استبق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لقاءه بالأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بتغريدة ترحيب جاء فيها: «تمثل زيارة ولي العهد السعودي إلى فرنسا مرحلة مهمة. فإزاء التحديات التي تشهدها المنطقة، عملت فرنسا والسعودية من أجل تعزيز السلام والاستقرار، وهما تواصلان التشاور من أجل هذا الغرض. إن شراكتنا تنهض على العمل؛ أكان في المشاريع الكبرى أو في التكنولوجيات المتقدمة، أو الاستثمارات والفعاليات الدولية، مثل كأس العالم للرياضات الإلكترونية التي جرت هذا الصيف. لقد حققنا معاً الكثير، ونريد أن نذهب أبعد من ذلك».
وكتب ماكرون في تغريدة ثانية أن فرنسا الفخورة باستضافتها كأس العالم للرياضات الإلكترونية «بطلب من السعودية» ترى أن هذا النجاح «ثمرة طموحنا المشترك مع المملكة السعودية، من أجل تطوير وتقريب المواهب والبلدين بعضهما من بعض».
طموحات اقتصادية مشتركة
لا تعكس كلمات ماكرون واقع الحال للعلاقات السعودية- الفرنسية فحسب؛ بل والطموحات أيضاً. فالمعطيات والأرقام من الجانبين السعودي والفرنسي تبين أن العلاقات الاقتصادية بينهما -بالمعنى الواسع للكلمة، وبما يشمل كل الأنشطة التي لها جانب اقتصادي- مزدهرة وتتجه تصاعدياً. ولكن الطرفين يطمحان إلى دفعها إلى الأمام.
ومن أهداف زيارة الأمير محمد بن سلمان الحالية إلى باريس، تسريع بلوغ الطموحات المتبادلة؛ خصوصاً أن الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين الذي رأى النور نهاية عام 2024، وعقد اجتماعه الأول اليوم (الاثنين) في قصر الإليزيه برئاسة ولي العهد والرئيس الفرنسي، يشكل الرافعة الضرورية لتحقيق الأهداف المشتركة.
وما كان لهذه الطموحات أن تتحقق لولا توفُّر العناصر الضرورية من الجانبين، والرغبة المشتركة في بلوغ الأهداف المرجوة.
تتعين الإشارة كذلك إلى أن الاقتصاد السعودي الذي يتجه بقوة نحو قطاعات استراتيجية جديدة، يبحث عن شراكات واعدة تنضم إلى ما نُسج بين الطرفين في العقود الماضية. وبكلام آخر، فإن البحث اليوم عن كيفية إطلاق الاقتصاد الجديد (وعناوينه: الذكاء الاصطناعي، والعالم الرقمي، والأنشطة الصناعية الإبداعية وعديمة الكربون، واحترام البيئة) يشكل الطموحات التي تسعى «رؤية 2030» لبلوغها.
ومن الجانب الفرنسي، ثمة رغبة في أن تتوافق الأجندات السعودية والفرنسية، استعداداً لمواكبة المشاريع الكبرى التي تسير فيها السعودية، إلى جانب ما تحقق حتى الآن ما بين الجانبين.
الذهاب نحو «الاقتصاد الجديد»
تركز الورقة المسماة «إحاطة إعلامية» الصادرة عن وزارة الاستثمار السعودية، على مكامن القوة في الاقتصاد السعودي -وهي كثيرة- وما يحتضنه من محفزات توفر الضمانات التي يريدها المستثمر القادر على الاستفادة من أكبر اقتصادات المنطقة.
وفي جردة لما هو قائم بين الطرفين اليوم، تبيِّن الورقة السعودية أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين بلغ العام الماضي 10.1 مليار يورو، بزيادة 7.2 في المائة عن العام السابق. أما الاستثمارات الفرنسية المباشرة في الاقتصاد السعودي فقد بلغ رصيدها في عام 2024 ما يزيد على 16 مليار يورو، موزعة على 18 قطاعاً، وتشمل 651 ترخيصاً.
واللافت أن الرئيس الفرنسي يستثمر كل فرصة متوفِّرة لدعوة الطرف السعودي للاستثمار في الاقتصاد الفرنسي، كما يدعو المستثمرين الفرنسيين للذهاب إلى السعودية، لما تزخر به من فرص واعدة.
وقالت مصادر رئاسية في معرض تقديمها لزيارة ولي العهد، إنها تأمل أن يكون افتتاح مكتب لصندوق الاستثمار السعودي في باريس مقدمة لرفع رصيد الاستثمارات السعودية الضعيف نسبياً. ومن جانبها، تروج باريس لقدرات اقتصادها على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية، وتذكِّر بأن فرنسا تحولت في السنوات الأخيرة إلى قطب جاذب للاستثمارات الدولية.
ووفق وكالة التصنيف الدولية «أرنست أند يونغ» في تقريرها لعام 2026، فإن فرنسا احتلت -للسنة السابعة على التوالي- المرتبة الأولى في أوروبا كوجهة لمشاريع الاستثمار الدولية؛ حيث اجتذبت العام الماضي 852 مشروعاً، متفوقة على بريطانيا (730 مشروعاً) وعلى ألمانيا (548 مشروعاً). أما مجمل المشاريع الاستثمارية للدول الأوروبية الـ47 فقد بلغ 5026 مشروعاً.
النمو الاقتصادي عامل جذب
حقيقة الأمر أن منتدى رجال الأعمال الذي التأم في باريس، الاثنين، في 3 ورش عمل، واختتم بحضور ولي العهد والرئيس ماكرون، كان هدفه الأول التركيز على الاستثمارات وعلى الفرص الجديدة للطرفين. واللافت كان الحضور الفرنسي الواسع؛ حيث تلاقى مسؤولو الشركات الفرنسية الكبرى مع نظرائهم من الجانب السعودي.
وحتى اليوم، يتركز الحضور الفرنسي في قطاعات: الطاقة، والمياه، والنقل، والخدمات اللوجستية، والبناء والتشييد، والضيافة، والصحة. غير أن الأمور أخذت تتغير. وتلحظ الورقة السعودية أن دخول شركات فرنسية جديدة إلى السوق السعودية يساهم في دفع الاستثمارات إلى قطاعات جديدة، مثل: الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والثقافة، والصناعات الإبداعية، والتعدين.
وتفيد الأرقام المتوفَّرة بأن صندوق الاستثمارات العامة السعودي ضخ نحو 7.36 مليار يورو في فرنسا بين 2017 و2024، بما يدعم نحو 29 ألف وظيفة. كذلك، فإن مذكرة التفاهم التمويلية بين صندوق الاستثمارات العامة ومجموعة «بي بي إي فرنس» الحكومية، وضعت إطاراً لضخ 8.56 مليار يورو من الاستثمارات الجديدة.
«رؤية» فرنسية
وأجرت «الشرق الأوسط» مجموعة من الحوارات مع مسؤولي شركات فرنسية وسعودية. وقال لوران جيرمان، المدير العام لمجموعة «إيجيس» الفاعلة في حقل الاستشارات الهندسية للبنى التحتية والتنظيم الحضري، إنه يحضر منتدى رجال الأعمال لسببين: الأول، للقاء كثير من زبائنه الذين حضروا إلى باريس بهذه المناسبة. والثاني، للنظر في إمكانية الفوز بمشاريع جديدة. وأفاد جيرمان بأن شركته التي حصدت 300 مليون يورو من أنشطتها في السعودية، تستخدم 1700 متعاون غالبيتهم سعوديون، تجاوباً مع عملية السعودة التي تسعى إليها الحكومة. وبنظره، فإن الاقتصاد السعودي جذاب للغاية؛ إذ إنه يحقق نسبة نمو تصل إلى 4 في المائة، وهي أعلى من المعدلات العالمية. ولذا، فإن شركته عازمة على مزيد من الاستثمارات في السعودية، وتريد بدورها مواكبة «رؤية 2030» التي أُطلقت قبل 10 أعوام. ومن المشاريع الأخرى التي عملت فيها «إيجيس»: القدية، والدرعية، والعلا، إضافة إلى مترو الرياض.
من جانبها، قالت فلورانس فيرزيلين، نائبة الرئيس التنفيذي لشركة «EMER» المتفرعة عن مجموعة «داسو سيستمز»، إن مجموعتها مهتمة تماماً بالسوق السعودية للسبب الذي ذكره لوران جيرمان، وهي أن نسبة النمو الاقتصادي في السعودية هي الأكثر ارتفاعاً في المنطقة الخليجية، وأيضاً على المستوى العالمي.
وحسب فلورانس فيرزيلين، فإن شركتها الكبرى التي تصل مبيعاتها إلى 5 مليارات يورو، تركز على الرقمنة والذكاء الاصطناعي، من أجل تصور مجسمات افتراضية تساعد على تسريع الانتقال إلى الإنتاج الحقيقي. ولذا، فإن المجموعة التي تنتمي إليها تعمل من أجل إنتاج الطائرات والسيارات الكهربائية، وإنشاء البنى التحتية والمشاريع النووية، وأيضاً إنتاج الأدوية. أما زبائنها في السعودية فأولهم شركة «أرامكو»، ثم السكك الحديدية، ونيوم، والعلا، وشركات الإنتاج الغذائي، ولها بعض الأنشطة في المجال الدفاعي. ونوَّهت بإدراك السعودية أهمية الاقتصاد الرقمي، وكيفية الاستفادة منه في التطبيقات العملية.


