تحل الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت في حين لا تزال العدالة اللبنانية أسيرة القيود السياسية التي نجحت في تعطيل التحقيق لأكثر من عامين. لكن مع اقتراب موعد صدور القرار الاتهامي، يدخل الملفّ مرحلة قضائية حاسمة، تنهي سنوات من التجاذبات السياسية التي جعلت من قضية الرابع من أغسطس (آب) 2020 عنواناً للصراع بين استقلال القضاء ومنظومة النفوذ السياسي التي تسعى إلى حماية نفسها.
ورغم الحصار القضائي والسياسي الذي طوّق المحقق العدلي القاضي طارق البيطار لأكثر من 30 شهراً، بقي الأخير متمسكاً بالتحقيق، إلى أن تبدلت المعادلة مع انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام. وتعهدت الحكومة، مع رئيس الجمهورية، بحماية استقلال القضاء ومنع التدخلات السياسية في عمله؛ الأمر الذي وفّر مظلّة أعادت إطلاق التحقيق بعد سنوات من الجمود.
استئناف جلسات الاستجواب
في ربيع العام الماضي استأنف البيطار جلسات الاستجواب، فمثُل أمامه عدد من أبرز المدعى عليهم، بينهم رئيس الحكومة الأسبق حسان دياب، والوزير السابق نهاد المشنوق، والمدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، والمدير العام السابق لأمن الدولة اللواء طوني صليبا، إضافة إلى قضاة ومسؤولين كبار. وبعد استكمال استجواب المدعى عليهم والشهود، ختم المحقق العدلي في 30 مارس (آذار) الماضي تحقيقاته بالقضية، وأحال الملف على النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها بالأساس، من دون أن يحسم في تلك المرحلة مصير الأشخاص الذين استجوبهم، سواء بتوقيفهم أو تركهم أحراراً أو الاكتفاء بسندات إقامة.

ومنذ أكثر من شهرين ونصف الشهر، أوكلت مهمة إعداد مطالعة النيابة العامة إلى المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب، الذي يعكف بصورة متواصلة على دراسة آلاف الصفحات التي يتضمنها الملف، وتشمل إفادات المدعى عليهم والشهود، والتقارير الفنية، وصور الأقمار الاصطناعية، إضافة إلى أجوبة الاستنابات القضائية الواردة من دول عربية وأجنبية.
وكشف مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» عن أن القاضي صعب «اجتاز منتصف الطريق في إعداد المطالعة، التي ستتضمن الرأي القانوني للنيابة العامة وما ترى ضرورة تضمينه في القرار الاتهامي». وأوضح أن «تنظيم الملف الذي اعتمده البيطار، وطريقة توثيق الإفادات والأدلة، أسهما في تسهيل مهمة النيابة العامة، وأتاحا للقاضي صعب متابعة العمل بوتيرة مريحة ومنهجية». ورجّح المصدر «عدم لجوء القاضي صعب إلى إصدار مطالعة فرعية أو طلب توسيع التحقيق أو استجواب أشخاص إضافيين»، عادَّاً أن عناصر الملف «باتت مكتملة؛ ما يجعل الاتجاه الغالب إعداد مطالعة نهائية تمهد لإعادة الملف إلى المحقق العدلي خلال شهر أو شهرين».
إصدار القرار الاتهامي
وبمجرد عودة الملف إلى البيطار، سيكون أمام الأخير مهمة إصدار القرار الاتهامي المنتظر. وشدد المصدر القضائي على أن المحقق العدلي «غير ملزم قانوناً بالأخذ برأي النيابة العامة، بوصفه المرجع صاحب الصلاحية الكاملة في هذا التحقيق، إلا أن مطالعة النيابة تبقى رأياً قانونياً يمكن أن يتوافق معها في بعض النقاط أو يخالفها في أخرى». وأشار إلى أن البيطار «أنجز بالفعل مسودة القرار الاتهامي؛ ما يعني أن صدوره لن يتأخر بعد تسلمه الملف مجدداً، ويتوقع صدوره قبل نهاية العام الحالي على أبعد تقدير».
ويكتسب القرار الاتهامي المنتظر أهمية استثنائية، يشكل نهاية للحصار السياسي الذي فرضته منظومة الحكم على هذه القضية، ويفترض أن يكشف عن حقيقة ما حصل في الرابع من أغسطس (آب) 2020. وشدد المصدر على ضرورة أن «يحسم مسألتين أساسيتين، الأولى تتعلق بالمصير القانوني للمدعى عليهم من مسؤولين سياسيين وأمنيين وقضاة، الذين استجوبهم البيطار وأرجأ اتخاذ القرار النهائي بحقهم، إضافة إلى تحديد موقفه من الموقوفين السبعة عشر الذين كان النائب العام التمييزي الأسبق القاضي غسان عويدات قد أطلق سراحهم».
أما المسألة الأخرى، وفق رأي المصدر نفسه، «فتتمثل في تحديد السبب الحقيقي لانفجار المرفأ: هل وقع نتيجة الإهمال والأخطاء الجسيمة في تخزين نترات الأمونيوم؟ أم بفعل عمل أمني داخلي، أم نتيجة استهداف إسرائيلي؟ كما ينتظر أن يكشف القرار الاتهامي عن الجهة التي استوردت شحنة نترات الأمونيوم من جورجيا إلى لبنان، ومن اتخذ قرار تفريغها في مرفأ بيروت، وكيف بقيت هذه المواد الخطرة مخزنة ومحميّة طوال سبع سنوات قبل أن تتحول، في الرابع من أغسطس 2020، إلى الكارثة التي دمرت نصف العاصمة وأوقعت مئات الضحايا وآلاف الجرحى».
عون: واجب المحاسبة
وعشيّة ذكرى الرابع عشر من أغسطس، عدّ الرئيس اللبناني جوزيف عون أن لبنان «يقف كله أمام جرح لم يُشفَ، وذاكرة لم تنطفئ». وقال: «نستعيد هول تلك اللحظة التي اهتزت فيها بيروت من الأعماق، حين تحوّل المرفأ، شريان الحياة والاقتصاد، إلى مسرح لمأساة لم يشهد تاريخنا الحديث لها مثيلاً كانت لحظة انفجار غيّرت وجه العاصمة، وحصدت أرواحاً بريئة، وخلّفت جرحى بالمئات، ودماراً طال الحجر قبل أن يطول القلوب».
وشدد عون على أن «هذه الذكرى ليست مجرد محطة للحداد، بل هي تذكير دائم بواجب لا يسقط بالتقادم، واجب الحقيقة والعدالة والمحاسبة». وقال الرئيس عون إن «صدور القرار الظني عن المحقق العدلي بات ضرورة لا تحتمل مزيداً من الانتظار؛ فالعدالة لا تعني الانتقام، بل تعني إحقاق الحق، وكشف الحقيقة كاملة غير منقوصة، ومحاسبة كل من تقاعس أو قصّر أو تسبب بهذه الكارثة، أياً كان موقعه أو صفته. فلا العدالة تُجزّأ، ولا القانون يُستثنى أحدٌ من سلطانه».
لمناسبة مرور ستة أعوام على تفجير مرفأ بيروت، قال رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون:» في مثل هذا اليوم من كل عام، يقف لبنان كله أمام جرح لم يُشفَ، وذاكرة لم تنطفئ. نستعيد هول تلك اللحظة التي اهتزت فيها بيروت من الأعماق، حين تحوّل المرفأ، شريان الحياة والاقتصاد، إلى مسرح لمأساة لم...
— Lebanese Presidency (@LBpresidency) August 3, 2026
وللمناسبة عينها، كتب رئيس الحكومة نواف سلام على منصة «إكس»: «أعرف عمق الجرح الوطني الذي لا يزال ينزف، وأدرك حجم الألم الذي يحمله أهالي الشهداء والضحايا. لكنني أكرر، في الذكرى السادسة لانفجار الرابع من أغسطس: لا تسوية على حساب العدالة ولو تأخرت أحياناً». وقال: «الحقيقة وحدها هي القادرة على بلسمة هذا الجرح الوطني الكبير، ولا يشككن أحد في أن لا غطاء لأي مسؤول، أياً كان موقعه، لا في ملف انفجار مرفأ بيروت ولا في أي ملف آخر، المحاسبة لن تستثني أحداً».
أعرف عمق الجرح الوطني الذي لا يزال ينزف، وأدرك حجم الألم الذي يحمله أهالي الشهداء والضحايا. لكنني أكرر، في الذكرى السادسة لانفجار الرابع من آب: لا تسوية على حساب العدالة... ولو تأخرت احيانا. فالحقيقة وحدها هي القادرة على بلسمة هذا الجرح الوطني الكبير.ولا يشككن أحدَ في أن لا...
— Nawaf Salam نواف سلام (@nawafsalam) August 3, 2026
وأضاف رئيس الحكومة: «رغم فاجعة الرابع من أغسطس، فلنتذكر الخامس من أغسطس، اليوم الذي نهضت فيه بيروت بأهلها، وبشابات لبنان وشبابه الذين هبّوا من مختلف المناطق، فرفعوا الركام، وأسند بعضهم بعضاً، وأعادوا الأمل إلى المدينة». وختم سلام قائلاً: «فليبقَ الرابع من أغسطس يوماً للحقيقة والعدالة والمحاسبة، وليكن الخامس من أغسطس يوماً لبيروت، وللنهوض، وللتضامن والوحدة بين اللبنانيين».
