حذّر «مرصد التراث الحديث» في لبنان من أن التراث الثقافي في جنوب لبنان يواجه تهديدات غير مسبوقة نتيجة الحرب المستمرة، مطالباً بتطوير إطار طويل الأمد للتعافي «يدمج بين الحفظ والترميم والبحث العلمي والتوثيق والتربية وإدارة التراث المستدامة».
وتعرضت المواقع الأثرية والتراثية في مناطق القتال بجنوب لبنان لقصف إسرائيلي قضى على جزء منه بالكامل، وألحق أضراراً بمواقع أخرى، ويعود بعضها للحقبة الرومانية أو الفينيقية أو البيزنطية أو العثمانية.
ويشمل هذا التراث الغني والمتنوع القرى التاريخية، والفضاءات العامة، والعمارة التقليدية، والمعالم الثقافية والدينية، والمواقع الزراعية، والطرق التاريخية، والأسواق، والمقابر، والأرشيفات، والمكتبات، والمجموعات الوثائقية، والصور الفوتوغرافية، والتقاليد الشفوية. وتمثل هذه المكونات المادية وغير المادية مجتمعةً حصيلة قرون من الاستمرارية الثقافية، وتجسّد الذاكرة الجماعية والهوية المجتمعية للمنطقة.
وحظيت أهمية هذا التراث باعتراف دولي، من خلال إدراج مجموعة من المواقع اللبنانية على قائمة التراث العالمي لليونسكو، كما شمل نظام الحماية المعزَّزة التابع لليونسكو عدداً إضافياً من المواقع، خلال عاميْ 2024 و2026.
وقال «مرصد التراث الحديث»، وهو شبكة من المؤسسات الفاعلة في مجال التراث الثقافي، إن «الاعتراف وحده لا يكفي لضمان الحماية؛ فصون التراث الثقافي في جنوب لبنان يتطلب جهداً منسقاً على المستويات المحلية والوطنية والدولية، يجمع بين حماية المواقع والمباني التاريخية، وصون التراث الوثائقي والشفهي، وتعزيز المشاركة الفاعلة للمجتمعات المحلية». وأكد أن هذا الجهد «يشكل استثماراً أساسياً في التعافي والصمود والتماسك الاجتماعي، بما يضمن انتقال الذاكرة والهوية والإرث الثقافي إلى الأجيال القادمة».
وفي ضوء الأخطار المتزايدة التي تهدد التراث الثقافي بجنوب لبنان، دعا «مرصد التراث الحديث» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة ومنسقة من أجل «ضمان احترام مواقع التراث الثقافي والتجمعات التاريخية وحمايتها، وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية الممتلكات الثقافية»، و«حشد المنظمات الدولية والمؤسسات الثقافية والهيئات المعنية بحماية التراث لدعم التدابير العاجلة الرامية إلى صون التراث، وإيفاد بعثات التقييم والخبرة الفنية»، و«رصد وتوثيق الأضرار التي تلحق المنازل التاريخية والمباني التراثية والبقايا الأثرية في جنوب لبنان، والإبلاغ عنها بصورة علنية ومنهجية».

وطالب المرصد بـ«إجراء مسوحات ميدانية وأرشيفية شاملة للمواقع المتضررة أو المعرّضة للخطر، بالتعاون مع البلديات، وإخصائيي التراث، ومالكي العقارات، والمجتمعات المحلية»، و«تنفيذ تدابير طارئة للتدعيم والحماية بهدف منع مزيد من التدهور أو الهدم غير الملائم أو النهب أو الإهمال أو الفقدان غير القابل للتعويض»، و«مخاطبة السلطات الرسمية والجهات المعنية للاضطلاع بمسؤولياتها القانونية والمؤسسية في مجال حماية التراث الثقافي وصونه».
كما دعا المرصد إلى «تعزيز مشاركة المجتمعات المحلية والأهالي، لا باعتبارهم شهوداً فحسب، بل شريكاً أساسياً في تحديد عناصر التراث وتوثيقه وصونه وإحيائه»، و«تطوير إطار طويل الأمد للتعافي يدمج بين الحفظ والترميم والبحث العلمي والتوثيق والتربية وإدارة التراث المستدامة»، و«تعزيز الاعتراف بالتراث الثقافي لجبل عامل باعتباره مكوّناً أساسياً من الهوية التاريخية للمنطقة، ومن تنوعها الثقافي وتماسكها الاجتماعي».




