الغاز والمواصلات و«التكيَّات»... أزمات تصعِّب حياة الغزيين في رمضان

المسحراتية في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
المسحراتية في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

الغاز والمواصلات و«التكيَّات»... أزمات تصعِّب حياة الغزيين في رمضان

المسحراتية في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
المسحراتية في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

تزداد الضغوط الحياتية اليومية على سكان قطاع غزة خلال شهر رمضان، الذي دخل يومه السادس، وسط عاصفة من الأزمات التي لا تنتهي عند غلاء أسعار السلع وخاصةً الأساسية منها، بل تمتد إلى احتياجاتهم التي بات الحصول أو الوصول إليها مجرد حلم.

أزمة الغاز

ومن بين تلك الأزمات، عدم توفر الغاز لإعداد الطعام، ما يرغم غالبية السكان على اعتماد الحطب والأخشاب التي تشح وترتفع أسعارها في الأسواق، خاصةً خلال شهر رمضان مع زيادة الطلب عليها، حتى من قبل المطاعم، في ظل النقص الحاد بالغاز.

وتعمل هيئة البترول في قطاع غزة، على توزيع حصص على المواطنين، بواقع 8 كيلوغرامات لكل رب أسرة، من دون موعد محدد، حيث توزع الحصة كل دورة لا تحدد مدتها بسبب الكميات المحدودة التي لا تدخل بشكل منتظم. ويقول حسان المصري (45 عاماً)، إن المواطن في غزة قد ينتظر 3 أو 4 أشهر حتى يحصل على 8 كيلوغرامات فقط من الغاز، أي أقل من استيعاب أسطوانة الغاز التي تصل إلى 12 كيلوغراماً أو أكثر.

فلسطينيون يتشاركون الإفطار وسط المنازل المدمرة جراء القصف الإسرائيلي بمدينة غزة الأحد (إ.ب.أ)

ويشير المصري، وهو نازح من بلدة بيت حانون شمال القطاع، المقيم بمركز إيواء بحي النصر في مدينة غزة، إلى أن هناك شحاً كبيراً جداً في الحطب والأخشاب بعد عامين من حرب دمرت كل شيء ولم تبق حتى الأشجار التي يمكن الاستفادة منها، مشيراً إلى أن هناك العديد من المواطنين قتلوا خلال محاولتهم الوصول إلى مناطق خطرة لجلب الحطب والخشب للاستخدام الشخصي لعوائلهم أو بهدف جلبها وبيعها في الأسواق في ظل الطلب عليها والذي ازداد بشكل كبير خلال شهر رمضان.

وتشرح سمر أبو الجبين، من سكان جباليا والنازحة في مركز الإيواء نفسه بحي النصر، تداعيات أزمة الغاز على قدرتها في إعداد الطعام، وخاصةً وجبة السحور في شهر رمضان لعائلتها المكونة من 9 أفراد، مبينةً أنها في بعض الأيام تعتمد خلال وجبة الإفطار على طعام التكيات الذي يصل جاهزاً من مؤسسات خيرية أو غيرها.

وأوضحت سمر أبو الجبين (52 عاماً)، أنها تضطر ليلاً إلى إيقاد النار بما يتوفر لديها من حطب أو خشب، لتجهيز وجبة السحور. قائلةً: «في الأيام المقبلة قد نكتفي بتناول التمر على وجبة السحور لأنه لا يتوفر الغاز لسهولة إعداد الوجبة، كما أن الحطب يشح بشكل كبير وسعره مرتفع، وزوجها لا يستطيع توفيره باستمرار بسبب الظروف الاقتصادية التي تعيشها العائلة».

أضافت أبو الجبين بلغة غلب عليها العجز: «حياتنا كارثية، تخيل كم كمية التعب لنشعل النار والدخنة اللي بتطلع منها في ساعات الفجر مشان نعمل وجبة نقدر ناكلها ونصوم عليها، أو حتى عند إعداد الإفطار أحياناً أمام باب الغرفة اللي بنعيش فيها بمركز الإيواء وبضمنا كلنا وبنام فيها كلنا... حياتنا لا يمكن لأحد أن يصفها لأن الواقع أصعب مما يمكن أن يعيشه أي إنسان آخر».

صورة من فوق لفلسطينيين يتشاركون الإفطار وسط المنازل المدمرة جراء القصف الإسرائيلي بمدينة غزة الأحد (إ.ب.أ)

التكيَّات

وما تعيشه سمر أبو الجبين خاصةً فيما يتعلق باعتمادها على التكيات الجيدة مقارنةً بآخرين، لم يكن أفضل حالاً بالنسبة للكثير من النازحين الذين يعيشون على تكيات الطعام المقدمة من مؤسسات عربية وإسلامية ودولية وحتى مبادرات شبابية وفردية، والتي تسوء حالاً من يوم إلى آخر.

وفي مخيم يقع على أطراف مخيم الشاطئ الشمالي، شمال غربي مدينة غزة، ويضم مئات الخيام للنازحين من شمال قطاع غزة، يعاني السكان من الطعام السيئ جداً الذي تقدمه التكيات والذي يصل بشكل أساسي من قبل مطابخ تعمل لصالح برنامج الأغذية العالمي، كما يؤكد العديد من سكانه في شهادات لـ«الشرق الأوسط».

ويقول المواطن أحمد لبد (39 عاماً) والنازح من بلدة بيت لاهيا، إنه منذ نحو شهرين أو أكثر، أي قبل شهر رمضان ونحن تصلنا تكيات الطعام سيئة جداً، وغالبيتها يتم إلقاؤها ولا يتم تناولها من قبل السكان إلا المضطرين جداً ولا يجدون ما يسدون رمق أطفالهم به، مبيناً أن هناك حالة من عدم المراقبة على عمل تلك المطابخ التي تعمل لصالح مؤسسات دولية وغيرها.

ويرى أن ما يجري هو استهانة بواقع النازحين وسكان قطاع غزة بشكل عام، مشيراً إلى أن هناك عائلات تقطن في منازل متضررة، وتأتي للتكية للحصول على الطعام بسبب ظروفها الاقتصادية الصعبة، لكن في النهاية غالبية ذلك الطعام باتت تلقى في القمامة. متسائلاً عن دور المسؤولين في برنامج الأغذية العالمي وغيره في فرض رقابة صارمة على ما يجري من إعداد ذلك الطعام.

فلسطينية تطبخ لعائلتها مستخدمة الحطب قرب خيمتها في غرب مدينة غزة 12 فبراير الحالي (أ.ف.ب)

ويشير الشاب فراس الكفارنة أحد سكان المخيم، إلى أنه منذ بداية شهر رمضان لم يتم جلب طعام جيد سوى في اليوم الأول، وما دون ذلك تم إلقاؤه في القمامة من قبل العوائل التي تقطن في المخيم، مشيراً إلى أن هناك شكاوى كثيرة من مختلف مخيمات النزوح ومراكز الإيواء في كل أنحاء قطاع غزة، بسبب الطعام السيئ جداً الذي يقدم للمواطنين.

وكانت وزارة التنمية الاجتماعية التابعة لحكومة «حماس»، قد اشترطت على جميع الجهات التي تقدم الطعام للمواطنين بغزة وخاصةً النازحين، تحسين جودته، وألا تكتفي بتقديم الأرز لوحده من دون إضافات، أو الاكتفاء بالطبخات السائلة من دون إضافات، مشددةً على ضرورة تقديم اللحوم والدواجن، خاصةً في ظل وفرتها بكثرة بعدما سمحت إسرائيل بدخول كميات كبيرة من المجمدات.

وبحسب الكفارنة، فإن هذا التعميم لم تلتزم به أي جهة حتى الآن. فيما قالت المواطنة نسرين الحلبي والتي تقطن في مخيم آخر للنازحين بحي النصر، إنه منذ بداية شهر الصيام، تم تسليمهم أرزاً بالدجاج مرتين، وفي كلتيهما تم إلقاؤه في القمامة بسبب سوء الطبخ.

وتقول نسرين الحلبي (48 عاماً) التي تعيش في خيمة مع أبنائها بعدما دمر منزلها: «الكل يتاجر في معاناتنا، حتى المساعدات التي تقدم إلنا فاسدة، ولا يوجد لا رقيب ولا حسيب».

المواصلات

ولا تتوقف معاناة الغزيين عند هذا الحد، بل تمتد إلى أزمة المواصلات في ظل نقص المركبات، وأزمة السيولة النقدية التي يحتاجها السكان بشكل أساسي لدفعها للسائقين للتنقل من مكان إلى آخر.

ويقول الشاب أنس حميد (21 عاماً) النازح من حي الشجاعية شرق مدينة غزة إلى حي النصر غرباً، إن السائقين يجبرون المواطنين على دفع أجرة تنقلهم نقداً، كما أنهم يتلاعبون بأسعار المواصلات من مكان إلى آخر ومن سائق إلى آخر ولا يلتزمون بتسعيرة واحدة. متسائلاً عن الدور الرقابي في هذا الشأن لدى الجهات الحكومية التابعة لـ«حماس».

عائلة فلسطينية نازحة تتجمع لتناول الإفطار في باحة مسجد مدمر جراء القصف الإسرائيلي غرب مدينة غزة 12 فبراير الحالي (أ.ف.ب)

بينما يقول السائق حسن الحناوي، إنهم لا يتعاملون بالدفع عبر التطبيقات الإلكترونية للبنوك أو المحافظ المالية التابعة لسلطة النقد، لأسباب عدة منها، عدم توفر الإنترنت بشكل ثابت، مما يمنعهم من الحصول على أموالهم بشكل مباشر عند صعود الراكب إلى المركبة، وكذلك بسبب عدم وجود حسابات بنكية أو محافظ مالية لدى جميع السائقين، وبسبب فرض بعض أصحاب محطات الوقود الدفع نقداً وليس عبر التطبيقات الإلكترونية.

وكانت حكومة «حماس» أصدرت أكثر من تعميم يجبر السائقين على تداول جميع العملات الورقية المهترئة وغيرها، ومحاولة العمل بالتطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية، غير أن الالتزام بذلك لم يكن كافياً، كما رصدت «الشرق الأوسط».

وفي ظل أزمات المواصلات وتدمير إسرائيل لأعداد كبيرة من المركبات خلال الحرب على قطاع غزة، لجأ غالبية السكان إلى استخدام الدراجات الهوائية التي لم يكن أهالي القطاع يعتمدونها كثيراً، لتستعيد بريقها من جديد رغم عدم توفرها بشكل كافٍ وارتفاع أسعار ما يتوفر منها بشكل كبير جداً مقارنةً بما قبل الحرب.

الشاب نبيل الطيف (26 عاماً)، استغل دراجته الهوائية، لقضاء حوائج أسرته، قبل أن يقرر الانضمام لأحد مكاتب «الدليفري»، والذي اعتمد على استخدام مركبات مختلفة في توصيل الطلبات للسكان، خاصةً بعد أن عاد نشاط المطاعم والمحال التجارية للعمل بشكل كبير جداً.

ويقول الطيف، إنه يستخدم دراجته الهوائية في نقل الطلبات من المطاعم والمحال التجارية إلى أصحابها، وتتفاوت أسعار النقل من مكان إلى آخر حسب مسافة المكان الذي تنقل إليه الطلبات. مبيناً أن ما دفعه لذلك هو الحاجة للعمل في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تحياه عائلته التي يريد مساعدتها على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.

ولوحظ اعتماد غالبية المكاتب العاملة في مجال «الدليفري» على ما يتوفر لدى الشبان من دراجات هوائية، ونادراً ما تكون هناك دراجات نارية، أو حتى دراجات كهربائية والتي باتت تنتشر أيضاً في أوساط الغزيين لكن بشكل محدود بعد أن سمحت إسرائيل بإدخالها لصالح تاجر واحد فقط، وسط أسعار باهظة جداً وصلت تكلفتها إلى أكثر من 3500 دولار، في حين قبل الحرب كانت تتراوح ما بين 500 إلى 700 دولار فقط.


مقالات ذات صلة

لماذا عادت إسرائيل لإبراز خطة «التهجير» لأهل غزة؟

تحليل إخباري أطفال فلسطينيون يملأون عبوات بالماء في مخيم للنازحين في دير البلح بقطاع غزة (أ.ب) p-circle

لماذا عادت إسرائيل لإبراز خطة «التهجير» لأهل غزة؟

أثار رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الجديد، الاستغراب بعدما دعا إلى اجتماع «طارئ» للبحث في خطة ما سمّاه «تشجيع الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من قطاع غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص رجل يجلس على تلة قرب مبانٍ مدمرة في مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص بالوثائق... «الشرق الأوسط» ترصد أبرز نقاط وتعديلات ملادينوف على رد «حماس» والفصائل

تظهر وثائق حصلت عليها «الشرق الأوسط»، أبرز النقاط والتعديلات التي أحدثها الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، على تعديلات حركة «حماس» والفصائل

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون مركبة مدمرة عقب غارة جوية إسرائيلية على مدينة غزة الخميس الماضي (إ.ب.أ)

إسرائيل تواصل اغتيال نشطاء «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في غزة

تواصل إسرائيل هجماتها داخل قطاع غزة، مخلفةً مزيداً من الضحايا على الرغم من الجهود الدبلوماسية المستمرة في القاهرة للتوصل إلى اتفاق ينهي الخروقات المستمرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيتان تبكيان أقارب لهما قتلوا بهجوم إسرائيلي خلال تشييعهم في مدينة غزة الخميس (رويترز)

خاص فصائل غزة تتشاور فيما بينها للرد قريباً على «تعديلات ملادينوف»

تجري قيادة «حماس» مشاورات مع الجناح العسكري «كتائب القسام» داخل القطاع، مشاورات بشأن التعديلات المقدمة من نيكولاي ملادينوف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص الفلسطيني محمود نوفل يمشط شعر حفيدته رنين (3 سنوات) والتي يتولى رعايتها بعد مقتل والديها في غارة إسرائيلية على خان يونس (أ.ب)

خاص مؤشرات «إيجابية» حول اتفاق غزة بعد لقاء ملادينوف مع «حماس» والوسطاء

أفاد مصدر من فريق مبعوث «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وآخر من حركة «حماس» بوجود مؤشرات «إيجابية» حول المضي في استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الهش في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

المنطقة التجريبية لنشر الجيش اللبناني في الجنوب مرهونة بتدخل واشنطن

جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

المنطقة التجريبية لنشر الجيش اللبناني في الجنوب مرهونة بتدخل واشنطن

جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
جولة من المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن في 3 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

توقف مصدر دبلوماسي غربي بارز أمام الأجواء التي سادت اجتماع اليوم الأول من الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، برعاية أميركية، الذي عقد على المستويين السياسي والعسكري، وقال إنه لم يحقق أي تقدّم وكاد يراوح مكانه، كاشفاً عن أن السبب الأول والأخير يكمن في أن تصاعد وتيرة الخلاف بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حول مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية حضر بامتياز من خلال المداخلات التي جرت بين الوفد الأميركي بشقيه العسكري والسياسي وسفير إسرائيل لدى أميركا يحيئيل ليتر الذي تحدث بلغة عالية السقوف؛ احتجاجاً على ضم إيران للخلية المكلفة بتثبيت وقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذه بين «حزب الله» وإسرائيل، في مقابل عدم إلحاق بلاده بها.

ومع أن المصدر الدبلوماسي أكد أمام أصدقائه أن الخلية، كما أُبلغ لبنانياً، لم تشكَّل بصورة نهائية، وأن ما يتم تناقله حول تركيبتها يتراوح بين ثلاثية تضم الولايات المتحدة، ولبنان وإيران، ورباعية بانضمام قطر إليها، وخماسية بإلحاق باكستان بها، ما يعني أن حسم مَنْ تضم من الدول يبقى رهن المشاورات، ما يفسر عدم تبلُّغ لبنان رسمياً بأسماء الدول الأعضاء فيها ليكون في وسعه بأن يبني على الشيء مقتضاه، رغم أن لبنان يؤيد أي جهد لتثبيت وقف النار كمدخل للبحث في وضع جدول زمني لانسحاب إسرائيل، في مقابل نشر الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها تدريجياً.

نازحون عائدون إلى مدينة النبطية حيث الدمار يلف المكان (أ.ب)

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» من مصدر مواكب للأجواء التي سادت الاجتماع التفاوضي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، بأن السفير ليتر، الذي يرأس وفد بلاده إلى المفاوضات أبدى تشدداً باعتراضه على استبعاد بلاده من الخلية التي انبثقت عن بدء المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول مذكرة التفاهم في سويسرا برعاية باكستانية - قطرية، في مقابل ضم إيران إليها، وهذا يخالف ما تعهّدت به الإدارة الأميركية بإخراجها من الملف اللبناني ونزع سلاح «حزب الله».

وقال المصدر إن رئيس الوفد الأميركي اضطر للتدخل مرات للرد على السفير الإسرائيلي في محاولة لتنعيم موقفه بطمأنته بأن إشراك إيران ضروري في الخلية لتضغط على «حزب الله» لإلزامه بالتقيد بما ورد في مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية بالحفاظ على وحدة لبنان وسيادته على كافة أراضيه.

ونقل عن لسان مصدر دبلوماسي أميركي في بيروت قوله إنه لا مجال للربط بين المسارين: اللبناني والإيراني، وقد حُسم ولا عودة عن القرار في هذا الخصوص. وهذا ما أكده الرئيس ترمب مراراً ويردده باستمرار وزير خارجيته ماركو روبيو، وبالتالي لا داعي للقلق ولا مبرر للتشدد من قبل إسرائيل، إفساحاً في المجال أمام التوافق على المنطقة التجريبية التي يفترض أن ينتشر فيها الجيش اللبناني بغياب أي سلاح غير شرعي التزاماً من الحكومة بحصريته بالدولة، على أن تكون النموذج الذي سينسحب تلقائياً على المناطق الأخرى التي يُفترض أن ينتشر فيها الجيش تدريجياً بعد انسحاب إسرائيل على دفعات من الجنوب حتى الحدود الدولية.

وكشف المصدر اللبناني عن أن الوفد العسكري حضر إلى واشنطن ولديه خطة متكاملة لانتشار الجيش في الجنوب في المنطقة التي تنسحب منها إسرائيل تباعاً، على أن يأتي انسحابها ضمن جدول زمني يتم الاتفاق عليه في مفاوضات واشنطن، في مقابل إخلاء «حزب الله» لجنوب الليطاني واستعداده للبحث في تسليم سلاحه بوصفه شأناً داخلياً، شرط أن يتعهّد بعدم استخدامه أو التنقل به وصولاً لاحتوائه بحسب الخطة التي كانت وضعتها قيادة الجيش وتبنّاها مجلس الوزراء لتطبيق حصرية السلاح.

وبالنسبة للمنطقة التجريبية التي طُرحت في جولة المفاوضات السابقة، فإن الأجواء المشحونة التي سيطرت على الاجتماع الأول من الجولة الخامسة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي على المستويين السياسي والعسكري حالت، كما يقول المصدر، دون التوافق على المنطقة التي ستكون نموذجاً مبدئياً لنشر الجيش، وإنما ضمن خطة تنسحب تدريجياً على المناطق الأخرى التي يفترض على إسرائيل أن تنسحب منها حتى الحدود الدولية.

مواطنة لبنانية تتفقد منزلها المدمر نتيجة القصف الإسرائيلي في مدينة النبطية (أ.ب)

ورداً على سؤال، لفت المصدر إلى أن لبنان اقترح قبل اندلاع المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل، على امتداد الحافة الأمامية لشمال نهر الليطاني المطل على جنوبه، أن تضم المنطقة التجريبية الأولى قلعة الشقيف والبلدات المحيطة بها بهدف تحييد النبطية وجوارها عن الحرب المشتعلة بينهما، لكن بسبب احتلال إسرائيل قلعة الشقيف والبلدات المحيطة بها ومحاولتها السيطرة على تلة علي الطاهر قد نضطر لاختيار منطقة تجريبية بديلة ما دامت إسرائيل لن تنسحب من القلعة، فيما يرفض «حزب الله» إخلاء التلة؛ لما تتمتع به من موقع استراتيجي يطل على شمال إسرائيل.

ورأى أن عدم استعداد إسرائيل للانسحاب من الشقيف ودفاع «حزب الله» المستميت عن التلة قد يعطي الأولوية لاختيار البلدات الواقعة في قضاء صور؛ نظراً لأن القضاء أقل اشتعالاً من قضاء النبطية الذي يضم قرى تقع على الحافة الأمامية لشمال النهر المطل على جنوبه، إضافة إلى أن «حزب الله» يقاوم بشدة محاولات إسرائيل للسيطرة على تلة علي الطاهر كونها تشكل له خط الدفاع الأول والأخير عن مواقعه في شمال النهر.

وعليه، فإن اليوم التالي من الجولة الخامسة سيفتح الباب مجدداً أمام البحث بالمنطقة التجريبية وتحديد حدودها، وهذا يبقى رهن تدخل واشنطن الضاغط على تل أبيب لإقناعها بتسهيل انتشار الجيش في المنطقة النموذجية الأولى كبديل عن قلعة الشقيف وجوارها. فهل يتجاوب نتنياهو مع ترمب أم أنه يصر بالرد عليه في لبنان؟


اغتيال عناصر القوات السورية... نمط متكرر وخلل أمني كبير

عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)
عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)
TT

اغتيال عناصر القوات السورية... نمط متكرر وخلل أمني كبير

عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)
عناصر من الجيش السوري على مركبة عسكرية في دير حافر بريف حلب خلال يناير 2026 (رويترز)

لم تكن عملية اغتيال عنصرين تابعين للجيش السوري قرب مدينة منبج شرق حلب، مؤخراً، الأولى من نوعها، بل مثّلت نمطَ هجمات متكرراً ضد القوات الحكومية، كاشفةً عن خلل إداري وأمني كبير تستغله التنظيمات المناهضة للإدارة السورية الجديدة في استهداف المنتسبين.

وأكدت إدارة الإعلام والاتصال بوزارة الدفاع السورية، في 20 يونيو (حزيران) الحالي، مقتل جنديين ينتميان إلى «الفرقة الـ76»، إثر تعرضهما لاستهداف من قبل مجهولين قرب مدينة منبج، وكانا يستقلان دراجة نارية على أحد الطرق القريبة من منبج عندما تعرضا لإطلاق نار مباشر.

ورصدت «الشرق الأوسط»، منذ سقوط نظام الأسد، كثيراً من الحوادث المشابهة ضد عناصر الأمن والجيش السوري، غالباً ما تقع خلال توجههم إلى نقاط خدمتهم أو مغادرتهم إياها، مستقلين دراجات نارية أو متنقلين بشكل متقطع، وهو ما يعدّه كثيرون غياباً لتدابير الحماية ولتنظيم آلية إبدال الأفراد.

وشهد ريف حلب كثيراً من حوادث الاغتيال خلال هذا العام، أبرزها مقتل عنصرين من الجيش السوري في مارس (آذار) الماضي، وآخر يتبع وزارة الداخلية في شهر أبريل (نيسان) الماضي، قرب بلدة الراعي، وغيرهما من الحوادث التي جرت في غالبية المحافظات السورية من درعا واللاذقية وريف حماة وحمص.

إحراج الدولة السورية

ازدادت المطالب التي تحث المنتسبين على تجنب التنقل الفردي وعلى عدم ارتداء الزي العسكري أو استخدام الدراجات النارية في المناطق المنقطعة التي ترتفع فيها معدلات الخطر ويصعب وصول الدعم إليها.

وهذا ما شدد عليه أيضاً مدير مكتب وزير الداخلية السوري، الرائد خالد العبد الله، في حديثه عن وجود تعاميم متكررة من وزارتي الدفاع والداخلية، تخص منع ارتداء الزي الرسمي خارج أوقات العمل، وضرورة التزام إجراءات الأمان المطلوبة في ظل الأوضاع السورية الراهنة. وهو يرى أن الهدف المباشر من هذه العمليات التي تشنها الجماعات المناهضة للإدارة الجديدة، من تنظيم «داعش» وفلول النظام البائد، يتمثل في «محاولة إحراج الدولة السورية».

هجوم استهدف حافلة مبيت للجيش السوري على طريق رأس العين كانت آتية من قاعدة الرميلان بالحسكة يوم 11 مايو الماضي (متداولة)

ورغم تأكيده على العمل الحثيث لبسط الأمن والقضاء على التنظيمات والجماعات المسلحة، وقطع شوطٍ كبيرٍ على هذه الطريق الشاقة، فإنه لم يفوت فرصة الإشارة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى «استمرار التحديات الداخلية والخارجية التي تعمل الدولة السورية على تجاوزها وإنهاء خطرها».

تشييع أحد عنصرين في الجيش السوري بعد استهدافهما من قبل مجهولين قرب منبج شمال شرقي حلب يوم 20 يونيو (سانا)

منبج أخطر الطرق

وتحدث أبو محمد الحسين، المسؤول عن كتلة حواجز في ريف حلب الشرقي، عن وجود مشكلة في عملية تنقل الأفراد، وعن طلبهم المتكرر توفير حافلات مبيت لإبدال عناصر المناوبات، خصوصاً في المناطق الريفية البعيدة عن مركز المدينة.

وأشار الحسين إلى تعرض أحد عناصر كتلته لمحاولة اغتيال على طريق منبج - الباب بريف حلب الشرقي، في نهاية شهر مارس الماضي؛ مما دفعه إلى إصدار أوامر خاصة بحركة تنقل عناصره.

وقال إن «سيارة مدنية عرضت نقل أحد عناصري إلى مدينة حلب، لكن وبعد قطعهم أميالاً عدة تذرعوا بأمر طارئ للعودة، وفور نزوله أطلق مرافق السائق رصاصات عدة من مسدسه على العنصر؛ اثنتان ارتطمتا بجعبة مخازنه وواحدة اخترقت قدمه، لينجو منها بأعجوبة».

وأوضح أن قرار تبديل المناوبات «يُتخذ مركزياً من قبل قادة القطاعات، وغالباً ما تُجرى العملية ليلاً؛ بسبب مناطق الخدمة البعيدة عن السكن... إضافة إلى قرار منع حمل السلاح والتجول في المناطق السكنية، وهذا الأمر يسهل استهداف العناصر».

ويضيف: «مع تكرار حوادث محاولات الاغتيال، أصدرت قراراً بمنع تبديل المناوبات ليلاً، وحظر التنقل بالسيارات المدنية أو الدرجات النارية التي أصبحت أيضاً هدفاً سهلاً، وحصره في السيارات التابعة لأمن الطرق».

وأكد أيضاً أنهم في انتظار الاستجابة لطلب تخصيص حافلة لنقل عناصر الحواجز الأمنية والعسكرية المنتشرة على طول طريق حلب - منبج، وهي «من أخطر الطرق البرية، التي تربط حلب بالأطراف وبمحافظة الرقة، إضافة إلى طبيعة المنطقة التي ظلت لسنوات تحت سيطرة النظام البائد و(قسد)».

صورة لما بعد تفجير حافلة مبيت كانت تنقل موظفي حراسة أمنية في حقل التيم بدير الزور خلال أكتوبر 2025 (متداولة)

منع الاحتفاظ بالأسلحة

ويختلف حيدر المحمد، وهو عنصر مهام خاصة، مع ما قيل، وعدّ أن «سيارات المبيت فعلياً هي الهدف السهل، وغالباً ما تتعرض للاستهداف؛ مما يجعل عملية تأمين العناصر تتجاوز هذه المشكلة بالضرورة».

ويرى أن القرارات التي جردت المنتسبين من الحفاظ على سلامتهم وهويتهم، هي السبب المباشر في ارتفاع معدلات الاغتيال، إلى جانب الحالة الاستثنائية التي تعيشها البلاد وعملية «تنظيف الجماعات التي تعتقد أنها قادرة على خلق الفوضى والرعب».

ويوضح أن أحد أهم هذه القرارات كان «منع ارتداء اللثام، ومنع الاحتفاظ بالأسلحة المقيدة، والتشديد على عدم حمل السلاح الشخصي، إلى جانب التساهل في قضية ارتداء الزي الرسمي، وبالتالي يكون العنصر مكشوفاً وهدفاً سهلاً لهذه الجماعات وهو دون سلاح للمقاومة».

في هذا الخصوص، يؤكد الرائد خالد العبد الله، على أن المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية تعمل على «تنفيذ حلول لتسهيل وتخفيف الحركة المنتظمة، بما يسهم في إنهاء الخطر، وتعزيز أمان منتسبيها».

ويشير أيضاً إلى أن حوادث الاستهداف ونمطها «يؤكدان عشوائيتها، فعدم اختيار أهداف محددة أو معرفة مسبقة بالعناصر المستهدفة محاولةٌ لخلق الفوضى وإرباك الدولة السورية».


«الحرس الثوري» في لبنان: بين إدارة الحرب وساحات القتال

لافتات تحمل صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي مرفقة بعبارة شكراً لإيران رفعت على طريق المطار باتجاه جنوب لبنان (رويترز)
لافتات تحمل صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي مرفقة بعبارة شكراً لإيران رفعت على طريق المطار باتجاه جنوب لبنان (رويترز)
TT

«الحرس الثوري» في لبنان: بين إدارة الحرب وساحات القتال

لافتات تحمل صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي مرفقة بعبارة شكراً لإيران رفعت على طريق المطار باتجاه جنوب لبنان (رويترز)
لافتات تحمل صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي ووالده علي خامنئي مرفقة بعبارة شكراً لإيران رفعت على طريق المطار باتجاه جنوب لبنان (رويترز)

منذ اندلاع الحرب الأخيرة في لبنان، تبرز معطيات ووقائع تتحدث عن دور مباشر للحرس الثوري الإيراني في إدارة المعركة إلى جانب «حزب الله»، إلا أن حجم هذه المشاركة وطبيعتها وعدد الإيرانيين الذين انخرطوا فيها بقي يحيط بها كثير من الغموض. وبينما تغيب الأرقام الدقيقة، تتقاطع وقائع متعددة لتؤكد وجود عناصر وضباط إيرانيين على الأراضي اللبنانية خلال الحرب، سواء في مواقع القيادة وإدارة المواجهات أو على أرض المعركة.

ضباط الحرس الثوري في قلب المعركة

وفي محاولة للحد من فوضى دخول «الحرس الثوري الإيراني» إلى بيروت، كان رئيس الحكومة نواف سلام قد طلب في شهر مارس (آذار) الماضي اتخاذ ما يلزم لمنع أي نشاط عسكري أو أمني يقوم به عناصر من ​الحرس الثوري ​ في لبنان تمهيداً لترحيلهم، كما اتخذ مجلس الوزراء قراراً بإعادة العمل بوجوب حصول الإيرانيين على تأشيرة للدخول إلى لبنان.

وتمثل أحد أبرز المؤشرات على انخراط «الحرس الثوري» في حرب لبنان مقتل ضباط في «الحرس الثوري» في الغارة الإسرائيلية التي استهدفت فندق «رامادا» في الروشة في بيروت يوم 8 مارس الماضي. وهو ما أعلنت عنه إيران رسمياً في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة إذ أكد المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرفاني، مقتل أربعة دبلوماسيين إيرانيين في الهجوم، قبل أن يجري نعيهم في إيران باعتبارهم من ضباط «الحرس الثوري».

لبنانيتان تقفان أمام مدخل فندق «رامادا» بمنطقة الروشة غداة استهداف إسرائيلي لغرفتين في الفندق أسفر عن مقتل 4 أشخاص وإصابة 10 آخرين (إ.ب.أ)

وأشارت المعلومات في بيروت إلى أن الإيرانيين دخلوا بيروت مستخدمين جوازات سفر لبنانية أصلية صادرة بأسماء مختلفة، وأنه عُثر داخل الغرفة المستهدفة على جوازات إضافية تعود إلى أشخاص آخرين مرتبطين بـ«الحرس الثوري» الإيراني.

وهذا الأمر دفع النائبة غادة أيوب إلى التقدم بإخبار أمام النيابة العامة التمييزية طالبت فيه بفتح تحقيق حول معلومات متداولة بشأن إصدار جوازات سفر لبنانية بأسماء مستعارة أو خلافاً للأصول القانونية لصالح أشخاص مرتبطين بتنظيمات مسلحة، إضافة إلى معلومات عن استخدام وثائق سفر لبنانية لإخفاء هويات حقيقية لعناصر مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.

كما عززت تقارير أخرى الحديث عن الحضور الإيراني المباشر في المعركة. وفي خضم معركة ما تعرف بـمرتفعات «علي الطاهر» اليوم، فقد نقلت وسائل إعلام عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع قوله الاثنين إن عدداً من الضباط الإيرانيين كانوا موجودين في منطقة مرتفع علي الطاهر جنوب لبنان ويتولون مواقع أساسية في إدارة المعركة وتنسيق النشاطات العملياتية على الساحة اللبنانية. ووفق هذه المعلومات، فإن أحد الأسباب الرئيسية وراء الإصرار الإيراني على وقف العملية البرية الإسرائيلية في تلك المنطقة كان الخشية على حياة هؤلاء الضباط أو وقوعهم في الأسر في حال استمر التقدم الميداني.

وفي موازاة ذلك، تداولت وسائل إعلام ومنصات إلكترونية في اليومين الأخيرين منشورات منسوبة إلى الحرس الثوري تعرض رواتب تصل إلى ألف دولار أميركي للراغبين في القتال إلى جانب «حزب الله»، في مؤشر إضافي على حجم الانخراط الإيراني في الحرب الدائرة على الأراضي اللبنانية.

«جبهة واحدة وغرفة عمليات مشتركة»

وفي هذا الإطار، يرى العميد المتقاعد الخبير العسكري حسن جوني أن طبيعة العلاقة العضوية بين «حزب الله» وإيران، تجعل من الصعب الفصل بين الجبهتين اللبنانية والإيرانية. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ما جرى في الحرب أظهر بشكل واضح أنه تتم إدارة الجبهتين على أنهما جبهة واحدة ضمن غرفة عمليات مشتركة وخطة عملياتية موحدة هدفت إلى تشتيت وإرهاق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية». ويضيف أن هذا النمط من العمل يعكس وحدة في إدارة المعركة واتخاذ القرار، بما يؤكد أن المواجهة لم تكن عبارة عن جبهتين منفصلتين، بل ساحة عمليات مترابطة خضعت لتنسيق مباشر بين إيران و«حزب الله».

من إدارة العمليات إلى القتال على الأرض

وإذا كان وجود ضباط إيرانيين في غرف العمليات بات محسوماً فإن عدد المقاتلين الإيرانيين على الأرض بقي غير واضح. وفي هذا السياق، أثار المحلل السياسي المقرب من «حزب الله» الدكتور قاسم قصير جدلاً قبل يومين عندما تحدث عن مشاركة 50 ألف مقاتل إيراني في الحرب في لبنان ومقتل 10 آلاف منهم، ما أثار موجة من الاستغراب والتساؤلات في الأوساط اللبنانية. إلا أن قصير عاد لاحقاً وقال إن كلامه جاء في سياق الرد على الروايات التي تصف الحرب بأنها مواجهة إيرانية - إسرائيلية مباشرة على الأراضي اللبنانية، مؤكداً أن المبالغة التي استخدمها كانت تهدف إلى إظهار عدم واقعية هذه الأرقام. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «المبالغة في الأرقام التي تحدثت عنها دليل على عدم صدق الموضوع».

طفلة تحمل العلم الإيراني خلال رحلة العودة إلى الجنوب بعد وقف إطلاق النار (رويترز)

في المقابل، يلفت المحلل السياسي علي الأمين إلى أن الحرب الأخيرة حملت منذ بدايتها طابع مواجهة إيرانية – إسرائيلية على الأرض اللبنانية مذكراً بداية بضباط «الحرس الثوري» الذين قتلوا في فندق في بيروت.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «بعد اغتيال قيادات الصف الأول في (حزب الله) عام 2024، وفي مقدمهم أمين عام (حزب الله) حسن نصر الله وعدد من قادة النخبة وقوة الرضوان، نشأ فراغ كبير داخل البنية القيادية للحزب، ما استدعى حضور قيادات وضباط من (الحرس الثوري) الإيراني إلى لبنان لتولي إدارة المعركة والإشراف على العمليات. هؤلاء لم يكونوا مقاتلين عاديين، بل ضباطاً متخصصين على مستوى عالٍ تولوا مهام القيادة والتنسيق وإدارة المحاور الميدانية»، مضيفاً أن هناك بنية تنظيمية وعسكرية متداخلة بين «الحرس الثوري» و«حزب الله»، وليست مجرد علاقة بين حليفين منفصلين.

جثث غير لبنانيين في الجنوب

ويتحدث الأمين عن عدد كبير من مقاتلين غير لبنانيين في الجنوب ويقول: «بعد وقف إطلاق النار بدأت عمليات انتشال الجثث من القرى الجنوبية، لكن في بعض المناطق طُلب من الأهالي عدم التوجه إليها في المرحلة الأولى». ويضيف: «حجم الدمار سبب أساسي لكن هناك سبب آخر وهو وجود عدد كبير من الجثث تحت أنقاض المنازل حيث تبين وجود قتلى غير لبنانيين، بينهم إيرانيون وفلسطينيون من المخيمات، إضافة إلى معلومات عن عراقيين شاركوا في المعارك».

ويضيف: «الإيرانيون، باعتبارهم جزءاً أساسياً من إدارة المعركة، لم يكونوا موجودين فقط في غرف العمليات، بل كانوا حاضرين أيضاً على بعض المحاور الميدانية. وفي المقابل كان هناك تعتيم واسع على حجم الخسائر البشرية، إذ لم يعد (حزب الله) ينشر بيانات النعي التفصيلية كما كان يفعل في السابق، واكتفى بالإعلان عن مقتل القيادات البارزة، ما أثار تساؤلات حول العدد الفعلي للقتلى وهوية بعضهم».

ويشير إلى أن «عمليات انتشال الجثث تتم فقط من خلال (حزب الله) والهيئة الصحية الإسلامية، مع إبعاد الصليب الأحمر»، مضيفاً: «وإذا كان لهذا الأمر من دلالة، فهو وجود أشخاص لا يراد الكشف عن هوياتهم الحقيقية أو جنسياتهم، أو إدراجهم ضمن لوائح القتلى اللبنانيين المعلنة رسمياً».

مناصرون لـ«حزب الله» يشيّعون عنصراً قتل في غارات إسرائيلية على بلدة النبي شيت بالبقاع شرق لبنان (أ.ب)

ألف قتيل و500 مفقود في صفوف «حزب الله»

في المقابل، ينفي قصير وجود أزمة في عدد مقاتلي «حزب الله»، معتبراً أن طبيعة المعركة الحالية لم تعد تتطلب الأعداد نفسها التي كانت مطلوبة في مراحل سابقة، وأن لدى «حزب الله» ما يكفي من المقاتلين للقيام بالمهام المطلوبة. وفيما لا يعلن «حزب الله» عن عدد قتلاه وتوقف عن نعيهم منذ بداية هذه الحرب، يقدّر قصير عدد الذين قتلوا خلال الحرب الأخيرة بنحو ألف مقاتل، إضافة إلى نحو 500 مفقود. ورأى أن سقوط أي مقاتلين أو ضباط إيرانيين في المعركة لن يكون قابلاً للإخفاء، مشيراً إلى أن الإعلان عن مقتل الضباط الإيرانيين الأربعة في فندق الروشة يشكل دليلاً على أن أي خسائر إيرانية مماثلة كانت ستُعلن بصورة رسمية.