جنسنا البشري عاش عبر العصور قافزاً من حرب إلى حرب

في القصر الذي شهد سقوط لويس السادس عشر وماري أنطوانيت

دروع...ودروع
دروع...ودروع
TT

جنسنا البشري عاش عبر العصور قافزاً من حرب إلى حرب

دروع...ودروع
دروع...ودروع

إذا نظرنا إلى الأشياء في منظور تاريخي، لتعذَّر الوصول إلى أحكام سهلة بالإدانة. حَدَثُ اليوم سيكون له معنى آخر بعد مائة سنة أو مائتين، وما حدث منذ مائتي عام لم يكن مفهوماً لدى معاصريه كما نفهمه اليوم. لم تكن الصورة مكتملة. لم يكن السياق الزمني المستقبلي موجوداً. نحن في أي لحظة قد نفهم كيف أدَّت اللحظات أو القرون السابقة إلى اللحظة التي نعيشها، ولكننا محرومون من أن نرى فعل لحظتنا الراهنة فيما يليها من لحظات أو أعوام أو قرون.

هكذا وجدت نفسي أفكر أثناء زيارة قمت بها إلى قصر فرساي وضياعه على أطراف باريس. هذا هو القصر الذي بناه لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر، والذي شهد سقوط لويس السادس عشر وماري أنطوانيت إبان الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. هذا هو القصر الذي هاجمه «رعاع» باريس مطالبين بالخبز فتساءلت ماري أنطوانيت لماذا لا يأكلون «البريوش» (نوع راقٍ من الخبز يُصنع بالزبد). أو هكذا تقول القصة الشائعة، التي ربما اخترعت للتدليل على مدى جهل الطبقة الحاكمة بمعاناة عامة الناس. لا يحتاج أحدٌ للتدليل على ظلم الملوك آنذاك ومساوئ النظام الإقطاعي ونهب الحاكمين عبر العصور لجهد المحكومين، وليس قصر فرساي وحدائقه الشاسعة وتحفه وتماثيله ولوحاته وأثاثه هو وغيره من مئات القصور والضياع التي تملكتها الطبقة الأرستقراطية إلا برهاناً باقياً على ظلم تلك الطبقة التي عاش رعاياها حياة ضنك وجوع ومرض.

هل كان مصمم هذا المدفع واعيا بالمفارقة الصارخة: آلة الموت والكراهية تُزيّن بتمثالين يمثلان فعل الحب والحياة؟

إلا أني أنظر اليوم إلى طوابير الدخول لزيارة القصر التي تمتد إلى عدة كيلومترات يومياً على مدار العام، وأفكر في الرسوم التي يدفعها هؤلاء الزوار القادمون من أرجاء الأرض جميعاً، وأتساءل ألم تُحصّل تكاليف بناء هذا القصر قبل ثلاثمائة عام عشرات المرات من ملايين زواره، ألم تنعش السياحة الفرنسية والاقتصاد الفرنسي على مرّ الزمان منذ انتقالها إلى أيدي الشعب؟ ألا يرتزق منه اليوم عشرات آلاف الفرنسيين العاملين فيه وفي غيره من صروح عهود الظلم البائدة؟ وعلى هذا النحو أليس «رعاع» اليوم مستفيدين من الظلم الذي وقع على جدودهم من ملوك الأمس وأرستقراطييه؟ ألا يمكن القول إن لويس الرابع عشر ومن خَلَفَه كانوا يبنون بدون أن يعلموا من أجل صالح المواطن الفرنسي المستقبلي؟

لست أحاول أن أبرر عصر الإقطاع والملكية المطلقة، لكني فقط أتعجب من مسار التاريخ بين اللحظة الراهنة، وتجلياتها بعد مرور الزمن. أتعجب من مقاصد الأفعال ونتائجها بعيدة المدى. وأتساءل حين نحاكم شخصية تاريخية أو عصراً كاملاً، هل نُدخل في حيثيات الحكم النتائج غير المقصودة لأعمالهم بعد زمانهم أم ننظر إلى أعمالهم في سياقها الزمني المباشر فقط؟ ليست الإجابة على هذا السؤال بالسهلة. وأسوأ القضاة هم قضاة الأحكام السريعة ذات النظرة الجزئية الموقوتة.

وأخيراً فقد وقفت في مخدع ماري أنطوانيت ورأيت الباب السري الذي هربت منه بعد أن اجتاح «الرعاع» أسوار القصر قبل أكثر من مائتي سنة. لم تكن تعلم لحظتها أن هروبها هو هروب لحظي، وأن المقصلة ستنال عنقها في نهاية الأمر. قدَّرتُ رعبها في تلك اللحظات وتعاطفت معها وليس مع «الرعاع» في لحظة انتصارهم. وفكرت أن «الرعاع» - وأنا منهم - لا يزالون ينتهكون خصوصيتها وحرمة خدرها بعد قرنين من الزمان كل يوم. كان نصرهم باقياً وهزيمتها نهائية.

جاءت زيارتي الباريسية التالية وكأنها استمرار للأفكار العنيفة التي تداعت من ذكرى الثورة الفرنسية في فرساي. كان ذلك في المتحف العسكري أو «متحف الجيش» الفرنسي كما يُسمّى، والقائم ضمن مجمع مباني «الأنفاليد» (les invalides) في باريس، ومعنى اسمه «المعاقون»، وهو في الأصل مَشْفَى هائل أقامه لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر من أجل العناية بالمحاربين القدماء. يركز المتحف على الأسلحة من أواخر العصور الوسطى فصاعداً حتى الحربين الكبيرتين. رأيت كماً هائلاً من السيوف والخناجر والحراب والرماح والنبال والبُلط والبنادق والمدافع والخوذات والدروع للبشر وللخيل وغيرها من وسائل القتل والاحتماء من القتل مما لا أعرف اسمه ويصعُب وصفه. لشدَّ ما تفنّنا – ولا نزال – في سبل القتل.

منذ التقط قابيل ذلك الحجر التعس وهشّم به رأس أخيه - كما تقول القصص الدينية - بَنَى جنسُنا الكثيرَ على تلك الخبرة البدائية الأولى وقطع أشواطاً بعيدة في تطوير أساليب القتل الفردي والجماعي، وطوّع مهاراته اليدوية والذهنية والتقنية لتكريس هذا «الفن» التليد. الأسلحة المعروضة هي أسلحة مستعملة ذات تاريخ معلوم أو مجهول. بعضها أسلحة ملوك لكن أكثرها أسلحة محاربين عاديين. رأيت عدداً هائلاً من السيوف، بعضها محتفظ «برونقه»، ولكن البعض الآخر انطفأ بريقه وصدأ وثلُم نصله. كنت أتأمل طويلاً في سيف أو آخر حتى أكاد أرى الدم القديم يسيل منه مجدداً، وأتساءل ترى كم رأساً شجَّ؟ كم عنقاً أطار؟ كم صدراً اخترق؟ كم ظهراً فصم؟ كم ذراعاً أو ساقاً بتر في تاريخه الحربي «المجيد»؟ كم امرأة رمّل؟ وكم أماً ثكل؟ وكم طفلاً يتّم؟ ترى هل كان تقتيله في مواجهات الجيوش في ساحة الحرب فقط؟ أم أنه عرف فتح المدن وقتل النساء والأطفال والشيوخ؟ ترى كم يداً قَتلتْ بهذا السيف؟ هل أحيل للاستداع بعد مقتل صاحبه أو موته بشكل أو آخر؟ أم تُورث أباً عن جد، مسيلاً دماءً جديدة في كل جيل؟

لم أرَ في ذلك المتحف حديداً في دواليب زجاجية، وإنما خضت في دماء وأشلاء، وسمعت صراخاً ونحيباً، وشهدت ذعراً ورعباً، وبكاء وألماً، وجثثاً كثيرة، كثيرة، تنطق بقسوة الإنسان وحماقته، وكأن الموت لا يعرف كيف يدركنا في كل حال، فقضينا القرون نعلمه كيف يعجّل إلينا، وكيف يقبضنا جماعات لا أفراداً، بغير حاجة لأن ينتظر الشيخوخة أو الأمراض والأوبئة والمجاعات والفيضانات والزلازل والبراكين والأعاصير، فهناك الحروب نقدمها له، تحصيلاً دون جهد.

جاءت زيارتي لباريس وكأنها استمرار للأفكار العنيفة التي تداعت من ذكرى الثورة الفرنسية في فرساي

ومن المفارقات التي يلاحظها المتأمل في متحف الأسلحة أن تفنن الإنسان في صنع أدوات القتل كان يعكس الفروق الطبقية الواضحة في تركيبة المجتمعات عبر العصور، التي لم تستثنِ أدوات القتل من مظاهر التمييز بين الثري والفقير، بين النبيل وابن العامّة، فالناس لا تتساوى في القتل وأدواته كما أنها لا تتساوى في أي أمر آخر. ومن هنا نجد السيوف والخناجر والغدّارات ذات المقابض الذهبية أو العاجية والمطعمة بأنواع الجواهر الكريمة، فالنبيل الثري لا بد أن يتأنق في القتل وأدواته كما يتأنق في طعامه ولباسه وسائر أشيائه، أما الفقير ابن الطبقات الدنيا، فيكفيه نصل من الحديد المسنون يؤدي الغرض. ومن المفارقات أيضاً التي لاحظتها أن صنّاع الموت وأدواته كانوا في تفننهم في تزيين بعض الأسلحة لا يقتصرون على الأسلحة الشخصية وإنما رأيت أيضاً مدافع هائلة الحجم مما يزن أطناناً ويعمل عليه فريق كامل من الجنود لتحريكه وتشغيله وقد زيَّنت - عند نهاية الماسورة في الموضع الذي أعتقد أن الجنود يدفعون منه المدفع عند تحريكه - بتمثالين لرجل وامرأة متعانقين يتبادلان قبلة. ترى هل كان مصمم هذا المدفع واعياً بالمفارقة الصارخة: آلة الموت والكراهية تُزيّن بتمثالين يمثلان فعل الحب والحياة؟ ترى هل أراد أن يُلهي الجنود عن حقيقة الموت الذي يصبّونه على الآخرين والذي ربما ينزل عليهم أيضاً من حيث لا يحتسبون؟ أم أنه أراد أن يذكرهم بالمسرّات التي تنتظرهم إن نجحوا في «القتل» كما يجب؟

جولة التأمل في تاريخ العنف هذه انتهت بمقعد أقل ما يُوصف به بأنه غير مريح ليس فقط كمقعد وإنما أيضاً بالتاريخ الدموي الكامن فيه! هو من معروضات «مركز جورج بومبيدو» في باريس ومن صنع نحّات موزامبيقي معاصر اسمه جونسالو مابوندا. المقعد المعدني مركّب من قطع سلاح جمعها مابوندا من مخلّفات الحرب الأهلية في بلده التي دامت 15 عاماً (1977 - 1992). قطعُ سلاحٍ أدى مهمته. قتل ويتّم ورمّل. قطّع الأوصال. نثر الأشلاء. اخترق الأدمغة والصدور والظهور. ثم انتهى «خُردَة» في يد فنّان ركّبَ من قطعه هذه المعروضة الفريدة ضمن صالة مخصصة لمخلفات الحرب وآثارها على الناس. عاش جنسنا البشري عبر العصور، قافزاً من حرب إلى حرب. فكأن هذا الكرسي المدجج بالسلاح، هذا الكرسي الذي كله سلاح، كأنه يرمز للإنسان الذي أنفق عصور بدائيته وحضارته وحتى اليوم «جالساً على برميل بارود». إلا أن الكرسي المعروض خالٍ. لا أحد يجلس عليه. فهل هو نبوءة بفناء الإنسان بحماقته، فلا يبقى بعده إلا مخلفات سلاحه وحروبه؟


مقالات ذات صلة

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

ثقافة وفنون مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية…

د. مبارك الخالدي
ثقافة وفنون أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»،

عمر شهريار
ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
TT

«البينيلوبياد»... أو «الأوديسة» من العالم السفلي

مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد
مشهد من شنق الخادمات في مسرحية البينيلوبياد

يدخل القارئ العالم التخييلي الذي أبدعته مارغريت أتوود في «البينيلوبياد، 2005» ليجد نفسه في مواجهة مع المألوف وغير المألوف، مع ما لم يشاهده في الأفلام المبنية على أوديسة هوميروس وآخرها فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة 2026»، أو لم يقرأه في أي فصل من فصولها، أو مع مثل ما يقع عليه بصره في الفصل الخامس والعشرين على سبيل المثال: «قررتُ أن أجعله يذوق طعم الانتظار؛ أما أنا فقد انتظرت انتظاراً طويلاً بما فيه الكفاية. وأيضاً لأنني أحتاج بعض الوقت كي أخفي مشاعري الحقيقية التي أثارها الشنق المحزن لخادماتي الشابات الاثنتي عشرة... لذا لما دلفت إلى القاعة ولمحته جالساً هناك، لم أنبس بكلمة. ولم يفوّت تيليماخوس الفرصة لتوبيخي لأنني لم أكترث لاستقبال أبيه بدفءٍ كاف... الأب والابن يتَّحدان ضدي... ديكان يسيطران على حظيرة دجاج».

مذبحة الخُطّاب والخادمات

تلك كانت بينيلوبي، دون أي شكل من أشكال التوسط السردي بينها والقارئ، تحكي عن مجيئها إلى القاعة بعد أن أيقظتها الخادمة العجوز يوريكليا، لتخبرها أن المتسول العجوز ذا الملبس البالي هو أوديسيوس، وأنه قضى على الخُطّاب كلهم، ولم يكتف بذلك؛ بل أمر تليماخوس بقتل خادماتها الاثنتي عشرة وأولهن المفضلة ميلانثو ذات الخدود الجميلة، وأنهما، الأب وابنه، ينتظرانها في القاعة بعد أن نظفتها الخادمات وأزلْنَ منها الجثث والدماء قبل أن يعلق تليماخوس أعناقهن بحبل المشنقة.

لكن ما لا تعرفه يوريكليا، ويتفوق عليها القارئ بمعرفته فيما يشكل مفارقة درامية (dramatic irony)، هو أن نظرات بينيلوبي انسربت خلال نسيج أسمال المتسول العجوز لتكتشف حقيقته وهويته. لكنها فضلت التظاهر بأنها لم تتعرف عليه: «حالما رأيت ذلك الصدر الذي كالبرميل، وتلك الساقين القصيرتين، راودني شك عميق، سرعان ما تحول إلى يقين عندما سمعت أنه كسر عنق متسوّلٍ عدواني... وأخفيت أنني عرفت مخافة أن يشكل اعترافي خطراً عليه». تخفي بينيلوبي الحقيقة عن أوديسيوس؛ لأنها لم ترد حرمانه من فرصة للافتخار بقدرته ومهارته على التنكر. فمن الحماقة دائماً، تقول: «أن تقف... امرأة بين رجلٍ وانعكاس ذكائه». ومن المؤكد أن يدرك القارئ أن بينيلوبي تتساوى مع زوجها وابنها في السيطرة على المشهد المسرود في الاقتباس في بداية المقالة. فإذا كان الأب والابن مسيطرين في الموقف الذي استرجعته من ذاكرتها من العالم التخييلي في «الأوديسة»، فإنها، وعلى النقيض منهما، تمسك بزمام الهيمنة على مستوى الخطاب لكونها الساردة والمبئرة في «البينيلوبياد»، أو بتعبير آخر، السارد الأول، ومن منظورها يرى ويسمع ويلمس القارئ كل الأحداث والأشياء والشخصيات الأخرى. وفي المشهد السابق، يظهر الأب وابنه صامتين؛ لأنها لم تمنحهما فرصة للكلام، حتى ولو عبَرها بوصفها وسيطاً. إنها تقدم تمثيلاً/صورة لهما، وهما مجردان من القدرة على تمثيل نفسيهما. وليس لديهما وسيلة لدفع تهمة اتحادهما ضدها. لقد فرضت عليهما حالة الخرس. وهذا ما يجعل تمثيلها لهما عرضة للشك في موثوقيته؛ إذ لا يتضمن المشهد ما يوحي باتحادهما أو تآمرهما عليها سوى وقوفهما بجانب بعض ينتظران قدومها لتشاهد المكان وقد خلا من الخُطّاب.

مارغريت أتوود

صوت الخادمات المقتولات

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية؛ الصوت الذي حُرِمْنَ منه عبر التاريخ في كل الحكايات التي نُسِجت وتمحورت حول أوديسيوس، الشفاهية منها والمكتوبة والمرئية والمسموعة، بيد أنه الصوت الواحد المعبر عن الكل، صوت الجوقة المستعار من المسرح الإغريقي. فالخطاب السردي في الرواية يتشكل من حكاية/مونولوغ بينيلوبي، ومن حكاية الخادمات مروية من وجهة نظرهن. تقول أتوود في تقديمها للرواية: «اخترت أن أُسند حكي القصة إلى بينيلوبي وإلى الخادمات الاثنتي عشرة اللاتي شُنِقن. وتشكل الخادمات جوقةً تُنشد وتغني، وتتمحور حول سؤالين لا بد أن يطرحا نفسيهما بعد أي قراءة متأنية لـ(الأوديسة): ما الذي أدى إلى شنق الخادمات؟ وما الذي كانت بينيلوبي تفعله حقاً؟ إن القصة كما رُويت في (الأوديسة) لا تبدو مقنعة؛ فهناك الكثير من التناقضات. لطالما ظلّت الخادمات المشنوقات يطاردْنَ مخيلتي؛ وفي «البينيلوبياد» تطارد بينيلوبي نفسها أيضاً».

الجوقة صوت يأتي من الهامش، ومن وظائفه تعرية التمييز الطبقي في عالم الأوديسة التخييلي، وفي عالم البينيلوبياد أيضاً؛ فالسبب الأول لقتلهن شنقاً هو نزعة بينيلوبي المكافيللية، فهن في نظرها لسْنَ سوى خادمات مستَعْبَدات تستغلهن وتستخدمهن في تحقيق غاياتها، بغض النظر عما قد يتعرضن له من ضرر وأذى. فمن أجل معرفة ما يدور بين الخُطَّاب وما يخططون له، تعترف بينيلوبي وهي تروي حكايتها من العالم السفلي بعد موتها بأنها شجعت خادماتها على الاختلاط بالخُطّاب، والتقرب منهم، والتودد إليهم ومغازلتهم: «لا بأس»، قلتُ لهن: «عليكن التظاهر بالوقوع في حب هؤلاء الرجال. فإذا ظنّوا أنكن قد انضممتن إلى صفّهم، فسوف يبوحون بأسرارهم، وسنعرف خططهم. إنها إحدى الطرق لخدمة سيِّدكن، سيكون مسروراً جداً منكن عندما يعود...».

المفارقة أن سيدهن العائد لم يُسَر بفعلهن، بل ساءه وأغضبه ما سمع عنهن، لذلك لم يتردد لحظة في التخلص منهن بالقتل، مساوياً بذلك بين من اغْتُصبن ومن وقعن في غرام بعض الخُطّاب فَأَسْلمْنَ أجسادهن إليهم. واللافت أنهن لم يقتلن بسبب الاغتصاب أو نومهن طواعية مع الخُطّاب، إنما لأنهن لم يستأذِنَّ من أوديسيوس نفسه. فوفقاً لقانون زيوس أو قانون زينيا (Xenia Law)، من طقوس الضيافة الترفيه عن الضيف، ومن أنواع الترفيه نوم الضيف مع إحدى الخادمات، خاصة في القصور والبيوت الكبيرة شرط موافقة المضيف. وهذا ما لم يحدث في حالة نوم الخادمات مع الخُطّاب الذين كانوا يعدون ضيوفاً رغم انتهاكهم آداب الضيافة وواجب احترام المضيف حتى في غيابه.

غلاف البينيلوبياد

باروديا ما بعد حداثية

«البينيلوبياد» إعادة كتابة نقدية مضادة لـ«الأوديسة»، باروديا (محاكاة) ما بعد حداثية معاصرة. تقلب فيها مارغريت أتوود نص هوميروس رأساً على عقب، تفككه وتعيد بناءه، مستعينة بمصادر أخرى للحكايات والأساطير اليونانية مثل كتاب «الأساطير الإغريقية» لــــــروبرت غريفز.

يتكئ مشروع أتوود، بشكل رئيس، على خلق بينيلوبي من جديد، عبر إحداث تغيير في بنية شخصيتها؛ وكذلك على إزاحة أوديسيوس من مركز المتن إلى الهامش، وموضعة بينيلوبي في المركز ساردة ومبئرة تحكي الحكاية من وجهة نظرها. إن بينيلوبي أتوود «الما بعد حداثية» ليست بينيلوبي هوميروس، فلم تعد بينيلوبي التي تمثل قيم الوفاء والإخلاص والصبر فقط. إنها بينيلوبي التي تضيق ذرعاً بقيود المرأة المثال والنموذج. وترفض صورتها المثالية، تلك العصا عابرة الأزمنة والأمكنة، التي تُضْربُ بها النساء لكي يقتدين بها. تقول متسائلة: «وماذا أصبحتُ بعدما ترسّخت النسخة الرسمية؟ أسطورةً وعظية. وعصاً تُستخدم لضرب النساء الأخريات. لماذا لم يكن بوسعهن أن يكنّ على القدر نفسه من المراعاة، والجدارة بالثقة، والقدرة على تحمّل كل شيء، كما كنتُ أنا؟».

بينيلوبي أتودد لا تتردد عن الكذب والخداع، وإظهار خلاف ما تبطن، ميكافيللية، تحقد على ابنة عمها هيلين وتغار منها. ولا تتورع، باعترافها، عن مغازلة بعض الخُطّاب، وتبادل الرسائل معهم، لغاية اتقاء شرهم، كما تقول، أو للحصول على الهدايا منهم تعويضاً عما يستهلكونه من أكل وشراب في قصر أوديسيوس كما تدعي. بعدما تتحرر من قالب الصورة المثالية، تصبح بينيلوبي على شبه كبير بأوديسيوس الذي تصفه بالكذاب والمحتال. وتمضي أتودد في تقويضها لنص هوميروس عبر احتجاج الجوقة ضد إعدامهن ظلماً وعدواناً، وتقويضهن حكاية بينيلوبي بمقاطعتها والتعليق عليها، وفضح أسرار بينيلوبي، وتسليط الضوء على ظاهرة الكيل بمكيالين في الأساطير البطولية الذكورية، بالإضافة إلى اتهام أوديسيوس بالنفاق والقسوة. بهذا تُشكل تدخلات الجوقة حكايةً مضادةً لـ«الأوديسة» ولحكاية بينيلوبي معاً.

الإزاحة في بناء شخصية بينيلوبي

يسبق إزاحة أوديسيوس من المركز إلى الهامش، حدوثُ انزياح في بناء شخصية بينيلوبي، عبر انزياحات الأبعاد الثلاثة لشخصيتها. كل شخصية تخييلية تتألف من ثلاثة أبعاد حسب عالم السرد البلاغي جيمس فيلان في كتابه «قراءة الناس، قراءة الحبكات، 1989»: البعد المحاكاتي (mimetic dimension) يعني الشخصية بوصفها صورة لشخص محتمل الوجود؛ البعد الموضوعاتي ( thematic dimension) تمثيل الشخصية لأفكار وقيم ومعتقدات معينة؛ البعد التأليفي/التركيبي (synthetic dimension ) يعني الشخصية بوصفها عنصراً مصنوعاً داخل بنية النص. ترتبط الأبعاد الثلاثة بحالة انسجام داخل الشخصية، مع تفاوت المساحة التي يشغلها كل بعدٍ من جنس أو نص سردي إلى آخر. في «الأوديسة» مثلاً يطغى البعد الموضوعاتي في شخصية بينيلوبي على البعدين المحاكاتي والتركيبي، بينما يتراجع أمام «المحاكاتي» في «البينيلوبياد» حيث تظهر بينيلوبي صورةً لشخص محتمل. ويكون التركيبي البُعد الأكثر بروزاً في الميتاتخييل / الميتاقص.

* كاتب وناقد سعودي

تُقَيِّدُ أتوود هيمنة بينيلوبي الخطابية بمنح صوتٍ للخادمات المُسْتَغَلّات والمُهَمَّشَات في البداية والمشنوقات في النهاية


أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»
TT

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

أشباح الماضي تستيقظ في «البحث عن سعيد مهران»

تنسج رواية «البحث عن سعيد مهران»، للروائية المصرية الشابة إيمان أبو غزالة، منذ عنوانها، علاقة نصية وطيدة مع رواية نجيب محفوظ «اللص والكلاب»، إذ تعيد بطل الرواية المحفوظية إلى واجهة روايتها، ويتأكد هذا الحضور في الجملة التصديرية للرواية، التي تقول: «لن أنسى الماضي لسبب بسيط، هو أنه حاضر - لا ماضٍ - في نفسي» المقتبسة كذلك من رواية محفوظ نفسها. هذه الجملة التي يمكن فهمها بوصفها تعبيراً عن أبطال الرواية، وأثر الماضي الذي يظل يمارس حضوره في نفوسهم ويوجه اختياراتهم. كما يمكن فهمها بوصفها تعبِّر عن الروائية، التي تتعاطى مع موروث الرواية العربية بوصفه حاضراً وفاعلاً في مخيلتها، وفي بنائها لشخصياتها، فهي ليست منبتة عن هذا الموروث، الحاضر دوماً في نفسها.

الرواية صدرت في القاهرة عن «دار المحرر»، وتبدأ من نقطة تمثل ذروة الأحداث، بما تحمله من قدر كبير من الغرائبية، فأول جملة في النَّصِّ الروائي لها أهميتها الاستثنائية هنا، فهي التي ستوجه مسار الأحداث كلها، وتفتح مخزون الذكريات لدى كل شخوص الرواية: «تُقسم دميانة بالمسيح الحي أنها رأت سعيداً يخرج من قبره كمُخلِّص عاد من الموت ووجد قيامته، رسمت الصليب على صدرها، وأعادت القَسم، مؤكدة أنها لا تكذب». فالمحكي عنه هنا هو «سعيد الرفاعي مهران»، بطل الرواية، والمحكي لهما - عبر مكالمة هاتفية - هما ابنه، الذي يحمل اسم «سعيد» أيضاً، وابنته «نور»، ومَن تحكي هذا الحدث وتبلغهما به هي أمهما «حكيمة»، التي تطلب من ابنها أن يعود هو وأخته من العاصمة ليبحثا عن جثة أبيهما، والتوثق من حقيقة خروج الجثة من قبرها، خصوصاً بعد أن وجد أهل القرية القبر مفتوحاً بالفعل، ولا جثة فيه.

خروج الجثة من قبرها استعارة كبرى لعودة الماضي الذي يتوهم الجميع موته، وانكشاف الندوب والجروح التي توهَّم أصحابها أنها اندملت، لكنها حية وموجعة تحت جلودهم، وجميعهم ينزفون داخلياً في صمت. هذا الخروج المتخيل للجثة، الذي يقع في الوقت الحالي، يدفع الأحداث زمنياً إلى الماضي، فرغم أنَّ عودة الابنين إلى القرية للبحث، لم تستغرق فعلياً سوى أيام عدة، فإن تداعي الذكريات يعود بالزمن إلى حقبة الستينات، إلى أصل الندوب وسبب اللعنة التي حلت بالعائلة وأجيالها، وتاريخ حياة صاحب الجثة «سعيد»، وعلاقته بأبيه من جهة، ثم علاقته بابنه سعيد وابنته نور من جهة أخرى. وتعود الرواية إلى جذور الأزمة الضاغطة على الجميع، حين رُزق الفلاح البسيط «الرفاعي مهران» بمولود ذكر، كان يتمناه بعد إنجاب أكثر من فتاة، وعندما جاء هذا الابن أراد له الأب اسماً مميزاً، وكان قد رأى فيلم «اللص والكلاب»، وتعاطف مع بطله المظلوم «سعيد مهران»، فقرَّر أن يطلق على ابنه اسم «سعيد»، محبةً في ذلك البطل المعذب، وإنصافاً رمزياً له، لكنه بهذا التَّصرُّف العفوي أصاب ابنه بلعنة الشخصية واسمها، فصار بطل الرواية المحفوظية شبحاً يطارد البطل الحديث منذ طفولته، وتنمر الجميع عليه، واتهام زملاء الدراسة وأبناء القرية له بأنه سيكون لصاً مثل سميّه الروائي.

تبرز في الرواية فكرة الأشباح، وفق مفهومها التفكيكي لدى الناقد والفيلسوف الفرنسي، جاك ديريدا، بشكل شديد الإلحاح، بل إنها أشباح عدة، كل منها يضغط على الآخر ويوجهه.

لقد أصبح البطل «سعيد الرفاعي مهران» مسكوناً بشبح بطل «اللص والكلاب»، خصوصاً بعدما كبر وقرأ الرواية، وأصبح ناقماً على أبيه، الذي جعله عرضةً للتنمر والنبذ، لمجرد رغبة ذلك الأب في اختيار اسم موسيقي مميز، فتحوَّل إلى ناقم على الأب والأم والعالم، ويريد الانتقام من أبيه، متخذاً الطريق نفسه للبطل المحفوظي في الانتقام من ظالميه، حتى لو بدا أنه يحارب طواحين الهواء، فقرر أن يقضي على أراضي أبيه الزراعية، فكان على النقيض من أبيه الذي كان يعشق الزرع واللون الأخضر، فاقتلع الزرع وعمل على تبوير الأرض

هذا البطل المأزوم، المحكوم بشبح بطل الرواية المحفوظية، وبمنطق الكيد لأبيه والانتقام منه، قضى شبابه في صالات القمار وبيوت المتعة، واختار الغانية «حكيمة»، وتزوجها سراً دون علم أبيه، وأنجب منها فتاة أسماها «نور»، وذهب لأبيه في أواخر أيامه وفاجأه بزواجه هذا، وأخبره متحدياً: «أردتني أن أكون (سعيد مهران) وها أنا أسير على خطاه لأكون (سعيد مهران) في كل شيء، وقد بحثت عن غانية اسمها (نور) لأحقق كل ما دار في مخيلتك، لكنني لم أجد واحدة تحمل الاسم نفسه، فاخترت غانية تحمل أي اسم، لكنني عوضت الاسم بأن أطلقت على ابنتي الطفلة اسم (نور)، علها تعيد مسيرة بطلة الرواية والفيلم».

وبعد سنوات أنجب طفلاً، فأسماه «سعيد» أيضاً، ليعيد المأساة نفسها، فهو لم يكتفِ بالانتقام من أبيه، بل ينتقم من ابنه وابنته.

الابن والابنة، سعيد ونور، بدورهما عاشا محكومَين بشبح أبيهما نصف المجنون وأمهما الغانية السابقة. هذا الأب، نصف الجلاد ونصف الضحية، الذي عاش متخبطاً ومنتقماً من الجميع، عامل طفليه بعنف طيلة طفولتيهما، وكان يحبسهما لأيام في غرف مظلمة، بل إنه زوَّج ابنته «نور» من صديقه وزميله في الأماكن المشبوهة، نظير شراكة معه في بناء مصنع، فعاش الابن والابنة بمخزون من الكراهية تجاه هذا الأب السادي، وظلَّ شبحاً يؤرقهما رغم مغادرتهما القرية للأبد؛ الابنة بالزواج، والابن بالهرب والعمل بعيداً.

كان نبأ خروج الجثة من قبرها، واضطرار الابن والابنة للعودة للقرية شيئاً مفزعاً لهما، ينكأ جروح الماضي، فالأب شبح يرفض الموت، ويظل يطاردهما رغم موته منذ سنوات، ولم يعد فقط حاضراً بأثره السلبي عليهما، بل أصبح حاضراً بجثته الهائمة التي يبحثان عنها ليعيدا دفنها، لعلهما يدفنان كل أثر لهذا البطل المعذَّب والمعذِّب، ودفن اللعنة التي حلت بالعائلة ونسلها وامتدادها، ورغبة في إنهاء هذه الدائرة من الانتقام العبثي، من تدمير الذات والآخر، من إعادة إنتاج القهر، ولعل في هذا التوالد لأنظمة القهر استعارة رمزية لأزمات الإنسان العربي، الذي يعيد إنتاج أزماته، هذا الإنسان لا بد أن ينتهي، ربما لذلك نفهم معنى ألا ينجب «سعيد» أو «نور» بعد سنوات من زواجهما، ونفهم أيضاً معنى أن يجدوا الجثة أخيراً راقدةً في فراش الأب الأول «الرفاعي»، بحثاً عن سكينة ومصالحة مع الماضي، مع الجد الفلاح البسيط، في حين أن أهل القرية في حالة مسكونة بـ«الدروشة»، يستعدون لبناء ضريح لدفن جثة مَن عدّوه ولياً عاد من الموت.


«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.