رئيس الوزراء الفلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: وقف النار في غزة لا يكفي

مصطفى قال إن الحكومة مستعدة للعمل مع قوة دولية يؤسسها «مجلس الأمن» بطلب فلسطيني

TT

رئيس الوزراء الفلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: وقف النار في غزة لا يكفي

رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد مصطفى متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)
رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد مصطفى متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

اعتبر رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد مصطفى أن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، و«إعلان نيويورك» حول حل الدولتين، الذي قادته السعودية وفرنسا، يمثّلان خطّين متوازيين. وشدد مصطفى في حوار أجراه مع «الشرق الأوسط» في الرياض على أن الأهمية تكمن في تجسيد الدولة الفلسطينية، والاعتراف بها عبر تنفيذ مقررات «إعلان نيويورك»، موضحاً أن وقف إطلاق النار في غزة «ضروري، ولكنه وحده ليس كافياً».

وكشف كذلك أن «بعض الدول كانت قد اشترطت وقف إطلاق النار في غزة قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبراً أن «الدور الأساسي في إدارة شؤون غزة للسلطة الفلسطينية».

مواصلة زخم «إعلان نيويورك»

وعرَّج مصطفى على استضافة العاصمة السعودية الرياض، الأحد، الاجتماع التنسيقي رفيع المستوى لـ«التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين»، برئاسة كل من السعودية والنرويج والاتحاد الأوروبي، وأشار إلى أنه الاجتماع الأول لمتابعة مخرجات مؤتمر و«إعلان نيويورك»، بما فيها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ويجمع ممثلي 35 دولة، ونوّه بأن «السعودية وفرنسا حرصتا على بقاء هذا الزخم، ومواصلة العمل على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في (إعلان نيويورك)».

اجتماع تنسيقي رفيع المستوى لحل الدولتين في الرياض (بعثة الاتحاد الأوروبي في السعودية)

«ربط الاعتراف بوقف إطلاق النار»

مصطفى لفت كذلك إلى أن ملحق «إعلان نيويورك» يفصِّل خطوات محددة يُفترض أن تأخذها أطراف مختلفة، من دول ومؤسسات ومنظمات دولية، لإنجاز عملية تحقيق وتجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض خلال 18 شهراً.

كما أشار إلى «خطة عمل» تشمل جوانب كثيرة، منها الاعترافات، والوضع القانوني، وملف إعادة إعمار غزة، وتوحيد غزة مع الضفة الغربية، وملف القوة الدولية، ومواضيع العلاقة بانسحاب إسرائيل، وترتيب الوضع في الضفة الغربية وغزة بهدف التمهيد لقيام دولة فلسطينية، ومن ضمنها تغيير العلاقة الاقتصادية بين إسرائيل وفلسطين، «حتى يُسمح لنا بإعادة إطلاق اقتصادنا على أسس جيدة ومجدية».

وبشأن الاعتراف الدولي بفلسطين، قال مصطفى إن «الالتزام الدولي لا يزال مرتفعاً»، حتى وإن ربطت عدة دول مثل الدنمارك واليابان اعترافها بالدولة الفلسطينية بوقف إطلاق النار في غزة، مُبدياً أمله في أن يتغير هذا الموقف بناءً على المعطيات الواردة في ملحق «إعلان نيويورك».

«قيام الدولة المستقلة»

وأكّد مصطفى أن الحكومة الفلسطينية دعمت بشكل واضح الاتفاق الذي أفضى لوقف إطلاق النار في غزة، لأنه يساهم في تخفيف معاناة وآلام الشعب الفلسطيني في غزة، خاصةً في العامين الأخيرين، نظير ما وصفه بـ«جرائم، وقتل، ودمار لا يُغتفر».

كما تعهد بالعمل مع كافة الشركاء الإقليميين، والدوليين، بمن فيهم الولايات المتحدة الأميركية، لصالح استمرار وقف إطلاق النار، وإنجاز الخطة حتى نهايتها عبر قيام الدولة الفلسطينية المستقلّة في غزة، والضفة الغربية، وعاصمتها القدس، لافتاً إلى «التحديات» التي تكتنف هذا الطريق على حد وصفه، ومتطلّعاً لتعاون كافة الأطراف بغرض إنجاز الاتفاق.

وحول تعزيز حضور السلطة الفلسطينية في غزة بعد اتفاق وقف إطلاق النار، أوضح رئيس الحكومة الفلسطينية أن «العمل يسير على عدة جبهات، وهناك ضرورة لتدعيم وتقوية هذا الحضور الذي سيتم بالتدريج باعتباره خطوة أولى، رغم أنه حضور جزئي في الوقت الحالي».

وذكّر مصطفى بأن السلطة الفلسطينية كانت تحكم غزة منذ اتفاق أوسلو عام 1993، بوجود كافة الوزارات باستثناء الجانب الأمني، قبل أن تسيطر «حماس» على الحكم عام 2007.

«لجنة للإسناد المجتمعي»

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مصطفى عن الخطوات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز حضورها في غزة، قال: «منذ أشهر أخذنا خطوة باتجاه إنشاء غرفة عمليات حكومية تُدار من رام الله، وتركِّز على مناطق غزة، وتعمل يوميّاً مع موظفين من الحكومة الفلسطينية في القطاع، يشكِّلون 42 ممثِّلاً عن وزارات وهيئات ومؤسسات، بالإضافة إلى المؤسسات الدولية الشريكة للحكومة».

ونوه بالقرارات الصادرة عن القمة العربية، ومن ثم القمة العربية-الإسلامية المشتركة في الرياض، ومن ثم في الأمم المتحدة، بما في ذلك في «إعلان نيويورك» حول تشكيل الحكومة للجنة إدارية للإسناد المجتمعي، من أجل المساعدة في تنسيق الأمور، إلى أن يتم تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية وحكومتها بشكل كامل في قطاع غزة.

وأكد مصطفى أن لجنة «الإسناد المجتمعي» ستباشر أعمالها بمجرد تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، مشيراً إلى أن الوزارات والمؤسسات ستقوم بدعم اللجنة التي لا يمكنها لوحدها إدارة القطاع ومؤسساته وخدماته.

كما أعرب عن تطّلعه لانعقاد مؤتمر إعادة الإعمار قريباً (من المتوقع أن تستضيفه مصر الشهر المقبل) لجمع الدعم المالي اللازم، منوّهاً إلى استعداد الحكومة لهذا الملف من خلال الخطط التي أُنجزت، وأُعلن عنها كاملةً الأسبوع الماضي.

قوة دولية يؤسسها «مجلس الأمن»

وأمنيّاً، أبدى رئيس الوزراء الفلسطيني الاستعداد كما أوضح «إعلان نيويورك» للعمل مع قوة دولية يتم تأسيسها من خلال «مجلس الأمن الدولي»، وبناءً على طلب دولة فلسطين، لمساعدة الأمن الفلسطيني، وتأمين الحدود مع الجانب الإسرائيلي، لافتاً إلى التوافق على تدريب قوات الأمن الفلسطينية من قبل مصر والأردن.

قوات إسرائيلية بالقرب من رام الله في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وردّاً على ضبابية دور السلطة الفلسطينية في مستقبل غزة بحسب خطة وقف إطلاق النار التي أعلنها الرئيس الأميركي، جادل مصطفى بأن دور السلطة الفلسطينية هو الدور الأساسي في إدارة شؤون غزة، في الحكم والأمن والخدمات، وكافة القطاعات، وذلك وفقاً للقانون الفلسطيني الأساسي والقانون الدستوري واتفاق أوسلو، والقانون الدولي، وكافة قرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك القرار الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة و«إعلان نيويورك»، والقمم العربية، والقمم الإسلامية.

ومع ذلك لم يمانع رئيس الوزراء الفلسطيني في تلقي «مساعدة أطراف دولية وعربية وصديقة للسلطة والحكومة الفلسطينية في هذه المهمة»، على حد تعبيره.

خيمة نازحين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

«إسرائيل تعترض على دور السلطة»

وفي الإطار نفسه قال مصطفى إن إسرائيل تعترض على دور السلطة الفلسطينية، وأعاد السبب في تقديره، إلى أنها تريد الإبقاء على «الفصل بين غزة والضفة الغربية»، لمنع الدولة الفلسطينية.

وأوضح أنه «عندما جاءت الفرصة لإعادة توحيد غزة مع الضفة الغربية تحت قيادة السلطة الفلسطينية ولتنفيذ مقررات (إعلان نيويورك)، بدأوا (أي الإسرائيليون) بوضع العوائق، بالحرب والدمار في غزة، واستمرار الانفصال، والضغط علينا في الضفة الغربية بدخول المخيمات واجتياحها، ومحاولات التوسع بالاستيطان، ومحاولات ضم الضفة الغربية، لولا أن الأطراف الصديقة والدولية بما فيها دول عربية شقيقة، والولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترمب وقفوا وقفة واضحة أمام هذا الضم».

إصلاحات سياسية ومؤسّسيّة

وتحدث رئيس الوزراء الفلسطيني عن «إصلاحات مؤسسية، وسياسية» تجريها السلطة الوطنية، موضحاً أن «الحكومة بدأت الإصلاح المؤسسي منذ 15 شهراً، وطوّرت برنامجاً إصلاحياً شاملاً من 30 بنداً».

وأفاد أن برامج الإصلاح تم عرضها على «الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، ولقيت تشجيعاً من الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي»، مؤكداً أنه «تم اعتماد هذه البرامج، ويجري تنفيذها الآن وفقاً لجدول زمني، وتم تنفيذ أكثر مما هو مقرر حسب الجدول الزمني، مما لقي إشادة من جدّية الحكومة في تنفيذ هذه البرامج. بما في ذلك من المواطنين».

علم فلسطين وخلفه شوارع خالية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة أبريل 2024 (أ.ف.ب)

وفي جانب الإصلاحات السياسية، سلّط مصطفى الضوء على إعلان الرئيس محمود عباس عدداً من الإجراءات، ومن أهمها عقد انتخابات ديمقراطية رئاسية وتشريعية خلال عام من وقف إطلاق النار، وإنشاء لجنة تحضيرية لإعادة صياغة الدستور، ليضمن انتخابات حرة للأحزاب السياسية، إلى جانب اتخاذ الحكومة قراراً بالنسبة للانتخابات على المستوى المحلي، وتتضمن قانوناً جديداً، علاوةً على دراسة قانون جديد للأحزاب، مشيراً إلى أن «الحياة الديمقراطية توقفت بسبب منع إسرائيل قيام أي انتخابات في القدس الشرقية، إلى جانب فقدان السلطة الفلسطينية وجودها في غزة».

3 مليارات دولار محتجزة لدى إسرائيل

وكشف مصطفى عن إيصال رسالة إلى الجانب الأميركي حول الأموال التي تحتجزها إسرائيل، وأن أميركا من جانبها وعدت بالمساعدة في هذا الملف، وبيّن أنه خلال الأشهر الـ6 الأخيرة لم تحوِّل لهم إسرائيل أي مبالغ، ما يعني أن هناك مبالغ مجمعة لدى إسرائيل تزيد عن 3 مليارات دولار، ما يعرقل دفع رواتب الموظفين، وخدمات القطاع الخاص، والبنوك.

ولفت إلى أن «عدداً من الدول بما فيها الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وأسبانيا، يدفعون في هذا الاتجاه بالحديث مع إسرائيل للإفراج عن هذه الأموال».

مدخل مقر المجلس التشريعي الفلسطيني في مدينة غزة (أ.ب)

تعاون مع السعودية

وثمّن مصطفى دعوة السعودية الحكومة الفلسطينية للمشاركة في أعمال «مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته التاسعة، من 27 إلى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، مشيراً إلى أنها تمثّل «فرصة كبيرة» للقاء القادة والزعماء، والتباحث مع قادة القطاع الخاص في ملفات الاقتصاد والتكنولوجيا، بما ينعكس على اقتصاد فلسطيني قوي.

وأوضح أن الوفد الفلسطيني سيجري خلال هذه الزيارة اجتماعات مع عدد من المسؤولين في السعودية، بهدف تطوير الاتفاقيات التي تم توقيعها بين الجانبين مؤخراً، لافتاً إلى أن الجانبين انتقلا «من مذكرات التفاهم» إلى تطوير برامج متكاملة، ومفصلة.

جانب من توقيع اتفاقيات بين السعودية وفلسطين بحضور رئيس الوزراء الفلسطيني ووزير الخارجية السعودي (واس)

وكشف رئيس الوزراء الفلسطيني أن قطاعي التحول الرقمي، والاقتصاد الرقمي هما أكثر القطاعات تقدّماً ضمن الاتفاقيات مع الرياض، معرباً عن تطلّعه للاستفادة من تجربة الحكومة السعودية والقطاع الخاص في هذين القطاعين ضمن «رؤية السعودية 2030»، ومن ذلك شركة «هيوماين» للذكاء الاصطناعي التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي.

وقال مصطفى: «تفاعلنا مع الأشقاء في المملكة في عدد من المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص لمساعدتنا في تنفيذ برنامج (تقنيات)، وهو برنامج فلسطيني للتحول الرقمي»، عادّاً ذلك من ثمرات التعاون بين الجانبين.


مقالات ذات صلة

السلطة الفلسطينية تسلم فرنسا مشتبهاً به في اعتداء وقع عام 1982 في باريس

المشرق العربي عناصر من الشرطة الفرنسية (أرشيفية - أ.ب)

السلطة الفلسطينية تسلم فرنسا مشتبهاً به في اعتداء وقع عام 1982 في باريس

سلمت السلطة الفلسطينية فرنسا، الخميس، الفلسطيني هشام حرب المشتبه بإشرافه على مجموعة نفذت عام 1982 هجوماً على مطعم يهودي في شارع روزييه الباريسي

«الشرق الأوسط»
الخليج جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية غرب جنين في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

السعودية و20 دولة ومنظمة تدين قرارات إسرائيل لتسريع «التوسع» في الضفة

أدانت السعودية و20 دولة ومنظمة قرارات إسرائيل الأخيرة التي تُدخل توسّعات واسعة النطاق على سيطرتها غير القانونية على الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الرئيس الفلسطيني محمود عباس مستقبلاً السفير السعودي الأمير منصور بن خالد بن فرحان (وفا)

الرئيس الفلسطيني يتسلّم أوراق اعتماد السفير السعودي

تسلَّم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الاثنين، أوراق اعتماد الأمير منصور بن خالد بن فرحان، سفيراً للسعودية غير مقيم لدى دولة فلسطين، وقنصلاً عاماً في مدينة القدس.

«الشرق الأوسط» (عمَّان)
المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)

الرئيس الفلسطيني يصدر قراراً بنشر مسودة الدستور المؤقت

أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً اليوم الاثنين بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، وإتاحتها للاطلاع العام.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان لدى لقائه الدكتور محمد مصطفى في دافوس الثلاثاء (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي ورئيس الوزراء الفلسطيني يبحثان تطورات غزة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع الدكتور محمد مصطفى رئيس مجلس الوزراء الفلسطيني، التطورات في قطاع غزة، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (دافوس)

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
TT

عون مخاطباً اللبنانيين: لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلقي كلمته المتلفزة (رئاسة الجمهورية اللبنانية)

وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون، اليوم (الجمعة)، كلمة إلى اللبنانيين بعد دخول وقف إطلاق النار مع إسرائيل حيّز التنفيذ، شكر فيها «كل من أسهم في الوصول إلى هذا الهدف، من الدول الشقيقة والصديقة والرئيس الأميركي دونالد ترمب والمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول».

وشدد على أن ما تم التوصل إليه «كان خلاصة جهود الجميع، وثمرة التضحيات التي قدمتموها فأيقظت ضمير العالم، وجهود كل من استضاف أو احتضن أخاه في الوطن، وجهود جبارة، بذلها كل المسؤولين اللبنانيين، مع كل أشقائنا وأصدقاء لبنان في العالم».

وأضاف: «تحمّلنا اتهامات وإهانات وتجنياً وأضاليل، ولم نتراجع حتى ظهر أننا على صواب، وحتى تأكّد للعالم كله أنّ ما قمنا به كان الأصلح وهو الأصوب... متأكدون من أننا سنتعرض في المرحلة المقبلة التي ستشهد الانتقال من وقف إطلاق النار إلى العمل على اتفاقات دائمة، لكل الهجمات لسبب بسيط؛ أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن. نحن اليوم نفاوض عن أنفسنا، ونقرّر عن أنفسنا، لم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً».

وشدد على أن هذه المفاوضات «ليست ضعفاً وليست تراجعاً وليست تنازلاً؛ بل هي قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، ومن حرصنا على شعبنا، ومن مسؤوليتنا في حماية وطننا بكل الوسائل، خصوصاً من رفضنا أن نموت من أجل أيٍ كان غير لبنان. المفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».

وإذ أكد استعداده للذهاب حيثما كان «لتحرير أرضي وحماية أهلي وخلاص بلدي»، أوضح أن مهمته واحدة واضحة محددة؛ وهي إنقاذ البلد وشعبه. وقال: «لن أسمح بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، أو باستمرار النزف من أهلي وشعبي، من أجل مصالح نفوذ الآخرين أو حسابات محاور القوى القريبة أو البعيدة، وبين الشعارات المضلّلة التي تدمّر، والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبنا مع العقلانية. أنا أدرك أنكم معي، لأنني أعرف حجم التضحيات التي قدمتموها، وأعرف معنى أنْ يفقد الإنسان أحبّته أو بيته، أو شعوره بالأمان».

وأكد أنه «لن يكون هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامة الشعب الصامد، أو يفرط في ذرّة من تراب هذا الوطن». وحدد أهداف المرحلة المقبلة على النحو الآتي: «وقف العدوان الإسرائيلي على أرضنا وشعبنا، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً، وعودة الأسرى، وعودة ناسنا إلى بيوتهم وقراهم موفوري الأمن والحرية والكرامة».

وناشد اللبنانيين أن «يفتحوا قلوبهم وعقولهم ولا يحجبوا الرؤية عن بصرهم ولا الحكمة عن بصيرتهم، بشعارات الاتهامات والتخوين، فالأوطان لا تبنى بالغريزة؛ بل بالوعي والوحدة والثقة».

وختم: «إننا جميعاً في سفينة واحدة؛ فإما أن نقودها بحكمة حتى نصل بها إلى برّ الأمان، وإما أن نغرقها ونغرق معها جميعاً، ولا يحق لأيّ كان أن يرتكب تلك الجريمة، لا بحجة شعار، ولا بغريزة انتحار، ولا ولاء لغير لبنان وشعبه».


ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

ماكرون قلق من عدم احترام وقف إطلاق النار لبنانياً

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عجَّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن دعمه لوقف إطلاق النار لعشرة أيام بين لبنان وإسرائيل الذي أعلنه، مساء الخميس، الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكذلك فعل جان نويل بارو، وزير الخارجية الذي وصف «الهدنة» بأنها «تشكل مرحلة أولى ضرورية ومرحّباً بها؛ لأنها توفر للسكان فسحة (من الهدوء) بعد عدة أسابيع من النزاع الدموي في لبنان وإسرائيل»، بيد أن ماكرون سارع للإعراب عن «قلقه» من «أن يكون الاتفاق مهدداً بالفعل بسبب استمرار العمليات العسكرية».

والهم الأول للرئيس الفرنسي، بموازاة الاتفاق توفير الأمن للسكان المدنيين» من جانبي الحدود مع وضع الإصبع على الملف الأصعب الذي يتمثل في «تخلي (حزب الله) عن سلاحه، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تحتلها بإشارته الى «احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووقف الحرب». وهذه المخاوف عبَّر عنها بارو الذي دعا إلى «الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار» الذي يعني «الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يعرّض تنفيذ هذه الهدنة للخطر». وبطبيعة الحال، تريد باريس الذهاب إلى الهدف الأوسع الذي هو «التوصل إلى حل سياسي يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح (حزب الله)، وبما يتيح، على نطاق أوسع، رسم مسار نحو السلام والأمن لكلا البلدين ».

الرئيس دونالد ترمب يتحدث الخميس إلى وسائل الإعلام قبل صعوده على متن مروحية «مارين وان» في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض متوجهاً إلى لاس فيغاس بولاية نيفادا (د.ب.أ)

ولأن فرنسا تعي المخاطر والمطبات التي يمكن أن تعرقل هذا المسار وأهدافه فإنها، وفق ما جاء في إعلان بارو «سوف تظل ملتزمة بشكل كامل، إلى جانب شركائها الأوروبيين والإقليميين والدوليين، بمواكبة العملية الدبلوماسية الجارية».

الدور الفرنسي

أن تشيد باريس بالجهود الأميركية وتحديداً الرئيس ترمب، فلأن ذلك يستجيب لما كانت تطالب به الإدارة الأميركية منذ أشهر طويلة. ودأبت الدبلوماسية الفرنسية على التذكير بأن الجهود التي تبذلها مع واشطن لم تكن تلقى آذاناً أميركية مصغية. من هنا، وأخيراً، فإن اهتمام الرئيس ترمب شخصياً ورعايته اتفاق وقف إطلاق النار يريح فرنسا. وقالت مصادرها إنها لعبت دوراً في «إيصال الرسائل» الى الأطراف المؤثرة في الملف اللبناني بدءاً بالولايات المتحدة والدول العربية الفاعلة، وصولاً إلى الأطراف الأوروبية وأخيراً إلى إيران. وعلم من مصادر رسمية في باريس أن بارو تواصل مع نظيره الأميركي ماركو روبيو بشأن لبنان للنظر في هذه المرحلة وما بعدها.

ليس من العجب أن ترى باريس أن التحديين الرئيسيين اللذين ينتظران السلطات اللبنانية هما من جهة نزع سلاح «حزب الله»، وهو ما التزمت به الدولة اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها. من هنا، فإن مصدراً سياسياً فرنسيا رأى أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، «يميل لصالح إسرائيل» أقله في نقطتين: الأولى، أنه يعطيها الحق في القيام بعمليات عسكرية حتى ضمن مهلة الأيام العشرة لـ«الهدنة» الأمر الذي يذكر بما كان عليه الوضع بعد التوصل إلى اتفاق وقف النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2024.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وإلى جانبه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (وسط) الجمعة خلال المؤتمر الخاص بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تذكّر الأمم المتحدة بأن اتفاق 2024 تم انتهاكه 15400 مرة، خصوصاً من جانب إسرائيل بين المدة الممتدة من تاريخ إعلانه وحتى مارس (آذار) الماضي. والنقطة الثانية أن بيان «الخارجية الأميركية» لا يتناول ملف الانسحاب الإسرائيلي، بينما رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لا يخفي طموحه بالاحتفاظ بشريط محتل داخل الأراضي اللبنانية يمتد إلى ما بين 8 و10 كلم، ومن البحر وحتى جبل الشيخ.

الخطوات المتقابلة

من المعروف أن العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية لا تعيش أحلى أيامها. وجاءت تصريحات السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة التي قال فيها إنه «كلما ابتعدت فرنسا عن المفاوضات كان ذلك أفضل» لتكشف عن توترات كامنة بين الطرفين رغم الخطوات التي قام بها بارو، ومنها زيارة إسرائيل مباشرة بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلا أن هذا الواقع لا يمنع باريس من تأكيد أنها «ستكون إلى جانب لبنان الذي لا يتعين أن يترك وحيداً». وتعي السلطات الفرنسية أن الرئيس جوزيف عون سيكون بحاجة إلى دعم ومساندة في الأسابيع والأشهر المقبلة لكون لبنان واقعاً بين المطرقة الإسرائيلية وسندان «حزب الله». وتخوف باريس أن يكون كل من هذين الطرفين يستخدم الطرف الآخر ليبرر مواقفه؛ حيث إن إسرائيل سترفض الانسحاب ما لم ينزع سلاح «حزب الله»، والأخير لن يتخلى عن سلاحه ما دام الجيش الإسرائيلي لم ينسحب. من هنا، فإن مصادر فرنسية ترى أن الحل يقوم على اقتراح مبدأ «الخطوات المتقابلة» بحيث لا يعاود ارتكاب الخطأ الذي وقع فيه المبعوث الأميركي توم براك الذي طلب من لبنان نزع سلاح «حزب الله» بالكامل قبل أن تقبل إسرائيل الانسحاب من النقاط الخمس التي تمركزت فيها داخل الأراضي اللبنانية؛ لذا، تدعو باريس لـ«خطوات متوازية ومتقابلة»، لكن أمراً كهذا لا يمكن أن يتحقق من غير ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بعمليات عسكرية بموازاة المفاوضات في حال قيامها ما سيعني عملياً «التفاوض تحت النار».

نازحون لبنانيون عائدون إلى مناطقهم ومنازلهم في الجنب اللبناني بعد إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان (رويترز)

فرنسا: مساعدة «البلد الشقيق»

تلاحظ السلطات الفرنسية لبلادها دوراً في لبنان الذي تؤكد مصادرها أنه الموضوع الأول الذي تطرحه الدبلوماسية الفرنسية في جميع لقاءاته ومساعيها. وعكست الصحافة الفرنسية مخاوف باريس من أن يكون نتنياهو بصدد فرض «خط أصفر» جديد في جنوب لبنان كما فعل في غزة وسوريا. ووضعت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الجمعة عنواناً بارزاً يشير إلى «تحديات الهدنة الهشة للبنان». ورغم اعتبارها أن «دينامية جديدة» انطلقت مع وقف إطلاق النار، الأولى من نوعها منذ عام 1991، فإنها بالمقابل فصلت التحديات الكبرى التي يطرحها الواقع الجديد: نزع سلاح حزب الله، الانسحاب الإسرائيلي ، ملف النازحين والأسرى وإعادة الإعمار وترسيم الحدود البرية... من هنا، سيكون لبنان بحاجة لكل الإرادات الراغبة في المساعدة وعلى رأسها باريس التي ترى أن لها دوراً في مساعدة السلطات وتقويتها، ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وللتذكير، فإن مؤتمراً كان مقرراً عقده لهذه الغاية، الشهر الماضي، تأجل لأمد غير محدد. كذلك تريد باريس أن تكون همزة وصل بين لبنان وسورياً خصوصا في ملف ترسيم الحدود الشرقية. وفي أي حال، فإن فرنسا عازمة على مواصلة دعم لبنان دبلوماسياً وإنسانياً وعسكرياً، وهو البلد الذي يسميه ماكرون «البلد الشقيق».


«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
TT

«حزب الله» يحصي قتلاه مع ترجيحات بتجاوزهم الألف

سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة إسعاف تنقل مصابين من موقع استهداف إسرائيلي لمبنى في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

أعلن «حزب الله» أن أيدي عناصره «ستبقى على الزناد»، وذلك بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، جازماً بأنه لن يسكت عن أي خروق إسرائيلية للاتفاق، ولن يكرر التجربة الماضية حين التزم هو باتفاق أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في حين واصلت إسرائيل بوقتها اعتداءاتها واغتيالاتها لعناصره وقيادييه.

وانشغل «الحزب»، في الساعات الماضية، بتأمين عودة عدد كبير من النازحين إلى قُراهم، وبمراقبة التطورات على الأرض، لجهة التحركات الإسرائيلية في المناطق المحتلة والاستعداد لمواجهة جديدة في أي لحظة.

إحصاء القتلى

ووفق مواكبين من كثب لوضع الحزب، فإنه لا يزال يعمل على إحصاء عدد قتلاه، دون التوصل حتى الآن إلى حصيلة نهائية؛ نظراً إلى أن عدداً كبيراً من عناصره ما زالوا تحت الأنقاض في القرى والبلدات التي شهدت مؤخراً مواجهات عنيفة كالخيام وبنت جبيل وهي مناطق توجد فيها القوات الإسرائيلية، ما يصعّب عملية البحث عنهم، كما أنه يصعب التعرّف على هويات بعضهم الآخر مع تحولهم إلى أشلاء، إضافة إلى وقوع عدد آخر في الأَسْر.

وتؤكد المصادر أن «(الحزب) لن يُقْدم، في الوقت الراهن ولا في الفترة المقبلة، على إعلان أي أرقام لقتلاه، كما فعل في الحرب السابقة، إذ توقّف عن نعي قتلاه رسمياً بعد أن تجاوز العدد عتبة الخمسمائة. وهو يواصل اعتماد هذا النهج، اليوم، مع ترجيحات بأن تكون الحصيلة مرتفعة، وقد تتجاوز الألف، ولا سيما بعد المعارك العنيفة في الخيام، وخصوصاً في بنت جبيل».

مواقف «الحزب»

وفي بيانٍ أصدره بعد وقف النار، أعلن «الحزب» أنه وخلال معركة «العصف المأكول» التي استمرت خمسة وأربعين يوماً (من الثاني من مارس «آذار» إلى السادس عشر من أبريل «نيسان» 2026)، نفذ «2184 عمليّة عسكريّة مختلفة، كما استهدفت عمليات المقاومة بالمُسيّرات الانقضاضيّة والنيران الصاروخيّة المتنوّعة المستوطنات والمدن الإسرائيليّة، بدءاً من الحدود اللبنانيّة الفلسطينيّة، حتّى ما بعد مدينة تلّ أبيب بعمق 160 كيلومتراً».

وأشار إلى أن عناصره نفّذوا «نحو 49 عمليّة يوميّاً»، وقال: «وستبقى يد هؤلاء المجاهدين على الزناد، يتحسّبون لغدر العدوّ ونكثه».

مُلصق لعنصر من «حزب الله» بضاحية بيروت الجنوبية في اليوم الأول لوقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وواكب نواب «الحزب»، يوم الجمعة، النازحين، خلال عودتهم إلى بلداتهم وقُراهم، سواء في الجنوب أم البقاع، أم الضاحية الجنوبية لبيروت.

وأكد عضو كتلة «حزب الله»، النائب حسن فضل الله، خلال جولته في مناطق الضاحية، أن «حزبه» لن يقبل أي استسلام، «ولن نقبل أي خضوع؛ فهذا موضوع محسوم لدينا، وإذا أراد الأميركان أن يعطوا العدو الإسرائيلي، كما يقولون، حرية حركة، وأن بعض المسؤولين في لبنان يخضعون ويتنازلون، فهذا لن يكون له تطبيق على أرض الواقع»، مشدداً على أن «وقف إطلاق النار يجب ألا يكون لابتزاز السلطة من قِبل العدو». وأضاف: «على السلطة اللبنانية الخروج من المفاوضات المباشرة التي لن تؤدي إلا إلى الخضوع للإملاءات الإسرائيلية، وهذا يهدد مستقبل لبنان ومصيره».

هزيمة كبرى

وفي حين يصر «حزب الله» وجمهوره على اعتبار ما خلصت إليه هذه الجولة من الحرب انتصاراً، قال الدكتور رياض قهوجي، الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع، لـ«الشرق الأوسط»: «اعتدنا من (حزب الله) دوماً إعلان الانتصار، لكن إذا أردنا مقاربة الموضوع عسكرياً، فعندما بدأت الحرب كان الإسرائيلي يوجد في 5 نقاط بينما كان عناصر (الحزب) ينشطون في محاور كالناقورة وكفركلا وعيناتا، أما اليوم فباتوا في مكان آخر داخل الأراضي اللبنانية، في وقت وصلت السيطرة الإسرائيلية لعمق 10 كلم، بعدما كانت بحدود 2 أو 3 كلم، وبناءً عليه فإن (الحزب) خسر أراضي، وأُجبر على التراجع، وعدد قتلاه بالمئات، بينما عدد أسراه ارتفع، وحجم الدمار في الجنوب والضاحية والبقاع أضعاف ما كان عليه قبل الجولة الأخيرة من الحرب، أضف إلى ذلك أن عدد النازحين الذين دُمّرت منازلهم بعشرات الآلاف، وبالتالي ما هو فيه هزيمة، بكل معنى الكلمة».

وأشار قهوجي إلى أنه «وإن صح أن هناك قتلى بصفوف الجنود الإسرائيليين، لكن عددهم لا يقارَن؛ لا من قريب أو من بعيد، بعدد قتلى الطرف الآخر. تماماً كما أن مقارنة بين حجم الأضرار في لبنان وإسرائيل يؤكد حجم الهزيمة الكبرى». وأضاف: «يعدّ الحزب أنه ما دام موجوداً وقادراً على إطلاق الصواريخ فهذا يُعد انتصاراً، علماً بأنه أثبت مجدداً أنه ليس لبنانياً ولا يقوم بشيء لمصلحة لبنان، وأنه مجرد أداة إيرانية ودخل بالحرب لإسناد إيران».

«الحزب» مستعدّ لمواجهة جديدة

في المقابل، يمتلك الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المُطّلع من كثب على موقف «حزب الله»، قراءة مختلفة تماماً للواقع الراهن، إذ يَعدّ أن «(الحزب) خرج أقوى مما كان عليه، مقارنة بوضعه بعد حرب 2024. وإذا لم نُرد أن نقول إنه انتصر فالمؤكد أن الإسرائيلي لم يتمكن من تحقيق أهدافه العسكرية والأمنية، فتل أبيب لم تستطع أن تستهدف قيادة (حزب الله)، وإن كان قد سقط عدد من القياديين لكنه بقي قليلاً جداً، مقارنة بالحرب الماضية».

ويرى قصير أن «الحزب» «أدار المعركة العسكرية بدقة ونجاح، وهو مستعدّ لسيناريو تجدُّد الحرب ويعيد ترتيب أموره استعداداً لمواجهة جديدة، إلا إذا جرى التوصل لحلول جذرية تؤدي للانسحاب الكلي للجيش الإسرائيلي وإعادة الأسرى ووقف العدوان وإعادة الإعمار».