تتبّع مصير 55 من جلادي النظام السابق اختفوا مع سقوط الأسد في منافي الترف

«نيويورك تايمز» تكشف عن أنهم لا يزالون محميّين بثرواتهم ومُرحّباً بهم بالدول المضيفة

صورة لقرية بارفيخا الفاخرة بالقرب من موسكو ديسمبر 2012 ويُقال إنها تستضيف بشار الأسد حالياً (نيويورك تايمز)
صورة لقرية بارفيخا الفاخرة بالقرب من موسكو ديسمبر 2012 ويُقال إنها تستضيف بشار الأسد حالياً (نيويورك تايمز)
TT

تتبّع مصير 55 من جلادي النظام السابق اختفوا مع سقوط الأسد في منافي الترف

صورة لقرية بارفيخا الفاخرة بالقرب من موسكو ديسمبر 2012 ويُقال إنها تستضيف بشار الأسد حالياً (نيويورك تايمز)
صورة لقرية بارفيخا الفاخرة بالقرب من موسكو ديسمبر 2012 ويُقال إنها تستضيف بشار الأسد حالياً (نيويورك تايمز)

توفّر الشقق السكنية في فندق «فور سيزونز» بالعاصمة الروسية موسكو غرف معيشة تتدلّى فيها ثريات كريستالية، وإطلالات مباشرة على مقر الكرملين، مع خدمة فندقية رفيعة المستوى قادرة على ترتيب كل شيء، من حضور العروض الافتتاحية في مسرح البولشوي إلى استئجار الطائرات الخاصة.

وتُسوَّق هذه المساكن، التي يصل إيجارها إلى 13 ألف دولار أميركي أسبوعياً، على أنها «مثالية للتجمعات العائلية، وحفلات الكوكتيل، والفعاليات التجارية». لكنها، في حالة بعض أكثر مجرمي الحرب المطلوبين في العالم، قد تكون بداية فاخرة لحياة المنفى.

صور متداولة على السوشيال ميديا لتحديد موقع مكان ماهر الأسد

وقد شوهد ماهر الأسد، البالغ من العمر 58 عاماً، شقيق بشار وقائد الفرقة الرابعة، التي كانت تبث الرعب في نفوس السوريين، في صالة الألعاب الرياضية بالفندق وهو يتمتم بكلمة «العار»، حسب مسؤول سابق. وفي الوقت نفسه، كان آخرون يناقشون مصيرهم على موائد الإفطار، حسب ثلاثة من مرافقي أفراد النظام المقيمين في الفندق.

وتمكّن تحقيق أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» من تحديد أماكن وجود عدد كبير من كبار المسؤولين الحكوميين والعسكريين المرتبطين بأكثر فصول التاريخ السوري الحديث دموية، بمن فيهم علماء متورطون في تطوير أسلحة كيميائية، ورؤساء أجهزة استخبارات متهمون بممارسة التعذيب، كما كشف عن تفاصيل جديدة عن أوضاعهم الحالية وأنشطتهم الأخيرة.

انتهى حكم بشار الأسد الطويل والوحشي سريعاً لكنه وحاشيته المقربة وجدوا ملاذاً آمناً في روسيا (نيويورك تايمز)

وسعت الصحيفة الأميركية إلى تتبّع مصير 55 من قادة النظام السابق الذين اختفوا عند سقوط الأسد من السلطة، لتجد أن كثيرين منهم يعيشون في رفاهية أو في حالة اختفاء حذر خلال عامهم الأول في المنفى، وأن الغالبية الساحقة منهم أفلتوا، على ما يبدو، من أي مساءلة قانونية.

وحسب أقارب وأصدقاء ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، أُقيمت حفلات عيد ميلاد فاخرة لبنات الأخوين الأسد في فيلا بموسكو وعلى متن يخت في دبي.

اللواء علي مملوك مع بشار الأسد (أرشيفية)

ويعيش علي مملوك، البالغ من العمر 79 عاماً، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات القوي، في شقة بموسكو على نفقة الدولة الروسية، ملتزماً العزلة ورافضاً استقبال معظم الزوار، وفقاً لشخصين مقرّبين منه.

أما غسان بلال، 59 عاماً، الذي يُعدّ أحد أبرز أركان شبكة المخدرات التابعة للنظام، فيقيم هو الآخر في موسكو، بينما يموّل نمط حياة مريحاً لأسرته في الخارج، من إسبانيا إلى دبي، حسب ثلاثة ضباط سابقين.

غير أن العديد من أعوان الأسد لم يحظوا بهذا الاستقبال المترف، فقد اضطر بعضهم إلى دفع رشى للصعود إلى طائرات شحن مكتظة متجهة إلى موسكو، ليُنقلوا بعدها إلى مساكن عسكرية. وكان من بينهم جميل حسن، 73 عاماً، مدير استخبارات سلاح الجو السابق المتهم بالإشراف على التعذيب المنهجي وإعدام المعتقلين، وفقاً لثلاثة أشخاص قالوا إنهم التقوه بعد وصوله. وتفرّق آخرون خارج روسيا، بين دبي ولبنان، بينما بقي بعضهم داخل سوريا متخفّياً.

في المقابل، ترك ضحايا أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد يتساءلون عن أماكن المسؤولين عن بعض أبشع الجرائم في هذا القرن، وعن فرص مثولهم يوماً أمام العدالة.

كان الأشخاص الخمسة والخمسون الذين شملهم تحقيق «نيويورك تايمز»، رجالاً يتمتعون بنفوذ هائل، لكن بحضورٍ عامٍّ محدود. وقد أتاح لهم ذلك، على مدى عقود، إتقان فن إخفاء هوياتهم باستخدام أسماء مستعارة وجوازات سفر مزوّرة أو مشتراة، وجميعهم خاضعون لعقوبات دولية، فيما يواجه عدد منهم مذكرات توقيف دولية.

صورة لغسان بلال على جدار إحدى فيلاته بدمشق التي هُجرت بعد سقوط النظام في سوريا (نيويورك تايمز)

ولسدّ الثغرات المتعلقة بمصائرهم، قام صحافيو «نيويورك تايمز» بتفتيش فيلات مهجورة تعود للنظام، ومراجعة مصادر الإنترنت المفتوحة، والتشاور مع ناشطين ومحامين سوريين يسعون لملاحقة مضطهديهم السابقين. كما أُجريت مقابلات مع جهات إنفاذ قانون دولية وشخصيات من النظام السابق، وفي بعض الحالات تمت مواجهتهم بشكل مباشر.

وأسفر هذا الجهد عن تحديد أماكن وجود نصف هؤلاء فقط، ووجد الصحافيون أنه لم يُحتجز سوى شخص واحد، أما الآخرون فقد اختفوا عن الأنظار أو تركوا آثاراً ضئيلة للغاية.

وتحدث معظم مَن أُجريت معهم المقابلات شرط عدم الكشف عن هوياتهم، إما لانخراطهم في جهود سرية من أجل تحقيق العدالة، وإما خشية التعرّض للانتقام، سواء من شخصيات النظام السابق أو من ضحاياه.

ويؤكد محامون وناشطون يعملون على ملاحقة مرتكبي جرائم حقبة الأسد أن جهودهم تصطدم بغياب الإرادة السياسية، فالحكومة السورية الجديدة تركّز على ترسيخ سلطتها، فيما تتردد بعض الحكومات الأجنبية في تسليم حلفاء سابقين، أو تفضّل الاحتفاظ بالفارّين مصادرَ استخباراتية.

جولات تسوّق ومساكن تعود للحقبة السوفياتية

بالنسبة لبعض أفراد نخبة النظام السوري السابق، بدت الأشهر الأولى في موسكو كأنها سياحة منفى. فقد شوهد جمال يونس، 63 عاماً، المتهم بإصدار أوامر مباشرة بإطلاق النار على متظاهرين عُزّل، وهو يتجوّل على دراجة كهربائية قرب الملعب الوطني الروسي، في مقطع فيديو جرى تداوله على الإنترنت وتأكدت الصحيفة من صحته.

منظر لمركز «موسكو سيتي» للأعمال خلف جدار الكرملين في موسكو (رويترز)

كما شوهد وزير الدفاع السوري السابق علي عباس، 64 عاماً، ورئيس هيئة الأركان عبد الكريم إبراهيم، 62 عاماً، وكلاهما متهم بالتعذيب والعنف الجنسي خلال الانتفاضة السورية، وهما يتجولان في «المول الأوروبي» الفاخر المؤلف من ثمانية طوابق في موسكو.

ويعيش كفاح ملحم، 64 عاماً، المدير السابق لمكتب الأمن الوطني السوري، والمستشار المقرّب من الأسد، في فيلا كبيرة بموسكو مع صهره غسان إسماعيل، 65 عاماً، حسب شخصين على تواصل معه. ويُتهم الجنرالان السابقان في الاستخبارات بالإشراف على تعذيب واعتقال المتظاهرين.

وكان ملحم من القلة التي أمكن التواصل معهم للتعليق، إذ أرسل رداً مطوّلاً نفى فيه اتهامات ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، معتبراً أن انتهاكات النظام السابق «لا تُقارن» بجرائم قادة سوريا الجدد، الذين قادوا سابقاً تنظيماً تابعاً لتنظيم «القاعدة». وادعى أن التقارير الموثقة عن التعذيب والإعدامات الجماعية في سجون مثل صيدنايا «مفبركة». وعند سؤاله عن حياته في روسيا، اكتفى بالقول: «نعيش كمواطنين عاديين».

أما الضباط الذين اعتادوا السلطة والنفوذ، فقد وجدوا في المنفى الروسي واقعاً مهيناً، إذ فرضت روسيا قيوداً صارمة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتحدث علناً، كما حدّت من تحركات كثير من كبار المسؤولين عبر إجراءات أمنية مشددة.

رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقر يستقبل وزير الدفاع السوري العماد علي محمود عباس في يناير 2023 (أرشيفية)

ولم تردّ السلطات الروسية على استفسارات الصحيفة بشأن وجود مسؤولي النظام السوري السابق في البلاد. وبالنسبة إلى أكثر من 1200 ضابط سوري، فقد بدأ فصل أكثر قسوة عندما سارعوا، وأحياناً دفعوا رشى، للصعود إلى طائرات «إليوشن» المتجهة إلى موسكو من قاعدة روسية على الساحل السوري. وعند وصولهم، اضطروا إلى تقديم طلبات لجوء مؤقت، مما جعل كثيرين يشعرون بأن وضعهم القانوني هش.

ولم يُنقل هؤلاء إلى فنادق فاخرة، بل أُسكنوا في منشآت تعود إلى الحقبة السوفياتية، غالباً في غرف جماعية تضم ثلاثة أو أربعة أشخاص. واشتكى كثيرون من الطعام الروسي ومواعيد الوجبات الصارمة.

وفي ظل هذا الوضع، اندلعت تصفيات حسابات قديمة، ففي حادثة أثارت جدلاً واسعاً، تعرّض آصف الدكر، 60 عاماً، قائد الشرطة العسكرية المتهم بالإشراف على تعذيب السجناء، للضرب والبصق من قبل ضباط ناقمين، وفقاً لأربعة ضباط سابقين ومساعد لا يزال على تواصل معه.

وبعد أسابيع من المنفى، خُيّر الضباط بين العيش بحرية على نفقتهم الخاصة، والبقاء على إعانات الدولة وتوزيعهم في أنحاء روسيا. وقيل إن بعض مَن اختاروا الخيار الثاني نُقلوا إلى مناطق نائية مثل سيبيريا.

كشف تحقيق صحيفة «نيويورك تايمز» عن أماكن وجود كبار المسؤولين السوريين الذين فروا وعديد منهم ما زالوا أحراراً محميين بثرواتهم وبمجاملات الدول المضيفة (نيويورك تايمز)

في المقابل، نجح كثير من كبار القادة في تأمين شقق خاصة، غالباً فاخرة. ومن بين مَن لم يتمكن من ذلك في البداية اللواء أوس أصلان، 67 عاماً، المشتبه بإشرافه على عمليات قتل جماعي وقمع دموي للمدنيين.

وقد أُرسل أوس أصلان إلى مدينة قازان، الواقعة على بُعد نحو 450 ميلاً شرق موسكو، وفقاً لثلاثة أصدقاء وضابط زميل قالوا إنه أخبرهم بأنه لا يملك أي مدخرات يعتمد عليها.

غير أن الحياة المتواضعة التي فُرضت عليه سرعان ما دفعته إلى التراجع عن هذا المسار، على حد قولهم، إذ عاد بعد أشهر للظهور مجدداً في شقة فاخرة تُقدَّر قيمتها بملايين الدولارات في موسكو. وقال أحد أصدقائه في دمشق، مازحاً: «حاول أن يبدو فقيراً، لكنه لم يستطع الاستمرار. الآن يعيش أفضل أيام حياته».

صورة ممزقة لماهر الأسد ملقاة على الأرض في فيلته في بلدة يعفور (أ.ف.ب)

ومن بين هؤلاء الجنرال السابق غسان بلال، حسب ضابطين زميلين وصديق للعائلة. وقد زارت الصحيفة عقارين شاسعين قال الجيران إنهما يعودان للجنرال السابق غسان بلال، وكان أحدهما يضم مسابح، وحمّاماً تركياً، وسينما خارجية، إضافة إلى صور عائلية معلّقة على الجدران. وتتهمه العقوبات الأميركية والأوروبية بتسهيل تهريب مخدر الكبتاغون، وهو منبه شديد الإدمان يُقدَّر أنه درّ على النظام أكثر من خمسة مليارات دولار.

وفي أغسطس (آب)، أصدرت فرنسا مذكرة توقيف بحق بلال، متهمةً إياه وستة مسؤولين آخرين بإصدار أوامر باستهداف المدنيين خلال حصار وحشي لمدينة حمص عام 2012. كما اتهمهم المحققون بتدبير التفجير الذي أسفر عن مقتل المصور الفرنسي ريمي أوشليك، ومراسلة الحرب الأميركية ماري كولفن، في العام نفسه.

رئيس هيئة الأركان السورية السابق عبد الكريم إبراهيم (متداولة)

وتعيش زوجته وأبناؤه جزءاً من العام في إسبانيا، حيث تمتلك العائلة عقارات، وفقاً للضابطين وصديقين للعائلة، مؤكدين أن هذا الترتيب قائم منذ سنوات. وتدرس ابنة بلال في جامعة خاصة شمال مدريد، حسب أصدقاء العائلة، وتنشر على ما يبدو على مواقع التواصل الاجتماعي عن دراستها هناك، وقد شاهدها صحافي من «نيويورك تايمز» في أثناء زيارته للحرم الجامعي. ورفضت وزارة الخارجية الإسبانية الرد على طلب الصحيفة الحصول على تعليق، قائلةً إنها «لا تستطيع تقديم بيانات عن أشخاص بعينهم».

أما الجنرال ياسين ضاحي، البالغ من العمر 64 عاماً، فقد واجه مشكلات صحية ومالية في دبي، حسب إحدى بناته. وكان ضاحي، الذي تقاعد قبل سقوط النظام، يرأس الفرع 235 في إدارة المخابرات العسكرية بدمشق، المعروف بين السوريين باسم «فرع فلسطين» المخيف، بسبب التعذيب المنهجي وحالات الاختفاء القسري.

وانتظر ضاحي يومين لرحلة إجلاء روسية، لكنه، بسبب معاناته من مرض في القلب وخشيته على سلامته، فضّل بدلاً من ذلك الالتحاق بعائلته في دبي بتأشيرة سياحية انتهت صلاحيتها الآن، وفقاً لما قالته ابنته. وأضافت أنه، خوفاً من الترحيل، لم يتمكن من تلقي العلاج في أي مستشفى، وأنه «على وشك نفاد المال». وأشارت الصحيفة إلى أن ضاحي يخشى العودة إلى سوريا، جزئياً لأن صهره، وهو مهندس يعمل في القصر الرئاسي، قُتل فيما يبدو بعملية انتقام.

مطاردة الأشباح

توجد فئة أخرى من مسؤولي النظام السوري السابق: أولئك الذين لم يفرّوا. بعضهم متوارٍ عن الأنظار، وأحدهم على الأقل قيد الاحتجاز، فيما يعيش آخرون في العلن دون ضجيج.

ومن بين الجنرالات الذين قيل إنهم لا يزالون في سوريا، عصام حلاق، الذي أشرف على سلاح الجو السوري من عام 2010 وحتى أكتوبر (تشرين الأول) 2012، وهي الفترة التي بدأ فيها النظام استخدام الغارات الجوية ضد شعبه لقمع الاحتجاجات.

وبعد سقوط النظام، شكّل حلاق وعدد من الضباط المتقاعدين لجنة للمحاربين القدامى، وسعوا إلى التعاون مع القيادة السورية الجديدة، مقدمين خبراتهم التقنية في مجالات مثل صيانة الدبابات والطائرات لوزارة الدفاع الناشئة، حسب ثلاثة ضباط زملاء. غير أن هذا التعاون لم يدم طويلاً، إذ قررت الحكومة الجديدة بعد عدة أشهر، العمل فقط مع الضباط الذين تقاعدوا قبل اندلاع الانتفاضة الشعبية عام 2011، وتقديم معاشات لهم.

وقال الضباط إن حلاق يعيش اليوم في فقر شديد، ويلزم شقته في دمشق خشية اعتقاله، وقد رفض، عبر وسيط، إجراء مقابلة.

ضابط واحد محتجز

ومن بين 55 شخصية من النظام حققت فيها الصحيفة الأميركية، لم يُعثر إلا على شخص واحد بدا أنه محتجز، هو طاهر خليل، البالغ من العمر 70 عاماً، والذي كان يرأس إدارة المدفعية والصواريخ، وأشرف، حسب الاتحاد الأوروبي، على استخدام الأسلحة الكيميائية وضرب مناطق مدنية.

ولسنوات طويلة، كان خليل أشبه بالشبح، إذ ظلت صورته وتفاصيل سيرته الذاتية شبه مجهولة للعامة. غير أن الصحيفة عثرت على صورته وتاريخ ميلاده ومسقط رأسه في ملفات حكومية.

وقادت هذه المعلومات الصحيفة إلى مدينة صافيتا، مسقط رأس خليل، الواقعة على بُعد نحو 90 ميلاً شمال غربي دمشق. وهناك قال مسؤول أمني محلي، اكتفى بذكر اسمه الحركي، إن خليل اعتُقل في فبراير (شباط) بعد أن حاول التخفي عبر تقديم نفسه بوصفه ضابطاً متقاعداً. وشارك المسؤول صورة لخليل في أثناء احتجازه، إلى جانب تفاصيل داعمة أخرى، مؤكداً أنه محتجز حالياً في دمشق.

ولم تعلن الحكومة السورية رسمياً اعتقال خليل، في مؤشر ربما إلى أنها لا تزال تتعامل بحذر مع كيفية معالجة مثل هذه الملفات.

طوّر برنامج الأسلحة الكيمياوية

في قلب حي دمشقي تاريخي، وتحت عرائش من النباتات المتسلقة، يقع مبنى حجري أنيق يعرفه كثير من السوريين، إذ ظهر مؤخراً كخلفية في مسلسل تلفزيوني شهير. لكن قلة فقط تعلم أنه أيضاً منزل عماد الأرمنازي، البالغ من العمر 81 عاماً، المدير السابق لمركز البحوث العلمية الذي طوّر برنامج الأسلحة الكيمياوية السوري. وقد تقاعد عام 2021، ويبدو أنه يعيش حياة مريحة.

قصف إسرائيلي لمركز البحوث العلمية «برزة» شمال دمشق 10 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

فتح الباب مرتدياً رداء الاستحمام، ودعا صحافياً من «نيويورك تايمز» إلى شقة ذات أرضيات رخامية مكسوّة بسجاد شرقي، وكان مستعداً للحديث عن كل شيء، من قصة حياته إلى تاريخ سوريا، باستثناء العمل الذي دفع 33 دولة إلى منعه من دخول أراضيها.

وحسب العقوبات الأميركية والأوروبية والبريطانية، لعب الأرمنازي دوراً رئيسياً في إنتاج الأسلحة الكيميائية التي استُخدمت ضد المدنيين السوريين.

وقال محققون في الأمم المتحدة إن الأرمنازي خضع لاستجواب من الوكالة الأممية المكلفة بتطبيق الحظر الدولي على الأسلحة الكيميائية، إلا أنه لم يُستجوب بشأن جرائم حرب محتملة.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت السلطات السورية قد استجوبته، رغم انضمامه في يوليو (تموز) إلى مجلس الأمناء في إحدى الجامعات السورية، وفقاً لمنشور على صفحة الجامعة في منصة «فيسبوك». ويُعد الأرمنازي واحداً من عدة مسؤولين بارزين من حقبة الأسد يبدو أنهم أحرار داخل سوريا، من دون توضيح رسمي عمّا إذا كانوا قد تمت تبرئتهم أو عقدوا صفقات تعاون مقابل التخفيف من العقوبة.

ضميره مرتاح

وقالت وزارة الإعلام السورية إن الحكومة لم تمنح حصانة لمسؤولي النظام السابق، لكنها لم تردّ على طلبات متكررة للحصول على معلومات إضافية بشأن أوضاع كبار المسؤولين أو التحقيقات المتعلقة بجرائمهم. وقال مسؤولان سوريان، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولَين بالتحدث باسم الحكومة، إن أولوية الحكومة تتمثل في تقديم مَن أصدروا الأوامر أو نفذوا الهجمات إلى العدالة، لا العلماء الذين ساعدوهم.

لكن الأرمنازي «كان أكثر بكثير من مجرد موظف بيروقراطي»، حسب نضال شيخاني، مدير مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا، وكذلك منظمة «Same Justice»، التي تبحث في انتهاكات حقوق الإنسان، موضحاً أنه كان «المهندس الرئيسي للمركز، سواء في طموحاته العلمية أو في إرثه الأكثر ظلمة».

وخلال زيارتين لمنزله، رفض الرجل البالغ من العمر 81 عاماً مراراً الحديث عن ماضيه، لكنه أصرّ على التأكيد على نقطة كررها تقريباً كل مسؤول سابق تواصلت معه الصحيفة، وهي أن «ضميره مرتاح».

* خدمة «نيويورك تايمز»

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

إعلام إسرائيلي: ضرب مطار أبو الظهور «حملة انتخابية لنتنياهو في إدلب»

المشرق العربي نتنياهو وزوجته سارة يدليان بصوتيهما في انتخابات «الليكود» يوم 18 أغسطس (أ.ف.ب)

إعلام إسرائيلي: ضرب مطار أبو الظهور «حملة انتخابية لنتنياهو في إدلب»

نفذت إسرائيل خلال أسبوعين 27 غارة و36 عملية برية في سوريا، وما زالت تصعّد في غزة والضفة الغربية...

نظير مجلي (تل ابيب )
شؤون إقليمية شنت إسرائيل غارات جوية مكثفة على القاعدة الجوية في «مطار أبو الظهور العسكري» شمال غربي سوريا بزعم استخدامه قاعدةً تركية (رويترز)

تركيا تنفي أي وجود عسكري لها بمطار أبو الظهور قبل أو في أثناء هجوم إسرائيل

أكدت تركيا أنها ستواصل دعم جهود سوريا لتطوير قدراتها العسكرية، نافية وجود أي وفد لها بالقاعدة الجوية بمطار أبو الظهور العسكري قبل أو في أثناء الهجوم الإسرائيلي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي وقفة في ساحة ترافالغر بلندن 19 أغسطس 2017 تزامناً مع الذكرى الرابعة لهجمات الغوطة الكيميائية التي وقعت في 21 أغسطس 2013 (غيتي)

عمليات التفتيش على الأسلحة الكيميائية في سوريا لم تُستكمل... والملف لم يغلق

المعطيات المتاحة تشير إلى وجود عناصر في هذا البرنامج لم تكن معلنة لمنظمة الحظر من النظام، بما في ذلك ذخائر ومواد ووثائق ذات صلة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي مدارج قاعدة أبو الظهور الجوية قرب حلب السورية تظهر بعد هجوم إسرائيلي (رويترز)

الرئاسة التركية: أنقرة «لن تقع بالفخ» الذي نصبه نتنياهو في سوريا

كشفت الرئاسة التركية، الخميس، عن أن أنقرة «لن تقع في الفخ» الذي نصبه لها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي غلاف الكتاب

مذكرات خدام: قصة لقاء «كسر العظم» بين الأسد والحريري

كيف انتقل «ملف لبنان» من نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام إلى بشار الأسد، نجل الرئيس السابق حافظ الأسد؟ وما قصة اللقاء الشهير بين بشار الأسد ورئيس.

«الشرق الأوسط» (لندن)

دول الوساطة مصر وقطر وتركيا تدين بشدة الهجمات على غزة

مشيعون يلتفون حول بقايا فلسطينيين قتلوا في ضربات خلال حرب غزة قبيل دفنهم بمدينة غزة يوم الخميس (أ.ف.ب)
مشيعون يلتفون حول بقايا فلسطينيين قتلوا في ضربات خلال حرب غزة قبيل دفنهم بمدينة غزة يوم الخميس (أ.ف.ب)
TT

دول الوساطة مصر وقطر وتركيا تدين بشدة الهجمات على غزة

مشيعون يلتفون حول بقايا فلسطينيين قتلوا في ضربات خلال حرب غزة قبيل دفنهم بمدينة غزة يوم الخميس (أ.ف.ب)
مشيعون يلتفون حول بقايا فلسطينيين قتلوا في ضربات خلال حرب غزة قبيل دفنهم بمدينة غزة يوم الخميس (أ.ف.ب)

أدانت مصر وقطر وتركيا في بيان مشترك، الخميس، الهجمات الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة، التي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين بينهم نساء وأطفال، وشددت على ضرورة أن تفي إسرائيل بجميع التزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، ‌وأن تمتنع عن ‌أي ​أعمال ‌من ⁠شأنها ​أن تؤدي إلى تصعيد التوترات.

وأعربت الدول الثلاث في البيان عن قلقها العميق إزاء الانتهاكات المستمرة، وأكدت أن تصعيد الهجمات «يقوض الجهود الإقليمية ‌والدولية ‌في مرحلة حرجة، ​حيث تُبذل ‌جهود مكثفة لتنفيذ ‌الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، بما في ذلك الاجتماع بين مجلس السلام ‌والمسؤولين الإسرائيليين، واتخاذ خطوات بنّاءة في عملية ⁠التفاوض».

وأضاف ⁠البيان: «تُجدد الدول الوسيطة دعوتها إلى المجتمع الدولي ومجلس السلام تحت قيادة الرئيس ترمب لاتخاذ الخطوات اللازمة لضمان الامتثال لوقف إطلاق النار ووفق قرار مجلس الأمن رقم 2803، وممارسة ضغط فعّال لمنع أي تصعيد ​إضافي».

جاء هذا في حين صرَّح مصدران من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» بأن قيادات بالحركة وجهت رسائل حملت نبرة لوم للمسؤولين في «مجلس السلام»، بعدما صدر منهم من تصريحات اعتبرتها إسرائيل «ضوءاً أخضر» للمضي في الهجمات.

«فيتو» إسرائيلي جديد

من جانبه، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أن حكومته لم توافق على دخول قوات الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة، مشدداً على أن إسرائيل أكدت سابقاً أنه لن يكون هناك أي إعادة إعمار في القطاع قبل نزع سلاح «حماس» بشكل كامل.

ونفى مكتب نتنياهو صحة تقارير إعلامية إسرائيلية أفادت بأن المجلس الوزاري الأمني قرر السماح لجزء من القوة ببدء العمل في منطقة محدودة من القطاع.

مشيعون يحملون رفات فلسطينيين قتلوا في الحرب على غزة خلال جنازة جماعية بمدينة غزة يوم الخميس (أ.ف.ب)

وكانت تقارير بهذا الشأن قد انتشرت قبل وقت قصير من زيارة نتنياهو للرئيس الأميركي دونالد ترمب أواخر يوليو (تموز) الماضي. وكان ترمب قد اقترح العام الماضي تشكيل قوة متعددة الجنسيات لحفظ السلام في إطار خطة للسلام بقطاع غزة.

ودخل وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ، رسمياً، في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ولكن الهجمات الدامية لا تزال مستمرة. وصعَّدت إسرائيل غاراتها الجوية مجدداً في الآونة الأخيرة، فيما قال الجيش إنه استهدف قادة بارزين من حركة «حماس».

وعلى النقيض من «حماس»، رفض نتنياهو حتى الآن خريطة طريق أعدها «مجلس السلام» الذي شكله ترمب بشأن ترتيبات ما بعد الحرب ونزع سلاح الحركة.

وتتمثل إحدى نقاط الخلاف في بند ينص على وضع الأسلحة التي ستسلمها «حماس» في مخازن، مع بقائها تحت السيطرة الفلسطينية؛ في حين تطالب إسرائيل بإخراج الأسلحة كاملة من القطاع. وقال مكتب نتنياهو، الخميس: «أوضحت إسرائيل أنه لن تكون هناك أي إعادة إعمار في القطاع قبل نزع سلاح (حماس) بالكامل».

الاجتماع المصري - القطري

وفي السياق ذاته، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء قطر وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بعد اجتماعهما في القاهرة، إن جهود الوساطة التي قام بها البلدان إلى جانب تركيا، أسفرت عن استجابة الفصائل الفلسطينية لحصر السلاح، وإنه يجري التركيز حالياً على تنفيذ «خريطة الطريق»، مشيراً إلى أنهما بحثا خطة ترمب للسلام في غزة وكيفية دعمها والانتقال للمرحلة الثانية.

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والقطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني خلال اجتماعهما بالقاهرة الخميس (أ.ف.ب)

وأضاف: «لا بد من التركيز على تنفيذ خريطة الطريق بشأن غزة والكرة الآن في ملعب الجانب الإسرائيلي»، داعياً الجميع إلى الضغط على إسرائيل لتنفيذ الالتزامات الواردة في المرحلة الأولى من اتفاق غزة، ومعرباً عن أمله في استمرار جهود الجانب الأميركي لفرض وتنفيذ خطة ترمب.

فيما قال الوزير القطري إن بلاده تتطلع إلى قيام واشنطن بالضغط على إسرائيل للوفاء بالتزاماتها، وإنه سيتم بذل كل الجهود الدولية اللازمة لخلق ضغط دولي من أجل هذا الهدف، مؤكداً أن التعاون بين الدول الوسيطة ساهم في تذليل العقبات بشأن ملف السلاح في قطاع غزة.

وأضاف: «نحن في مرحلة مفصلية بعد إعلان الفصائل الفلسطينية قبولها خطة السلام»، متهماً الجانب الإسرائيلي بأنه لم ينفذ الالتزامات الواردة بالمرحلة الأولى من اتفاق غزة، وبارتكاب أفعال تزعزع الاستقرار.

«حماس» غاضبة

في الوقت ذاته، وجهت قيادات في «حركة حماس» انتقادات حادة إلى «مجلس السلام» على خلفية التصعيد العسكري والخروقات المتواصلة في قطاع غزة، التي أدت لمقتل 17 فلسطينياً في أقل من 24 ساعة من مساء الثلاثاء إلى صباح الأربعاء.

ودعت «حماس» في بيان رسمي حول الخروقات الإسرائيلية الإدارة الأميركية و«مجلس السلام» والجهات الوسيطة والضامنة إلى إلزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار.

كما صدر بيان آخر عن رئيس المكتب السياسي للحركة، خليل الحية، أدان فيه عمليات القتل، ووجَّه الرسائل نفسها التي تطالب تلك الجهات بالعمل على ضمان تنفيذ الاتفاق.

فلسطينيات ينتحبن خلال تشييع 50 قتيلاً من 3 عائلات بمدينة غزة يوم الخميس (رويترز)

وكان باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» وعضو فريقها المفاوض، قد حمَّل «مجلس السلام» المسؤولية عن استمرار القتل، مشيراً لتصريحات من المجلس يُفهم منها أنها ضوء أخضر لحكومة نتنياهو للاستمرار في خروقاتها. وهو أمر تبناه حازم قاسم، الناطق باسم الحركة في غزة، الذي حمَّل المجلس مسؤولية التصعيد لعدم قيامه بالضغط على إسرائيل وإلزامها بما تم الاتفاق عليه.

وقال: «مجلس السلام أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرته وجديته في إدارة الوساطة والمفاوضات، وتصريحات المسؤولين فيه المتناقضة مع ما يتم الاتفاق عليه تعطي الاحتلال الغطاء لتصعيد عدوانه».

«الضوء الأخضر»

وقال مصدران من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إنه تم توجيه رسائل حملت نبرة اللوم للمسؤولين في «مجلس السلام» عما يجري، خاصةً بعدما منحوا حكومة نتنياهو الحق في الدفاع عن النفس، كما ورد بتصريحات بعد لقاء جمع مسؤولين من المجلس والمبعوث الأميركي جاريد كوشنر مع رئيس الحكومة الإسرائيلية.

مشيعون يحملون رفات فلسطينيين قتلوا في الحرب على غزة خلال جنازة جماعية بمدينة غزة يوم الخميس (رويترز)

ووفقاً للمصدرين، تم نقل الرسائل إلى الوسطاء بضرورة العمل للضغط على الولايات المتحدة و«مجلس السلام» لتبني ما تم الاتفاق عليه في القاهرة، «دون تلاعب في التصريحات يمنح نتنياهو ذرائع للاستمرار في عدوانه لخدمة نفسه في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة».

وقال أحد المصدرين: «هناك حالة من الغضب داخل قيادة الحركة إزاء الظهور بوجهين من قبل أعضاء مجلس السلام وإدارة ترمب»، مبيناً أنه خلال اللقاءات التي تجري بشكل مباشر أو غيرها يتم نقل رسائل ودية وتحمل مواقف جيدة، وعند لقائهم الإسرائيليين تتغير المواقف.

وأضاف: «اللقاء مع كوشنر كان جيداً للغاية، ونقل لنا رسائل واضحة تدعم وقف الخروقات والتزام كل الأطراف بما يقع عليه من التزامات؛ ولكن بعد وصوله إلى إسرائيل ولقاء نتنياهو خرج بتصريحات تمنح الأخير الضوء الأخضر لتنفيذ ما يشاء من عمليات».

وأشار المصدر إلى أن الحركة طلبت من الوسطاء الحصول على توضيحات بشأن التصريحات التي أطلقها كوشنر ومسؤولون في «مجلس السلام».

يأتي ذلك في وقت نقلت فيه هيئة البث الإسرائيلية العامة، مساء الأربعاء، عن مسؤول أمني إسرائيلي قوله إن سياسة الاغتيالات في غزة حصلت على ضوء أخضر من الإدارة الأميركية، وإن قواته ستواصل التصدي لأي تهديدات وإزالته ولن تنسحب من الخط الأصفر، ولن يتم البدء في أي عمليات تتعلق بإعادة إعمار القطاع حتى نزع سلاح «حماس» كاملاً.

واعتبر حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، تصريحات المسؤول الأمني الإسرائيلي بأنها تخالف كل الاتفاقات وحديث الوسطاء وتعهدات الإدارة الأميركية، داعياً «مجلس السلام» لاتخاذ «موقف واضح من هذه المجازر، والخروج من مربع انحيازه للموقف الإسرائيلي»، على حد قوله.

Your Premium trial has ended


عون يطلب دعم الفاتيكان لتحقيق انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث إلى البابا ليو الرابع عشر خلال زيارته للفاتيكان (إ.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث إلى البابا ليو الرابع عشر خلال زيارته للفاتيكان (إ.ب.أ)
TT

عون يطلب دعم الفاتيكان لتحقيق انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث إلى البابا ليو الرابع عشر خلال زيارته للفاتيكان (إ.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث إلى البابا ليو الرابع عشر خلال زيارته للفاتيكان (إ.ب.أ)

أعرب الفاتيكان، الخميس، عن قلقه حيال «صعوبات» تُواجه تطبيق «اتفاق الإطار» بين إسرائيل ولبنان، والذي جرى التوصل إليه في يونيو (حزيران) الماضي، بوساطة الولايات المتحدة، وذلك خلال استقبال البابا ليو الرابع عشر، الرئيس اللبناني جوزيف عون الذي طالب «الفاتيكان» بتحقيق مطالبه بإزالة الاحتلال ووقف الاعتداءات الإسرائيلية على أرضه.

وأعلنت الرئاسة اللبنانية أنه في اليوم الأول من زيارته إيطاليا، عقد عون مع البابا «خلوة لمدة نصف ساعة». وقال الفاتيكان، في بيان: «أعرب الكرسي الرسولي، الذي رحّب بتوقيع هذه الوثيقة، عن قلقه العميق إزاء الصعوبات التي تُواجه تطبيقها، وأكد دعمه الجهود المبذولة في هذا الاتجاه».

البابا ليو الرابع عشر يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون والوفد المرافق (أ.ف.ب)

وينص «اتفاق الإطار»، الذي أُبرم بين لبنان وإسرائيل بعد خمس جولات تفاوض برعاية أميركية، على نزع سلاح «حزب الله» وانسحاب الدولة العبرية تدريجياً من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءاً من مناطق «تجريبية».

دعم الفاتيكان

وقالت الرئاسة اللبنانية إن الرئيس عون جدَّد شكره للبابا ليو الرابع عشر على كل الجهود التي يبذلها لدعم لبنان لتحقيق مطالبه بإزالة الاحتلال ووقف الاعتداءات الإسرائيلية على أرضه.

ودعا الرئيس عون البابا والمسؤولين في الفاتيكان الى «مواصلة جهودهم الدبلوماسية في كل المحافل الدولية لتحقيق المطالب اللبنانية، وعلى رأسها إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود اتفاق الإطار، الذي جرى توقيعه برعاية الولايات المتحدة الأميركية في 26 يونيو الماضي، ووقف اعتداءاتها اليومية التي تستهدف خاصةً المدنيين والمنشآت المدنية والبنى التحتية والقرى في الجنوب».

كما دعا الرئيس عون البابا إلى «دعم لبنان لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، تمهيداً لإعادة إعمار ما هدمته إسرائيل، وإعادة النازحين إلى أرضهم وقراهم».

وأكد رئيس الجمهورية اللبنانية «أن هذه الخطوات يجب أن تتزامن مع بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصر قرار الحرب والسِّلم بيدها، كسبيل وحيدة لتحقيق الأمن والاستقرار على الحدود».

ورغم إعلان وقف إطلاق النار، تُواصل إسرائيل شنّ غارات دامية في جنوب لبنان، حيث أنشأت ما تُسمّيها «منطقة أمنية»، وهي شريط بعمق نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية بمحاذاة الحدود حيث تعمل القوات الإسرائيلية.

لقاء ميلوني وملف «اليونيفيل»

ومن المقرر أن يلتقي عون، خلال زيارته، رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الجمعة، لمناقشة مستقبل قوة حفظ السلام، التابعة للأمم المتحدة في لبنان، والتي تنتهي ولايتها في نهاية عام 2026.

وسلّمت قوات «اليونيفيل»، المتمركزة بالقرب من مركز الجيش اللبناني في منطقة الخردلي - الليطاني، موقعها إلى اللواء السابع في الجيش اللبناني.

تأتي عملية التسليم ضِمن خطة نقل عدد من المواقع التابعة لـ«اليونيفيل» إلى الجيش اللبناني، في ضوء قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بإنهاء مهمة القوات الدولية في لبنان مع نهاية العام الحالي.

يأتي تسليم الموقع في سياق استكمال الإجراءات العملانية لتعزيز انتشار الجيش اللبناني وتسلّمه المواقع العسكرية التي كانت تشغلها القوات الدولية في المنطقة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


إسرائيل تحاول قضم «علي الطاهر» تدريجياً بعد رفض «حزب الله» إخلاءها

نقطة تفتيش للجيش اللبناني على مدخل بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)
نقطة تفتيش للجيش اللبناني على مدخل بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)
TT

إسرائيل تحاول قضم «علي الطاهر» تدريجياً بعد رفض «حزب الله» إخلاءها

نقطة تفتيش للجيش اللبناني على مدخل بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)
نقطة تفتيش للجيش اللبناني على مدخل بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

تحاول إسرائيل تنفيذ قضم تدريجي لمرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية، الواقعة شرق مدينة النبطية في جنوب لبنان، بموازاة ضغوط دبلوماسية على الدولة اللبنانية، و«حزب الله» الذي يرفض بالمطلق أي نقاش حول إخلاء المنشأة، حسبما تقول مصادر مطلعة على موقفه، ما يهدد بلجوء إسرائيل إلى «الخيار الثالث»، وهو استئناف القتال في الجنوب.

ويستند رفض «حزب الله» لأي طروحات متصلة بإخلاء «علي الطاهر»، إلى أن المنشأة تقع «شمال نهر الليطاني»، حسبما تقول مصادر مطلعة على موقف الحزب لـ«الشرق الأوسط»، في وقت «يتمسك الحزب بتطبيق اتفاق 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، الذي يستند إلى القرار الأممي رقم 1701، الذي يتضمن وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح في منطقة جنوب الليطاني»، مشيراً إلى أن «فهم الحزب للقرار والاتفاق، أن حصرية السلاح محصورة في جنوب الليطاني، بينما سلاح المقاومة في شمال الليطاني شأن لبناني يخضع لاستراتيجية الأمن الوطني».

حرية الحركة

ويقول الحزب إن «اتفاق إسلام آباد هو الذي أنتج تراجع التصعيد والحرب في لبنان»، فيما دخلت تل أبيب بمسار المفاوضات المباشرة مع لبنان في واشنطن، للهروب من مسار المفاوضات الأميركي - الإيراني، ولفصل الملفين.

وترى المصادر المطلعة على موقف الحزب أن هذا الواقع «أعطى إسرائيل حرية الحركة والاعتداءات، إذ جعلت المناطق غير المحتلة القريبة من الخط الأصفر معدومة الحياة، ومن بينها علي الطاهر»، ومع ذلك «لم ترضِ هذه الورقة قسماً من الجمهور الإسرائيلي المؤيد للحرب، ولم يوفر هذا الواقع عودة الثقة لسكان الشمال»، وعليه «أنتج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطابه السياسي واقعاً مضخماً لتلة علي الطاهر، وأعطاها رمزيات وأبعاداً أمنية بهدف تكبير الإنجاز في حال استطاع السيطرة عليها»، رغم أن «المنشأة المفترضة في هذه التلة، هي أصغر من منشآت أخرى سلمها (حزب الله) للجيش اللبناني في جنوب الليطاني».

مرتفعات «علي الطاهر» الواقعة شرق مدينة النبطية كما تبدو من بلدة ميفدون في جنوب لبنان (الشرق الأوسط)

عرض أميركي لإخلاء المنشأة

وتسعى إسرائيل منذ نحو 10 أسابيع، للسيطرة على المرتفع الاستراتيجي، على أن يبقى خيار الحرب هو الأخير. ويقول المصدر إن الجانب الأميركي «يطالب بأن يتسلمه الجيش اللبناني، ويتحقق الجانب الإسرائيلي منه»، مضيفاً أن هذا العرض «تلقاه الحزب الذي يرى أن هذا المطلب بمثابة مناورة لإدراك الجميع بأن الحزب يرفضه مسبقاً»، كما يرى الحزب أن هذا الطلب «بمثابة رفع عتب قامت به السلطات اللبنانية أمام واشنطن بأن لبنان قام بما عليه، لكن الحزب رفض». ويضيف المصدر: «هذا الطلب في الأساس لا يتضمن أي ضمانات بألا يتم تسليمه لإسرائيل في حال طلب من الجيش اللبناني الانسحاب من المرتفع، أو انكفاء الجيش تحت ضغط ناري إسرائيلي»، فضلاً عن أنه يرى أنه «استدراج من خارج الاتفاق الذي يتمسك به الحزب، وهو اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر 2024». ويقول المصدر إن الولايات المتحدة «أبلغت لبنان أنها تسمح بسيطرة إسرائيلية على المرتفع من دون تصعيد».

الخيار العسكري

لكن في ظل رفض الحزب لأي طروحات بإخلائه، لم يبقَ أمام إسرائيل إلا الخيار العسكري، ويتدرج من «محاولات قضم متدرج» عبر «إعدام الحياة وقطع الإمداد ومنع تبديل المقاتلين فيه، ما يمهد لسقوطه والدخول إليه بشبه معركة»، وهو ما تقوم به إسرائيل منذ 10 أسابيع، حسبما تقول مصادر لبنانية مطلعة على التحركات الإسرائيلية في المرتفع. وترى المصادر أن فشل هذه الاستراتيجية قبل الانتخابات الإسرائيلية «يمكن أن يؤدي إلى معركة مفتوحة تشبه ما كان الأمر عليه قبل دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 14 يونيو (حزيران) الماضي».

ويراهن «حزب الله» على تدخل إيراني في حال اتجاه إسرائيل إلى توسعة القتال والتملص من قواعد الاشتباك القائمة منذ وقف إطلاق النار، وذلك التزاماً بما قالته إنها لن تسمح بأي اقتطاع لأي مساحة جغرافية جديدة في جنوب لبنان تحت النار. ويستند الحزب في رهانه إلى تصريح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بعد ساعات على استهداف إسرائيلي لقياديين في الحزب في عمق جنوب لبنان يوم السبت الماضي، وقال خلالها قاليباف إنه على تواصل مع مقاتلي الحزب على الجبهة، ويتفقد أوضاعهم يومياً لتقييم الجبهة والجاهزية لأي أمر إسناد جديد.

محاذير تجدد الحرب

وعلى الرغم من أن تطورات مشابهة تنطوي على محاذير تجدد الحرب بين إسرائيل وإيران، ما قد يساهم في تدهور أمني جديد في المنطقة، فإن احتمالات تجدد الحرب على الساحة اللبنانية «تبقى قائمة»، حسبما يقول المصدر. ويضيف: «مرتفع علي الطاهر عقدة يمكن أن تعيد إنتاج الحرب»، مضيفاً: «الإسرائيلي يسعى لتحقيق إنجاز أمني قبل الانتخابات. وفي المقابل، الحزب لن يتراجع عن موقفه الثابت بأنه معني بحصرية السلاح جنوب الليطاني، وليس شماله».

وحول طروحات تقضي بإخلاء «حزب الله» لمنشأة «علي الطاهر»، مقابل انسحاب إسرائيلي من مدينة بنت جبيل أو بلدة الخيام المحتلتين والواقعتين داخل «الخط الأصفر» الذي استحدثته إسرائيل في عمق يمتد لنحو 10 كيلومترات، وأطلقت عليه «منطقة أمنية»، يقول المصدر إن «حزب الله» ينفي طروحات مشابهة، ويعتبر أنها «لا أساس لها»، ويرى أنها «ضمن إطار التضليل، وتسعى لتحميل (حزب الله) مسؤولية عدم الانسحاب في حال تجدد الحرب». ويتهم الحزب الدولة اللبنانية بأنها «تضلل نفسها، لأن إسرائيل لا تقبل النقاش بمنطقة جديدة، وكلما أُعطيت شيئاً، تطالب بمزيد من دون تقديم أي تنازل».