جنسنا البشري عاش عبر العصور قافزاً من حرب إلى حرب

في القصر الذي شهد سقوط لويس السادس عشر وماري أنطوانيت

دروع...ودروع
دروع...ودروع
TT

جنسنا البشري عاش عبر العصور قافزاً من حرب إلى حرب

دروع...ودروع
دروع...ودروع

إذا نظرنا إلى الأشياء في منظور تاريخي، لتعذَّر الوصول إلى أحكام سهلة بالإدانة. حَدَثُ اليوم سيكون له معنى آخر بعد مائة سنة أو مائتين، وما حدث منذ مائتي عام لم يكن مفهوماً لدى معاصريه كما نفهمه اليوم. لم تكن الصورة مكتملة. لم يكن السياق الزمني المستقبلي موجوداً. نحن في أي لحظة قد نفهم كيف أدَّت اللحظات أو القرون السابقة إلى اللحظة التي نعيشها، ولكننا محرومون من أن نرى فعل لحظتنا الراهنة فيما يليها من لحظات أو أعوام أو قرون.

هكذا وجدت نفسي أفكر أثناء زيارة قمت بها إلى قصر فرساي وضياعه على أطراف باريس. هذا هو القصر الذي بناه لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر، والذي شهد سقوط لويس السادس عشر وماري أنطوانيت إبان الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. هذا هو القصر الذي هاجمه «رعاع» باريس مطالبين بالخبز فتساءلت ماري أنطوانيت لماذا لا يأكلون «البريوش» (نوع راقٍ من الخبز يُصنع بالزبد). أو هكذا تقول القصة الشائعة، التي ربما اخترعت للتدليل على مدى جهل الطبقة الحاكمة بمعاناة عامة الناس. لا يحتاج أحدٌ للتدليل على ظلم الملوك آنذاك ومساوئ النظام الإقطاعي ونهب الحاكمين عبر العصور لجهد المحكومين، وليس قصر فرساي وحدائقه الشاسعة وتحفه وتماثيله ولوحاته وأثاثه هو وغيره من مئات القصور والضياع التي تملكتها الطبقة الأرستقراطية إلا برهاناً باقياً على ظلم تلك الطبقة التي عاش رعاياها حياة ضنك وجوع ومرض.

هل كان مصمم هذا المدفع واعيا بالمفارقة الصارخة: آلة الموت والكراهية تُزيّن بتمثالين يمثلان فعل الحب والحياة؟

إلا أني أنظر اليوم إلى طوابير الدخول لزيارة القصر التي تمتد إلى عدة كيلومترات يومياً على مدار العام، وأفكر في الرسوم التي يدفعها هؤلاء الزوار القادمون من أرجاء الأرض جميعاً، وأتساءل ألم تُحصّل تكاليف بناء هذا القصر قبل ثلاثمائة عام عشرات المرات من ملايين زواره، ألم تنعش السياحة الفرنسية والاقتصاد الفرنسي على مرّ الزمان منذ انتقالها إلى أيدي الشعب؟ ألا يرتزق منه اليوم عشرات آلاف الفرنسيين العاملين فيه وفي غيره من صروح عهود الظلم البائدة؟ وعلى هذا النحو أليس «رعاع» اليوم مستفيدين من الظلم الذي وقع على جدودهم من ملوك الأمس وأرستقراطييه؟ ألا يمكن القول إن لويس الرابع عشر ومن خَلَفَه كانوا يبنون بدون أن يعلموا من أجل صالح المواطن الفرنسي المستقبلي؟

لست أحاول أن أبرر عصر الإقطاع والملكية المطلقة، لكني فقط أتعجب من مسار التاريخ بين اللحظة الراهنة، وتجلياتها بعد مرور الزمن. أتعجب من مقاصد الأفعال ونتائجها بعيدة المدى. وأتساءل حين نحاكم شخصية تاريخية أو عصراً كاملاً، هل نُدخل في حيثيات الحكم النتائج غير المقصودة لأعمالهم بعد زمانهم أم ننظر إلى أعمالهم في سياقها الزمني المباشر فقط؟ ليست الإجابة على هذا السؤال بالسهلة. وأسوأ القضاة هم قضاة الأحكام السريعة ذات النظرة الجزئية الموقوتة.

وأخيراً فقد وقفت في مخدع ماري أنطوانيت ورأيت الباب السري الذي هربت منه بعد أن اجتاح «الرعاع» أسوار القصر قبل أكثر من مائتي سنة. لم تكن تعلم لحظتها أن هروبها هو هروب لحظي، وأن المقصلة ستنال عنقها في نهاية الأمر. قدَّرتُ رعبها في تلك اللحظات وتعاطفت معها وليس مع «الرعاع» في لحظة انتصارهم. وفكرت أن «الرعاع» - وأنا منهم - لا يزالون ينتهكون خصوصيتها وحرمة خدرها بعد قرنين من الزمان كل يوم. كان نصرهم باقياً وهزيمتها نهائية.

جاءت زيارتي الباريسية التالية وكأنها استمرار للأفكار العنيفة التي تداعت من ذكرى الثورة الفرنسية في فرساي. كان ذلك في المتحف العسكري أو «متحف الجيش» الفرنسي كما يُسمّى، والقائم ضمن مجمع مباني «الأنفاليد» (les invalides) في باريس، ومعنى اسمه «المعاقون»، وهو في الأصل مَشْفَى هائل أقامه لويس الرابع عشر في القرن السابع عشر من أجل العناية بالمحاربين القدماء. يركز المتحف على الأسلحة من أواخر العصور الوسطى فصاعداً حتى الحربين الكبيرتين. رأيت كماً هائلاً من السيوف والخناجر والحراب والرماح والنبال والبُلط والبنادق والمدافع والخوذات والدروع للبشر وللخيل وغيرها من وسائل القتل والاحتماء من القتل مما لا أعرف اسمه ويصعُب وصفه. لشدَّ ما تفنّنا – ولا نزال – في سبل القتل.

منذ التقط قابيل ذلك الحجر التعس وهشّم به رأس أخيه - كما تقول القصص الدينية - بَنَى جنسُنا الكثيرَ على تلك الخبرة البدائية الأولى وقطع أشواطاً بعيدة في تطوير أساليب القتل الفردي والجماعي، وطوّع مهاراته اليدوية والذهنية والتقنية لتكريس هذا «الفن» التليد. الأسلحة المعروضة هي أسلحة مستعملة ذات تاريخ معلوم أو مجهول. بعضها أسلحة ملوك لكن أكثرها أسلحة محاربين عاديين. رأيت عدداً هائلاً من السيوف، بعضها محتفظ «برونقه»، ولكن البعض الآخر انطفأ بريقه وصدأ وثلُم نصله. كنت أتأمل طويلاً في سيف أو آخر حتى أكاد أرى الدم القديم يسيل منه مجدداً، وأتساءل ترى كم رأساً شجَّ؟ كم عنقاً أطار؟ كم صدراً اخترق؟ كم ظهراً فصم؟ كم ذراعاً أو ساقاً بتر في تاريخه الحربي «المجيد»؟ كم امرأة رمّل؟ وكم أماً ثكل؟ وكم طفلاً يتّم؟ ترى هل كان تقتيله في مواجهات الجيوش في ساحة الحرب فقط؟ أم أنه عرف فتح المدن وقتل النساء والأطفال والشيوخ؟ ترى كم يداً قَتلتْ بهذا السيف؟ هل أحيل للاستداع بعد مقتل صاحبه أو موته بشكل أو آخر؟ أم تُورث أباً عن جد، مسيلاً دماءً جديدة في كل جيل؟

لم أرَ في ذلك المتحف حديداً في دواليب زجاجية، وإنما خضت في دماء وأشلاء، وسمعت صراخاً ونحيباً، وشهدت ذعراً ورعباً، وبكاء وألماً، وجثثاً كثيرة، كثيرة، تنطق بقسوة الإنسان وحماقته، وكأن الموت لا يعرف كيف يدركنا في كل حال، فقضينا القرون نعلمه كيف يعجّل إلينا، وكيف يقبضنا جماعات لا أفراداً، بغير حاجة لأن ينتظر الشيخوخة أو الأمراض والأوبئة والمجاعات والفيضانات والزلازل والبراكين والأعاصير، فهناك الحروب نقدمها له، تحصيلاً دون جهد.

جاءت زيارتي لباريس وكأنها استمرار للأفكار العنيفة التي تداعت من ذكرى الثورة الفرنسية في فرساي

ومن المفارقات التي يلاحظها المتأمل في متحف الأسلحة أن تفنن الإنسان في صنع أدوات القتل كان يعكس الفروق الطبقية الواضحة في تركيبة المجتمعات عبر العصور، التي لم تستثنِ أدوات القتل من مظاهر التمييز بين الثري والفقير، بين النبيل وابن العامّة، فالناس لا تتساوى في القتل وأدواته كما أنها لا تتساوى في أي أمر آخر. ومن هنا نجد السيوف والخناجر والغدّارات ذات المقابض الذهبية أو العاجية والمطعمة بأنواع الجواهر الكريمة، فالنبيل الثري لا بد أن يتأنق في القتل وأدواته كما يتأنق في طعامه ولباسه وسائر أشيائه، أما الفقير ابن الطبقات الدنيا، فيكفيه نصل من الحديد المسنون يؤدي الغرض. ومن المفارقات أيضاً التي لاحظتها أن صنّاع الموت وأدواته كانوا في تفننهم في تزيين بعض الأسلحة لا يقتصرون على الأسلحة الشخصية وإنما رأيت أيضاً مدافع هائلة الحجم مما يزن أطناناً ويعمل عليه فريق كامل من الجنود لتحريكه وتشغيله وقد زيَّنت - عند نهاية الماسورة في الموضع الذي أعتقد أن الجنود يدفعون منه المدفع عند تحريكه - بتمثالين لرجل وامرأة متعانقين يتبادلان قبلة. ترى هل كان مصمم هذا المدفع واعياً بالمفارقة الصارخة: آلة الموت والكراهية تُزيّن بتمثالين يمثلان فعل الحب والحياة؟ ترى هل أراد أن يُلهي الجنود عن حقيقة الموت الذي يصبّونه على الآخرين والذي ربما ينزل عليهم أيضاً من حيث لا يحتسبون؟ أم أنه أراد أن يذكرهم بالمسرّات التي تنتظرهم إن نجحوا في «القتل» كما يجب؟

جولة التأمل في تاريخ العنف هذه انتهت بمقعد أقل ما يُوصف به بأنه غير مريح ليس فقط كمقعد وإنما أيضاً بالتاريخ الدموي الكامن فيه! هو من معروضات «مركز جورج بومبيدو» في باريس ومن صنع نحّات موزامبيقي معاصر اسمه جونسالو مابوندا. المقعد المعدني مركّب من قطع سلاح جمعها مابوندا من مخلّفات الحرب الأهلية في بلده التي دامت 15 عاماً (1977 - 1992). قطعُ سلاحٍ أدى مهمته. قتل ويتّم ورمّل. قطّع الأوصال. نثر الأشلاء. اخترق الأدمغة والصدور والظهور. ثم انتهى «خُردَة» في يد فنّان ركّبَ من قطعه هذه المعروضة الفريدة ضمن صالة مخصصة لمخلفات الحرب وآثارها على الناس. عاش جنسنا البشري عبر العصور، قافزاً من حرب إلى حرب. فكأن هذا الكرسي المدجج بالسلاح، هذا الكرسي الذي كله سلاح، كأنه يرمز للإنسان الذي أنفق عصور بدائيته وحضارته وحتى اليوم «جالساً على برميل بارود». إلا أن الكرسي المعروض خالٍ. لا أحد يجلس عليه. فهل هو نبوءة بفناء الإنسان بحماقته، فلا يبقى بعده إلا مخلفات سلاحه وحروبه؟


مقالات ذات صلة

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
ثقافة وفنون دونا تارت

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية

عاش جبران خليل جبران مرحلةً مفصليةً من حياته في العاصمة الفرنسية باريس. ففي الأول من يوليو (تموز) عام 1908، غادر مدينة بوسطن متوجهاً إلى باريس ليدرس الفنون،

شاكر نوري
ثقافة وفنون الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة

«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

في كتابها «إسكندرية فين؟.. رحلة تناجرا» الصادر أخيراً عن دار العين للنشر بالقاهرة، لا تنطلق الكاتبة والباحثة المصرية ياسمين عبد الله، في بحثها عن مدينتها

منى أبو النصر (القاهرة)

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».


لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت
TT

لماذا يكتب بعض الروائيين كثيراً ويتأخر آخرون؟

دونا تارت
دونا تارت

حين أصدرت أميلي نوتومب روايتها الجديدة «مراهقة الببغاء» في أغسطس (آب) الماضي، كانت تحتفل بصدور روايتها الخامسة والثلاثين منذ «نظافة القاتل» عام 1992. غير أن المفارقة الأهم في تجربتها لا تكمن في الرقم وحده، بل في تصريحها لوسائل الإعلام بأنها تكتب نحو ثلاث روايات سنوياً، ثم تعود إلى مخطوطاتها فتختار واحدة منها للنشر، وتضع الأخريات جانباً. وقد أدهشت الكاتبة المعروفة كثيرين حين كشفت عن طقوسها في الكتابة؛ ففي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في أغسطس الماضي، قالت نوتومب إنها تستيقظ في الرابعة صباحاً، وتشرب الشاي المركّز، ثم تكتب أربع ساعات متواصلة قبل أن يبدأ يومها العادي، وهي الوتيرة التي تحافظ عليها كل أيام الأسبوع. تجربة نوتومب تطرح سؤالاً يتجاوز خصوصيتها: كيف يستطيع بعض الكتّاب إنتاج أعمال كثيرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى أدبي جيد، في حين يحتاج آخرون إلى أعوام طويلة قبل نشر رواية جديدة؟ هل يرتبط الأمر بالنوع الأدبي؟ أم بانضباط الكاتب؟ أم أن الإلهام، ذلك العنصر الغامض، لا يزال صاحب الكلمة الأخيرة؟

ستيفن كنغ

تقدّم تجارب الكتّاب غزيري الإنتاج جواباً أولياً: الكاتب لا ينتظر الإلهام دائماً، بل يصنع له موعداً. يكشف ستيفن كينغ، في كتابه «عن الكتابة: مذكرات حرفة»، عن أنه يضع لنفسه هدفاً يومياً يقارب ألفي كلمة، أي نحو عشر صفحات، ويعمل من أربع إلى ست ساعات يومياً. ويقول: «إن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ كثيراً ويكتب كثيراً». يرفض كاتب روايات الرعب والتشويق الأميركي أن يترك العمل رهينة المزاج، فهو يحوّل الكتابة عادةً تشبه القراءة أو المشي: فعل يومي لا يحتاج في كل مرة إلى قرار جديد. كما يفضّل إنجاز المسودة الأولى بوتيرة منتظمة، ثم الابتعاد عنها فترة قبل العودة إلى المراجعة؛ فالمسودة الأولى، في نظره، ليست موضع الكمال، بل مساحة لاكتشاف الرواية. أما أونوريه دو بلزاك، أحد أعمدة الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر، فكان يستيقظ في منتصف الليل ليجلس إلى مكتبه ساعات طويلة. وقد ارتبط اسمه بأسطورة شرب خمسين فنجاناً من القهوة يومياً، والمؤكد أن بلزاك كان يكتب بإيقاع قاسٍ، حتى إنّ مشروعه الروائي الضخم «الكوميديا الإنسانية» تطلّب منه إنتاجاً متواصلاً أرهق جسده وأضرّ بصحته.

إمبرتو إيكو

وكان إسحاق أسيموف مثالاً آخر على تحويل الكتابة عملاً يومياً منتظماً. فقد نُسب إليه نحو 477 كتاباً بين التأليف والتحرير والمشاركة، وكان يكتب أو يراجع طوال ساعات طويلة. وتحدث عن متوسط يومي بلغ ألف كلمة في مرحلة، ثم ارتفع إلى نحو 1700 كلمة في مرحلة لاحقة. ولم يكن سرّه في انتظار لحظة استثنائية، بل في قدرته على مواصلة العمل حتى في الأيام العادية، حين لا يبدو الإلهام قريباً.

وتنتمي دانييل ستيل إلى الفئة نفسها من الكتّاب الذين جعلوا الاستمرار نظاماً للحياة؛ إذ قالت في مقابلة مع دار «بنغوين راندوم هاوس» إنها تعمل دائماً، ولا تحتمل الابتعاد عن الكتابة أكثر من أسبوعين. غير أن «العمل» عندها لا يعني الكتابة المتصلة فحسب، بل يشمل التخطيط، والمراجعة، والقراءة، والتواصل مع المحررين والناشرين.

يرى الكتّاب غزيرو الإنتاج أن على الكاتب ألا ينتظر الإلهام دائماً... بل يصنع له موعداً

وبينما يمضي بعض الكتّاب في الكتابة بوتيرة غزيرة ومنتظمة، يفضّل آخرون التمهل أعواماً قبل أن يعودوا إلى القرّاء بعمل جديد. وهذا يكشف عن أن الإبداع لا يخضع لإيقاع واحد، ولا يقاس دائماً بسرعة الإنتاج أو كثرة العناوين. تقدّم الكاتبة الأميركية دونا تارت نموذجاً معاكساً. فقد احتاجت إلى نحو عشر سنوات لكتابة «التاريخ السّري»، ثم إلى عقد آخر تقريباً لإنجاز «الصديق الصغير». وفي مقابلاتها، أوضحت أنها تحب أن تمضي وقتاً طويلاً مع المشروع الواحد، وأنها لا ترى في طول المدة عبئاً أو دليلاً على العجز. حيث تكتب تارت ببطء، وتعيد النظر في التفاصيل، وقد تحذف مشاهد كاملة بعد أسابيع من العمل إذا اكتشفت أنها لا تخدم البناء العام للرواية. ولعل هذا البطء لا يعود إلى ضعف الانضباط، بل إلى انضباط مختلف: حماية النص من الاستعجال. فالكاتب السريع يحمي ساعات الكتابة من المقاطعة، في حين يحمي الكاتب البطيء حق العمل في أن يتشكل بعيداً عن ضغط السوق. كلاهما منضبط، لكن كل واحد منهما يعرّف الانضباط بطريقة مختلفة. هناك أعمال لا يمكن إنجازها بسرعة، لا لأن الكاتب أبطأ من غيره، بل لأن موضوعها يحتاج إلى بحث طويل واحتكاك بالعالم. فالكاتب الذي يتناول حقبة تاريخية أو شخصية سياسية أو مجتمعاً بعيداً لا يستطيع أن يكتفي بلمعة أولى أو بمعلومات متناثرة.

أمبرتو إيكو مثال بارز على ذلك. فقد قال الكاتب والمفكر الإيطالي في حوار مع مجلة «باريس ريفيو» إن رواية «اسم الوردة» احتاجت إلى عامين من الكتابة، لكنه كان يمتلك قبل ذلك سنوات من التخصص في تاريخ العصور الوسطى ومئات الملفات والملاحظات. أما رواية «بندول فوكو»، فقد استغرقت منه ثمانية أعوام في البحث والكتابة. لم يكتفِ فيها إيكو بقراءة الكتب، بل بحث في المخطوطات والعمارة وأسماء الرهبان وتفاصيل الأديرة والطقوس الدينية.

وكان يعرف أن الرواية التاريخية لا تقنع بمجرد الحكاية؛ إنها تحتاج إلى بنية معرفية تمنح الخيال قوة الحقيقة. وقد لا تظهر كل هذه المعرفة على سطح النص، لكنها تمنحه كثافته ومصداقيته. وينطبق الأمر نفسه على البريطانية هيلاري مانتل في ثلاثيتها عن توماس كرومويل؛ فهي لم تكتفِ بقراءة المصادر التاريخية، بل استعانت بالمؤرخين وأمناء الأرشيف المختصين في حكم آل تيودور، وعملت على وثائق ومراسلات وملاحظات بحثية. وفي مقابلة مع «تايمز هاير إديوكيشن»، تحدثت عن العلاقة التكاملية بين الروائي والمؤرخ، وعن أهمية دراسة التفاصيل السياسية والاجتماعية. أما الروائي الأميركي جيمس ميشينر، فقد احتاج إلى عامين من البحث قبل كتابة روايته التاريخية «تشيسابيك»؛ إذ انتقل إلى المنطقة التي تتناولها الرواية، وتحدث إلى سكانها، وقرأ مئات الكتب، ثم أمضى عامين آخرين في الكتابة. لم يكن الزمن هنا علامة على بطء شخصي، بل كان جزءاً من أمانة المشروع الأدبي. قد تكتب نوتومب ثلاث روايات في السنة، وقد ينتظر قارئ تارت عشر سنوات، وقد يملأ كينغ آلاف الصفحات وفق حصته اليومية، لكن لا توجد وصفة واحدة للكتابة الجيدة. هناك فقط علاقة خاصة بين الكاتب والزمن: بعضهم يحوّل الزمن عادةً، وبعضهم يحوّله بحثاً، وبعضهم يحوّله صمتاً طويلاً.


صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
TT

صياد غزلان في لوحة أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي
لوحة أرضية من محفوظات المتحف الوطني في دمشق مصدرها قصر الحير الغربي

زاول العرب الصيد في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام، كما تؤكد الشواهد الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة. وتطوّرت هذه الممارسة بشكل كبير في كنف الأسرة الأموية، وباتت لها طقوس وتقاليد خاصة بها، أشار الرواة إليها في العديد من الأخبار والروايات. أسوة بالغساسنة، شيد أسياد هذه الأسرة القصور والمشاتي في أطراف بوادي الشام وغور الأردن للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو، وتميّزت هذه المنشآت بفنها المعماري الذي مزج بين طرز الروم والفرس، كما تميّزت بحللها التزيينية التصويرية. يحوي هذا الميراث صوراً تشهد لانتشار فنون الصيد في ذلك العهد، أشهرها تلك التي تزيّن بعضاً من جدران قصير عمرة في غور الأردن. إلى جانب هذه اللوحات الجدارية، تبرز لوحة أرضية من الحجم الكبير، تصور فارساً يصطاد الغزلان، مصدرها قصر الحير الغربي، جنوب غرب تدمر، في البادية السورية.

عُثر على هذه اللوحة خلال أعمال المسح التي كشفت عن القصر في خريف عام 1936، وتمّ نقلها في العام التالي إلى متحف دمشق الوطني حيث جرى تثبيتها في جناح خصّص بأكمله لهذا الموقع الأثري الأموي. وقد أُنجزت على قاعدة من الملاط الجصِّي الجاف، ومساحتها شبه مربّعة، طولها 5 أمتار، وعرضها 4.85 متر. يحد هذا اللوح إطار زخرفي عريض يتبع التقليد الساساني، وقوامه سلسلة متناسقة تعتمد شكل المُعين الرباعي الأضلع، تعلوها أزهار محوّرة هندسياً على شكل أنجم. يجمع هذا العمل التشكيلي بين لوحتين مستطيلتين، تعلو إحداهما الأخرى، ويفصل بينهما شريطان أفقيان سطّرا باللون الأحمر، يتوسّطهما شريط أسود. تحضر في الأعلى لوحة تجمع بين عازف عود وعازف مزمار، وتقابلها اللوحة التي تصور فارساً يصطاد الغزلان. وتشير التقارير إلى لوحة ثالثة مهشّمة ضاع أثرها، تحتلّ القسم الأسفل من التأليف.

يظهر هذا الفارس في وضعية جانبية ممتطياً جواده، وسط مساحة مجرّدة تخلو من أي عنصر تصويري يشير إلى أبعاد الفضاء المنظور. الحركة حية في الظاهر، غير أنّها ثابتة، ويسودها الجمود والسكون. الحصان أسود، وقائمتاه الأماميتان مرفوعتان نحو الأمام، أما قائمتاه الخلفيتان فممتدتان إلى الخلف، ويعلو ظهره سرج أبيض، يربطه شريط رفيع يلتف حول العنق ومؤخرة الظهر، كما يحيط بأنفه لجام. مفاصل بدنه ورأسه محدّدة بدقة، وأنفه مطوّق بلجام عريض. يعتلي صهوة هذا الجواد فارس أمرد، يرفع بيده اليمنى سهماً، وبيده اليسرى قوس النشاب. الوجه نصف جانبي، وبنيته دائرية، وملامحه مرسومة بخط أسود. العينان شاخصتان إلى الأمام، وهما على شكل لوزتين عريضتين، يعلوهما حاجبان مقوّسان منفصلان. الأنف قصير ومختزل، والثغر منمنم، قوامه شق صغير يفصل بين شفتين ممحوتين. يعلو الرأس شعر أسود كثيف يتكون من كتلتين متراصتين، يحيط بهما إكليل يزينه شريط عريض معقود، يتطاير طرفاه أفقياً من الخلف.

الحركة ثابتة، وخيط الرسم يسود على الصياغة اللونية المختزلة. أصابع اليدين ظاهرة ومجسّدة بدقة. السهم أحمر ورفيع، قوس النشاب عريض، وموشّح بلون يميل إلى الأخضر الفاتح. الصدر نصف جانبي كما الوجه، أما الساق فجانبية. اللباس قوامه ثوب طويل، يعلوه حزام معقود حول الخصر، يتدلّى منه وشاح عريض أخضر يتطاير في الأفق فوق ظهر الحصان. القسم الأسفل من هذا الرداء مفتوح، وشقّه يكشف عن سروال فضفاض، يتكوّن من قطعتين متصلتين.

صيغت القطعة العليا باللون الأحمر الأرجواني وصيغت القطعة السفلى باللون الأخضر اللازوردي، وبدا طرفها معقوداً حول عَقِب القدم. الحذاء ظاهر، وهو بسيط ويخلو من أي تفاصيل. يحيط بالخصر حزام ثان، يتدلّى منه نِجَاد مستطيل عريض. يصوّب الصياد سهمه في اتجاه غزال يركض إلى الأمام، مديراً برأسه إلى الخلف، وكأنّه يحدّق بالفارس المتربّص به. ويظهر في طرف اللوحة الأسفل غزال آخر، تهاوى أرضاً، وأغمض عينيه.

تتبع هذه اللوحة الطراز الساساني، كما يشهد لباس الفارس بتفاصيله المختلفة، والأسلوب الفني المتبع في صياغة الرسم والحلة اللونية. وهذا الطراز معروف في سوريا، وحاضر في ميراث دورا أوروبوس، المدينة الأثرية التي تقع في بادية الشام، نواحي دير الزور، وتُعرف اليوم باسم الصالحية. تعلو هذه اللوحة لوحة أخرى بدت مشوّهة عند اكتشاف هذا الأثر، وضاع أثرها لاحقاً. تمثّل هذه اللوحة كذلك مشهد صيد، كما يشهد رسم توثيقي أنجز عند اكتشافها، وفيه يظهر كلب من النوع السلوقي يقفز في اتجاه طريدة يصعب تحديد هويّتها، إلى جوار خادم يسير وهو يجرّ من خلفه أيلاً يعلو رأسه قرنان كبيران.

في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، أشار جرجي زيدان إلى تطوّر فنون الصيد، وقال: «كان الصيد معروفاً في الجاهلية، ولكنه كان قاصراً على صيد غزال أو طائر بالنبل أو الفخ، فلما تمدّن العرب بعد الإسلام وخالطوا الفرس والروم، توسعوا في طرائق الصيد والقنص، فاتّخذوا الجوارح من الطير، وهي الباز والشاهين والعقاب والصقر يعلمونها صيد الطيور، وغالوا في اقتناء الكلاب والفهود ونحوها، يستعينون بها على صيد الخنازير والغزلان وحمر الوحش». تعكس لوحة قصر الحير الغربي هذا التطور، كما تعكس الأثر الساساني في هذا الميدان.

يظهر الصياد بهيئة فارس يمارس هذا النشاط الذي وُصف بأنه «لذة»، كما يشهد قول امرئ القيس: «كأني لم أركب جواداً للذة/ ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال». ويظهر الكلب السلوقي الذي ذاع صيته في الصيد والقنص، كما يشهد قول الشاعر الأموي القطامي: «ومعهم ضوار من سلوق كأنها/ حصن تجول تجرر الأرسان».