العلاقات الأردنية - السورية... من إدارة الأزمات إلى شبكة مصالح استراتيجية

للتحضير للدورة الثالثة لمجلس التنسيق السوري - الأردني في دمشق أكتوبر المقبل

اجتمع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني بنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين في المملكة الأردنية الهاشمية أيمن الصفدي بدمشق
اجتمع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني بنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين في المملكة الأردنية الهاشمية أيمن الصفدي بدمشق
TT

العلاقات الأردنية - السورية... من إدارة الأزمات إلى شبكة مصالح استراتيجية

اجتمع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني بنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين في المملكة الأردنية الهاشمية أيمن الصفدي بدمشق
اجتمع وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني بنائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين في المملكة الأردنية الهاشمية أيمن الصفدي بدمشق

مع اختتام أعمال مجلس التنسيق الأعلى السوري - الأردني جلسته الموسعة الثانية في قصر تشرين بدمشق، الأحد، وفي إطار متابعة مخرجات الجلسة التي عقدها المجلس في العاصمة الأردنية عَمَّان قبل شهرين، أُعلن موعد للدورة الثالثة المقرر عقدها في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في مؤشر إلى بدء العلاقات السورية - الأردنية مرحلة جديدة في مسار التعاون والتنسيق بين البلدين، والانتقال إلى بناء شراكة اقتصادية سياسية تعكس الرؤية العربية لموقع ومكانة سوريا الجديدة في التوازنات السياسة، بعد الأحداث الكبرى الطارئة في المنطقة.

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي العاهل الأردني الملك عبد الله وولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله في عَمّان فبراير 2025 (الديوان الملكي - رويترز)

مصادر متابعة في دمشق قالت لـ«الشرق الأوسط»، إن زيارة الوفد الأردني الرفيع إلى سوريا تأتي بعد اجتياز البلدين مرحلة التنسيق في إدارة الأزمات، نحو مرحلة بناء شبكة المصالح الاستراتيجية على ضوء الرؤية العربية الداعمة للاستقرار في سوريا. فالوفد الوزاري الأردني رفيع المستوى، كان برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي، وضم وزير المياه رائد أبو السعود ووزير النقل نضال القطامين، ووزير الصناعة والتجارة والتموين يعرب القضاة، ورئيس هيئة تنظيم الطيران المدني ضيف الله الفرجات. واستقبل الوفد في دمشق وزير الخارجية أسعد الشيباني في لقاء حضره من الجانب السوري وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، ووزير النقل يعرب بدر، ووزير الطاقة محمد البشير، ورئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قتيبة بدوي، ورئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري.

يقول الباحث المتخصص في العلاقات الدولية والشؤون السياسية والأمنية، فراس فحام لـ«الشرق الأوسط»، إن تطوراً ملحوظاً في العلاقات بين البلدين حصل على المستويين الأمني والاقتصادي، وإن زيارة الوفد الأردني الرفيع إلى سوريا تندرج في إطار «توسيع التعاون المتصاعد»، حيث سبقه تعاون في مكافحة التهديدات العابرة للحدود مثل تهريب المخدرات، كما أن هناك رغبة سورية - أردنية مشتركة بالتعاون لتعزيز المكانة ضمن مشاريع التجارة الدولية وممرات الطاقة.

محيط سد الوحدة في حوض اليرموك على الحدود السورية - الأردنية (سانا)

ورأى الباحث أن الملفين الأكثر حضوراً حالياً في العلاقات السورية - الأردنية هما «مكافحة تهريب المخدرات الذي لا يزال يستهدف الأردن انطلاقاً من محافظة السويداء جنوب سوريا»، وملف «التموضع ضمن مشروع الربط السككي الذي يصل الخليج بأوروبا مروراً بسوريا والأردن وتركيا».

ويمثل مجلس التنسيق الأعلى السوري - الأردني، الذي تأسس في مايو (أيار) 2025 «الإطار المؤسسي الناظم للعلاقات الثنائية بين البلدين»، وقال التلفزيون السوري، إن هذه الزيارة تمثل «محطة جديدة في مسار الشراكة المؤسسية المستدامة القائمة على المصالح المشتركة والمتابعة الدورية للملفات ذات الاهتمام المتبادل بين البلدين الجارين».

لقاء الوفدين السوري والأردني في قصر تشرين بدمشق يوم الأحد برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني ونظيره الأردني أيمن الصفدي (الخارجية السورية)

في هذا الزخم، تكتسب المباحثات الأردنية - السورية دلالات وأبعاداً أوسع بالنظر إلى مستوى وحجم الوفد الأردني والسياق الزمني الذي تأتي فيه زيارة الوفد الأردني إلى دمشق، حسب الباحث السياسي في «مركز الحوار السوري للدراسات» مكارم الفتحي لـ«الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أنها أتت بعد إعلان اتفاق مبدئي أميركي - إيراني، لإنهاء الحرب، في حين تعمل دول المنطقة، لا سيما دول الخليج العربي على تجاوز ما خلفت الحرب من آثار سياسية واقتصادية انعكست على العلاقات الدولية والإقليمية.

وبالنظر إلى أن كلاً من الأردن وسوريا أظهرا «إدارة حكيمة» أثناء الحرب، يمكن عدَّ الزيارة «تمثيلاً لإرادة عربية لدعم الاستقرار الأمني واقتصادي في سوريا»، عدَّ الباحث مكارم الفتحي أن ما يجري من اتفاقيات وتعاون مع سوريا يتم في إطار «الاقتصاد السياسي».

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، يظهر بوضوح التوجه نحو مرحلة أكثر تكاملاً، تشمل قطاعات النقل والطاقة والتجارة والمياه، إلى جانب التنسيق في القضايا الإقليمية والأمنية.

ويرى أن البلدين اجتازا مرحلة «إدارة الأزمات» المتعلقة بضبط الحدود ومنع نشاط شبكات تهريب المخدرات العابرة للدول التي تعاني منها دول المنطقة، وبدآ مرحلة بناء «شبكة المصالح الاستراتيجية والتخطيط المشترك» باتجاه التعافي اللوجستي.

وقال، إن عمَّان التي تطمح لأن تكون شريكاً اقتصادياً عربياً ودولياً يمكنها الاستفادة من موقع سوريا في هذا الخصوص، وفي المقابل دمشق التي تطمح إلى توسيع شرعيتها الدولية يمكنها الاستفادة من العلاقات والخبرات الأردنية السياسية والاقتصادية والأمنية. لذلك؛ تعدّ هذه الزيارة تأسيسية لمرحلة جديدة من عملية البناء السياسي والاقتصادي.


مقالات ذات صلة

العراق يحقق في صواريخ ومسيرات مهربة إلى سوريا

المشرق العربي عنصر أمن سوري يحمل أجزاء من مسيرة تم تهريبها من العراق وضبطت في معبر التنف (الداخلية السورية) p-circle

العراق يحقق في صواريخ ومسيرات مهربة إلى سوريا

أعلنت قيادة العمليات المشتركة العراقية، الخميس، تشكيل لجنة تحقيقية للنظر في ملابسات إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وصواريخ عبر الحدود العراقية باتجاه سوريا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي أحمد بدر الدين حسون المعروف بتأييده للرئيس الأسد شغل منصب مفتي سوريا منذ عام 2004

شهود الحق العام في محاكمة المفتي السابق: فتاويه دمرت أهالي درعا وسوريا

عقدت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، اليوم الخميس، ثاني جلسات محاكمة ‏أحمد حسون المتهم بجرائم التحريض على العنف ‏وتبرير القتل خلال عهد ‌‏النظام البائد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي صورة وزعتها «الداخلية» السورية لصواريخ مهربة من العراق وضبطت يوم 16 يوليو 2026

مصادر: أسلحة هُربت من العراق إلى سوريا بوثائق نظامية

قالت مصادر أمنية عراقية، الخميس، إن شحنة تضم أسلحة وصواريخ وطائرات مسيّرة نُقلت من العراق إلى سوريا، بعد تسجيلها رسمياً على أنها حمولة من «النفط الأسود».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال مباحثاته مع الوزير أسعد الشيباني في الرياض (واس)

فيصل بن فرحان والشيباني يبحثان المستجدات والعلاقات

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيره السوري أسعد الشيباني مستجدات الأوضاع في المنطقة، والجهود المبذولة لدعم الأمن والاستقرار فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يسير يوم الأحد 12 يوليو 2026 في القاعة بعد مخاطبته الجلسة الافتتاحية لمجلس الشعب الذي شُكّل حديثاً (أ.ب)

«مجلس الشعب السوري» يدخل مهلة الشهر لإنجاز نظامه الداخلي

دخل «مجلس الشعب السوري» مهلة الشهر المحددة لإعداد نظامه الداخلي وقوانينه واختيار لجانه الدائمة، تماشياً والمرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)

وسط غزة مسرحاً لعمليات إسرائيلية مكثفة بعد اختطاف ناشط من «القسام»

فلسطيني يحتضن جثمان والده الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الخميس (رويترز)
فلسطيني يحتضن جثمان والده الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الخميس (رويترز)
TT

وسط غزة مسرحاً لعمليات إسرائيلية مكثفة بعد اختطاف ناشط من «القسام»

فلسطيني يحتضن جثمان والده الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الخميس (رويترز)
فلسطيني يحتضن جثمان والده الذي قُتل في غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الخميس (رويترز)

شهدت المنطقة الوسطى من قطاع غزة، تصعيداً مفاجئاً فجر الأربعاء واستمر حتى ساعات المساء، إثر سلسلة من العمليات الإسرائيلية المكثفة التي طالت أهدافاً متفرقة وتضمنت اغتيال ناشط ميداني بارز في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس».

وبدأت سلسلة الغارات، باستهداف مروحية إسرائيلية لشقة سكنية في وسط دير البلح وسط القطاع، ما أدى لمقتل الناشط في «كتائب القسام» عمر أبو قاسم، وزوجته وطفلتهما، فيما نجا طفل آخر هو الوحيد المتبقي من الأسرة، بعد قصف الشقة.

وأكدت مصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، أن أبو قاسم مسؤول وحدة القنص في كتيبة دير البلح. وهو ما ذكره أيضاً الجيش الإسرائيلي، في بيان الخميس، لكنه زعم أن أبو قاسم «كان يخطط لسلسلة هجمات ويعمل على إعادة تأهيل البنية التحتية للكتائب».

ومع حلول ليل الأربعاء - الخميس طلب الجيش الإسرائيلي إخلاء مربع سكني يشمل صالة أفراح كان بداخلها فرح لإحدى العائلات الفلسطينية والتي أوقفت فرحها مضطرة بعد طلب الإخلاء، للمنطقة الواقعة على مدخل مخيم المغازي وسط القطاع، قبل أن تقدم طائرات حربية على تدمير منزل في المكان ما بتسبب بأضرار في المنازل والمنطقة المجاورة له.

دخان يتصاعد من مخيم المغازي للاجئين وسط غزة بعد ضربة عسكرية إسرائيلية يوم الأربعاء (أ.ب)

وبعد ذلك بوقت قصير، طلب الجيش الإسرائيلي إخلاء مربع سكني آخر في وسط دير البلح، قبل أن يستهدف شقة سكنية ويحدث فيها أضراراً بالغة. ثم تبع ذلك إخلاء مربع سكني ثالث في مخيم النصيرات وسط القطاع، ودمر منزلاً في المكان ما تسبب بدمار كبير في المنطقة، تبعه قصف منزل آخر في مربع سكني رابع أخلي من سكانه في مخيم البريج وسط القطاع، وأحدث هو الآخر دماراً كبيراً بالمنطقة.

وعاش سكان منطقة وسط القطاع، ليلة عصيبة بفعل تلك الضربات وحالة النزوح الكبيرة التي شهدتها. وبهذه الضربات تكون إسرائيل، قصفت أهدافاً في جميع مناطق وسط القطاع عدا بلدة الزوايدة.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان له، ظهر الخميس، إن الهجمات كان هدفها تدمير أربعة مخازن أسلحة تابعة لحركة «حماس».

ما السر وراء كثافة الهجمات؟

وكشف مصدران ميدانيان، أن الضربات الكثيفة جاءت بعد يومين فقط من اختطاف عناصر من العصابة المسلحة التي يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق، شوقي أبو نصيرة، لناشط ميداني بارز في «كتائب القسام» من سكان دير البلح، وهو الذي قصفت شقته السكنية الأربعاء في دير البلح.

وتنشط عصابات مسلحة تدعمها إسرائيل في مناطق سيطرتها شرق الخط الأصفر والتي تزيد على 60 في المائة من مساحة غزة تقع شرق الخط الأصفر الافتراضي الذي تم تحديده ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بينما تسيطر «حماس» على المناطق الواقعة غرب الخط.

وبينت أن هذا الناشط يعد من الشخصيات الميدانية لـ«الكتائب» ومطلع على الكثير من التفاصيل المتعلقة بمقدرات وبنية «القسام»، وقد تم اختطافه من قبل مسلحين بعدما صدموا مركبتهم فيه ما أدى لسقوطه على الأرض، قبل أن يخرجوا منه ويدّعون أنهم سيحاولون نقله إلى المستشفى ووضعوه في المركبة قبل أن يفروا به إلى مناطق سيطرة إسرائيل والعصابات المسلحة.

ووفقاً لتقديرات المصدرين، فإن الشاب المختطف سلم من قبل العصابات المسلحة إلى القوات الإسرائيلية كما هو معتاد، وتعرض لتعذيب قاسٍِ كما يجري مع الأسرى الفلسطينيين، ولذلك قد يكون «أجبر على تقديم معلومات بعضها أمنية، وأخرى غير حيوية مثل موقع منازل مدنيين قصفت الأربعاء لمجرد أن لهم أبناء ينشطون في فصائل المقاومة».

قصف واغتيالات متواصلة

وطوال ساعات فجر الخميس، لم تتوقف المدفعية الإسرائيلية والآليات والمسيرات عن قصف وإطلاق النار اتجاه مناطق في محيط مفترق دولة بحي الزيتون على شارع صلاح الدين، ما أجبر عشرات العوائل التي تقطن في خيام وبعض المنازل المتضررة في تلك المنطقة على النزوح منها في مشهد كان قاسياً خاصة للأطفال وكبار السن والنساء الذين خرجوا بلا أي مقتنيات لهم تحت وابل من النار، ونزحوا إلى عمق مدينة غزة.

مشيعون يحملون جثمان الفلسطيني نهاد عروق خلال مراسم تشييعه بعد غارة جوية إسرائيلية في منطقة ميناء غزة الخميس (د.ب.أ)

وتقدمت آليات إسرائيلية على تلك المنطقة في حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، وقدمت المكعبات الصفراء التي تشير إلى الخط الأصفر باعتباره خط انسحاب أول حدد ضمن اتفاق وقف إطلاق النار.

وتسبب القصف المدفعي بمقتل مواطن فلسطيني وإصابة عدد آخر. فيما جرى بالتزامن في ساعة مبكرة من صباح الخميس، قصف طائرة مسيرة لشابين في منطقة السنافور بحي التفاح شرق مدينة غزة.

وتبع ذلك بساعات قليلة، اغتيال إسرائيل للناشط البارز في «كتائب القسام»، نهاد عروق، الذي نجا مما لا يقل عن 4 مرات من محاولات اغتيال استهدفته وأدت لمقتل العديد من أقاربه، وذلك بعد أن قصف صباحاً في خيمته على شارع الرشيد الساحلي بالقرب من ميناء غزة.

فلسطينيون ينتشلون بعض ممتلكاتهم من مبانٍ مدمرة غداة غارة جوية إسرائيلية على مخيم البريج للاجئين وسط غزة الخميس (أ.ب)

وبعد نحو 3 ساعات، قصفت طائرة مسيرة إسرائيلية مركبة في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، ما أدى لمقتل ناشط ميداني بارز في «كتائب القسام»، أنس حمدان، مسؤول الإعلام العسكري في «القسام»، بلواء خان يونس، وزوج ابنة رافع سلامة قائد اللواء السابق الذي اغتالته إسرائيل برفقة محمد الضيف في يوليو (تموز) الماضي. وقتل أكثر من 1130 فلسطينياً منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025.


لبنان ينجح بفصل مساره التفاوضي مع إسرائيل عن المحادثات الإيرانية

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)
TT

لبنان ينجح بفصل مساره التفاوضي مع إسرائيل عن المحادثات الإيرانية

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)

نجح لبنان الرسمي، إلى حدّ كبير، بفصل المسار التفاوضي اللبناني عن المسار الإيراني، عبر اتفاق يبدأ تنفيذه في منطقة تجريبية، تُحسم جغرافيتها وآليات تنفيذها في اجتماع تقني يُعقد عبر تقنية الفيديو بين ممثلين للجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية ووساطة من الجيش الأميركي.

ولطالما أصرّ «حزب الله» على ربط المسار اللبناني بمسار المفاوضات الإيرانية - الأميركية، فيما افتتح لبنان مساراً مستقلاً في واشنطن، أثمر بعد خمس جولات تفاوضية الاتفاق الإطاري الذي ينصّ خصوصاً على نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب إسرائيل تدريجياً من الأراضي التي توغلت إليها في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءاً من «منطقتين تجريبيتين». واتفق الجانبان، الأربعاء، على استكمال هيكلية مناطق تجريبية والبدء بتنفيذها خلال أيام، وتوضع لها، الجمعة، التفاصيل التقنية.

دورية للجيش اللبناني في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن ما تم التوصل إليه، بالمبدأ، نجح إلى حد كبير بفصل المسارين التفاوضيين، لكن الأمور لا يمكن أن تُحسم قبل نجاح تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، شارحاً أنه «إذا تم الاتفاق على التنفيذ في الاجتماع التقني، الجمعة، وتم تحديد القرى التي ستُختبر بها المنطقة النموذجية وبدأ التنفيذ بسلاسة، فسيكون ذلك أول خطوة عملية على طريق عزل المسارين».

الخيار الوحيد المتاح

ولطالما دافع الرئيس اللبناني جوزيف عون عن خياره بالتفاوض، بوصفه الخيار الوحيد المتاح كبديل عن الحرب، كما أكد أن المسعى يهدف إلى تثبيت سيادة لبنان، وحقه السيادي في التفاوض عن نفسه، لا أن يفاوض أي طرف آخر عن لبنان.

عسكريون من الجيش اللبناني ينتشرون في إحدى البلدات المتوقع أن تكون ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت مصادر وزارية قريبة من الرئاسة اللبنانية، إن عون «عندما ذهب إلى خيار التفاوض، كان يعرف أن الصدى لن يكون إيجابياً في الداخل، وتحديداً من جهة (حزب الله)، لكن هذا الخيار هو الوحيد المتاح أمام الدولة لوقف الحرب والدمار، وإعادة السكان إلى بلداتهم».

وسألت المصادر في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «تحرير القرى تدريجياً، أليس أفضل من بقاء الاحتلال والحرب؟»، لافتة إلى أن تجربة الاحتلال بين عام 1982 والانسحاب الإسرائيلي في عام 2000 «استمرت 18 عاماً، لذلك لا يمكن التوقف عن التحركات الدبلوماسية والمبادرة إلى حل يعيد أبناء القرى الحدودية ليعيدوا أعمارها والعيش بسلام»، لافتة إلى أن «ظروف المنطقة اليوم مواتية جداً للجانب الإسرائيلي للاستمرار بالاحتلال، في ظل دعم أميركي غير محدود، لذلك لا بد من المبادرة واستخدام أوراق الضغط الأميركية على إسرائيل لصالح لبنان».

وقالت المصادر: «لا يطلب الرئيس إطراء من أحد إذا نجح المسار، ما يهمه هو تحقيق الأهداف التي تتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، وإعادة السكان إلى جنوب لبنان، وإعادة إعمار ما هدمته الحرب، وتثبيت الاستقرار، وهو ما يعمل عليه مستفيداً من الضغوط الأميركية على تل أبيب».

تدخل ودعم أميركيان

وتعثرت المفاوضات في الجولة الخامسة في يونيو (حزيران) الماضي، إثر الإصرار الإسرائيلي على عدم تقديم أي ضمانات بالانسحاب من لبنان، مما اضطر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للتدخل، والضغط على الجانب الإسرائيلي لتقديم تنازلات أثمرت اتفاق الإطار الذي تم التوقيع عليه من قبل الطرفين في الخارجية الأميركية.

وقالت مصادر مواكبة للاتفاقات الأخيرة إن الجانب الأميركي «يواصل الضغط على تل أبيب لتنفيذ الاتفاقات، ويضغط باتجاه انسحاب إسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ولو تدريجياً، على أن يراقب الجانب الأميركي التزامات الطرفين ومعالجة أي خلل».

دعم ألماني - فرنسي

ويستفيد لبنان أيضاً من اندفاعة فرنسية - ألمانية لدعم الدولة اللبنانية. وقالت مصادر دبلوماسية مواكبة للاتصالات الألمانية - الفرنسية لـ«الشرق الأوسط» إن «برلين وباريس ترتبطان بالفعل بتعاون وثيق فيما يتعلق بسياستهما تجاه لبنان، سواء على المستوى الثنائي أو في إطار الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة»، مؤكدة: «إننا نعتزم تعزيز هذا التعاون وتعميقه بصورة أكبر».

وقالت المصادر: «قبيل انعقاد الاجتماع الألماني – الفرنسي، هذا الأسبوع، يبقى هدفنا المشترك هو دعم دولة لبنانية ذات سيادة، مستقرة، وماضية في مسار الإصلاح، إلى جانب التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701».

«حزب الله» يتوعد بإسقاط الاتفاق شعبياً

وفي مقابل هذا الحراك والدعم الدولي، يعارض «حزب الله» هذا الاتفاق من أساسه، ولا يكف عن انتقاد رئيس الجمهورية، وقال النائب عنه حسن فضل الله في تصريح من مجلس النواب: «إنَّ معارضة الاتفاق المشؤوم من غالبية اللبنانيين هي معارضة وطنيّة خارج الاصطفافات السياسيَّة والطائفيَّة المعروفة، ولن تنفع محاولات تلميع هذا الاتفاق فنصوصه واضحة؛ إذ ينهي وجود لبنان بوصفه دولة مستقلَّة ويشرِّع الاحتلال وممارساته الإجراميّة، ويستبدل مناطق تجريبية بالانسحاب، وتُخضع جيشنا الوطني لاختبارات يجريها جيش العدو (الإسرائيلي)، ويمنع عودة النازحين وإعادة الإعمار، ويجعل هذه السلطة شريكة له في كلِّ نقطة دمٍ يسفكها أو بيت يهدمه»، مضيفاً: «إنّه اتفاق غير قابل للحياة، ولن يتمكّن الصهاينة من فرض تطبيقه، وسيسقط شعبنا مفاعيله على الأرض».

ورأى فضل الله أنَّ «تجاهل الموقف الوطني السياسي والشعبي الرَّافض للاتفاق، ورهن مصير العهد للشروط الأميركيّة، سيؤدِّيان إلى وضع لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي، والوصاية الأميركية الكاملة، ويقوِّض سيادة الدّولة، ويزيد الهوَّة بين العهد وغالبية اللبنانيين، ولذلك فإنَّ الفرصة لا تزال متاحة لهذا العهد كي يخرج من المسار الخطير الذي وضع نفسه والبلد فيه، والعودة إلى منطق الدولة القائمة على الشراكة والتفاهم والتزام موجبات الميثاق والدستور، بما يصون وحدة لبنان وسلامة أراضيه وحريته واستقلاله».


العراق يحقق في صواريخ ومسيرات مهربة إلى سوريا

عنصر أمن سوري يحمل أجزاء من مسيرة تم تهريبها من العراق وضبطت في معبر التنف (الداخلية السورية)
عنصر أمن سوري يحمل أجزاء من مسيرة تم تهريبها من العراق وضبطت في معبر التنف (الداخلية السورية)
TT

العراق يحقق في صواريخ ومسيرات مهربة إلى سوريا

عنصر أمن سوري يحمل أجزاء من مسيرة تم تهريبها من العراق وضبطت في معبر التنف (الداخلية السورية)
عنصر أمن سوري يحمل أجزاء من مسيرة تم تهريبها من العراق وضبطت في معبر التنف (الداخلية السورية)

أعلنت قيادة العمليات المشتركة العراقية، الخميس، تشكيل لجنة تحقيقية للنظر في ملابسات إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وصواريخ عبر الحدود العراقية باتجاه الأراضي السورية، فيما أكدت مصادر خاصة أن الحكومة العراقية تعتزم محاسبة «مسؤولين في منفذ حدودي مع سوريا في حال ثبوت تورطهم بتسهيل عبور الشحنة إلى سوريا».

وجاءت هذه التطورات وسط تدقيق متزايد على حركة الشحن البري بين البلدين والطرق المستخدمة لنقل البضائع والوقود عبر الحدود، وفي ظل مراقبة مشددة على طرق إمداد «حزب الله» اللبناني بالأسلحة.

وقالت قيادة العمليات المشتركة، في بيان، إن تشكيل اللجنة جاء بتوجيه معاجل من القائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، وإنها تضم جهات أمنية ومختصين للتحقيق في تفاصيل العملية، مؤكدة أن بغداد ستنسق مع دمشق لكشف ملابسات الحادثة ومحاسبة أي جهات يثبت تقصيرها.

وأضاف البيان أن الإجراءات تهدف إلى تعزيز أمن الحدود المشتركة، ومنع أي محاولات لاستخدام الأراضي العراقية في أنشطة تهدد الأمن الوطني أو الاستقرار الإقليمي.

وجاء الإعلان العراقي بعد ساعات من إعلان السلطات السورية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وصواريخ عبر الحدود السورية - العراقية، قالت إنها كانت مخبأة داخل صهريج لنقل النفط ومعدة، بحسب الرواية السورية، لصالح «حزب الله» اللبناني.

ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) عن مصدر في وزارة الداخلية السورية قوله إن الوحدات المختصة ضبطت شحنة من الأسلحة وصفتها بأنها «نوعية»، كانت في طريقها إلى الأراضي السورية، مشيراً إلى أنها كانت متجهة على ما يبدو إلى الحزب اللبناني.

وقالت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية إن التفتيش في منفذ التنف الحدودي كشف عن وجود كميات كبيرة من الصواريخ والأسلحة والطائرات المسيّرة داخل صهريج لنقل النفط كان متجهاً إلى مدينة بانياس.

شحنة مخفية داخل مسار نفطي

وقالت مصادر أمنية عراقية إن الصهريج غادر الأراضي العراقية قبل نحو تسعة أيام بعد تسجيله رسمياً كناقلة تحمل وقوداً، وإنه استكمل معاملاته الجمركية وخضع لإجراءات الختم قبل عبوره الحدود.

وأضافت المصادر أن الناقلة تحركت ضمن حركة نقل الوقود العراقي المتجه إلى سوريا، حيث تنقل شحنات مرتبطة بتزويد مصفاة بانياس بالنفط أو المشتقات النفطية ضمن ترتيبات تجارية بين البلدين.

وأشارت المصادر إلى أن استخدام صهاريج نقل الوقود قد يجعل عمليات الكشف أكثر تعقيداً مقارنة بالشحنات العادية، خصوصاً عند الاعتماد على وسائل التفتيش التقليدية، موضحة أن التحقيقات ستحدد كيفية تمكن الشحنة من عبور نقاط الرقابة العراقية، آخرها منفذ الوليد الحدود، قبل ضبطها في الجانب السوري عند معبر التنف.

وقال مصدر حكومي عراقي إن السلطات تدرس اتخاذ إجراءات بحق مسؤولين في منفذ الوليد الحدودي إذا أثبتت التحقيقات وجود تواطؤ أو تقصير أدى إلى تمرير الشحنة.

ونقلت وسائل إعلام عن مصادر أن عملية ضبط شحنة الأسلحة السلطات السورية لم تبلغ الجانب العراقي بالعملية إلا بعد انتهاء التحقيقات.

وأفادت بأن السائق المعتقل لدى القوات السورية أدلى بإفادات تشير إلى تواطؤ موظفين في منفذ الوليد الحدودي لتمرير الشحنات إلى «حزب الله» اللبناني.

صورة وزعتها «الداخلية» السورية لأسلحة وصواريخ تم تهريبها من العراق وضبطت في معبر التنف يوم 16 يوليو 2026

حدود حساسة

وتعد الحدود العراقية - السورية واحدة من أكثر المناطق الأمنية حساسية في المنطقة؛ إذ تمتد لأكثر من 600 كيلومتر وتضم مناطق صحراوية واسعة لطالما شكلت تحدياً أمام القوات الأمنية في مراقبة حركة الأشخاص والبضائع.

وخلال السنوات الماضية، استخدمت جماعات مسلحة وشبكات تهريب هذه المناطق لنقل مقاتلين وأسلحة ومواد ممنوعة، خصوصاً خلال فترة الحرب ضد تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا بين عامي 2014 و2017.

ورغم إعلان بغداد ودمشق تعزيز التعاون الأمني على الحدود، فما زالت عمليات التهريب تمثل ملفاً أمنياً معقداً بسبب طبيعة المنطقة الجغرافية وتعدد الجهات المسلحة الناشطة في المناطق القريبة من المعابر.

وتأتي حادثة ضبط الشحنة في وقت تحاول فيه الحكومة العراقية تحقيق توازن بين تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع سوريا والحفاظ على التزاماتها الأمنية والدبلوماسية مع الولايات المتحدة ودول غربية تفرض عقوبات على شبكات مرتبطة بجماعات مسلحة في المنطقة.

وتزامن الكشف عن العملية مع بدء مؤسسات مالية عراقية تطبيق حزمة جديدة من العقوبات الأميركية تستهدف شبكات تمويل ودعم لوجستي مرتبطة بـ«حزب الله»، شملت تجميد أرصدة وفرض قيود على عدد من الأفراد والشركات.

ولم يصدر عن «حزب الله» أي تعليق بشأن الاتهامات السورية المتعلقة بالشحنة المضبوطة، كما لم تقدم السلطات العراقية حتى الآن نتائج نهائية للتحقيق أو تحدد الجهات التي تقف وراء عملية النقل.

ويأتي ذلك في ظل استمرار الضغوط الدولية على طرق إمداد الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران في المنطقة، والتي تشمل مسارات برية تمتد من إيران عبر العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان.

صورة وزعتها «الداخلية» السورية لصواريخ مهربة من العراق وضبطت يوم 16 يوليو 2026

وتستمر التحقيقات العراقية والسورية لتحديد ملابسات العملية، بما في ذلك كيفية مرور الصهريج عبر الحدود والجهات التي تقف وراء محاولة تهريب الأسلحة، بما في ذلك استغلال طريق نقل الوقود إلى مصفاة بانياس.

وتحمل منطقة بانياس أهمية اقتصادية بالنسبة للطرفين؛ إذ تضم أحد أهم مرافق تكرير النفط في سوريا، كما تمثل منفذاً بحرياً على البحر المتوسط.

وخلال الفترة الأخيرة، عمل العراق على توسيع خيارات تصدير النفط ومشتقاته عبر الأراضي السورية ضمن سياسة تهدف إلى تنويع طرق النقل وتقليل الاعتماد على مسار واحد للتصدير.

وكانت «رويترز» قد ذكرت في وقت سابق أن بغداد تسعى إلى تعزيز استخدام المسار البري عبر سوريا لنقل شحنات نفطية إلى بانياس، استناداً إلى اتفاقيات قائمة بين البلدين.

ويرى مسؤولون عراقيون أن تطوير هذه المسارات يمكن أن يحقق مكاسب اقتصادية، لكن المخاوف الأمنية المرتبطة بالحدود والبنية اللوجستية قد تزيد من الحاجة إلى إجراءات رقابية أكثر صرامة على حركة الشحنات.