تصعيد إسرائيلي واسع وأوامر بتدمير جسور «الليطاني» جنوب لبنان

الرئيس عون: استهداف جسر القاسمية انتهاك صارخ ومقدمة لغزو بري

الدخان يتصاعد من موقع جسر القاسمية في جنوب لبنان إثر استهدافه بقصف إسرائيلي (أ.ب)
الدخان يتصاعد من موقع جسر القاسمية في جنوب لبنان إثر استهدافه بقصف إسرائيلي (أ.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي واسع وأوامر بتدمير جسور «الليطاني» جنوب لبنان

الدخان يتصاعد من موقع جسر القاسمية في جنوب لبنان إثر استهدافه بقصف إسرائيلي (أ.ب)
الدخان يتصاعد من موقع جسر القاسمية في جنوب لبنان إثر استهدافه بقصف إسرائيلي (أ.ب)

استهدف الجيش الإسرائيلي جسر القاسمية عند الطريق الساحلي جنوب لبنان بعد ظهر الأحد، بعد تهديدات علنية بقصفه، في تصعيد مباشر يطول أحد أبرز الشرايين الحيوية التي تربط جنوب الليطاني بمدينة صور، بالتوازي مع إعلان إسرائيلي عن توسيع الاستهداف ليشمل البنى التحتية والسكنية في الجنوب.

عون: تصعيد خطير ومقدمة لغزو بري

دان رئيس الجمهورية جوزيف عون استهداف إسرائيل البنى التحتية والمنشآت الحيوية في جنوب لبنان وتدميرها، معتبراً أن «هذه الاعتداءات تشكل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة لبنان، وتعتبر مقدمة لغزو بري طالما حذّر لبنان عبر القنوات الدبلوماسية من الانجرار إليه».

وقال إن «هذه التوجهات تعكس جنوحاً خطيراً نحو التدمير الممنهج للبنى التحتية والمرافق المدنية والمناطق السكنية في القرى اللبنانية، بما يرقى إلى سياسة عقاب جماعي بحق المدنيين، وهو أمر مرفوض ومدان وغير مبرر ويخالف صراحةً قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف المدنيين ومرافقهم الأساسية».

واعتبر الرئيس عون أنّ «استهداف جسور نهر الليطاني، الشريان الحيوي لحركة المدنيين، يُعدّ محاولة لقطع التواصل الجغرافي بين منطقة جنوب الليطاني وسائر الأراضي اللبنانية ويعيق وصول المساعدات الإنسانية، ويندرج ضمن مخططات مشبوهة لإقامة منطقة عازلة، وتثبيت واقع الاحتلال، والسعي إلى التوسع الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية».

وأضاف: «وإزاء هذا التصعيد، يدعو لبنان المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن، إلى تحمّل مسؤولياتهم واتخاذ إجراءات فورية لردع إسرائيل عن تنفيذ هذا الهجوم، فالاستمرار في الصمت أو التقاعس يُشجّع على التمادي في الانتهاكات ويُقوّض مصداقية المجتمع الدولي».

إنذارات إسرائيلية وتحذيرات رسمية

وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أعلن أن الجيش الإسرائيلي ينوي «مهاجمة جسر القاسمية – جسر الأوتوستراد الساحلي لمنع نقل تعزيزات ووسائل قتالية»، داعياً السكان إلى الانتقال شمال نهر الزهراني.

وفي سياق التصعيد الإسرائيلي قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إنّه «ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصدرا تعليمات للجيش بتسريع هدم منازل اللبنانيين في قرى خط المواجهة لإنهاء التهديدات التي تواجه المناطق الإسرائيلية»، وإنه سيتم تدمير جميع الجسور فوق نهر الليطاني.

وسادت أجواء من الحذر في محيط الجسر، حيث مُنع المرور، وتجمع إعلاميون في المكان، فيما أعاد الجيش اللبناني تموضعه وأخلت قوات «اليونيفيل» نقطة التفتيش.

في المقابل، حذّر المدير العام للدفاع المدني العميد عماد خريش الإعلاميين من الوجود في محيط الجسر بعد تلقي تهديدات متكررة بقصفه.

ومساء

ومساء حذّر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير الأحد من أن قواته "ستكثّف عملياتها البرية المحددة" وغاراتها في لبنان.

وقال زامير في بيان إن "العملية ضد منظمة حزب الله الإرهابية لا تزال في بدايتها (...) إنها عملية طويلة الأمد ونحن مستعدون لها".

وأضاف "نستعد الآن لتكثيف العمليات البرية المحددة والغارات، وفقا لخطة منظمة. لن نتوقف قبل إبعاد التهديد من الحدود وضمان أمن طويل الأمد لسكان شمال إسرائيل"

ضغط على المدنيين لا حسم ميداني

في السياق، اعتبر العميد المتقاعد خليل الحلو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن استهداف الجسور في جنوب لبنان «لا يحقق هدفاً عسكرياً حاسماً»، موضحاً أن «(حزب الله) لا يعتمد على نقل الذخيرة عبر الطرقات أو الجسور، بل يقوم بتخزينها داخل مناطق انتشاره، في مستودعات تحت الأرض، إدراكاً منه لخطورة الحركة المكشوفة في ظل السيطرة الجوية الإسرائيلية». وأكد أن «القول إن تدمير الجسور يقطع الإمداد العسكري ليس دقيقاً، لأن الحزب لا يعمل وفق نموذج خطوط إمداد تقليدية يمكن تعطيلها بسهولة».

مواطنون يعاينون موقع استهداف جسر القاسمية في جنوب لبنان (أ.ب)

وأشار إلى أن «الأثر الفعلي لهذه الضربات يطول المدنيين أولاً، إذ يقيّد تنقلهم بين المناطق وينعكس مباشرة على حياتهم اليومية»، لافتاً إلى أن «تدمير الجسور، خصوصاً تلك المؤدية إلى مدينة صور، يؤدي إلى عزل تجمعات سكنية واسعة وقطع التواصل بينها».

وأوضح الحلو أن «مقاتلي الحزب في الجنوب يستندون في معيشتهم إلى بيئتهم المحلية، وليس إلى قواعد خلفية أو خطوط تموين مركزية كما في الجيوش النظامية»، مضيفاً أن «هذا النمط يجعل من الصعب استهداف ما يُعرف باللوجيستيات العسكرية بالوسائل التقليدية، لأن جزءاً كبيراً من الموارد مرتبط مباشرة بالبيئة الحاضنة».

وربط بين هذا الواقع وسياسة النزوح، معتبراً أن «إفراغ القرى من سكانها يضرب هذا النمط عبر قطع الموارد المعيشية المرتبطة بالبيئة المحلية»، ومحذراً من أن «استهداف الجسر الأساسي المؤدي إلى صور، وهو المدخل الشمالي للمدينة، يطرح إشكالية كبيرة، كونه شرياناً حيوياً للسكان، إذ تصبح هذه التجمعات معزولة عملياً ويؤدي تعطيل الجسر إلى شلل فعلي في الحركة المدنية».

ورأى أن «استهداف الجسور يندرج في سياق الضغط على السكان ودفعهم إلى النزوح، واستكمال تهجير الجنوب، أكثر مما يحقق هدفاً عسكرياً مباشراً»، معتبراً أن هذه السياسة «تدفع ما بين 300 و400 ألف شخص نحو مناطق مكتظة، ما يولّد ضغطاً اجتماعياً كبيراً لا يطول البيئة المحلية فقط، بل يمتد إلى الدولة اللبنانية نفسها، التي تواجه أعباء متزايدة على المستويات الخدماتية والأمنية والمعيشية».

النيران تتصاعد من جسر القاسمية إثر استهدافه بقصف إسرائيلي (إ.ب.أ)

واعتبر أن «هذه المقاربة تشكل أداة ضغط سياسي غير مباشر، تُستخدم لدفع الدولة اللبنانية إلى اتخاذ خطوات معينة في الملف الأمني، في ظل رسائل إسرائيلية متكررة تربط بين الواقع الميداني ومسألة سلاح الحزب»، مؤكداً أن «استهداف الجسور يندرج ضمن إدارة نزاع قائمة على الضغط المركّب، هدفها تفريغ الجنوب من سكانه ورفع تكلفة الواقع القائم على الدولة اللبنانية والبيئة الحاضنة للحزب في آن معاً».

دلالات الاستهداف

أوضحت أوساط محلية لـ«الشرق الأوسط» أن «استهداف الطريق الساحلي يشكل سابقة منذ حرب 2006، كونه شرياناً رئيسياً يربط الجنوب»، مشيرة إلى أن «موقع الجسر الذي يبعد قرابة الستة كلم من صور وثلاثين كلم من صيدا يعطي الاستهداف دلالات تتجاوز البعد التكتيكي». ولفتت إلى «أن ذلك يأتي ضمن تصعيد متدرج شمل جسور طير فلسيه وقعقعية الجسر ومعابر القاسمية سابقاً، بهدف شل حركة التنقل».

تصعيد ميداني وعمليات متبادلة

ميدانياً، استمر القصف الإسرائيلي على بلدات في جنوب لبنان عدة، بينها أرنون وزوطر ويحمر الشقيف وبنت جبيل، مع غارات أوقعت قتلى، واستهدافات في مرجعيون والخيام وصور والنبطية والقطاع الغربي، وصولاً إلى جزين والبقاع الغربي.

وأفاد مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة، في بيان، بأن الغارة على بلدة السلطانية في قضاء بنت جبيل أدت إلى مقتل ثلاثة مواطنين وإصابة ثلاثة بجروح، والغارة على الصوانة في قضاء مرجعيون أدت إلى مقتل مواطن وإصابة أربعة بجروح.

في المقابل، أعلن «حزب الله» في سلسلة بيانات استهداف تجمعات لجنود وآليات الجيش الإسرائيلي في عدد من المواقع الحدودية، بينها تلة الخزان في العديسة، جبل وردة في مركبا، مشروع الطيبة، موقع الحمامص، وادي العصافير جنوب الخيام، إضافة إلى مدينة الخيام وجل الحمار وموقع المرج مقابل مركبا، وذلك عبر صليات صاروخية متتالية.

كما أفاد الحزب باستهداف مواقع أخرى، بينها خربة الكسيف بقذائف مدفعية، وبلدة الطيبة بصاروخ نوعي، ومحيط معتقل الخيام بصاروخ ثقيل، إضافة إلى تلة المحيسبات جنوب مشروع الطيبة بصليات صاروخية وقذائف مدفعية. وأعلن كذلك تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة انقضاضية استهدفت موقع مسكاف عام وتلة العويضة في العديسة.

وفي السياق نفسه، أشار إلى استهداف تجمعات للجيش الإسرائيلي في خربة المنارة قبالة حولا، وثكنتي أفيفيم وراموت نفتالي بسرب من المسيّرات، إضافة إلى موقع رأس الناقورة ومستوطنة مسكاف عام ومشروع الطيبة وموقع المرج بصليات صاروخية.

في المقابل، أفادت صحيفة «معاريف» بتسلل عناصر من الحزب إلى مستوطنة مسكاف عام فجراً، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة آخر ووقوع أضرار مادية.

اغتيال قيادي في «حزب الله»

وفي سياق متصل، قال المتحدث باسم الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إنه «قضي على قائد القوات الخاصة في وحدة (قوة الرضوان) وعلى عناصر إضافية»، موضحاً أن الغارة في مجدل سلم «استهدفت أبو خليل برجي مع عنصرين آخرين».


مقالات ذات صلة

انتهاء مهام «يونيفيل» يهدّد مئات الوظائف في جنوب لبنان

المشرق العربي الجنرال الإيطالي ديوداتو أبنيارا يتفقد ثلة من «قوة الأمم المتحدة المؤقتة - يونيفيل» في جنوب لبنان يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)

انتهاء مهام «يونيفيل» يهدّد مئات الوظائف في جنوب لبنان

لا يقتصر أثر انتهاء مهام «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)» على الجانبين الأمني والعسكري، بل يمتد إلى سوق العمل في الجنوب...

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي مستمعاً إلى ضابط بالجيش اللبناني يشير إلى مناطق تحتلها القوات الإسرائيلية في زوطر الغربية بجنوب لبنان وإلى جانبهما وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (أ.ب)

فهمي من جنوب لبنان: الاعتداءات الإسرائيلية غير مقبولة

زار الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، جنوب لبنان، وأكد أن الاعتداءات الإسرائيلية «أمر غير مقبول».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سيارة تضم نازحين وترفع علم  «حزب الله» تظهر على الطريق السريع الذي يربط بيروت بجنوب لبنان (د.ب.أ)

بعد ضبط متفجرات... القضاء اللبناني يصدر مذكرتي إحضار بحق مسؤولَين من «حزب الله»

أصدر القضاء اللبناني اليوم الثلاثاء مذكرتي إحضار بحق مسؤولين اثنين من «حزب الله»، وفق ما أفاد مصدر قضائي «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبِلاً وفداً فرنسياً برئاسة وزير خارجية فرنسا جان نويل بارو (رئاسة الجمهورية)

حراك عربي ودولي في بيروت... ونصائح بعدم الدخول في أي مغامرة جديدة

تتكثف الزيارات الدبلوماسية إلى لبنان خلال الأسبوع الأخير مع توافد مسؤولين من قطر وفرنسا وألمانيا والأمم المتحدة، وصولاً إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً أمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي (الوكالة الوطنية للإعلام)

فهمي من بيروت... لترجمة الدعم العربي للبنان إلى خطوات عملية

أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي أن «لبنان من أولويات الجامعة، ومن أولوياتي كأمين عام لها».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

انتهاء مهام «يونيفيل» يهدّد مئات الوظائف في جنوب لبنان

الجنرال الإيطالي ديوداتو أبنيارا يتفقد ثلة من «قوة الأمم المتحدة المؤقتة - يونيفيل» في جنوب لبنان يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)
الجنرال الإيطالي ديوداتو أبنيارا يتفقد ثلة من «قوة الأمم المتحدة المؤقتة - يونيفيل» في جنوب لبنان يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

انتهاء مهام «يونيفيل» يهدّد مئات الوظائف في جنوب لبنان

الجنرال الإيطالي ديوداتو أبنيارا يتفقد ثلة من «قوة الأمم المتحدة المؤقتة - يونيفيل» في جنوب لبنان يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)
الجنرال الإيطالي ديوداتو أبنيارا يتفقد ثلة من «قوة الأمم المتحدة المؤقتة - يونيفيل» في جنوب لبنان يوم 21 سبتمبر 2026 (رويترز)

لا يقتصر أثر انتهاء مهام «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)» على الجانبين الأمني والعسكري، بل يمتد إلى سوق العمل في الجنوب، حيث يشكّل وجود القوات الدولية منذ عقود مصدراً للدخل لمئات العائلات اللبنانية، سواء من خلال الوظائف المباشرة في البعثة، وعبر الشركات المحلية التي تتولى تزويدها بالخدمات والمواد الأساسية. ومع بدء تقليص الوظائف في إطار عملية الانسحاب التي تبدأ فعلياً نهاية العام الحالي، تزداد المخاوف من تداعيات اجتماعية واقتصادية تطول الموظفين وأسرهم، وصولاً إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على الإنفاق المرتبط بوجود القوات الدولية.

وتكتسب هذه التداعيات أهمية إضافية في مناطق حدودية لا تزال تعاني من آثار الحرب والأضرار التي لحقت بالنشاط الاقتصادي وفرص العمل؛ مما يجعل فقدان مصدر دخل ثابت ضربة جديدة للأسر التي تعتمد على الرواتب الشهرية لتأمين احتياجاتها الأساسية.

دورية لقوات «يونيفيل» في بلدة المنصوري جنوب مدينة صور بجنوب لبنان يوم 2 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

400 موظف محلي يعملون مع «يونيفيل»

ووفق الناطقة باسم «يونيفيل»، كانديس آرديل، فإن نحو 400 موظف محلي يعملون لديها راهناً، يتمركز معظمهم في الجنوب، في حين هناك بعض الوظائف في بيروت.

وتشير آرديل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الموظفين المحليين يؤدون مختلف أنواع المهام؛ بدءاً من الأعمال التقنية اللازمة لدعم البعثة، مروراً بالأمن والترجمة والإعلام، ووصولاً إلى الشؤون السياسية والمدنية وغيرها»، لافتة إلى أن «معظم الوظائف يقع في الجنوب. عدد كبير من الموظفين يقيمون هناك، في حين أن بعضهم يتنقّل إلى عمله من مناطق أخرى».

وتنفي آرديل أن تكون قد انطلقت عملية خفض عدد الوظائف في إطار عملية تقليص عديد «يونيفيل» وانسحابها، موضحة أنه «من المتوقع أن تبدأ هذه العملية بعد 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026».

عائلات تعيش على راتب «يونيفيل»

في بلدة رميش الحدودية، لا تزال هناك 85 عائلة يعمل أفراد منها بصورة ثابتة لدى «يونيفيل»، ويتقاضون رواتب شهرية يتعيّشون وأسرهم بها. وقال الرئيس السابق لبلدية رميش، ميلاد العلم، في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك أيضاً نحو 250 عائلة أخرى يعمل أفراد منها في شركات متعاقدة مع (يونيفيل)، وهؤلاء سيفقدون بدورهم مصادر دخلهم الشهرية».

ووفق الباحث محمد شمس الدين، فقد تقلص عدد العاملين والمتعاقدين مع «يونيفيل» بشكل كبير، لافتاً إلى أن العدد الحالي «تراجع كثيراً بعدما كان في السابق في حدود 1200موظف».

جندي في «يونيفيل» يراقب عبر منظار التطورات بجنوب لبنان (يونيفيل)

خسارة ما بين 45 و55 مليون دولار سنوياً

ويقدم الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة قراءة دقيقة لحجم الخسائر المتوقعة، محذراً بأن التداعيات الاقتصادية والمالية لانسحاب قوات «يونيفيل» من جنوب لبنان لن تقتصر على المناطق الجنوبية، بل ستمتد إلى الاقتصاد اللبناني عموماً، سواء على مستوى تدفقات العملات الأجنبية والعمالة وحركة التجارة والاستثمار، فضلاً عن الأعباء الإضافية التي ستترتب على الخزينة اللبنانية.

ويوضح عجاقة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الموازنة السنوية لـ(يونيفيل) تبلغ نحو 553 مليون دولار، وفق الموازنة الممتدة من 1 يوليو (تموز) 2025 حتى 30 يونيو (حزيران) 2026»، مشيراً إلى أن «التقديرات ترجّح أن انسحابها سيؤدي إلى خسارة مباشرة في تدفقات العملات الأجنبية تتراوح بين 45 و55 مليون دولار سنوياً، نتيجة توقف الإنفاق المحلي للقوات الدولية، بما يشمل عقود الموردين المحليين والمطاعم والمتاجر وسلاسل التوريد».

وعلى صعيد العمالة، يقدّر عجاقة الخسائر المباشرة الناتجة عن فقدان أجور الموظفين اللبنانيين العاملين لدى «يونيفيل» بما يتراوح بين 15 و22 مليون دولار سنوياً، لافتاً إلى أن متوسط التعويض السنوي الصافي للموظف اللبناني يتراوح بين 15 و25 ألف دولار، متوقعاً أن يؤدي الانسحاب إلى خسارة مئات الوظائف المباشرة، فضلاً عن أكثر من 1200 فرصة عمل غير مباشرة مرتبطة بالنشاط الاقتصادي الذي تولّده القوات الدولية.

دورية لقوات «يونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان يوم 20 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وبشأن المؤسسة العسكرية، ينبّه عجاقة إلى أن انسحاب «يونيفيل» سيحمّل الخزينة اللبنانية أعباء تشغيلية إضافية تتراوح بين 25 و40 مليون دولار سنوياً؛ نتيجة اضطرار الجيش اللبناني إلى تحمّل نفقات كانت تُغطّى سابقاً من خلال التعاون مع القوات الدولية، بما فيها الوقود والحصص التموينية وصيانة الآليات والخدمات اللوجستية المرتبطة بالدوريات المشتركة، عادّاً أن هذه الأعباء «ستزيد الضغوط على المالية العامة، وقد تؤدي إلى تفاقم العجز الأولي».

أما القطاع العقاري، فيرى عجاقة أنه سيكون من بين القطاعات الأكبر تأثراً، «لا سيما في مناطق الناقورة وصور ومرجعيون وبنت جبيل، حيث يُتوقع أن يؤدي إنهاء مئات عقود الإيجار؛ التي يشغلها موظفون مدنيون وعسكريون تابعون للقوات الدولية، إلى خسائر سنوية تتراوح بين 10 ملايين و18 مليون دولار». كما يحذّر من «احتمال تراجع قيمة الأصول العقارية التجارية والسكنية في المناطق المتأثرة بنسبة تتراوح بين 25 و45 في المائة».


فهمي من جنوب لبنان: الاعتداءات الإسرائيلية غير مقبولة

الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي مستمعاً إلى ضابط بالجيش اللبناني يشير إلى مناطق تحتلها القوات الإسرائيلية في زوطر الغربية بجنوب لبنان وإلى جانبهما وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (أ.ب)
الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي مستمعاً إلى ضابط بالجيش اللبناني يشير إلى مناطق تحتلها القوات الإسرائيلية في زوطر الغربية بجنوب لبنان وإلى جانبهما وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (أ.ب)
TT

فهمي من جنوب لبنان: الاعتداءات الإسرائيلية غير مقبولة

الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي مستمعاً إلى ضابط بالجيش اللبناني يشير إلى مناطق تحتلها القوات الإسرائيلية في زوطر الغربية بجنوب لبنان وإلى جانبهما وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (أ.ب)
الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي مستمعاً إلى ضابط بالجيش اللبناني يشير إلى مناطق تحتلها القوات الإسرائيلية في زوطر الغربية بجنوب لبنان وإلى جانبهما وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد (أ.ب)

أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، أن الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان «أمر غير مقبول»، مشدداً على أن المواقف العربية يجب ألا تقتصر على التنديد والاستنكار، بل أن تُترجم إلى خطوات عملية لدعم لبنان، وتعزيز قدرات جيشه، وتسهيل عودة الأهالي إلى قراهم.

وأطلق فهمي مواقفه خلال زيارة إلى ثكنة بنوا بركات في مدينة صور بجنوب لبنان، رافقته فيها وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد. وتُعدُّ هذه الزيارة الأولى من نوعها لأمين عام للجامعة العربية إلى الجنوب، وتحمل رسالة تضامن مع أبنائه في ظلِّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتداعياتها الإنسانية والأمنية.

والتقى فهمي قائد قطاع جنوب الليطاني العميد نقولا ثابت، وكبار ضباط الجيش اللبناني، حيث اطّلع على الأوضاع الميدانية والتحديات التي تواجه المنطقة.

فهمي: دعم لبنان مسار مستمر

وقال فهمي إن زيارته إلى لبنان تنطلق من مسؤوليته تجاه الدول العربية وشعوبها، موضحاً أنه حرص على أن تكون من أولى زياراته الخارجية بعد توليه منصبه، نظراً إلى المكانة التي يحتلها لبنان لديه، ورغبته في الاطلاع من كثب على التحديات التي يواجهها اللبنانيون.

وأكد أن اختياره زيارة الجنوب يحمل رسالةً إلى أبنائه وإلى الخارج، مفادها بأن العالم العربي، إلى جانب المجتمع الدولي، يدرك حجم المعاناة التي يتعرَّضون لها، ومستعد للوقوف إلى جانبهم بخطوات ملموسة. وشدَّد على ضرورة تعزيز قدرات المؤسسات اللبنانية وتسهيل عودة المواطنين إلى قراهم ومنازلهم.

جنديان من الجيش اللبناني يغلقان طريقاً يؤدي إلى قرية تحتلها القوات الإسرائيلية وذلك باستخدام ناقلة جند مدرعة في زوطر الغربية بجنوب لبنان اليوم الثلاثاء (أ.ب)

وأشار فهمي إلى أن أول قرار صدر عن مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في سبتمبر (أيلول) الماضي تناول القضية اللبنانية بصورة شاملة، مستهدفاً معالجة أسباب الأزمة وجذورها، لا سيما الاعتداءات الإسرائيلية المتكرِّرة واستهداف المواطنين والإمكانات اللبنانية.

وفي ردِّه على أسئلة الصحافيين، وصف فهمي المشهد الذي عاينه في بلدة زوطر ومدينة النبطية بأنه «مؤسف»، عادّاً أنه يعكس منهجية إسرائيلية تقوم على هدم التجمعات السكنية والاستيلاء على الأراضي ومحاولة تهجير المواطنين، بما يهيئ المجال لاحتمال الاحتلال الإسرائيلي. وأكد ثقته بتمسُّك الشعب اللبناني بأرضه، مشيراً إلى أن الجامعة تتابع التطورات وتدرس، بالتعاون مع الحكومة اللبنانية، ما يمكن القيام به لإعادة بناء لبنان وترسيخ الاستقرار.

وفيما يتعلق بإعادة الإعمار، أوضح أن الملف يتطلب العمل في قطاعات متعددة، لكنه لا ينتقص من مسؤولية الجامعة العربية والتزامها تجاه لبنان. وأكد أن هذا الالتزام «بداية مسار مستمر وليس نهاية المطاف»، مشدداً على أن المواقف العربية يجب أن تتجاوز الاستنكار إلى خطوات عملية لدعم الدولة والجيش. وقال: «نحن داعمون لكم، ونتمنى لكم كل الخير».

ثابت: دعم عربي للجيش... وإعادة إعمار الجنوب

من جهته، أشار قائد قطاع جنوب الليطاني العميد نقولا ثابت، إلى «الدلالات السياسية والوطنية لزيارة الوفد العربي»، مؤكداً أهمية التضامن مع لبنان في مواجهة التحديات التي تهدِّد أمنه واستقراره وسيادته.

ولفت إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية خلّفت دماراً واسعاً وأدت إلى نزوح آلاف اللبنانيين، في حين لا يزال استمرار الاحتلال والمخاطر الأمنية يحولان دون عودة الأهالي الآمنة إلى قراهم، ويعرقلان انتشار الجيش حتى الحدود الدولية المعترف بها.

الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي مستمعاً خلال جولته في الجنوب إلى شرح ضابط بالجيش اللبناني حول الاعتداءات الإسرائيلية (أ.ب)

ودعا ثابت إلى تحرُّك عربي ودولي فاعل لضمان وقف الاعتداءات، والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، واحترام السيادة وقرارات الشرعية الدولية، مؤكداً أن الجيش يواصل أداء واجبه رغم صعوبة الظروف ومحدودية الإمكانات.

وأعرب المسؤول العسكري اللبناني عن أمله في أن تسهم الجامعة العربية في حشد الدعم السياسي والدبلوماسي للبنان، وتعزيز قدرات الجيش والمساهمة في إعادة إعمار الجنوب. كما دعا إلى وضع ترتيبات مستدامة للمرحلة التي تلي انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، بالتعاون مع الأمم المتحدة والشركاء الدوليِّين، بما يمنع نشوء فراغ أمني في إطار تنفيذ القرار الدولي 1701.

ووصف ثابت الزيارة بأنها «حدث نادر يستحق التقدير»، لما تحمله من رسالة أمل وتأكيد لأن لبنان ليس متروكاً لمصيره، وختم متعهداً باسم العسكريِّين: «رفاقي وأنا في الجيش نتعهَّد أمامكم بأننا سنضحي بالغالي والنفيس للحفاظ على لبنان».


بعد ضبط متفجرات... القضاء اللبناني يصدر مذكرتي إحضار بحق مسؤولَين من «حزب الله»

سيارة تضم نازحين وترفع علم  «حزب الله» تظهر على الطريق السريع الذي يربط بيروت بجنوب لبنان (د.ب.أ)
سيارة تضم نازحين وترفع علم «حزب الله» تظهر على الطريق السريع الذي يربط بيروت بجنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

بعد ضبط متفجرات... القضاء اللبناني يصدر مذكرتي إحضار بحق مسؤولَين من «حزب الله»

سيارة تضم نازحين وترفع علم  «حزب الله» تظهر على الطريق السريع الذي يربط بيروت بجنوب لبنان (د.ب.أ)
سيارة تضم نازحين وترفع علم «حزب الله» تظهر على الطريق السريع الذي يربط بيروت بجنوب لبنان (د.ب.أ)

أصدر القضاء اللبناني اليوم الثلاثاء مذكرتي إحضار بحق مسؤولين اثنين من «حزب الله»، وفق ما أفاد مصدر قضائي «وكالة الصحافة الفرنسية»، على خلفية ارتباطهما بشحنة متفجرات ضبطتها الأجهزة الأمنية قبل نحو أسبوعين.

ويأتي ذلك وسط ضغوط متزايدة على «حزب الله» المدعوم من طهران، الذي أضعفته حربان متلاحقتان مع إسرائيل منذ العام 2023، وقررت الحكومة العام الماضي تجريده من سلاحه.

وأوقفت الأجهزة الأمنية في الثامن من الشهر الحالي شاحنة محملة بـ500 كيلوغرام من المواد الشديدة الانفجار أثناء نقلها من شرق البلاد باتجاه بيروت. وأوقفت سائقها وشخصا برفقته. وأقر «حزب الله» لاحقا بأن المتفجرات تعود له.

وقال المصدر القضائي المطلع على التحقيقات «أصدر مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم مذكرتي إحضار بحق مسؤولَين من (حزب الله)، بعدما توصلت التحقيقات الأولية في ملف شحنة المتفجرات الى تحديد كامل هويتيهما».

وتعمل الأجهزة الأمنية، وفق المصدر، على تحديد مكانيهما لتوقيفهما.

وكان مصدر أمني أفاد «وكالة الصحافة الفرنسية» بعد ضبط الشاحنة عن توقيف شخصين كانا بداخلها، أحدهما «ابن أحد المسؤولين في (حزب الله)، أما الآخر فينتمي إلى الحزب أيضا».

وخلال التحقيقات الأولية، أدلى الموقوفان بالاسم العسكري لشخصين آخرين قالا إنهما نسقا معهما عملية نقل المتفجرات، وهما الشخصان اللذان أصدر القضاء مذكرتي إحضار بحقهما.

وقال النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله في مؤتمر صحافي منتصف الشهر الحالي إن الحزب أبلغ «الأجهزة الأمنية والقضائية» بأن «السيارة وحمولتها تعودان الى المقاومة»، موضحا أنها «قدرات تستخدمها المقاومة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي».

ومنذ مطلع الشهر الحالي، أعلنت السلطات ضبط ثلاث شحنات متفجرات.

وأكد رئيس الحكومة نواف سلام أن حكومته «ستتعامل بالحزم المطلوب مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، حيازة ونقلا واستخداما».

وشدّد رئيس الجمهورية جوزيف عون السبت على أن الجيش والقوى الأمنية يتولون «تنفيذ قرارات الحكومة في شأن بسط سلطة الدولة ومنع المظاهر المسلحة ومصادرة الأسلحة والذخائر»، موضحا أنه «تتم إحالة المخالفين إلى القضاء الذي يقوم بواجبه كاملا في تطبيق القوانين وقرارت السلطة السياسية».

وإثر حرب مدمرة خاضها «حزب الله» وإسرائيل لأكثر من عام وانتهت بوقف لإطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أقرّت الحكومة اللبنانية خطة لنزع سلاح الحزب.

وبعد تجدّد الحرب بين الطرفين في الثاني من مارس (آذار)، خاضت حكومتا البلدين مفاوضات مباشرة برعاية أميركية، أثمرت توقيع اتفاق إطار في يونيو (حزيران) نصّ خصوصا على نزع سلاح الحزب وانسحاب اسرائيل تدريجيا من مناطق واسعة احتلتها جنوبا وانتشار الجيش اللبناني بدءا من مناطق «تجريبية».

ويرفض «حزب الله»، هو التشكيل الوحيد في لبنان الذي احتفظ بسلاحه بعد انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990) بحجة «مقاومة إسرائيل»، نزع سلاحه والمفاوضات المباشرة.