إسرائيل تدمّر المدارس في جنوب لبنان لمنع عودة السكان

تضرر 352 مدرسة ووزيرة التربية تدعو إلى ضغط دولي لوقف استهدافها

صورة تظهِر حجم الدمار في إحدى مدارس لبنان (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان)
صورة تظهِر حجم الدمار في إحدى مدارس لبنان (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان)
TT

إسرائيل تدمّر المدارس في جنوب لبنان لمنع عودة السكان

صورة تظهِر حجم الدمار في إحدى مدارس لبنان (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان)
صورة تظهِر حجم الدمار في إحدى مدارس لبنان (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان)

تفرض الحرب في جنوب لبنان تحدياً جديداً على القطاع التربوي مع اقتراب موعد بدء العام الدراسي، بعدما تحولت المدارس إلى واحدة من أكثر المؤسسات تضرراً بفعل القصف والدمار، في وقت يرى تربويون أن إعادة تأهيلها لم تعد مجرد استحقاق تعليمي، بل أصبحت شرطاً أساسياً لعودة آلاف العائلات إلى قراها الحدودية. وبينما تتواصل عمليات مسح الأضرار والاستعداد لورش الترميم، تتزايد المخاوف من أن يؤدي التأخير في إعادة تأهيل المدارس إلى حرمان آلاف التلامذة من استئناف تعليمهم بصورة طبيعية. وتتقاطع هذه المخاوف مع تحذيرات أممية من اتساع الأزمة، ودعوات رسمية إلى حماية المؤسسات التعليمية.

دعوة إلى وقف استهداف المدارس

وفي هذا السياق، أشارت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، في بيان، إلى أن «المؤسسات التربوية والاجتماعية لا تزال الهدف الرئيس للعدو الإسرائيلي، الذي دمَّر مجمع عبد الرؤوف فضل الله التربوي والاجتماعي في بلدة عيناثا قضاء بنت جبيل، والذي يضم ثانوية الإشراق ومبرة الخير ودار الرأفة». وأضافت: «إن هذا التدمير الممنهج للمؤسسات التربوية والرعائية يثبت في كل مرة أن العدو يعمل على جعل العودة إلى القرى المحتلة أكثر صعوبة؛ لأن المدارس هي عصب بقاء العائلات في بلداتها وقراها».

وتابعت: «أمام هذا الواقع المرير، نكرر النداء ونرفع الصوت مناشدين الدول الكبرى والمؤثرة الضغط على إسرائيل لوقف هدم المؤسسات التربوية والمنازل، سيما وأننا لا نزال في بداية مسار المفاوضات لتحقيق التهدئة والانسحاب الإسرائيلي من أراضينا».

كما أكدت: «أننا نقف إلى جانب مؤسسة المبرات الخيرية العريقة، مستنكرين العدوان الغاشم وشاجبين هذه الجريمة المتمادية بحق التربية والتعليم والمجتمع».

فتاة نازحة من جنوب لبنان في إحدى مدارس مدينة صور التي تحوّلت مركزاً للنازحين (أ ف ب)

ويأتي ذلك في وقت حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، في مطلع يوليو (تموز) الحالي، من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل في لبنان يواجهون خطر عدم العودة إلى مقاعد الدراسة مع انطلاق العام الدراسي المقبل، إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة قبل سبتمبر (أيلول) لإصلاح المدارس المتضررة وتأهيلها.

وأوضحت المنظمة أن 340 مدرسة رسمية وخاصة تعرضت لأضرار متفاوتة، في حين دُمرت 17 مدرسة بالكامل في محافظات النبطية والجنوب والبقاع وبعلبك - الهرمل وبيروت وجبل لبنان.

أرقام رسمية تكشف حجم الخسائر

ولا تقتصر التحذيرات على تقديرات المنظمات الدولية؛ إذ تُظهِر أرقام وزارة التربية والتعليم العالي اتساع حجم الدمار الذي أصاب القطاع التربوي نتيجة الحرب.

وتكشف أرقام صادرة عن وزارة التربية والتعليم العالي في أوائل شهر يوليو الحالي، عن أن الحرب خلّفت أضراراً واسعة في القطاع التربوي؛ إذ بلغ عدد المدارس الرسمية والخاصة المتضررة 352 مدرسة، بينها 26 مدرسة مدمرة كلياً، في حين تجاوز عدد الطلاب المتأثرين 125 ألف طالب.

ووفق الإحصاءات، تضررت 239 مدرسة رسمية، بينها 20 مدرسة مدمرة كلياً و27 بأضرار شديدة و63 بأضرار متوسطة و129 بأضرار طفيفة؛ ما انعكس على 71446 طالباً. كما تضررت 113 مدرسة خاصة، بينها 6 مدارس مدمرة كلياً و26 بأضرار شديدة و39 بأضرار متوسطة و42 بأضرار طفيفة، متسببة بتأثر 53761 طالباً.

وتشمل الخسائر أيضاً قطاع التعليم المهني والتقني، حيث تضررت 35 مؤسسة، بينها 4 مؤسسات مدمرة كلياً (اثنتان رسميتان واثنتان خاصتان).

أطفال يلعبون في باحة إحدى المدارس التي تحولت مركزاً للنازحين في منطقة عاليه في جبل لبنان (رويترز)

وتُظهر بيانات الوزارة أن الدمار الكامل في المدارس الرسمية تركز في الجنوب، مع 8 مدارس في قضاء بنت جبيل، و7 في مرجعيون، و4 في صور، ومدرسة واحدة في النبطية؛ ما يجعل هذه الأقضية الأكثر تضرراً على مستوى البنية التربوية.

دمار واسع في مدارس الجنوب

وإذا كانت الأرقام الرسمية ترسم صورة شاملة لحجم الخسائر على مستوى لبنان، فإن المعطيات الميدانية التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» تكشف عن تفاصيل الأضرار التي أصابت المدارس في جنوب البلاد، وحجم أعمال التأهيل المطلوبة قبل انطلاق العام الدراسي المقبل.

وكشفت مصادر تربوية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، عن أن «الحصيلة الأولية للأضرار التي خلفتها الحرب في القطاع التربوي تشير إلى تدمير ثماني مدارس بشكل كامل في القرى الأمامية، في حين تحتاج نحو مائة مدرسة أخرى إلى أعمال ترميم وصيانة متفاوتة قبل التمكن من استقبال التلامذة مع انطلاق العام الدراسي المقبل».

وقالت المصادر إن «المدارس التي تعرضت للتدمير الكلي تقع بمعظمها في القرى الأمامية، في حين توزعت الأضرار في بقية المدارس بين إصابات مباشرة بالقذائف وتداعيات القصف؛ ما أدى إلى تحطم النوافذ والأبواب والأسقف، وتصدع عدد من المباني، فضلاً عن أضرار في الصفوف والمرافق التعليمية».

وأضافت أن «قسماً كبيراً من المدارس في المناطق الآمنة نسبياً استُخدم خلال الحرب مراكز لإيواء النازحين؛ الأمر الذي أدى إلى تضرر التجهيزات والأثاث المدرسي، وبات يستوجب تنفيذ أعمال تأهيل تشمل إعادة طلاء الصفوف، وصيانة المرافق، واستبدال الطاولات والمقاعد التي تعرض كثير منها للتلف».

وأوضحت المصادر أن الأضرار لا تقتصر على القرى الأمامية، «بل تمتد إلى مدارس في منطقة صور والبلدات الواقعة بين المنصوري وصور»، مؤكدة أن «جميعها تحتاج إلى مستويات مختلفة من الصيانة قبل بدء الدراسة».

وشددت على أن الأولوية «العاجلة تتمثل في إعادة تركيب الزجاج وإصلاح النوافذ والأبواب قبل حلول فصل الشتاء، محذرة من أن تأخر هذه الأعمال سيصعّب تشغيل المدارس بصورة طبيعية، في حين تتفاوت بقية الأضرار بين مدارس أصابتها قذيفة أو أكثر، وأخرى تعرضت لتصدعات أو أضرار إنشائية جزئية تتطلب تدخلاً سريعاً».

حق التعليم في مواجهة الحرب

ولا يقتصر القلق على حجم الدمار، بل يمتد إلى انعكاساته على مستقبل آلاف التلامذة؛ وهو ما دفع لجنة التربية النيابية إلى تكثيف اتصالاتها مع الجهات المعنية.

أطفال نازحون يلعبون في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية التي تحولت مركزاً للنازحين (رويترز)

وأكد عضو لجنة التربية النيابية النائب بلال الحشيمي لـ«الشرق الأوسط»: أن لجنة التربية النيابية تتابع ملف استهداف المؤسسات التعليمية في جنوب لبنان، مشدداً على «أن المدارس والمؤسسات التربوية محمية بموجب القوانين والمواثيق الدولية، وأن استمرار استهدافها يهدد مستقبل آلاف الطلاب».

وقال الحشيمي: «لجنة التربية النيابية تتابع هذا الملف بشكل حثيث، ونعمل على إيصال القضية إلى الجهات المعنية من أجل وضع حد لاستهداف المؤسسات التربوية؛ لأن ما يجري لا يمكن السكوت عنه».

وأضاف: «المؤسسات التعليمية هي مؤسسات مدنية مخصصة للتعليم، ولا يجوز استهدافها تحت أي ظرف. فالقوانين والقرارات الدولية تكفل حماية المدارس وحق الأطفال في التعليم، ولا يحق لأحد حرمانهم من هذا الحق».

وأشار إلى أن اللجنة تواصل اتصالاتها مع الجهات الدولية المعنية، مؤكداً أن «استمرار تدمير المدارس يهدد مستقبل الطلاب في الجنوب، ويترك آثاراً خطيرة على العملية التعليمية، فضلاً عن انتهاكه حق الأطفال في متابعة تعليمهم».


مقالات ذات صلة

مخاوف زجّ لبنان بالحرب تتصاعد وسلام يحذّر من «مغامرة عبثية»

المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)

مخاوف زجّ لبنان بالحرب تتصاعد وسلام يحذّر من «مغامرة عبثية»

تتزايد في لبنان التحذيرات السياسية والرسمية من مغبة انخراط البلاد في أي مواجهة عسكرية مقبلة في المنطقة.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)

حلفاء طهران في بغداد وبيروت يرون في خسارة حزب ترمب «نصراً» لإيران

تماهى حلفاء إيران في العراق ولبنان مع موقفها من نتائج الانتخابات الأميركية؛ إذ رأت في خسارة حزب الرئيس الأميركي للأغلبية في الكونغرس «ضربة» سياسية له

المشرق العربي أفراد عائلات ضحايا انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وسفراء دول عدة يحيون الذكرى السادسة للانفجار (أرشيفية - أ.ف.ب)

استجواب 4 جنرالات سابقين كمدعى عليهم في انفجار مرفأ بيروت

شهد ملف انفجار مرفأ بيروت تطوراً جديداً، تمثل باستجواب المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، أربعة ضباط سابقين في الجيش اللبناني.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (أ.ب)

رئيس الوزراء اللبناني يحذر من «مغبّة» جر البلاد إلى حرب جديدة

حذّر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، الأربعاء، من «مغبة» جرّ لبنان إلى حرب جديدة، في موقف موجّه إلى «حزب الله» الذي أدخل البلاد في الحرب قبل أشهر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

قصف إسرائيلي يستهدف بلدات في جنوب لبنان

قصفت المدفعية الإسرائيلية، عصر اليوم الثلاثاء، أطراف بلدة عيتا الجبل في جنوب لبنان، كما طال القصف أطراف بلدتيْ ميفدون وزوطر الشرقية بجنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

بغداد والمنامة تتطلعان إلى «توحيد المواقف» إزاء قضايا المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة 4 نوفمبر 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة 4 نوفمبر 2026 (رويترز)
TT

بغداد والمنامة تتطلعان إلى «توحيد المواقف» إزاء قضايا المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة 4 نوفمبر 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة 4 نوفمبر 2026 (رويترز)

قالت البحرين، الأربعاء، إن رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي الذي زار المنامة الأربعاء، أعرب عن «إدانته للعدوان الإيراني على المملكة»، وذلك بعد لقائه الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وولي العهد سلمان سلمان بن حمد آل خليفة.

وقال مكتب رئيس الوزراء في بيان، إن الزيدي التقى العاهل البحريني خلال زيارته الرسمية إلى العاصمة المنامة، ووجّه إليه دعوة لزيارة العراق، مشيراً إلى أن الزيارة تأتي لإحياء العلاقة التاريخية بين البلدين.

وأكد الزيدي السعي إلى توطيد التعاون الثنائي في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والسياسية والاجتماعية، مبيناً أن البلدين يمتلكان أمناً مشتركاً، وأنه لا بد من توحيد المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية.

وشدد على أهمية العمل لتحقيق الاستقرار في المنطقة وتغليب لغة الحوار، لإحلال السلام وإنهاء التوتر.

من جانبه، رحَّب عاهل البحرين بزيارة رئيس الوزراء العراقي، معتبراً أنها ستفتح آفاقاً جديدة للعلاقات بين البلدين، مؤكداً دعم بلاده للحكومة العراقية، مشيراً إلى أهمية العمل لتحقيق الأمن والاستقرار والمحافظة على المصالح المشتركة، وتوطيد العلاقات الثنائية بما يعزز العمل العربي المشترك.

وأوردت وكالة أنباء البحرين، أن الملك حمد بن عيسى آل خليفة «أعرب عن تقديره لجهود دولة رئيس الوزراء العراقي وحرصه على تعزيز أطر التعاون الثنائي وتوثيق الروابط المتينة مع المملكة، ومواقف جمهورية العراق وتضامنها ودعمها لمملكة البحرين وإدانتها للعدوان الإيراني الذي استهدف المملكة».

من جانبه، أكد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء البحريني، على العلاقات التاريخية الوطيدة التي تربط مملكة البحرين وجمهورية العراق وما تشهده من تقدمٍ مستمر، مشيراً إلى أهمية مواصلة العمل على تعزيز وتطوير أوجه التعاون والتنسيق المشترك بين البلدين في مختلف المجالات، والأخذ بها نحو آفاقٍ أرحب بما يحقق الأهداف والتطلعات المشتركة.

والتقى ولي العهد البحريني مع الزيدي في قصر «القضيبية»، حيث أكد الحرص على مواصلة البناء على ما تحقق من تعاونٍ مثمر، وخلق مزيدٍ من الفرص المستقبلية التي تعود بالخير والنماء على البلدين والشعبين، وفق وكالة أنباء البحرين.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة 4 نوفمبر 2026 (رويترز)

إدانة «العدوان الإيراني»

وأعرب رئيس مجلس الوزراء البحريني عن تقديره لجهود رئيس مجلس الوزراء بجمهورية العراق، وما يبديه من حرصٍ على مواصلة تعزيز التعاون الثنائي وتوثيق الروابط المتينة مع البحرين، ومواقف العراق وتضامنها ودعمها للبحرين وإدانتها العدوان الإيراني الذي استهدف المملكة.

كما جرى خلال اللقاء بحث عدد من القضايا وتطور الأحداث الإقليمية والدولية موضع الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها مستجدات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وتبادل وجهات النظر بشأنها، وأكد الجانبان في هذا الجانب دعمهما لكل المساعي الرامية لترسيخ الأمن الاستقرار وتعزيز السلم في المنطقة لما فيه مصلحة دولها وشعوبها.

وأعرب الزيدي عن شكره وتقديره لولي العهد البحريني «على ما يبديه سموه من حرصٍ واهتمام بمواصلة تطوير العلاقات الثنائية التي تجمع البحرين وجمهورية العراق والأخذ بها نحو مستوياتٍ أكثر تقدماً، بما يعود بالخير والنماء على البلدين والشعبين الشقيقين».


مخاوف زجّ لبنان بالحرب تتصاعد وسلام يحذّر من «مغامرة عبثية»

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)
TT

مخاوف زجّ لبنان بالحرب تتصاعد وسلام يحذّر من «مغامرة عبثية»

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (الرئاسة اللبنانية)

تتزايد في لبنان التحذيرات السياسية والرسمية من مغبة زج البلاد في أي مواجهة عسكرية مقبلة في المنطقة، في ظل الحديث عن ارتفاع احتمالات التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وعدم وجود ضمانات لعدم مشاركة «حزب الله» في أي مواجهة إلى جانب حلفائه الإقليميين، لا سيما بعد االمعلومات المتعلقة بمشاركة خبراء من الحزب في العمليات العسكرية في اليمن إلى جانب الحوثيين.

وفي موقف حمل دلالات سياسية واضحة، ولا سيما أنه جاء عقب لقاء بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في القصر الرئاسي، جدّد سلام رفضه القاطع لجرّ لبنان إلى أي حرب جديدة، مؤكداً أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية.

وقال سلام: «أمام مخاطر تجدّد الحرب في المنطقة، أكرّر التحذير من مغبّة جرّ لبنان إلى أيّ مغامرة عبثية جديدة خدمة لمصالح خارجية وزجّه في مواجهات لا يملك ترف تحمّل تبعاتها».

وأضاف: «إنّ حماية لبنان مسؤولية وطنية تقتضي تغليب مصلحته العليا على أيّ حساب آخر، والالتزام بأن يكون قرار الحرب والسلم حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية. ولن نقبل أن يُفرض على اللبنانيين مصيرٌ لم يختاروه، أو أن يتحوّل وطنهم مجدّداً ساحةً لصراعات الآخرين».

ولم يقتصر موقف سلام على رفض زجّ لبنان في أي مواجهة إقليمية، بل ذهب إلى إدانة أي تدخل لبناني في الشؤون الداخلية للدول العربية، في إشارة مباشرة إلى مشاركة «حزب الله» في العمليات باليمن، قائلاً: «إنني أستنكر وأدين بشدة قيام أي عناصر أو مجموعات لبنانية بالتدخل في الشؤون الداخلية للأشقاء العرب، ولا سيما القيام بأي شكل من النشاطات العسكرية التي تهدد أمن وسلامة بلادهم، وآخرها ما أعلنته حكومة اليمن الشقيق». وشدد على أن هذه الأعمال «لا يمكن أن ينتج منها سوى الضرر للبنان ومصالح أبنائه»، مؤكداً الحرص على احترام سيادة الدول العربية وأمنها.

وبعد الظهر، أعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس عون اتصل برئيس مجلس القيادة الرئاسي في الجمهورية اليمنية الدكتور رشاد محمد العليمي، وأبلغه حرص لبنان على سيادة الدولة اليمنية ورفض تدخل أي أفراد أو مجموعات في شؤونها الداخلية أو القيام بنشاطات تمس أمنها واستقرارها وسلامة أبنائها.

تطمينات بلا ضمانات

وأوضحت مصادر وزارية أن زيارة سلام إلى القصر الرئاسي سبقت جلسة مجلس الوزراء المقررة في السراي الحكومي الخميس، قبل أن يعلن عن تأجيلها بعد الظهر إلى الأسبوع المقبل، مشيرة إلى أن اللقاءات بين رئيسي الجمهورية والحكومة تسبق عادة الجلسات التي لا تُعقد في القصر الجمهوري؛ بهدف التشاور في جدول الأعمال والتطورات العامة.

وبعد الظهر، أعلنت رئاسة الحكومة تأجيل الجلسة إلى الأسبوع المقبل بسبب مغادرة وزير الطاقة إلى قطر لمتابعة المباحثات مع الجانب القطري لتطوير قطاع الكهرباء، لا سيما وأنه كان يفترض البحث بملف الكهرباء.

وأوضحت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن اللقاء تناول، إلى جانب جدول أعمال الجلسة، نتائج الانتخابات النصفية الأميركية والتهديدات الإسرائيلية المتواصلة ضد لبنان، إضافة إلى المعلومات المتداولة عن مشاركة «حزب الله» في اليمن. ولفتت إلى أن المواقف التي أطلقها سلام، بالتوافق مع الرئيس عون، جاءت في ضوء المعطيات والوقائع القائمة، لا سيما الحديث عن احتمالات التصعيد الإقليمي والمعلومات التي أشارت إلى مشاركة خبراء من «حزب الله» في اليمن.

وأكدت المصادر أن هذه المواقف تجدد التأكيد على توجه رئاسة الجمهورية والحكومة الرافض لزج لبنان في أي حرب جديدة، على غرار ما حصل في مراحل سابقة، مشيرة إلى أن «هناك بعض التطمينات التي وصلت من قِبل (حزب الله) بأنه لن يدخل الحرب، لكن لا توجد أي ضمانات في هذا الإطار»؛ ما يبقي «الحذر والترقب سيد الموقف».

الجميّل: لا يمكن التعويل على ضمانات «حزب الله»

وفي سياق المواقف السياسية اللبنانية الرافضة أي انخراط في مواجهة إقليمية، وضع رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل احتمال جرّ لبنان إلى حرب جديدة إلى جانب إيران في صدارة المخاطر، محذّراً من تكرار تجربة حروب الإسناد.

وقال الجميّل إن «الدولة لا يمكنها التعويل على ضمانات (حزب الله)، الذي يرتبط قراره العسكري بإيران و(الحرس الثوري)»، مشدداً على ضرورة «إصدار تحذير رسمي حاسم مقرون بإجراءات تنفيذية يتولاها الجيش اللبناني لمنع انخراط لبنان في أي مواجهة».

وعدّ أن «قرار الحرب والسلم ليس بيد (حزب الله)»، داعياً القوى الشيعية التي لا تأتمر بأوامر طهران، وفي مقدّمها المعارضة الشيعية وحركة أمل، إلى «اتخاذ موقف عملي واضح يرفض زج البلاد في الحرب»، مع ضرورة حماية هذه القوى من الترهيب.

مؤيدون لـ«حزب الله» يردّدون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

أبو فاعور: إدخال لبنان في الحرب خطيئة لا تُغتفر

من جهته، حذّر عضو اللقاء الديمقراطي النائب وائل أبو فاعور، من خطورة المرحلة، عادَّاً أن المنطقة برمتها تقف على صفيح ساخن، وأن احتمالات الحرب لا تزال قائمة ما لم تنجح تسويات اللحظة الأخيرة.

وقال أبو فاعور إن «المنطقة برمّتها على صفيح ساخن، وإن طبول الحرب تقرع ما لم تنجح تسويات اللحظة الأخيرة، في حين تواصل قوات الاحتلال تدمير الجنوب من دون رادع».

ورأى أن «إقدام أي طرف داخلي، وتحديداً (حزب الله)، على إدخال لبنان في حرب كهذه إذا اندلعت، يشكّل خطيئة لا تُغتفر بحق لبنان واللبنانيين».

وأضاف أبو فاعور: «لإيران مصالحها، وللبنان مصالحه التي يقرّرها اللبنانيون بتفاهمهم عبر مؤسساتهم الدستورية. كفى تدميراً للبنان على يد الاحتلال الإسرائيلي من أجل مصالح إيران وحساباتها التي لا تقيم اعتباراً لأحد سواها».

«حزب الله» ينفي مشاركته في عمليات اليمن

وفي مقابل الموقف الرسمي، سارع «حزب الله» إلى نفي مشاركة خبراء في إدارة العمليات العسكرية إلى جانب الحوثيين، مؤكداً أن هذه الاتهامات «عارية عن الصحة جملة وتفصيلاً ولا تستند إلى أي وقائع».

وشدد الحزب على أن «الشعب اليمني يمتلك من القدرات والإمكانات والخبرات ما يجعله قادراً على الدفاع عن بلده وسيادته وأنه ليس بحاجة إلى دعم أو تدخل من أحد».


حلفاء طهران في بغداد وبيروت يرون في خسارة حزب ترمب «نصراً» لإيران

متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

حلفاء طهران في بغداد وبيروت يرون في خسارة حزب ترمب «نصراً» لإيران

متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
متظاهرون إيرانيون يحملون رسماً ساخراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع أمام السفارة الأميركية السابقة في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)

تماهى حلفاء إيران في العراق ولبنان مع موقفها من نتائج الانتخابات النصفية الأميركية؛ إذ رأت في خسارة حزب الرئيس الأميركي دونالد ترمب للأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، «ضربة سياسية» له، ورفضاً شعبياً أميركياً للحرب (على إيران).

وتجاوزت أصداء نتائج الانتخابات في أوساط حلفاء إيران، حدود المشهد الانتخابي الداخلي، لتتحول إلى مادة سياسية لقراءة تداعياتها على المواجهة الأميركية مع إيران، وعلى مستقبل السياسات التي انتهجتها إدارة دونالد ترمب في المنطقة.

بغداد

ففي بغداد، لم تعلق القوى الأساسية في البلاد على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، لكن ثمة اعتقاداً ساد جماعات موالية لإيران، منذ إعلان النتائج فجر الأربعاء، بأن «خسارة ترمب انتصار لإيران».

وكتب ناشطون مقربون من فصائل وقوى شيعية، أن إيران «كسبت بالفعل جولة جديدة من الحرب مع الولايات المتحدة»، في إشارة إلى نتائج الانتخابات الأميركية.

وقال صلاح العرباوي، رئيس حزب «وعي» في تدوينة، إن «إيران أغلقت الطريق، وليس مضيق هرمز، بعد خسارة كل من ترمب و(بنيامين) نتنياهو» رئيس الحكومة الإسرائيلية.

وكانت دوائر سياسية في «الإطار التنسيقي»، الحاكم في العراق، تراقب عن كثب الانتخابات الأميركية، على حد تعبير أعضاء في «الإطار التنسيقي». وقالت إنهم كانوا يربطون النتائج باحتمالات وتوقيت استئناف الحرب ضد إيران.

وانتقد الناشط السياسي المستقل، حامد السيد، أوساطاً عراقية تفترض أن خسارة الجمهوريين انتصار لإيران. وكتب السيد في تدوينة على «إكس» أن «الملف الإيراني أحد عوامل خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية، لكن الناخب الأميركي يصوت وفق حسابات أكثر قرباً من مصالحه الداخلية».

مع ذلك، اعتبر المحلل السياسي إياد السماوي، في تدوينة عبر منصة «تلغرام»، أن «إيران حققت فوزاً كاسحاً، لأن ترمب خسر هامش المناورة العسكرية والسياسية وسيكون تحت وطأة رقابة أشد من الديمقراطيين».

بيروت

وفي بيروت، قادت السفارة الإيرانية موقف الدائرين في فلكها؛ إذ نشرت في «إكس» تعليقاً استحضرت فيه تجارب تاريخية، معتبرة أن «محاولات إخضاع إيران تنعكس سلباً على أصحابها داخل الولايات المتحدة، وأن المواجهة معها قد ترتد على من يخوضها سياسياً».

وقالت: «حين تُغيّر إيران النظام في أميركا! من طبس، حيث تبدّدت آمال كارتر بولاية ثانية، إلى صناديق الاقتراع، حيث دفع ترمب ثمن مواجهته الخاسرة مع إيران... كلّما حاول رئيس أميركي إخضاع طهران، ارتدّت عليه بلطجته في عقر داره».

وفي السياق نفسه، عكس مؤيدو إيران، خصوصاً جمهور «حزب الله»، هذا الموقف بتعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرين أن التراجع الانتخابي للجمهوريين واستعداد الديمقراطيين لاستعادة السيطرة على مجلسي الكونغرس يشكلان ضربة سياسية لترمب وسياساته، وانعكاساً لفشل نهج الضغط والمواجهة الذي اعتمده تجاه إيران.

وتذهب هذه الأوساط إلى اعتبار النتائج انتكاسة للمشروع المعارض لإيران، الذي راهن على تشديد الخناق عليها ومحاولة تغيير موازين القوى في المنطقة.

وتتوسع هذه القراءة لتربط بين الصندوق الانتخابي الأميركي والسياسات الخارجية لواشنطن، مستحضرة الحروب والتدخلات العسكرية ودعم إسرائيل، وما خلّفته من تداعيات في لبنان وفلسطين واليمن، باعتبار أن الإدارة الأميركية لم تكن بمنأى عن كلفة خياراتها الإقليمية، وأن انعكاساتها تجاوزت حدود المنطقة لتصل إلى الداخل الأميركي.

وفي المقابل، تتخذ بعض التعليقات طابعاً أكثر مباشرة، من خلال تصوير نتائج الانتخابات على أنها رسالة سياسية إلى ترمب، وتذكير بأن المواجهة مع إيران لا تخلو من أثمان داخل الولايات المتحدة نفسها.