويورك حضوراً مختلفاً؛ مدينة تبدو مألوفة، لكنها تحمل شعوراً دائماً بالوحدة والاغتراب، وكأنها تعكس الحالة النفسية التي يعيشها بيتر باركر. وتدعم الموسيقى التي ألفها مايكل جياكينو هذا المزاج، فتتنقل بين الهدوء والتصاعد، مع مساحة أكبر للمشاعر مقارنة بالأجزاء السابقة.

أما على المستوى التجاري فيواصل سبايدرمان تأكيد مكانته بوصفه أحد أكثر أبطال مارفل جذباً للجمهور، بعدما حقق «الرجل العنكبوت: يوم جديد» افتتاحاً قياسياً بإيرادات بلغت 168 مليون دولار في يومه الأول داخل أميركا الشمالية، مسجلاً أعلى إيراد لليوم الافتتاحي في تاريخ شباك التذاكر المحلي، مع توقعات بتجاوز 325 مليون دولار خلال عطلة نهاية الأسبوع الأولى، في انطلاقة تعكس استمرار الحضور الجماهيري للشخصية، حتى مع انتقالها إلى مرحلة مختلفة على مستوى السرد.

ومع نهاية الفيلم التي تترك الباب مفتوحاً أمام فصل جديد، تبدو سلسلة سبايدرمان كأنها تدخل مرحلة مختلفة؛ مرحلة تراهن على تطور الشخصية قبل أي شيء آخر. وإذا واصل صناع السلسلة البناء على هذا المسار، فإن سبايدرمان يملك فرصة حقيقية لتجديد نفسه مرة أخرى، من دون أن يفقد روحه التي جعلته من أكثر أبطال مارفل شعبية وتأثيراً.


مقالات ذات صلة

«امرأة مجهولة»... ماضٍ يطارد امرأة عند عتبة حياة جديدة

يوميات الشرق رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)

«امرأة مجهولة»... ماضٍ يطارد امرأة عند عتبة حياة جديدة

لا تمنح مي الطوخي بطلتها العذر وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى منح جميع الدنماركيات اللواتي أقمن علاقات مع جنود وضباط نازيين ذلك العذر.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق المخرج البرتغالي إدغار بيرا (الشركة المنتجة)

إدغار بيرا: الحرية هي القضية التي تشغلني في كل أفلامي

قال المخرج البرتغالي إدغار بيرا إن فيلمه «حرب العصابات على الأسفلت» رحلة عبر 4 عقود، تطرح أسئلة عن الحاضر والمستقبل من خلال السينما.

أحمد عدلي (القاهرة)
ثقافة وفنون «أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

ظهرت فكرة كتاب «أفلام غير مشاهدة بدقة»، الصادر عن دار «ديوان» بالقاهرة بصفتها محاولة لتجاوز الإحباط الناتج من إدراك الطبيعة المؤقتة والهشة للنشر الرقمي

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق فريق فيلم «نازا» خلال جلسة تصوير في مهرجان فينيسيا السينمائي (رويترز)

فيلمان إسرائيليان... فلسطين بين التوثيق والتغييب

استند «نازا» إلى مقابلات أُجريت على أسطح المباني مع جنود إسرائيليين شاركوا في الحرب، وكشفوا آليات عمل القيادة العسكرية.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق نجمة البوب ليدي غاغا في هوليوود (أ.ف.ب)

ليدي غاغا تستقبل مولودها الأول

أفادت وسائل إعلام أميركية بأن نجمة البوب ليدي غاغا رزقت بمولودها الأول من خطيبها مايكل بولانسكي.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس (الولايات المتحدة))

أعمال ترميم قصر باكنغهام تكشف كنزاً يعود إلى القرن التاسع عشر

عُثر على مقتنيات تعود إلى القرن التاسع عشر في قصر باكنغهام (أ.ب)
عُثر على مقتنيات تعود إلى القرن التاسع عشر في قصر باكنغهام (أ.ب)
TT

أعمال ترميم قصر باكنغهام تكشف كنزاً يعود إلى القرن التاسع عشر

عُثر على مقتنيات تعود إلى القرن التاسع عشر في قصر باكنغهام (أ.ب)
عُثر على مقتنيات تعود إلى القرن التاسع عشر في قصر باكنغهام (أ.ب)

كشفت أعمال الترميم الجارية في قصر باكنغهام عن مجموعة من المقتنيات اليومية التي يعود تاريخ بعضها إلى ما يقرب من 140 عاماً، مِن بينها حذاءان قديمان مهترئان مزوّدان بمسامير معدنية، وقصاصة من صحيفة تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وفقاً لـ«بي بي سي» البريطانية.

ويُعتقد أن هذه المقتنيات تعود إلى موظفين كانوا يعملون في القصر قبل عقود، وقد عثر عليها عمال الترميم المشاركون في مشروع إعادة تأهيل المبنى، الذي تبلغ تكلفته 369 مليون جنيه إسترليني.

ومِن بين الاكتشافات تذكرة لحفل لعبة «الويست» (Whist Drive)، وهي لعبة ورق كان القصر قد استضاف فعالية لها في 14 أبريل (نيسان) 1949. وعُثر على التذكرة عالقة داخل كتلة من الطوب.

كما عثر العمال تحت ألواح الأرضية على عدد من قسائم المراهنات، وزجاجة من مياه «شويبِس ستيل مالفرن» المعدنية الإنجليزية، وعلبة سجائر فارغة من نوع «سيلك كت»، إضافة إلى مقال صحافي يتناول أفراد العصابة الذين أُودعوا السجن على خلفية عملية السطو الكبرى على قطار البريد في عام 1963.

ويخضع المقر الملكي في لندن لخطةِ ترميم تمتد إلى 10 سنوات، وتُموَّل من خلال زيادة مؤقتة في المنحة السيادية التي تُخصص لتمويل المهام الرسمية لأفراد العائلة المالكة. ومن المقرر أن تنتهي أعمال المشروع في مارس (آذار) المقبل.

وتشمل أعمال الترميم استبدال كابلات وأسلاك وأنابيب من الرصاص ومراجل قديمة، وذلك للمرة الأولى منذ نحو 60 عاماً في كثير من الحالات، في ظل مخاوف من مخاطر اندلاع حرائق أو حدوث أضرار ناجمة عن تسرب المياه.

وظل عدد من هذه المقتنيات مخفيّاً، طوال عقود، داخل البنية التحتية للمبنى، إلى أن كشفت عنها أعمال الترميم الحالية.

ومِن بين المكتشفات أيضاً جدول مطبوع على الآلة الكاتبة يتضمن تفاصيل خطط الملكة إليزابيث الثانية لاستضافة حفل استقبال دبلوماسي في عام 1977، الذي شهد احتفالات اليوبيل الفضي لجلوسها على العرش.

ووفقاً للورقة المطبوعة يدوياً، كان على المساعدين تشجيع الضيوف البريطانيين البالغ عددهم 350 ضيفاً على الاختلاط بالدبلوماسيين في هذا التجمع السنوي الأنيق الذي يتسم بارتداء ربطات العنق البيضاء والتيجان. كما نصت الورقة على حظر التدخين في بعض الغرف الرسمية، وأن حفل الاستقبال سيلتزم بجدول زمني محدد. ومن بين الموجودات الأخرى، قطعة من بلاط سيراميك مينتون المزخرف من موقد مدفأة يعود تصميمها إلى منتصف القرن التاسع عشر تقريباً، وإبريق من البيوتر عتيق، وزجاجة مياه معدنية من نوع شويبس مالفرن الإنجليزية، وصندوق توصيل خشبي، وصندوق باهت يحتوي على ست بطاقات معايدة بمناسبة عيد الميلاد.


«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

TT

«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

أجاثا كريستي تحتسي الشاي على شرفة المدرسة البريطانية لعلوم الآثار في بغداد خلال الخمسينيات (فيسبوك)
أجاثا كريستي تحتسي الشاي على شرفة المدرسة البريطانية لعلوم الآثار في بغداد خلال الخمسينيات (فيسبوك)

مَن يقرأ روايات أجاثا كريستي المنغمسة في عالم الجريمة الغامضة، يتصوّر كاتبةً مسنّة جالسةً خلف مكتبٍ خشبيّ داخل غرفةٍ معتمة، وأنها نادراً ما تتحرّك من مكانها. لكنّ سيرتها التي لا يعرفها كثيرون تقول خلاف ذلك.

أمضت كريستي حياةً شبيهةً بيوميات الرحّالة، فاستوحت معظم رواياتها الـ72 من أسفارها حول العالم. وكان للبلاد العربية الأثرُ الأكبر على الأديبة التي تنقّلت بين مصر، والعراق، وبلاد الشام. غالباً ما تنقّلت في رحلاتها تلك على متن «قطار الشرق السريع»، الذي تحوَّل إطاراً لأشهر رواياتها على الإطلاق «جريمة في قطار الشرق السريع».

أجاثا كريستي في مصر عام 1931 (المتحف البريطاني)

مصر البداية

رحلتُها الأولى صوب المَشرق كانت إلى مصر في شتاء عام 1907. في الـ17 من عمرها، قررت السفر وأمَها المريضة من إنجلترا الباردة إلى دفء القاهرة حيث نزلتا في فندق «الجزيرة بالاس»، وأمضتا هناك 3 أشهر.

خلال إقامتها في العاصمة المصرية، شاركت كريستي بكثافة في المناسبات الاجتماعية فشوهدت في السهرات الراقصة ومباريات البولو. وبرفقة والدتها كلاريسا، زارت أهرام الجيزة ومواقع أثريّة أخرى.

يوم عادت إلى بريطانيا، بقيت صور القاهرة ومغامراتها هناك محفورةً في بالها، وهي ألهمَت تجربتها الروائية الأولى «ثلجٌ على الصحراء» التي لم تبصر النور.

فندق «الجزيرة بالاس» في القاهرة حيث أقامت كريستي ووالدتها ما بين 1907 و1908 (فيسبوك)

حبٌ على ضفاف دجلة والفرات

قبل الانغماس في الحِبرٍ من جديد، أخذت الحياة أجاثا كريستي في اتّجاهٍ مختلف. متأثّرةً بزوجها الأول الذي كان عقيداً مقاتلاً في الحرب العالمية الأولى، تطوّعت لتصبح ممرضة محترفة. لكن لم يُكتَب لزواجهما أن يستمر ولا لمهنة التمريض. بعد طلاقٍ عاصف عام 1928، توجّهت مباشرةً وابنتها الوحيدة روزاليند إلى بغداد عبر إسطنبول بواسطة «قطار الشرق السريع - أورينت إكسبرس»، الذي ألهمَ لاحقاً أشهرَ رواياتها على الإطلاق.

كان العراق المحطة العربية الثانية لمَن لُقّبت بـ«ملكة الجريمة». دعاها إلى هناك عالم الآثار ليونارد وولي وزوجته اللذان عادا وجدّدا الدعوة عام 1930، طالبَين إلى كريستي مرافقتهما في رحلة تنقيب إلى مدينة أور التاريخية في ولاية ذي قار جنوبي البلاد. هناك التقَت بمَن سيصبح حبّ حياتها وشريكها حتى الممات، عالم الآثار ماكس مالوان، والذي كان يصغرها بـ14 سنة.

كريستي وزوجها الثاني عالم الآثار ماكس مالوان (فيسبوك)

أجاثا كريستي في العراق

على خطى زوجها الثاني، سارت أجاثا كريستي. رافقته في كل رحلاته إلى الشرق الأوسط، حيث مكثت في الخيام أحياناً خلال مهامّ التنقيب عن الآثار. انخرطت هي أيضاً في المجال فأوكلت إليها وظيفة تصوير الموجودات الأثريّة، إلى جانب السهر على راحة المنقّبين وتأمين الطعام لهم.

ما بين 1930 و1939، ولاحقاً ما بين 1949 و1958، تعدّدت رحلات كريستي إلى العراق حيث أقامت لفترات طويلة. سُجّلت إحدى أولى مغامراتها هناك في محافظة نينوى حيث شهدت على اكتشافاتٍ أثريّة مهمة في مدينة نمرود الآشوريّة. حتى عام 2014، كان البيت الطينيّ الصغير الذي قطنت فيه لا يزال شاهداً على ذكرياتها هناك، قبل أن يتهدّم بفعل الحرب. إلّا أنّ كتاب مذكّراتها يستحضر إقامتها في نمرود: «كان نهر دجلة على بُعد كيلومتر ونصف فقط، وعلى التل العظيم للأكروبوليس، برزت رؤوس حجرية آشورية ضخمة من الأرض. لقد كانت منطقة خلابة، هادئة، ورومانسية، غنية بالتاريخ».

أجاثا كريستي في نمرود العراقية حيث كانت تصوّر الآثار (إكس)

أما في بغداد، فأقامت الروائية البريطانية وزوجها في حيّ كرادة مريم التاريخي. على ضفاف دجلة، وفي بيتٍ ملأته بالتُحَف والسجّاد، وجدت ما يكفي من إلهامٍ لتأليف عددٍ من أعمالها. ولعلّ رواية «موعد في بغداد» الصادرة عام 1951 هي بمثابة تكريمٍ للعاصمة العراقية، حيث تدور أحداثها الغامضة وسط صخب شوارعها وبين آثارها القديمة.

أول انطباع تركته فيها بغداد يوم زارتها عام 1928 دوّنته كريستي في سيرتها الذاتية، حيث قالت: «في الأفق، على اليسار، رأينا القباب الذهبية للكاظمين، ثم عبرنا جسراً آخر من القوارب، فوق نهر دجلة. هكذا اتّجهنا إلى بغداد، على طول شارع مليء بالمباني المتداعية، مع مسجد جميل ذي قباب فيروزية يقف، كما بدا لي، في منتصف الشارع».

كريستي خلال عمليات التنقيب عن الآثار في العراق (فيسبوك)

من حبّ النيل ما قتل

إذا كان العراق قد ألهمَ عدداً من روايات كريستي، فإنّ مصر فعلت فعلها كذلك. ولعلّ أشهرَ تلك الحكايات «موت فوق النيل»، المستوحاة من رحلةٍ قامت بها في الباخرة «سودان» البخاريّة والتي تُبحِر ما بين أسوان والأقصر منذ 1885 حتى اليوم، من دون أي جرائم سُجّلت على متنها، باستثناء تلك التي اخترعتها كريستي.

إلى جانب زوجها، عادت وزارت مصر بشكلٍ متكرر في الثلاثينيات وتنقّلت بين محافظاتها خلال عمليات التنقيب. في إحدى مقابلاتها الصحافية النادرة، تحدّثت عام 1969 عن مغامراتها المصريّة إلى الصحافية مارسيل بيرنستاين. استذكرت كريستي وهي كانت قد بلغت الـثمانين من العمر، السوق القديمة حيث كانت تشتري السجّاد والقناديل واللوحات. حتى أنها ابتاعت آلتها الكاتبة من مصر.

على تلك الآلة، ومن غرفها في فندقَي «ونتر بالاس الأقصر» و«أولد كاتاراكت أسوان» حيث ما زالت طاولتها وكرسيّها معروضَين، كتبت مجموعة من الروايات المقتبسة من سحر المكان.

رواية «موت فوق النيل» التي استوحتها كريستي من إقامتها الطويلة في مصر (فيسبوك)

أجاثا كريستي من سوريا ولبنان إلى فلسطين والأردن

أمضت الكاتبة البريطانية وقتاً طويلاً في سوريا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، عندما كان زوجها وزملاؤه علماء الآثار يقومون بأعمال تنقيب في منطقة الجزيرة. مكثت في فندق «بارون» التاريخي في حلب، كما زارت تَدمُر التي تصِفُها بإحساسٍ عالٍ في مذكّراتها: «أعتقد أن هذا هو سحر تدمر... جمالها الرشيق ذو اللون الكريمي الذي يرتفع بشكلٍ خيالي وسط الرمال الساخنة. جمالها يفوق الواقع، بكل ما تحمله من خيالٍ مسرحي لا يُصدق، كالحلم. ساحات ومعابد وأعمدة مُهدمة... لطالما كانت بالنسبة لي أشبه بحلم...».

كريستي مع زوجها خلال رحلة تنقيب في سوريا (فيسبوك)

كان لأجاثا كريستي مرورٌ في لبنان كذلك، فهي زارت قلعة بعلبك الأثريّة ومكثت في فندق «بالميرا» التاريخي، حيث لا يزال توقيعها محفوظاً في كتاب الزوّار.

عام 1933، عبرت في فلسطين حيث زارت القدس. وعندما زارت آثار بترا في الأردن، حضر فوراً طيف بطلها الشهير المحقق «هرقل بوارو». متأثّرةً بدراماتيكيّة المكان، بدأت كريستي تخطّ روايتها «موعد مع الموت». عبرت مضيق السيق وشاهدت الخزنة ثم سلكت الدروب المؤدية إلى مواقع القرابين المرتفعة.

استحضرت تلك التفاصيل الجغرافية كلها في روايتها، حيث تزور الشخصيات مدينة البتراء خلال جولة سياحية في الشرق الأوسط. تُقتل امرأة متسلطة وقاسية بين المقابر والآثار القديمة المنحوتة في الصخر، فيظهر بوارو ليكشف هوية مرتكب الجريمة من بين أفراد المجموعة السياحية.

استوحت كريستي رواية «موعد مع الموت» من رحلتها إلى بترا في الأردن (رويترز)

روايات ألهمتها أسفار كريستي العربية

- مصر: «موت فوق النيل» و«في النهاية يأتي الموت».

- العراق: «جريمة في بلاد الرافدَين» و«موعد في بغداد».

- الأردن: «موعد مع الموت».

- سائر الرحلات العربية: «جريمة في قطار الشرق السريع»، وكتاب المذكّرات «تعال، أخبرني كيف تعيش».


وزير إسرائيلي يتعهد بتجريد صانعي فيلم «نازا» من الجنسية

يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)
يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)
TT

وزير إسرائيلي يتعهد بتجريد صانعي فيلم «نازا» من الجنسية

يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)
يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)

هدد وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار بتجريد صانعي فيلم «نازا» يوفال أبراهام وراشيل تسور من جنسيتهما.

وفاز الثنائي بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي يوم السبت عن فيلمهما الوثائقي الذي يتناول الضربات الجوية الإسرائيلية التي أدت إلى مقتل مدنيين فلسطينيين في غزة، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي فيلم «نازا»، يعرض الثنائي مقابلات مع 24 من عناصر الاستخبارات الإسرائيلية مجهولي الهوية الذين يقدمون رؤى تفصيلية حول عملياتهم. وتم إجراء المقابلات معهم ليلاً على أسطح المنازل في تل أبيب.

وكلمة «نازا» هي اختصار لعبارة باللغة العبرية يقال إنها تستخدم لحساب عدد المدنيين المقدر مقتلهم في ضربة عسكرية.

وقال زوهار إن أبراهام وتسور كانا مستعدين «للإضرار بوطنهما من أجل الحصول على التقييم والتصفيق من معادين للسامية حول العالم».

وكتب زوهار على منصة «إكس»: «سأعمل على الفور لنزع الجنسية الإسرائيلية عن هذين المبدعين الحقيرين بتهمة الخيانة العظمى ضد الدولة».

كما لجأ وزير الأمن القومي من اليمين المتطرف إيتمار بن غفير إلى منصة «إكس»، واصفاً الثنائي بأنهما «عار وإحراج» لإسرائيل.

وقال: «أنا متأكد من أن أصدقاءكما، أي أعداؤنا (حماس) في غزة، سيرحبون بكما بذراعين مفتوحتين».

ورفض الجيش الإسرائيلي الادعاءات الواردة في الفيلم. واتهم متحدث باسم الجيش، في رده على الفيلم، حركة «حماس» بإدراج البنية التحتية العسكرية بشكل متعمد داخل المناطق المدنية.

وأسفرت الحملة الإسرائيلية في غزة التي انطلقت إثر هجوم «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن مقتل أكثر من 73500 فلسطيني وإصابة أكثر من 174 ألفاً، بحسب أرقام وزارة الصحة في غزة وتعتبرها الأمم المتحدة موثوقاً بها.

ويتطرق الفيلم أيضاً إلى هجمات «حماس» في 7 أكتوبر 2023، التي أسفرت عن مقتل نحو 1200 شخص في إسرائيل، وأدت إلى ضربات جوية إسرائيلية دمرت معظم أرجاء غزة.