رئيس الوزراء الفلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: وقف النار في غزة لا يكفي

مصطفى قال إن الحكومة مستعدة للعمل مع قوة دولية يؤسسها «مجلس الأمن» بطلب فلسطيني

TT

رئيس الوزراء الفلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: وقف النار في غزة لا يكفي

رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد مصطفى متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)
رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد مصطفى متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

اعتبر رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد مصطفى أن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، و«إعلان نيويورك» حول حل الدولتين، الذي قادته السعودية وفرنسا، يمثّلان خطّين متوازيين. وشدد مصطفى في حوار أجراه مع «الشرق الأوسط» في الرياض على أن الأهمية تكمن في تجسيد الدولة الفلسطينية، والاعتراف بها عبر تنفيذ مقررات «إعلان نيويورك»، موضحاً أن وقف إطلاق النار في غزة «ضروري، ولكنه وحده ليس كافياً».

وكشف كذلك أن «بعض الدول كانت قد اشترطت وقف إطلاق النار في غزة قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبراً أن «الدور الأساسي في إدارة شؤون غزة للسلطة الفلسطينية».

مواصلة زخم «إعلان نيويورك»

وعرَّج مصطفى على استضافة العاصمة السعودية الرياض، الأحد، الاجتماع التنسيقي رفيع المستوى لـ«التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين»، برئاسة كل من السعودية والنرويج والاتحاد الأوروبي، وأشار إلى أنه الاجتماع الأول لمتابعة مخرجات مؤتمر و«إعلان نيويورك»، بما فيها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ويجمع ممثلي 35 دولة، ونوّه بأن «السعودية وفرنسا حرصتا على بقاء هذا الزخم، ومواصلة العمل على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في (إعلان نيويورك)».

اجتماع تنسيقي رفيع المستوى لحل الدولتين في الرياض (بعثة الاتحاد الأوروبي في السعودية)

«ربط الاعتراف بوقف إطلاق النار»

مصطفى لفت كذلك إلى أن ملحق «إعلان نيويورك» يفصِّل خطوات محددة يُفترض أن تأخذها أطراف مختلفة، من دول ومؤسسات ومنظمات دولية، لإنجاز عملية تحقيق وتجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض خلال 18 شهراً.

كما أشار إلى «خطة عمل» تشمل جوانب كثيرة، منها الاعترافات، والوضع القانوني، وملف إعادة إعمار غزة، وتوحيد غزة مع الضفة الغربية، وملف القوة الدولية، ومواضيع العلاقة بانسحاب إسرائيل، وترتيب الوضع في الضفة الغربية وغزة بهدف التمهيد لقيام دولة فلسطينية، ومن ضمنها تغيير العلاقة الاقتصادية بين إسرائيل وفلسطين، «حتى يُسمح لنا بإعادة إطلاق اقتصادنا على أسس جيدة ومجدية».

وبشأن الاعتراف الدولي بفلسطين، قال مصطفى إن «الالتزام الدولي لا يزال مرتفعاً»، حتى وإن ربطت عدة دول مثل الدنمارك واليابان اعترافها بالدولة الفلسطينية بوقف إطلاق النار في غزة، مُبدياً أمله في أن يتغير هذا الموقف بناءً على المعطيات الواردة في ملحق «إعلان نيويورك».

«قيام الدولة المستقلة»

وأكّد مصطفى أن الحكومة الفلسطينية دعمت بشكل واضح الاتفاق الذي أفضى لوقف إطلاق النار في غزة، لأنه يساهم في تخفيف معاناة وآلام الشعب الفلسطيني في غزة، خاصةً في العامين الأخيرين، نظير ما وصفه بـ«جرائم، وقتل، ودمار لا يُغتفر».

كما تعهد بالعمل مع كافة الشركاء الإقليميين، والدوليين، بمن فيهم الولايات المتحدة الأميركية، لصالح استمرار وقف إطلاق النار، وإنجاز الخطة حتى نهايتها عبر قيام الدولة الفلسطينية المستقلّة في غزة، والضفة الغربية، وعاصمتها القدس، لافتاً إلى «التحديات» التي تكتنف هذا الطريق على حد وصفه، ومتطلّعاً لتعاون كافة الأطراف بغرض إنجاز الاتفاق.

وحول تعزيز حضور السلطة الفلسطينية في غزة بعد اتفاق وقف إطلاق النار، أوضح رئيس الحكومة الفلسطينية أن «العمل يسير على عدة جبهات، وهناك ضرورة لتدعيم وتقوية هذا الحضور الذي سيتم بالتدريج باعتباره خطوة أولى، رغم أنه حضور جزئي في الوقت الحالي».

وذكّر مصطفى بأن السلطة الفلسطينية كانت تحكم غزة منذ اتفاق أوسلو عام 1993، بوجود كافة الوزارات باستثناء الجانب الأمني، قبل أن تسيطر «حماس» على الحكم عام 2007.

«لجنة للإسناد المجتمعي»

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مصطفى عن الخطوات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز حضورها في غزة، قال: «منذ أشهر أخذنا خطوة باتجاه إنشاء غرفة عمليات حكومية تُدار من رام الله، وتركِّز على مناطق غزة، وتعمل يوميّاً مع موظفين من الحكومة الفلسطينية في القطاع، يشكِّلون 42 ممثِّلاً عن وزارات وهيئات ومؤسسات، بالإضافة إلى المؤسسات الدولية الشريكة للحكومة».

ونوه بالقرارات الصادرة عن القمة العربية، ومن ثم القمة العربية-الإسلامية المشتركة في الرياض، ومن ثم في الأمم المتحدة، بما في ذلك في «إعلان نيويورك» حول تشكيل الحكومة للجنة إدارية للإسناد المجتمعي، من أجل المساعدة في تنسيق الأمور، إلى أن يتم تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية وحكومتها بشكل كامل في قطاع غزة.

وأكد مصطفى أن لجنة «الإسناد المجتمعي» ستباشر أعمالها بمجرد تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، مشيراً إلى أن الوزارات والمؤسسات ستقوم بدعم اللجنة التي لا يمكنها لوحدها إدارة القطاع ومؤسساته وخدماته.

كما أعرب عن تطّلعه لانعقاد مؤتمر إعادة الإعمار قريباً (من المتوقع أن تستضيفه مصر الشهر المقبل) لجمع الدعم المالي اللازم، منوّهاً إلى استعداد الحكومة لهذا الملف من خلال الخطط التي أُنجزت، وأُعلن عنها كاملةً الأسبوع الماضي.

قوة دولية يؤسسها «مجلس الأمن»

وأمنيّاً، أبدى رئيس الوزراء الفلسطيني الاستعداد كما أوضح «إعلان نيويورك» للعمل مع قوة دولية يتم تأسيسها من خلال «مجلس الأمن الدولي»، وبناءً على طلب دولة فلسطين، لمساعدة الأمن الفلسطيني، وتأمين الحدود مع الجانب الإسرائيلي، لافتاً إلى التوافق على تدريب قوات الأمن الفلسطينية من قبل مصر والأردن.

قوات إسرائيلية بالقرب من رام الله في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وردّاً على ضبابية دور السلطة الفلسطينية في مستقبل غزة بحسب خطة وقف إطلاق النار التي أعلنها الرئيس الأميركي، جادل مصطفى بأن دور السلطة الفلسطينية هو الدور الأساسي في إدارة شؤون غزة، في الحكم والأمن والخدمات، وكافة القطاعات، وذلك وفقاً للقانون الفلسطيني الأساسي والقانون الدستوري واتفاق أوسلو، والقانون الدولي، وكافة قرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك القرار الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة و«إعلان نيويورك»، والقمم العربية، والقمم الإسلامية.

ومع ذلك لم يمانع رئيس الوزراء الفلسطيني في تلقي «مساعدة أطراف دولية وعربية وصديقة للسلطة والحكومة الفلسطينية في هذه المهمة»، على حد تعبيره.

خيمة نازحين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

«إسرائيل تعترض على دور السلطة»

وفي الإطار نفسه قال مصطفى إن إسرائيل تعترض على دور السلطة الفلسطينية، وأعاد السبب في تقديره، إلى أنها تريد الإبقاء على «الفصل بين غزة والضفة الغربية»، لمنع الدولة الفلسطينية.

وأوضح أنه «عندما جاءت الفرصة لإعادة توحيد غزة مع الضفة الغربية تحت قيادة السلطة الفلسطينية ولتنفيذ مقررات (إعلان نيويورك)، بدأوا (أي الإسرائيليون) بوضع العوائق، بالحرب والدمار في غزة، واستمرار الانفصال، والضغط علينا في الضفة الغربية بدخول المخيمات واجتياحها، ومحاولات التوسع بالاستيطان، ومحاولات ضم الضفة الغربية، لولا أن الأطراف الصديقة والدولية بما فيها دول عربية شقيقة، والولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترمب وقفوا وقفة واضحة أمام هذا الضم».

إصلاحات سياسية ومؤسّسيّة

وتحدث رئيس الوزراء الفلسطيني عن «إصلاحات مؤسسية، وسياسية» تجريها السلطة الوطنية، موضحاً أن «الحكومة بدأت الإصلاح المؤسسي منذ 15 شهراً، وطوّرت برنامجاً إصلاحياً شاملاً من 30 بنداً».

وأفاد أن برامج الإصلاح تم عرضها على «الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، ولقيت تشجيعاً من الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي»، مؤكداً أنه «تم اعتماد هذه البرامج، ويجري تنفيذها الآن وفقاً لجدول زمني، وتم تنفيذ أكثر مما هو مقرر حسب الجدول الزمني، مما لقي إشادة من جدّية الحكومة في تنفيذ هذه البرامج. بما في ذلك من المواطنين».

علم فلسطين وخلفه شوارع خالية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة أبريل 2024 (أ.ف.ب)

وفي جانب الإصلاحات السياسية، سلّط مصطفى الضوء على إعلان الرئيس محمود عباس عدداً من الإجراءات، ومن أهمها عقد انتخابات ديمقراطية رئاسية وتشريعية خلال عام من وقف إطلاق النار، وإنشاء لجنة تحضيرية لإعادة صياغة الدستور، ليضمن انتخابات حرة للأحزاب السياسية، إلى جانب اتخاذ الحكومة قراراً بالنسبة للانتخابات على المستوى المحلي، وتتضمن قانوناً جديداً، علاوةً على دراسة قانون جديد للأحزاب، مشيراً إلى أن «الحياة الديمقراطية توقفت بسبب منع إسرائيل قيام أي انتخابات في القدس الشرقية، إلى جانب فقدان السلطة الفلسطينية وجودها في غزة».

3 مليارات دولار محتجزة لدى إسرائيل

وكشف مصطفى عن إيصال رسالة إلى الجانب الأميركي حول الأموال التي تحتجزها إسرائيل، وأن أميركا من جانبها وعدت بالمساعدة في هذا الملف، وبيّن أنه خلال الأشهر الـ6 الأخيرة لم تحوِّل لهم إسرائيل أي مبالغ، ما يعني أن هناك مبالغ مجمعة لدى إسرائيل تزيد عن 3 مليارات دولار، ما يعرقل دفع رواتب الموظفين، وخدمات القطاع الخاص، والبنوك.

ولفت إلى أن «عدداً من الدول بما فيها الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وأسبانيا، يدفعون في هذا الاتجاه بالحديث مع إسرائيل للإفراج عن هذه الأموال».

مدخل مقر المجلس التشريعي الفلسطيني في مدينة غزة (أ.ب)

تعاون مع السعودية

وثمّن مصطفى دعوة السعودية الحكومة الفلسطينية للمشاركة في أعمال «مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار» في نسخته التاسعة، من 27 إلى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، مشيراً إلى أنها تمثّل «فرصة كبيرة» للقاء القادة والزعماء، والتباحث مع قادة القطاع الخاص في ملفات الاقتصاد والتكنولوجيا، بما ينعكس على اقتصاد فلسطيني قوي.

وأوضح أن الوفد الفلسطيني سيجري خلال هذه الزيارة اجتماعات مع عدد من المسؤولين في السعودية، بهدف تطوير الاتفاقيات التي تم توقيعها بين الجانبين مؤخراً، لافتاً إلى أن الجانبين انتقلا «من مذكرات التفاهم» إلى تطوير برامج متكاملة، ومفصلة.

جانب من توقيع اتفاقيات بين السعودية وفلسطين بحضور رئيس الوزراء الفلسطيني ووزير الخارجية السعودي (واس)

وكشف رئيس الوزراء الفلسطيني أن قطاعي التحول الرقمي، والاقتصاد الرقمي هما أكثر القطاعات تقدّماً ضمن الاتفاقيات مع الرياض، معرباً عن تطلّعه للاستفادة من تجربة الحكومة السعودية والقطاع الخاص في هذين القطاعين ضمن «رؤية السعودية 2030»، ومن ذلك شركة «هيوماين» للذكاء الاصطناعي التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي.

وقال مصطفى: «تفاعلنا مع الأشقاء في المملكة في عدد من المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص لمساعدتنا في تنفيذ برنامج (تقنيات)، وهو برنامج فلسطيني للتحول الرقمي»، عادّاً ذلك من ثمرات التعاون بين الجانبين.


مقالات ذات صلة

تمثيل أكبر للمرأة والشباب... عباس يعدل قانون الانتخابات الفلسطينية

المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

تمثيل أكبر للمرأة والشباب... عباس يعدل قانون الانتخابات الفلسطينية

أصدر الرئيس الفلسطيني، الأحد، قراراً يرفع عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني ويوسع مشاركة المرأة والشباب في العملية الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
خاص فلسطيني يجلس في موقع غارة عسكرية إسرائيلية استهدفت مباني وخياماً تؤوي عائلات نازحة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

خاص مصدر فلسطيني: «حماس» تبحث مع الوسطاء «مقاربة أقل حدة» لملف السلاح

أكد مصدر فلسطيني مطلع ومقرب من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث المتداول حول إلغاء زيارة وفد حركة «حماس» إلى العاصمة المصرية القاهرة، أو تأجيلها، غير دقيق.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس برفقة ابنه ياسر في رام الله بالضفة الغربية يوم 28 مايو 2018 (أرشيفية - رويترز)

انتخابات «فتح»: فوز نجل عباس ومدير المخابرات والزبيدي بعضوية اللجنة المركزية

فاز ياسر عباس، النجل الأكبر لرئيس السلطة الفلسطينية، بعضوية اللجنة المركزية، وهي أعلى هيئة قيادية في حركة «فتح»، وذلك في الانتخابات التي جرت السبت.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

الرئيس الفلسطيني يتعهد بمواصلة الإصلاحات داخل السلطة وإجراء انتخابات

تعهد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الخميس، بمواصلة العمل على الإصلاحات داخل السلطة الفلسطينية التي يطالب بها المجتمع الدولي.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي أطباء فلسطينيون في وقفة احتجاجية أمام مستشفى بيت جالا الحكومي في الضفة الغربية يوم الأحد (الشرق الأوسط)

الإضرابات تتوسع في وجه الحكومة الفلسطينية وتهدد بشلل واسع

توسّعت الإضرابات النقابية في وجه الحكومة الفلسطينية، المتهمة بـ«التعنت، والمحاباة»، وسط أزمة مالية متصاعدة تعصف بالسلطة منذ سنوات.

كفاح زبون (رام الله)

دمشق تحتوي الاحتجاجات الشعبية ضد أعوان النظام السابق

 قيادة الأمن الداخلي في حلب عقدت اجتماعاً مفتوحاً مع فعاليات مجتمعية وشعبية الثلاثاء (الإخبارية السورية)
قيادة الأمن الداخلي في حلب عقدت اجتماعاً مفتوحاً مع فعاليات مجتمعية وشعبية الثلاثاء (الإخبارية السورية)
TT

دمشق تحتوي الاحتجاجات الشعبية ضد أعوان النظام السابق

 قيادة الأمن الداخلي في حلب عقدت اجتماعاً مفتوحاً مع فعاليات مجتمعية وشعبية الثلاثاء (الإخبارية السورية)
قيادة الأمن الداخلي في حلب عقدت اجتماعاً مفتوحاً مع فعاليات مجتمعية وشعبية الثلاثاء (الإخبارية السورية)

كشفت وزارة الداخلية إحصائية بأعداد الموقوفين لديها من فلول النظام البائد ومن أصحاب الرتب العسكرية الذين وصل عددهم إلى نحو 3700 عسكري سقطوا في قبضة قوى الأمن. في تأكيد منها على الاستمرار في ملاحقة جميع المشتبه بتورطهم بجرائم النظام السابق.

جاء ذلك بينما أقرت الحكومة السورية بمطالب المحتجين «المشروعة» وأن تحقيق العدالة يتم «بسيادة القانون لا سيادة الغضب والانفعال»، وذلك في مساعٍ لاحتواء الاحتجاجات التي تشهدها مناطق سورية مطالبة بطرد المتهمين المرتبطين مع النظام السابق، وتسريع تطبيق العدالة الانتقالية، وفق المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، في تأكيد على استمرار ملاحقة جميع المتورطين.

وعمت المظاهرات عدداً من المحافظات السورية في الأيام الأخيرة احتجاجاً على عودة المتعاونين مع النظام البائد المعروفين باسم «الشبيحة» والمطالبة بمحاسبتهم، وتطورها إلى «حراك» يومي، دعت وزارة الداخلية السوريين إلى عدم الانجرار إلى أي أعمال انتقامية أو اعتداءات خارج إطار القانون.

وكان «اعتصام الكرامة» في دير الزور شرق سوريا قد أعلن إنهاء اعتصامه في الخيمة، مساء الاثنين، بعد 5 أيام من انطلاقه، وذلك حفاظاً على أمن واستقرار المحافظة، ومنع أي محاولات لاستغلاله أو إثارة الفتن وزعزعة السلم الأهلي، وذلك عقب اجتماع بين ممثلي الاعتصام والجهات المعنية في المحافظة، بعد أن تعهدت الحكومة بتلبية مطالب المحتجين بالكامل، مع الإشارة إلى أن بعضها يحتاج إلى وقت أطول للدراسة.

وبحسب مصادر إعلامية في دير الزور، فإن الجهات الحكومية كلفت شخصاً للتنسيق مع ممثلي المحتجين، وتسجيل البيانات المتعلقة باستكمال الإجراءات اللازمة لتلبية المطالب وفق الأصول المعتمدة.

تركي البوحمد قائد ميليشيا «قوات مقاتلي العشائر» المرتبطة سابقاً بشعبة الاستخبارات العسكرية (الداخلية السورية)

يُذْكر أن بين من نشرت وزارة الداخلية أسماءهم في قائمة أبرز رموز وأركان المنظومة العسكرية والأمنية للنظام البائد الذين تم إلقاء القبض عليهم، تركي مخلف المرعي المعروف باسم تركي البوحمد، قائد ميليشيا «قوات مقاتلي العشائر» المرتبطة سابقاً بشعبة الاستخبارات العسكرية.

كما أعلنت قوى الأمن الداخلي اعتقال عضو مجلس الشعب في عهد النظام، خليفة محمد الحمد المرسومي وهو شقيق فرحان المرسومي من أذرع إيران في سوريا، وذلك خلال مداهمة في مدينة معظمية الشام بمحافظة ريف دمشق.

في سياق التهدئة التي تقوم بها الحكومة، عقدت قيادة الأمن الداخلي في محافظة حلب اجتماعاً مفتوحاً مع عدد من الفعاليات المجتمعية والشعبية، الثلاثاء، بحضور نائب وزير الداخلية اللواء عبد القادر طحان وقائد الأمن الداخلي العقيد محمد عبد الغني، وبمشاركة مسؤولي الكتل بالمحافظة للحديث حول جهود الدولة في تطبيق مسار العدالة الانتقالية. وأكد طحان على الجهود التي تبذلها الدولة ووزارة الداخلية على توفير الظروف والإمكانات للإسراع في ملف العدالة الانتقالية، وفقاً لما أفاد به مراسل «الإخبارية».

بدوره، لفت قائد الأمن الداخلي في حلب إلى أن الدولة بدأت بمحاكمة كبار المجرمين، ولن يفلت أحد من العدالة وفق القانون عن طريق وزارة العدل، مشيراً إلى أن أي محاسبة للمجرمين تتم وفق قوانين الدولة السورية بما يحفظ حقوق الضحايا.

في هذه الأثناء، أصدر مجلس أعيان ووجهاء بلدة كفرعويد في ريف إدلب بياناً تضمن جملة من القرارات والإجراءات المنظمة لدخول البلدة والإقامة فيها. وكانت البلدة ضمن البلدات السورية التي شهدت مؤخراً احتجاجات على من يطلق عليهم «شبيحة» عملوا لصالح النظام السابق.

وجاء في البيان الذي تداولته مواقع التواصل، منع دخول جميع العسكريين الذين كانوا على رأس عملهم ضمن قوات النظام السابق خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2024، وذلك بغض النظر عن مواقع أو طبيعة خدمتهم السابقة.

كما نصّ البيان على إلزام المدنيين المقيمين سابقاً في مناطق سيطرة النظام والراغبين بدخول البلدة بالحصول على موافقة أمنية مسبقة، على أن تُسلَّم إلى وجهاء البلدة لدراستها، واتخاذ القرار المناسب بشأنها.

وأكد مجلس الأعيان والوجهاء في ختام بيانه، رفض أي اعتداء أو تعرض للمدنيين تحت أي ذريعة، مشدداً على ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي واحترام حقوق جميع السكان.

إحصائية بأعداد الموقوفين من أصحاب الرتب العسكرية تقارب 3700 عسكري (الداخلية السورية)

وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا قد صرح، الاثنين، أن الدولة ماضية في مسارات العدالة الانتقالية بشكل احترافي ومؤسساتي، مشدداً على عدم وجود حماية لأي مجرم أو متورط بغض النظر عن وضعه.

وأوضح البابا في تصريح لـ«الإخبارية» أن المعيار في المحاسبة هو التورط بالجرائم، وليس الانتماء الطائفي أو القومي في إطار ترسيخ العدالة وسيادة القانون.

وحذر ناشطون في حي ركن الدين في العاصمة دمشق من القيام بأعمال عنف خشية استغلال الفوضى في إثارة الفتن في الحي، في حين هاجم محتجون في دوما بريف دمشق، ليل الاثنين، منشأة تجارية قالوا إنها تعود لـ«الشبيحة»، وطالبوا بطردهم من مدينتهم، وكذلك هاجم محتجون منطقة عش الورور في حي برزة شمال دمشق، مساء الاثنين، مطالبين بإخراج المدنيين الذين وصفتهم بأنهم كانوا أعواناً لنظام الأسد، وتدخل عناصر الأمن الداخلي لفض الاحتجاج.

ونشرت وزارة الداخلية إحصائية بأعداد الموقوفين لديها من أصحاب الرتب العسكرية، ويقارب عدد 3700 عسكري، منهم 42 ضابطاً برتبة لواء، و172 برتبة عميد، و218 برتبة عقيد.


إسرائيل تحاول فرض وقائع ميدانية في جنوب لبنان خلال الهدنة

آلية عسكرية إسرائيلية تمرّ بمحاذاة مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ب)
آلية عسكرية إسرائيلية تمرّ بمحاذاة مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تحاول فرض وقائع ميدانية في جنوب لبنان خلال الهدنة

آلية عسكرية إسرائيلية تمرّ بمحاذاة مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ب)
آلية عسكرية إسرائيلية تمرّ بمحاذاة مبانٍ مدمّرة في جنوب لبنان (أ.ب)

عاد الطيران المسيّر الإسرائيلي ليملأ أجواء بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب، فيما استمرت الاشتباكات بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي في منطقة معبر كفرتبنيت، في مؤشر إلى أن إسرائيل تحاول فرض وقائع ميدانية على الأرض، رغم الإعلان عن التفاهم الأميركي - الإيراني الهادف إلى إنهاء الحرب على مختلف الجبهات.

وبينما سجلت الساعات الأخيرة تراجعاً في وتيرة الغارات الجوية، واصلت إسرائيل عمليات القصف والاستهداف والتوغل المحدود جنوباً، مقابل تأكيد «حزب الله» استمرار المواجهة الميدانية ومنع فرض وقائع جديدة على الأرض، ما يعكس استمرار التباعد بين المسار السياسي المعلن، والواقع العسكري القائم على الحدود اللبنانية.

وقائع ميدانية

وتحاول إسرائيل فرض وقائع أمنية بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لجهة التحرك في محيط القرى التي توغلت فيها، وتنفيذ عمليات نسف وتموضع أو استكمال عمليات أمنية، وتعرضت القوات الإسرائيلية في محيط كفرتبنيت وتلة علي الطاهر، يوم الاثنين، لرشقات صاروخية من قبل «حزب الله».

وقالت مصادر مقربة من الحزب لـ«الشرق الأوسط» إن هناك قراراً لديه «بعدم السماح بتكرار تجربة مرحلة الهدنة بعد توقيع اتفاق 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024» حينما واصلت إسرائيل عمليات النسف والتجريف والتوسع وتغيير المعالم الجغرافية. وقالت المصادر: «إسرائيل تحاول خلق واقع أمني، والحزب يتصدى لهذا الواقع، لذلك جرى الرد مباشرة على محاولات التوغل والاقتراب من تلة (علي الطاهر) الأربعاء».

استهدافات جنوبية متفرقة

ميدانياً، استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة «فان» على طريق حداثا - حاريص في قضاء بنت جبيل، فيما تعرضت النبطية الفوقا ومحيط الريحان في قضاء جزين لقصف مدفعي، إلى جانب غارة من مسيرة استهدفت النبطية الفوقا.

وفي بلدة بيت ياحون، ألقت طائرة إسرائيلية مسيّرة قنبلة صوتية قرب عدد من المواطنين من دون تسجيل إصابات، بينما عُثر على صاروخ غير منفجر داخل أحد المنازل في الجنوب.

كما امتد النشاط العسكري الإسرائيلي إلى الحدود الشرقية، حيث استهدفت غارة موقعاً في جرود سرغايا على الحدود اللبنانية - السورية في شرق لبنان.

في المقابل، أعلن «حزب الله» أن مقاتليه استهدفوا تجمعاً للجيش الإسرائيلي في محيط منطقة المعبر برشقة صاروخية وقذائف مدفعية، مؤكداً أن الاشتباكات لا تزال مستمرة، في مؤشر إلى استمرار المواجهة الميدانية رغم الحديث عن تفاهمات إقليمية لوقف الحرب.

وسجل تحليق مكثف للطيران المسيّر الإسرائيلي على علو منخفض فوق بيروت والضاحية الجنوبية، كما حلقت مسيّرات أخرى فوق الزهراني وقرى الجوار، إضافة إلى مدينة بعلبك وبلدات البقاع الشمالي، بعدما غابت عن أجواء المنطقة خلال الساعات السابقة.

الجيش اللبناني ينتشر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

حداثا تحت الرقابة العسكرية

وفي الجنوب أيضاً، أعلنت بلدية حداثا أن الجيش اللبناني بدأ تثبيت نقاط عسكرية داخل البلدة، مشيرة إلى إنشاء نقطة عند مفرق الشاليهات والعمل على استكمال انتشار نقاط أخرى داخل البلدة.

وأكدت البلدية أن الدخول إلى حداثا لا يزال ممنوعاً بسبب المخاطر الأمنية، داعية الأهالي إلى انتظار التعليمات الرسمية قبل العودة، في ظل استمرار العمليات العسكرية في محيط المنطقة.

غموض داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية

وفي موازاة التطورات الميدانية، كشفت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية عن حالة ارتباك داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بشأن مستقبل العمليات في لبنان. ونقلت الصحيفة عن مصدر عسكري قوله إن «القوات الجوية الإسرائيلية أوقفت منذ الاثنين معظم هجماتها على لبنان، مشيراً إلى وجود غموض حيال الوجهة المقبلة للمعركة». وحسب الصحيفة، فإن الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته ضمن ما يعرف بـ«الخط الأصفر»، عبر تنفيذ طلعات استطلاعية وغارات موضعية، لكنه لا يمتلك حتى الآن تصوراً نهائياً للمرحلة المقبلة.

وأضافت أن المؤسسة العسكرية تعد خططاً متعددة تشمل مواصلة القتال وتصعيده، أو تثبيت القوات في مواقعها الحالية، أو الانسحاب من بعض المناطق، بانتظار القرارات السياسية.

عامل في بلدية النبطية يستخدم جرافة صغيرة لإزالة الركام وتنظيف أحد المحال التجارية المدمرة بالسوق (أ.ب)

خرق متواصل للتفاهمات

وكانت الساعات الماضية قد شهدت مؤشرات متناقضة حول مسار التهدئة. فبينما سجل انخفاض نسبي في وتيرة الغارات الجوية مقارنة بالأيام السابقة، استمرت عمليات القصف المدفعي والتفجيرات والتوغلات المحدودة في عدد من المناطق الجنوبية.

وسجل، الاثنين، مقتل مواطن لبناني جراء غارة نفذتها مسيّرة إسرائيلية على طريق كفرتبنيت. كما أصيب المراسل الصحافي هادي عبد المنعم حطيط بشظية في قدمه بعدما استهدفته قذيفة إسرائيلية أطلقت بالقرب منه أثناء وجوده في كفرتبنيت، ونقل على أثرها إلى مستشفى النجدة الشعبية في النبطية حيث خضع لعملية جراحية.


4 قتلى في ضربات إسرائيلية استهدفت 3 سيارات بجنوب لبنان

رجل ينظر إلى المباني المدمرة في أعقاب الغارات الإسرائيلية على السوق القديم التاريخي في بلدة النبطية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
رجل ينظر إلى المباني المدمرة في أعقاب الغارات الإسرائيلية على السوق القديم التاريخي في بلدة النبطية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

4 قتلى في ضربات إسرائيلية استهدفت 3 سيارات بجنوب لبنان

رجل ينظر إلى المباني المدمرة في أعقاب الغارات الإسرائيلية على السوق القديم التاريخي في بلدة النبطية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
رجل ينظر إلى المباني المدمرة في أعقاب الغارات الإسرائيلية على السوق القديم التاريخي في بلدة النبطية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

قتل أربعة أشخاص، اليوم الثلاثاء، جراء ضربات إسرائيلية متلاحقة استهدفت ثلاث سيارات في جنوب لبنان، وفق ما أوردته «الوكالة الوطنية للإعلام»، في حين أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه اعترض صواريخ لـ«حزب الله» وردّ عليها بتوجيه ضربات، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأفادت «الوكالة الوطنية» بأن مسيّرة إسرائيلية استهدفت سيارتين في بلدة ميفدون في منطقة النبطية، وسيارة ثالثة في بلدة شوكين المجاورة، ما أدى «وفق حصيلة أولية إلى استشهاد أربعة مواطنين ووقوع جرحى».

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفذ غارة جوية في جنوب لبنان بعد أن رصد مركبة مشبوهة في منطقة كان جنوده يوجدون فيها، من دون تحديد موقعها.

وأشار إلى أن قواته اعترضت صواريخ عدة أُطلقت على جنود إسرائيليين في جنوب لبنان، مضيفاً: «بُعيد ذلك، قصف سلاح الجو الإسرائيلي ودمّر منصة كان أطلق منها عدد من الصواريخ».

ولم يصدر «حزب الله» أي بيان، الثلاثاء، يتبنى فيه هجمات على أهداف إسرائيلية في جنوب لبنان.

ومع أنّ حدة الضربات في لبنان تراجعت عقب إعلان اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، الاثنين، قُتل ما لا يقل عن خمسة أشخاص في غارات إسرائيلية على الجنوب اللبناني مُذاك، وفق «الوكالة الوطنية».

وبادر بعض سكان الجنوب إلى العودة لتفقد بلداتهم وقراهم، لكن الجيش اللبناني حضّ السكان على تأجيل عودتهم، مشيراً إلى «خطر الانتهاكات والهجمات الإسرائيلية».

وقتل 3 آلاف و826 شخصاً منذ اندلاع الحرب في لبنان، وفق آخر حصيلة لوزارة الصحة.

واندلعت الحرب بعد إطلاق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل رداً على مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط). وردّت إسرائيل بحملة واسعة من الغارات الجوية واجتياح بري.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم، إن إنهاء الحرب لن يكتمل «دون انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في هذه الحرب».

وأضاف في اجتماع مع دبلوماسيين أجانب بثّه التلفزيون الرسمي: «أي هجوم عسكري من قبل الكيان الصهيوني على لبنان من الآن فصاعداً، واستمرار احتلال الأراضي اللبنانية من الآن فصاعداً، سيُعدُّ انتهاكاً لمذكرة التفاهم من وجهة نظرنا».

وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، أن القوات الإسرائيلية ستبقى في غزة ولبنان وسوريا «ما دام ذلك ضرورياً».