«كونوكو فيليبس» الأميركية تستعد لتوقيع أول عقد نفطي ضخم مع سوريا

شاشة تعرض شعار شركة «كونوكو فيليبس» في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض شعار شركة «كونوكو فيليبس» في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«كونوكو فيليبس» الأميركية تستعد لتوقيع أول عقد نفطي ضخم مع سوريا

شاشة تعرض شعار شركة «كونوكو فيليبس» في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض شعار شركة «كونوكو فيليبس» في قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

تستعد شركة «كونوكو فيليبس» لتصبح أول شركة أميركية كبرى في قطاع النفط والغاز توقع عقداً رسمياً مع الحكومة السورية الجديدة، في خطوة استراتيجية تستهدف إحياء قطاع الطاقة، وإعادة بناء اقتصاد البلاد المنهك جراء سنوات الحرب، والعقوبات الاقتصادية المديدة.

وفق ما كشفته صحيفة «فاينانشال تايمز» الأميركية من مصادر مطلعة، فإن الشركة الأميركية العملاقة ستقوم، بموجب اتفاقية مشتركة مع شركة «المؤسسة العامة للنفط» السورية المملوكة للدولة وشركة «نوفاتيرا إنرجي»، بتطوير حقول الغاز القائمة، واستكشاف مكامن جديدة، تفعيلاً لمذكرة التفاهم الموقعة بين الأطراف في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ومن المتوقع التوقيع الرسمي على العقود النهائية خلال الأسبوع الجاري.

تشير البيانات الرسمية الصادرة عن دمشق إلى أن هذا المشروع الاستراتيجي سيرفع إنتاج الغاز الطبيعي بمعدل يراوح بين 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً في غضون عام واحد، وهي قفزة حيوية لبلد تراجع إنتاجه من الغاز بمقدار الثلثين ليصل إلى مستويات متدنية مقارنة بـذروته البالغة 30 مليون متر مكعب يومياً قبل عام 2011.

تدافع دولي وإعفاءات أميركية

ويأتي عقد «كونوكو فيليبس» في أعقاب بدء شركة الطاقة الأميركية «إتش كي إن إنيرجي» (HKN Energy) عملياتها التشغيلية فعلياً في حقول رميلان النفطية شمال شرقي البلاد، بموجب عقد تطوير وإنتاج ممتد لـ25 عاماً تم إبرامه مع دمشق. وتزامن ذلك مع توقيع المؤسسة العامة للنفط السورية عقداً آخر مع شركة «أديس القابضة» السعودية لتطوير مجمع حقول غاز محلية.

ويقدر خبراء الطاقة أن الشبكة الكهربائية في سوريا تحتاج إلى نحو 18 مليون متر مكعب من الغاز يومياً لتأمين الطاقة المستدامة؛ حيث تعتمد البلاد حالياً على خطوط استيراد من أذربيجان وقطر لتغطية العجز، رغم أن التحسن الأخير في إمدادات الغاز نجح في رفع معدلات التغذية الكهربائية للمواطنين من ساعتين فقط يومياً إلى نحو 13 ساعة.

ورغم أن الاحتياطيات السورية من النفط والغاز تعد متواضعة بالمعايير الإقليمية، فإنّها تمثل شريان حياة مالياً ونقدياً رئيساً للحكومة؛ إذ يضع الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي تولى السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ملف إنعاش قطاع الطاقة في صدارة أولويات سياسته الخارجية، مستفيداً من رغبة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تعزيز «الهيمنة الأميركية على قطاع الطاقة»، ودفع الشركات الأميركية لاقتناص الحصص الواعدة.

وكانت واشنطن قد منحت دمشق حزمة إعفاءات وتسهيلات من العقوبات العام الماضي، مما مهد الطريق أمام «كونوكو فيليبس» ونظيراتها الأميركية للدخول بقوة رغبةً في حجز مقاعد الصدارة رغم البيئة التشريعية الهشة. وفي هذا السياق، علق أندرو تابلر، المستشار السابق لشؤون سوريا في الإدارة الأميركية، والزميل الحالي بمعهد واشنطن، قائلاً: «إنها لحظة مفصلية؛ الإدارة تحدثت بوضوح عن تسهيل الاستثمارات، والشركات تتدفق لتثبيت أقدامها في الطابق الأول من مرحلة إعادة الإعمار».

سوريا ممر بديل بعد أزمة «هرمز»

ومع اندلاع الحرب الأميركية في إيران والإغلاق الفعلي لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، يسعى الرئيس أحمد الشرع بذكاء لطرح سوريا دولياً باعتبار أنها «ممر ترانزيت بري بديل» لتدفقات النفط الخام العالمي؛ حيث تمتلك البلاد تاريخياً البنية التحتية الجاهزة لتكون المسار البري الأهم لنقل الصادرات النفطية العراقية والخليجية إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأبيض المتوسط.

وفي إطار هذا السباق المحموم لجذب الرساميل الأجنبية، نجحت الحكومة السورية خلال الأشهر القليلة الماضية في إبرام سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الاستكشافية والتشغيلية مع تكتلات إقليمية ودولية كبرى تشمل إلى جانب الشركات الأميركية: شركة «عُمان للطاقة»، و«قطر للطاقة»، و«توتال» الفرنسية (التي تدرس عقوداً بحرية)، وشركة «دانة غاز» الإماراتية، مما يفتح الباب أمام صياغة خريطة طاقة إقليمية جديدة كلياً في المنطقة.


مقالات ذات صلة

هل «داعش» قادر على اختراق الأمن السوري متى شاء؟

تحليل إخباري عناصر أمن سوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق «فورسيزونز» في دمشق حيث أقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب)

هل «داعش» قادر على اختراق الأمن السوري متى شاء؟

«التنظيم لا يمتلك قاعدة شعبية ولا وجوداً مدنياً حقيقياً، بل يعتمد على خلايا نائمة ومتفرقة تحاول استغلال الفراغ الأمني المؤقت بعد سنوات الحرب»...

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الفرق الهندسية التابعة لقوى الأمن السورية تفككت عبوات ناسفة وأبطلت مفعولها وفق الإجراءات الفنية المعتمدة (الداخلية السورية)

السلطات السورية تعلن كشف مخبأ للمتفجرات لخلية مرتبطة بتنظيم «داعش»

أعلنت السلطات السورية، الجمعة، أن التحقيقات مع أفراد الخلية المسؤولة عن تفجيري 7 يوليو (تموز) في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي قادت إلى كشف مخبأ للمتفجرات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي قوات إسرائيلية تنشط بمنطقة جبل الشيخ في سوريا يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)

أنباء عن نصب أنقرة بطاريات صواريخ في مطار دمشق

تركيا ليست دولة لبنان ولا سوريا ولا إيران، وتحويلها إلى عدو مغامرة ستكون كلفتها باهظة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز) p-circle

سوريا: تحقيقات أولية تكشف تورط تنظيم «داعش» في تفجيرات دمشق

أعلن قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق، أن التحقيقات الأولية مع الخلية المتورطة بتفجير عبوتين ناسفتين في دمشق، خلال زيارة ماكرون، أظهرت انها تتبع لتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عنصران من الشرطة في سوريا (الشرق الأوسط)

سوريا تعلن القبض على الخلية المسؤولة عن تفجيرات دمشق

أعلن أنس خطاب وزير الداخلية السوري، اليوم الخميس، إلقاء القبض على المسؤولين عن التفجيرات التي استهدفت دمشق قبل يومين. 

«الشرق الأوسط» (دمشق)

خلاف «الفجوة» المالية يؤجل حسم مصير الودائع في لبنان

يستمتع الناس بغروب الشمس على كورنيش المنارة ​​في بيروت (إ.ب.أ)
يستمتع الناس بغروب الشمس على كورنيش المنارة ​​في بيروت (إ.ب.أ)
TT

خلاف «الفجوة» المالية يؤجل حسم مصير الودائع في لبنان

يستمتع الناس بغروب الشمس على كورنيش المنارة ​​في بيروت (إ.ب.أ)
يستمتع الناس بغروب الشمس على كورنيش المنارة ​​في بيروت (إ.ب.أ)

بلغت الاقتراحات المعدّلة لمندرجات قانون إصلاح المصارف في لبنان، محطة الصياغة النهائية لدى لجنة المال والموازنة النيابية، توطئةً لاعتمادها مكتملةً منتصف الأسبوع المقبل، وإحالتها إلى الهيئة العامة للمجلس، وسط توافق نيابي مسبق وعريض مشارك باللجنة، ويكفل إقرار التشريع في حال تحديد موعد الجلسة، والمرتقب قبل نهاية الشهر الحالي. فيما يبقى نفاذ القانون مرتبطاً بإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يشكل محور الخلاف حول «الفجوة المالية».

ويقتصر الأثر الفوري لهذا «الإنجاز»، حسب مسؤول معني ومشارك، على الاستجابة المتكرّرة لشروط صندوق الدولي، مع هامش تكييف نسبي لمفهوم السيادة التشريعية وصلاحيات السلطات المحلية، لا سيما لجهة مراعاة نصوص القوانين النافذة، التي تنص على استقلالية البنك المركزي، وصلاحيات الحاكم والمجلس المركزي، ومهامهم المحورية والحصرية، في إدارة السياسة النقدية والقطاع المالي.

مقر مصرف لبنان المركزي في منطقة الحمراء ببيروت (رويترز)

مطالب البنك المركزي

في إيجاز للخلاصة، التي أفصح عن مضمونها رئيس لجنة المال والموازنة، إبراهيم كنعان، فقد حصل نقاش مطوّل في طلب البنك المركزي إدراج عبارة «مع مراعاة أحكام المادة 70 من قانون النقد والتسليف» على المادة الـ3 من قانون إصلاح المصارف، لتعرب الحكومة بلسان وزير المال، ياسين جابر، بأن «لا مانع لديها بالتعديل». ولذا، تم التوافق على تعديل المادتين الـ3 والـ13، بما يتناسب مع إزالة الغموض في النص نسبةً لاستقلالية البنك المركزي ودور المجلس المركزي فيه. لكنّ هناك حاجة إلى موافقة صندوق النقد والاتفاق معه.

تباعد في «الفجوة»

مع التعليق المسبق لسريان مفعول القانون بإقرار ونشر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، تظل الرحلة التشريعية الثلاثية التي تضم أيضاً قانون تعديلات السرية المصرفية، رهينة التوافق الأصعب على المشروع العالق، والذي اصطلح على تسميته «قانون الفجوة»، بفعل التباعد الصريح والحاد في مقاربات المفاهيم والأساسيات، بدءاً من تحديد حجم الخسائر، وانتهاءً بتوزيع الأعباء وفقاً للمسؤوليات، تمهيداً لاعتماد الآليات المناسبة لرد «ما أمكن» من حقوق المودعين الذين تتلاشى آمالهم تباعاً، بعد انتظار طويل ومؤلم يشرف على ختام عامه السابع.

وبذلك، يستمر المشهد المالي والنقدي، على حال «عدم اليقين»، والزاخر بالتباسات تقارب المعضلات المستمرة، في العجز «المستنسخ» باعتماد مقاربة محلية موحدة ومتكاملة، تستهدف الإنقاذ والتعافي؛ إذ إن «التسليم» بكامل مطالب صندوق النقد الدولي الذي يميل إليه الفريق الحكومي، حسب المسؤول المالي، سيفضي حكماً إلى «تعثر» معظم المصارف العاملة، وبالتبعية تجهيل مصير قيود أصحاب الحقوق، بينما لا أحد يضمن أنّ الالتزام بشروط «استدامة الدين العام» للحصول على التمويل الموعود، سيعيد البلد إلى أسواق الائتمان الدولية بلا جهاز مصرفي ناشط، وصلاحيات مقتطعة من حاكمية البنك المركزي.

رئيس الجمهورية اللبناني العماد جوزيف عون يلتقي حاكم مصرف لبنان في بعبدا (أرشيفية - إكس)

بانتظار تعديلات الحكومة

وريثما تعود الحكومة بتعديلاتها المجدّدة، بعدما استعادت المشروع الأساسي المحال سابقاً إلى المجلس النيابي، ترتفع حدة الهواجس، وفق المسؤول عينه، من المراوحة في حلقة الجدليات المفرغة بين شرط صندوق النقد المتشدّد بالحد من «استخدام الأموال العامة» في إصلاح أوضاع المصارف، وواقع إقدام الدولة على سحب التمويل المكشوف من البنك المركزي، بما لا يقل مجموعه عن 60 مليار دولار. في حين أن هذه المبالغ مصنفة أساساً، وبإجمالي يقارب 80 مليار دولار؛ ودائع وشهادات استثمارية للبنوك التجارية، واستطراداً «أموال المودعين».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتحدث إلى الصحافيين (د.ب.إ)

تعريف الأزمة... خلاف مستمر

وفي الأصل، فإن الخلاف لم يحسم تماماً حول «تعريف» الأزمة، حسب المسؤول المالي، رغم أولويته في تحديد المسؤوليات وتوزيعات الخسائر بين ثلاثي الدولة والمركزي والبنوك، بما يفضي إلى رد أموال المودعين بالتناسب مع توفر التدفقات ووفق وسائل متنوعة وجداول زمنية واضحة تلقى الموافقة الشرطية من غالبية أصحاب الحقوق، مع التقدير الموضوعي بما لحق بهم في السنوات الماضية، وسيتواصل في السنوات اللاحقة، من اقتطاعات فادحة وخسائر استثمارية (صفر عوائد) وعجوزات مشهودة في تعذر تلبية احتياجات مالية ملحة.

ورغم أسلوب المواربة في التوصيف الذي تعتمده الحكومة، يجاهر حاكم «المركزي»، كريم سعيد، بأن الأزمة المالية والمصرفية في لبنان، هي «أزمة نظامية» بكل ما للكلمة من معنى، من الناحية التقنية. وقد جرى توصيفها على هذا النحو من قبل كثير من الخبراء محلياً ودولياً، كما أقرّ بها مؤخراً صندوق النقد الدولي. واستدلالاً، فالمسألة «لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف؛ بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي للبنك المركزي، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت هذه العناصر كافة يغذي بعضها بعضاً وصولاً إلى انهيار شامل.

رئيس الجمهورية مع وفد جمعية مصارف لبنان (إكس)

حقائق... بالنسبة إلى «المركزي»

في تبرير هذا التوصيف، وتعزيز أحقيته وصلابته، يورد البنك المركزي حزمة من الحقائق الأساسية، التي لا تحتمل أي تجميل، وفي مقدمتها أن نحو 80 مليار دولار من الخسائر في القطاع المصرفي، أُودعت بمعظمها من قبل المصارف لدى مصرف لبنان. واستتباعاً، تخلّفت الدولة عن سداد سندات «اليوروبوندز» في ربيع عام 2020، بالتوازي مع انهيار قيمة سندات الخزينة بالعملة الوطنية التي كانت تساوي ضعف قيمة سندات «اليوروبوندز». وبالحصيلة، انهيار سعر صرف العملة الوطنية بأكثر من 98 في المائة، وظهور أسواق موازية تعمل خارج الأطر الشرعيّة.

كذلك، لم تتردّد جمعية المصارف في نقل مخاوفها إلى كبار المسؤولين بالدولة، رغم الإصرار على استبعادها عملياً من النقاشات الحكومية، وفي مستجداتها ما سمعه رئيس الجمهورية من مجلس الإدارة برئاسة سليم صفير، بأن «الطرح الحالي لمعالجة الأزمة المالية يبدو مجحفاً بحق القطاع المصرفي، وأن تطبيقه بصيغته الحالية غير قابل للتنفيذ عملياً»، ومبيناً تطلّع الجهاز المصرفي إلى الشراكة الفاعلة في مسار الإصلاحات المطلوبة، والتزامه بلعب دوره في دعم مسيرة التعافي والمساهمة في إعادة بناء الثقة بالاقتصاد اللبناني.

قانون لا يشطب الودائع

بدوره، أكد رئيس لجنة المال النيابية، أن مشروع قانون «الفجوة» المحال سابقاً، يخضع لإعادة نظر ببعض مواده من قبل الحكومة، «وما نريده، هو قانون لاسترداد الودائع لا لشطبها. ومن هذا المنطلق، تعيد الحكومة النظر ببعض البنود لتأمين النتيجة المرجوة التي يفترضها الهدف من القانون؛ فالثقة لا نحصل عليها من صندوق النقد خارجياً فقط، بل الثقة الداخلية مهمة أيضاً من خلال المودع اللبناني والمستثمر، الذي لن يضع قرشاً في لبنان إذا لم يشعر بأنه مضمون».


«فيتش» ترسِّخ الثقة بالاقتصاد السعودي رغم تداعيات «هرمز»

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

«فيتش» ترسِّخ الثقة بالاقتصاد السعودي رغم تداعيات «هرمز»

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

جاء قرار وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني تثبيت تصنيف السعودية عند «إيه +» مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، ليحمل أبعاداً تحليلية تعكس قدرة الاقتصاد السعودي على امتصاص صدمات الحرب الأميركية الإيرانية، وتجاوز التداعيات المباشرة لإغلاق مضيق هرمز.

ووفقاً للقراءة التحليلية للوكالة، فإن قرار تثبيت التصنيف عند هذا المستوى المتقدم لم يكن مجرد تقييم كمي عابر؛ بل جاء مدفوعاً بنظرة تقديرية خاصة لصلابة المركز المالي للمملكة. وقد حسمت ضخامة أصول القطاع العام والمصدات المالية المتنوعة كفة هذا القرار، مدعومة بحجم الودائع الحكومية وأصول الصناديق السيادية والمؤسسات الحيوية للدولة، وهي مزايا استراتيجية منحت السعودية مرونة استثنائية لتأكيد جدارتها الائتمانية الفعلية.

وكان صندوق النقد الدولي قد رفع توقعاته لنمو اقتصاد السعودية في عام 2027 بمقدار نقطة مئوية كاملة إلى 5.5 في المائة، متوقعاً انتعاشاً قوياً مع انحسار الاضطرابات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط تدريجياً. في المقابل، خفض توقعاته لنمو الاقتصاد هذا العام إلى 1.7 في المائة، بانخفاض قدره 0.3 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات بعثته إلى المملكة الشهر الماضي.

وتتوقع «فيتش» تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 0.6 في المائة في عام 2026 نتيجة تأثر الصادرات غير النفطية بإغلاق مضيق هرمز، على أن يشهد عام 2027 ارتدادة نمو قوية مع عودة التدفقات الطبيعية، قبل أن يستقر عند 2.9 في المائة في عام 2028. وسيكون هذا النمو مدعوماً بالتشغيل التدريجي للمشاريع الكبرى، واستقرار الإنفاق المحلي لصندوق الاستثمارات العامة ضمن خطته الخمسية الجديدة.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع بالسعودية (واس)

شريان ينبع التصديري

وتوقفت وكالة «فيتش» بشكل تحليلي موسع عند كفاءة قطاع الطاقة السعودي خلال فترة الحرب؛ حيث أثبت خط أنابيب «شرق- غرب» الاستراتيجي الذي يعود تصميمه لثمانينيات القرن الماضي، أنه صمام الأمان الحقيقي للاقتصاد. ويمتد هذا الخط لأكثر من ألف كيلومتر عبر الصحاري وجبال الحجاز، ليربط حقول الشرق بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، مما سمح للمملكة بمواصلة تصدير نفطها مباشرة للأسواق العالمية متجاوزة الإغلاق الشامل للمضيق.

ومع التوصل إلى الخطوط العريضة لاتفاق التهدئة والتمهيد لفتح المضيق، تشير تقديرات «فيتش» إلى سيناريو متداخل يجمع بين حجم الإمدادات وحركة الأسعار؛ إذ ستعمل المملكة على زيادة إنتاجها تدريجياً لتلبية الطلب الخارجي وإعادة بناء مخزوناتها المحلية، مع استقرار متوسط الإنتاج السنوي عند 9 ملايين برميل يومياً، وهو ما يقل عن مستويات عام 2025.

وتتوقع الوكالة أن تؤدي إعادة فتح المضيق بالتوازي مع هذه الإمدادات إلى إعادة فائض المعروض للأسواق العالمية، مما سيتسبب في تراجع تدريجي لأسعار خام برنت من متوسط 87 دولاراً للبرميل المسجل في عام 2026، ليصل إلى نحو 60 دولاراً للبرميل بحلول عام 2028.

وزير المالية السعودي محمد الجدعان يتحدث في «ملتقى الميزانية لعام 2026» (الشرق الأوسط)

إدارة مرنة للمالية العامة

ويتخذ العجز المالي في المملكة مساراً متعرجاً نجحت السياسة المالية في احتوائه بكفاءة، وهو ما رصدته وكالة «فيتش» في تقريرها؛ فخلال العام الحالي، يتجه العجز نحو الانخفاض المؤقت بفضل مستويات أسعار النفط الحالية التي نجحت في تعويض تراجع كميات الإنتاج. ولكن مع الهبوط المتوقع للأسعار العام المقبل، تشير تقديرات التقرير إلى اتساع العجز ليصل إلى 4.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتوافق مع سعر تعادل مالي للنفط يبلغ 94 دولاراً للبرميل، قبل أن يعاود التراجع مجدداً بحلول عام 2028 مدفوعاً بالجهود المستمرة لضبط النفقات الجارية، وإعادة هيكلة الإنفاق الرأسمالي الحكومي.

وفي سياق متصل، تتوقع «فيتش» ارتفاع الدين الحكومي ليصل إلى 41.3 في المائة بحلول عام 2028 مقارنة بنحو 31.8 في المائة في نهاية عام 2025، ورغم أن هذا الصعود يتجاوز السقف الاسترشادي الحكومي المحدد بـ40 في المائة، فإن الوكالة تؤكد أنه يظل صمام أمان ونقطة قوة واضحة عند مقارنته بمتوسط الدول النظيرة البالغ 58.1 في المائة.

أما الحساب الجاري، فبعد تحقيقه فائضاً طفيفاً هذا العام، يتوقع التقرير أن يتحول إلى عجز بنسبة 5 في المائة بحلول عام 2028 مدفوعاً بمتطلبات المشاريع التنموية الكبرى من سلع وخدمات وعمالة مستوردة، وهو عجز تمكَّنت المملكة من وضع آليات لتمويله عبر الاقتراض الخارجي المخطط، وإعادة توجيه جزء من أصول القطاع العام نحو الاستثمارات المحلية.

الحصانة المصرفية

وبرز القطاع المصرفي السعودي كأحد المرتكزات الأساسية في تقييم «فيتش» محققاً أداءً استثنائياً؛ ففي الوقت الذي خفضت فيه الوكالة نظرتها المستقبلية لبنوك منطقة الشرق الأوسط إلى «متدهورة»، فضلت الإبقاء على نظرتها المستقرة للبنوك السعودية عند تصنيف «محايد».

ويؤكد التقرير أن المصارف المحلية أظهرت حصانة مطلقة طوال فترة التوترات الجيوسياسية؛ حيث لم تحتج إلى أي تدابير دعم أو حزم سيولة استثنائية من البنك المركزي السعودي (ساما).

وتستند هذه المتانة المصرفية -حسب الأرقام الواردة في التقرير- إلى مؤشرات سلامة مالية قوية؛ إذ استقرت نسبة القروض غير العاملة عند مستوى ضئيل لم يتجاوز 1.1 في المائة، في حين قارب معدل كفاية رأس المال الشريحة الأولى نسبة 19.2 في المائة.

وقد أشارت الوكالة إلى أن السياسات النقدية الحصيفة عززت هذا التوجه، من خلال تنظيم وتيرة نمو الائتمان، ولا سيما التمويل العقاري، مما أتاح لنمو الودائع قيادة المشهد المصرفي، ودعم المركز المالي الخارجي الصافي للبنوك وحمايتها من التقلبات العابرة.


تفاؤل الذكاء الاصطناعي وتراجع رهانات الفائدة يعزّزان تدفقات الأسهم العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تفاؤل الذكاء الاصطناعي وتراجع رهانات الفائدة يعزّزان تدفقات الأسهم العالمية

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

استقطبت صناديق الأسهم العالمية أكبر تدفقات أسبوعية لها في ثلاثة أسابيع خلال الأسبوع المنتهي في 8 يوليو (تموز)، مدفوعةً بالطلب القوي على منتجات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب تراجع توقعات تشديد السياسة النقدية من جانب مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، مما عزّز شهية المستثمرين للمخاطرة.

وأظهرت بيانات «إل إس إي جي» أن صناديق الأسهم العالمية سجلت صافي تدفقات نقدية بلغ 49.23 مليار دولار خلال الأسبوع، وهو أعلى مستوى أسبوعي منذ 17 يونيو (حزيران). كما دعّمت بيانات النشاط الصناعي الإيجابية لشهر يونيو الطلب على المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الرقائق الإلكترونية وأجهزة الكمبيوتر، وفق «رويترز».

وأسهمت توقعات الأرباح القوية لشركات الذكاء الاصطناعي في تعزيز معنويات المستثمرين. وتشير تقديرات «إل إس إي جي»، المستندة إلى متوسط توقعات المحللين، إلى أن قطاع التكنولوجيا سيحقق نمواً سنوياً بنسبة 54.2 في المائة في صافي أرباح الربع الثاني.

وعلى مستوى المناطق، جذبت الصناديق الأوروبية تدفقات بقيمة 13.67 مليار دولار، في حين استقطبت الصناديق الآسيوية 6.95 مليار دولار.

كما استقطبت صناديق الأسهم الأميركية تدفقات بلغت 24.97 مليار دولار، وهو أعلى مستوى لها في ثلاثة أسابيع. وجاءت هذه التدفقات في أميركا في ظل تفاؤل متزايد بشأن أرباح شركات التكنولوجيا قبيل بدء موسم إعلان نتائج الربع الثاني. وتشير بيانات «إل إس إي جي» إلى أن المحللين يتوقعون نمواً سنوياً متوسطاً في أرباح شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى والمتوسطة بنسبة 40.8 في المائة.

كما أسهم الطلب القوي على منتجات الذكاء الاصطناعي في رفع متوسط توقعات المحللين لأرباح قطاع التكنولوجيا خلال الاثني عشر شهراً الماضية بنسبة 4.2 في المائة، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن.

واستقطبت صناديق قطاع التكنولوجيا صافي تدفقات بلغ 9.71 مليار دولار، وهو أكبر صافي مشتريات أسبوعية منذ 16 يونيو. كما جذبت صناديق القطاع المالي وصناديق السلع الاستهلاكية الأساسية تدفقات بلغت 1.04 مليار دولار و683 مليون دولار على التوالي.

وحسب القيمة السوقية للشركات، استقطبت صناديق الأسهم الأميركية للشركات الكبرى والصغيرة تدفقات أسبوعية بلغت 10.71 مليار دولار و1.87 مليار دولار على التوالي، في حين سجلت صناديق الشركات المتوسطة صافي تدفقات خارجة بقيمة 692 مليون دولار.

وشهدت صناديق السندات إقبالاً قوياً من المستثمرين؛ إذ استقطبت 16.82 مليار دولار خلال الأسبوع، وهو أكبر تدفق أسبوعي لها منذ عام 2019 على الأقل. كما سجلت صناديق السندات ذات التصنيف الاستثماري قصيرة إلى متوسطة الأجل، وصناديق الدخل الثابت المحلية الخاضعة للضريبة، وصناديق ديون البلديات تدفقات قوية بلغت 5.87 مليار دولار، و2.87 مليار دولار، و1.38 مليار دولار على التوالي.

وفي الوقت نفسه، ضخ المستثمرون صافي 3.91 مليار دولار في صناديق أسواق النقد، مسجلين بذلك ثاني أسبوع متتالٍ من صافي التدفقات الداخلة.

التكنولوجيا تتصدّر والسندات تسجل أعلى مستوى أسبوعي منذ 2019

ظل قطاع التكنولوجيا الوجهة المفضلة للمستثمرين؛ إذ استقطبت صناديقه تدفقات بقيمة 11.49 مليار دولار، بزيادة تجاوزت 25 في المائة، مقارنة بالأسبوع السابق الذي سجل تدفقات بلغت 8.88 مليار دولار.

كما شهد القطاعان المالي والصناعي تدفقات قوية، بلغت 1.52 مليار دولار و789 مليون دولار على التوالي.

وفي أسواق الدخل الثابت، بلغت التدفقات الداخلة إلى صناديق السندات العالمية 31.34 مليار دولار، وهو أعلى مستوى أسبوعي لها منذ عام 2019 على الأقل. وسجلت صناديق السندات قصيرة الأجل، والسندات المقوّمة باليورو، وسندات الشركات، والسندات الحكومية صافي تدفقات بلغ 7.19 مليار دولار، و3.87 مليار دولار، و2.92 مليار دولار، و2.73 مليار دولار على التوالي.

كما ضخ المستثمرون 83.76 مليار دولار في صناديق أسواق النقد، مسجلةً أكبر صافي تدفقات أسبوعية منذ 3 يونيو.

في المقابل، واصلت صناديق الذهب والمعادن النفيسة الأخرى تسجيل تدفقات خارجة للأسبوع الثامن على التوالي، بإجمالي 372 مليون دولار.

وأظهرت بيانات الأسواق الناشئة، التي تُغطّي 28 ألفاً و884 صندوقاً، استمرار الضغوط على صناديق الأسهم، التي سجلت تدفقات خارجة بنحو 500 مليون دولار للأسبوع الحادي عشر على التوالي، في حين استقطبت صناديق السندات في الأسواق الناشئة صافي تدفقات داخلة بلغ 1.66 مليار دولار.