حقائب جاهزة للفرار... العائدون إلى ضاحية بيروت قلقون من تجدد الحرب

أرجأوا قرارات الترميم والاستثمار… وبعضهم نقل مؤسسته إلى خارجها

أحد شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت حيث أقفلت المحالّ أبوابها وغادرها السكان في أعقاب تهديد إسرائيلي في يونيو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت حيث أقفلت المحالّ أبوابها وغادرها السكان في أعقاب تهديد إسرائيلي في يونيو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

حقائب جاهزة للفرار... العائدون إلى ضاحية بيروت قلقون من تجدد الحرب

أحد شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت حيث أقفلت المحالّ أبوابها وغادرها السكان في أعقاب تهديد إسرائيلي في يونيو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت حيث أقفلت المحالّ أبوابها وغادرها السكان في أعقاب تهديد إسرائيلي في يونيو الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

لم تستطع فاطمة مشيك أن تتعامل مع العودة إلى منزلها في ضاحية بيروت الجنوبية على أنها نهاية لفصل النزوح. فالحقائب التي حملتها العائلة يوم غادرت الضاحية لم تجد طريقها إلى الخزائن بعد، بسبب القلق الدائم من تجدد القتال.

والحرب الأخيرة لم تترك وراءها أبنية متضررة فقط، بل غيّرت طريقة عيش الناس، وقراراتهم. فأصبح ترميم منزل، أو افتتاح متجر، أو استثمار مدخرات، أو حتى تفريغ حقيبة سفر، خطوة مؤجلة. بعضهم عاد إلى الضاحية، لأن كل الخيارات الأخرى المتاحة تم استنفادها. بعض آخر بقي بعيداً عنها، لأنه لا يزال يملك بديلاً للعيش.

عدنا... لكن حقائبنا بقيت جاهزة

في الواقع، يعيش كثير من سكان الضاحية مرحلة انتظار أكثر منها بداية جديدة. تقول مشيك لـ«الشرق الأوسط»: «عدنا إلى منزلنا، لأننا لم نعد قادرين على البقاء خارجه، لكننا أبقينا الملابس والأدوية والأغراض الأساسية في الحقائب داخل السيارة. فإذا اضطررنا إلى المغادرة مرة أخرى، نريد أن نكون جاهزين».

وتشير إلى أن الأعباء المعيشية دفعت العائلة إلى العودة، موضحة أن «العودة إلى الضاحية تخفف الكلفة مقارنة باستئجار منزل آخر»، فضلاً عن أن والدها «يعيد تشغيل متجره لتأمين الاحتياجات اليومية للأسرة، وهو ما يساعدهم على مواجهة الظروف الاقتصادية».

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة في مارس الماضي (أرشيفية - الشرق الأوسط)

العودة لأن الإيجار أصبح مستحيلاً

ينسحب هذا الواقع على مريم صالح، فالعودة لم تكن قراراً مرتبطاً بالأمان، بل بالقدرة على الاستمرار خارج الضاحية. تقول مريم لـ«الشرق الأوسط»: «استأجرنا منزلاً في عرمون (في قضاء عالية، وتبعد 22كلم عن بيروت) خلال فترة النزوح، لكن والدي لم يعد قادراً على دفع نحو 500 دولار شهرياً بدل الإيجار، إضافة إلى مصاريف التنقل. في النهاية، لم يعد أمامنا من خيار سوى العودة».

وتشير إلى أن المبنى الذي تقطنه لا يزال شبه فارغ، موضحة أن «عدداً كبيراً من السكان لم يعودوا حتى الآن، فيما بقيت شقق كثيرة متضررة، ولم تُرمم». وتضيف: «الناس لا تزال خائفة، لكن كثيرين عادوا، لأن الظروف المعيشية لم تترك لهم خياراً آخر».

سكان من الضاحية الجنوبية لبيروت يعبرون قرب مبانٍ مدمرة بغارات إسرائيلية يوم 6 يوليو 2026 (رويترز)

استنفدنا كل ما ادخرناه قبل الحرب

واضطر كثير من سكان الضاحية إلى النزوح، واستئجار منازل خارجها بسبب القصف الإسرائيلي، كما اضطر من لا يملك القدرة على دفع الإيجارات إلى السكن في مراكز إيواء. تقول زينب حمية لـ«الشرق الأوسط» إن العودة إلى الضاحية «لم تكن عودة إلى الأمان، بل نتيجة مباشرة لاستنفاد القدرة على البقاء خارجها، بعدما استهلكت العائلات كل ما كانت قد ادخرته قبل الحرب». وتضيف: «لم أعد لأن الخوف انتهى، بل لأنني لم أعد أملك رفاهية النزوح. كل ما جمعناه قبل الحرب صرفناه خلالها، ولم يعد بإمكاننا تحمّل كلفة الإيجار، أو الحياة في مكان آخر، لذلك كانت العودة خياراً فرضته الظروف، لا نتيجة شعور بالأمان».

وتشير إلى أن كثيرين عادوا إلى منازل متضررة تفتقد الأبواب، أو النوافذ، موضحة «أن الأهالي يؤجلون الترميم، لأن الأولوية أصبحت لتأمين متطلبات الحياة اليومية، ولأنهم لا يملكون ضمانات تمنع تكرار الحرب». وتضيف: «العمل تراجع، والمصاريف ازدادت، وحتى تأمين المياه والكهرباء أصبح أكثر كلفة»، مشيرة إلى «أننا نعيش بين الخوف وضيق الحال، لكننا لم نعد نملك خياراً آخر».

امتلاك البديل حسم القرار

على الطرف المقابل، اتخذ علي، وهو مريض بالسرطان، قراراً مختلفاً تماماً. فرغم أن منزله في الضاحية لم يتعرض لأي ضرر، فإنه فضّل عدم العودة، مستفيداً من وجود مكان يقيم فيه في جبل لبنان.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «منزلي سليم، لكنني لا أريد أن أكرر ما عشته في الثاني من مارس (آذار)، عندما اضطررنا إلى الهروب تحت القصف. طالما لدي مكان آخر أقيم فيه، سأبقى هناك».

ويؤكد أن حالته الصحية كانت العامل الحاسم في قراره، موضحاً أن أي نزوح جديد قد يؤثر على علاجه، واستقراره الصحي.

ويضيف: «أنا مريض سرطان، وأحتاج إلى متابعة علاجي بانتظام. لا أريد أن أعيش مرة أخرى ضغط الحرب، والتنقل، والخوف. عندما أتأكد أن الاستقرار أصبح دائماً فسوف أعود، لكنني اليوم أفضل البقاء في جبل لبنان، لأنني أملك البديل».

ترميم بالحد الأدنى... واستثمارات مؤجلة

وينسحب هذا الحذر أيضاً على أصحاب المؤسسات التجارية الذين عاد كثير منهم إلى أعمالهم، لكن من دون أن يعودوا إلى الاستثمار كما كان الحال قبل الحرب.

يقول يوسف بدران، وهو صاحب متجر في الضاحية الجنوبية لبيروت، إن العودة إلى العمل لم تعنِ بالنسبة إليه استعادة الثقة بالأمان، بل فرضت عليه إدارة تجارته بمنطق الحذر، خشية أن تضيع أي استثمارات جديدة إذا عاد التصعيد. ويروي لـ«الشرق الأوسط»: «حتى الآن لم أُعد تركيب الواجهات الزجاجية للمحل، واكتفيت بتغطيتها بالنايلون منذ ثلاثة أشهر. قلت لنفسي: إذا استقر الوضع فعلاً يمكنني لاحقاً تركيب الزجاج، أما الآن فلا أريد أن أخسر المال إذا تجددت الحرب».

ويضيف أن قراره لم يكن سببه ضعف الإمكانات المالية فقط، بل غياب اليقين أيضاً، قائلاً: «حتى لو كانت لدي القدرة، فسوف أحسب الأمور مائة مرة قبل أن أصرفها. لا أحد يعرف ماذا قد يحدث، وقد تخسر كل ما دفعته خلال لحظة».

ويشير إلى أن عودته إلى السوق كانت تدريجية، إذ لم يعد يوظف كامل رأسماله كما كان يفعل قبل الحرب. ويوضح: «قبل الحرب كنت أستثمر كل رأسمالي تقريباً، أما اليوم فأشغّل نصفه فقط، وأحتفظ بالنصف الآخر تحسباً لأي طارئ. أشتري البضائع بحذر، وأركز على الأصناف الأساسية، والكلاسيكية، لأن المرحلة لا تحتمل المجازفة».

أما على المستوى الشخصي، فهو يوضح أنه عاد إلى الضاحية للعمل فقط، بينما لم يتخذ قرار العودة إليها للسكن، معتبراً أنّ «الضربة الأخيرة التي استهدفت الضاحية تركت أثراً عميقاً في نفوس السكان»، مضيفاً: «هذه الصدمة لم تغادر الناس. لا الصغار نسوها، ولا الكبار. لذلك قد نكون عدنا إلى أعمالنا، لكننا لا نزال نعيش ونتخذ قراراتنا وكأن احتمال الحرب ما زال قائماً في أي لحظة».

مبانٍ مدمَّرة نتيجة قصف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت ويبدو علم لـ«حزب الله» يوم 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)

أقفل متجره... بانتظار العودة

أما عماد عياش، فاتخذ قراراً أكثر قسوة. فبعد أكثر من عشرين عاماً أمضاها في متجره في الضاحية، أنهى عقد الإيجار، وأقفل المحل، ونقل نشاطه التجاري إلى الخارج، حيث يعمل اليوم في تجارة الجملة.

يقول عماد لـ«الشرق الأوسط»: «لم يكن القرار سهلاً، لكنني لم أعد أستطيع الاستمرار وسط هذا القدر من عدم اليقين. فضّلت إقفال المتجر، وإنهاء عقد الإيجار، بدلاً من الاستمرار في عمل لا أعرف إن كان سيصمد إذا تبدلت الظروف من جديد».

ورغم انتقاله إلى الخارج، يؤكد عياش أن قراره لا يعني التخلي عن الضاحية، بل تأجيل العودة إليها. ويضيف: «إذا تأكدت من عودة الاستقرار بشكل نهائي، فسوف أستأجر محلاً جديداً في الضاحية وأعود إلى ممارسة عملي. المشكلة ليست في المكان، بل في غياب الثقة بأن ما نعيشه اليوم سيستمر».


مقالات ذات صلة

إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

المشرق العربي عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)

إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) عن تعرّض موقع لها قرب الحدود مع إسرائيل لإطلاق نار الأربعاء بالأسلحة الخفيفة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

200 مليون دولار من طهران إلى «حزب الله» لمساعدة النازحين

تلقى «حزب الله» 200 مليون دولار من طهران، بهدف مساعدة اللبنانيين الذين نزحوا جراء الحرب مع إسرائيل هذا العام

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مواطنون يتسوقون في أحد المتاجر الكبرى في بيروت (الشرق الأوسط)

لبنان بين صدمات الخارج وأزمات الداخل: الغلاء يرهق المواطنين

يكشف المشهد في أحد أكبر المتاجر في منطقة جل الديب الواقعة شرق بيروت، عن جانب من الواقع المعيشي الصعب الذي يرزح تحته اللبنانيون

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يلقي كلمة خلال افتتاح معرض «بين سطور الدستور» (الشرق الأوسط)

سلام: القرارات السيادية يجب أن تتخذ داخل المؤسسات الدستورية

أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن «التمسك بـ(اتفاق الطائف) يفرض تطبيقه بكامل بنوده»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أطفال يغادرون برفقة ذويهم الفصول الدراسية المؤقتة في مدرسة «برج قلاوية» المتوسطة جنوب لبنان (إ.ب.أ)

لبنان يطرح في فلوريدا نشر الجيش في البلدات المحيطة بـ«الشقيف»

يشكل انعقاد الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي في فلوريدا، ما بين 20 و22 أكتوبر الحالي، محطة لإخراج تطبيق «اتفاق الإطار» من المراوحة.

محمد شقير (بيروت)

إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
TT

إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) عن تعرّض موقع لها قرب الحدود مع إسرائيل لإطلاق نار الأربعاء بالأسلحة الخفيفة، من دون أن يسفر الحادث عن إصابات، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت «يونيفيل» في بيان: «تعرّض موقع تابع لـ(يونيفيل) بالقرب من كفرشوبا على الخط الأزرق في القطاع الشرقي صباح اليوم لإطلاق نار من أسلحة خفيفة».

وأضافت أن جميع عناصرها المتمركزين في الموقع سارعوا إلى «الاحتماء»، من دون أن تسجّل إصابات في صفوفهم، بينما أصابت الطلقات «الجدار الخارجي» للموقع وطال بعضها «وحدات سكنية وآليات تابعة للأمم المتحدة داخل القاعدة».

وندّدت «يونيفيل» بإطلاق النار عادّةً أنه «غير مقبول» ويحمل «علامات واضحة».

وأضافت أن «مثل هذه الهجمات المتعمّدة تعرّض حياة حفظة السلام لخطر بالغ»، مشيرةً إلى أنها فتحت تحقيقاً في الحادث.

وتضمّ قوة «يونيفيل» المنتشرة في جنوب لبنان منذ عام 1978 نحو 7500 عنصر من 46 دولة.

لكن مجلس الأمن الدولي قرر في أغسطس (آب) من العام الماضي، تحت ضغط أميركي، إنهاء ولاية «يونيفيل» في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ويأتي اقتراب انتهاء مهمة «يونيفيل» في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال مناطق واسعة في جنوب لبنان.

وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد أكد في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في سبتمبر (أيلول) أن لبنان منفتح على أي قوّة تستبدل قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان، مؤكداً ضرورة تجنّب حصول أي «فراغ» بعد انسحاب «يونيفيل».


مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي

مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي
TT

مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي

مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي

أعادت مديرية مدينة دمشق القديمة فتح خان أسعد باشا الأثري أمام الجمهور، الأربعاء، معلنة «صرف النظر» عن فكرة استثماره على شكل فندق سياحي، بعد موجة انتقادات واسعة لغياب الشفافية في القرار، تزامناً مع جدل مماثل أثير في مدينة حمص يتعلق بمباشرة شركة قطاع خاص أعمال إعادة تأهيل قصري الزهراوي ومفيد الأمين الأثريين، بهدف استثمار كل منهما كمطعم سياحي.

وقال مدير المديرية أمجد الفرخ، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن إجراء الإغلاق وختم العقار «كان مؤقتاً بهدف حسم الجدل حول مستقبل توظيف الخان، ووضع نقطة فاصلة فيما يتعلق بمقترح إعادة استخدامه كمنشأة فندقية».

وبعد التشاور مع وزارة الثقافة ومحافظ دمشق، تم اعتماد إبقاء خان أسعد باشا كفراغ ثقافي ذي وظيفة ثقافية تتناسب مع قيمته التاريخية والمعمارية، بحسب الفرخ، الذي أكد ارتباط فكرة استثمار الخان اقتصادياً مع الحفاظ على هويته واتاحته للجمهور وصون دوره ضمن النسيج التاريخي للمدينة القديمة.

يعدّ خان أسعد باشا من أفخم الخانات الدمشقية وأكثرها رحابة، شيّده والي دمشق أسعد باشا العظم عام 1751، على مساحة 2500 متر مربع في قلب سوق البزورية، إلى الجنوب الشرقي ‏من الجامع الأموي، وذلك بعد 4 ‏سنوات فقط من بناء قصر العظم.

وكانت مديرية دمشق القديمة في محافظة دمشق، قد أصدرت، الثلاثاء، قراراً بإغلاق مؤقت لخان ‏أسعد باشا، وسط تسريبات أفادت بتحويل الموقع إلى منشأة فندقية، دون إعلان مسبق عن المشروع وهوية الجهة التي تنفذه، ما أثار عاصفة من الاستنكار، إذ تزامن مع جدل مماثل يتعلق بمباشرة شركة قطاع خاص إعادة تأهيل قصري الزهراوي ومفيد الأمين الأثريين في مدينة حمص، بهدف استثمار كل منهما كمطعم سياحي، وذلك بموجب عقد مع وزارة الثقافة.

وجرى تداول مقاطع فيديو لأعمال إنشائية ضمن قصر الزهراوي، تتنافى مع قواعد حماية الآثار والقانون السوري المتعلق بذلك.

يعدّ قصر الزهراوي، ومساحته 811 متراً في حي الحميدية، من بيوت حمص الأثرية، ويعود بناء أجزاء واسعة منه إلى العصر المملوكي، وقد تم تسجيله عام 1967 معلماً أثرياً. وفي عام 1978، استملك لصالح مديرية الآثار والمتاحف. وبعد موجة الانتقادات لعملية إعادة تأهيله كمطعم تم إيقاف المشروع دون اتضاح ما إذا كان الإيقاف مؤقتاً أم دائماً.

«تغيب عن معظم المشاريع الاستثمارية المطروحة للتنفيذ في سوريا خلال العام الماضي الشفافية»، بحسب الناشط فادي زيدان هناك حالة من الفوضى وغياب للشفافية تحول دون تحديد الأسباب أو المسؤول عما يحصل. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن خان أسعد باشا يدخل ضمن صلاحيات 4 جهات، هي؛ محافظة دمشق، ووزارات الثقافة والسياحة والأوقاف، وهي جهات رسمية ما زال التواصل بينها يتم عبر المراسلات الورقية، فيما توجد أطراف تريد تمرير قرارات التنفيذ على عجل، لافتاً إلى أن فكرة تحويل الخان إلى فندق طرحت قبل شهور، وكان متوقعاً الإعلان عن دفتر شروط، لكن فوجئنا بأنه تم تمرير الدفتر ضمن مجموعة مغلقة، دون وجود سبب واضح لذلك.

زيدان الذي حاول مع مجموعة أهلية الضغط للتراجع عن مشروع تحويل الخان إلى فندق، حذّر من أي مشاريع قد تهدد هوية المدينة القديمة، ومن المساس بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي.

وما زالت دمشق تخضع لمراقبة مكثفة من قبل اليونيسكو كونها مدرجة على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.

وعبّر فادي زيدان عن الخشية من أن يكون ضعف الإمكانات اللازمة لحماية وصيانة المواقع الأثرية لدى وزارة الثقافة والمحافظة مبرراً لقبول شروط المستثمر، ضمن توجه حكومي عام نحو الخصخصة.

إلا أن مدير مديرية دمشق القديمة، أمجد الفرخ، أكد أن استثمار المواقع الأثرية في دمشق يخضع لمجموعة ضوابط، مؤكداً على وجوب الانطلاق أولاً من طبيعة المدينة القديمة، وقال: نحن لا «نتحدث عن أبنية أثرية منفصلة، وإنما مدينة تاريخية حية ومترابطة تشكل نسيجاً اجتماعية واقتصادياً وعمرانياً وتراثياً واحداً». لذلك لا يمكن ولا ينبغي إقصاء الاستثمار عن المدينة، لأنه جزء من استمرار حياتها، لكن يجب أن يتم ضمن ضوابط واضحة ودقيقة...

أولها ألا يترك الاستثمار أثراً سلبياً على السلامة الإنشائية أو القيمة المعمارية والأثرية للعقار، وألا تتطلب الوظيفة الجديدة تعديلات جوهرية تفقد المبنى خصائصه أو أصالته.

ثانياً أن يكون للاستثمار أثر إيجابي على النسيج الاجتماعي والاقتصادي المحيط به، أي أننا لا نقيس نجاح المشروع فقط من خلال عائده الاقتصادي المباشر، وإنما من خلال أثره على السكان والحرف، والأسواق والأنشطة المحلية واستمرارية الحياة داخل المدينة القديمة.

ثالثاً مراعاة قدرة البنية التحتية للمدينة على استيعاب النشاط الجديد، فالبنية التحتية في أجزاء واسعة من دمشق القديمة «قديمة وحساسة»، وأي نشاط يولد أحمالاً كبيرة إضافية من حيث المياه والصرف الصحي والطاقة والنفايات وحركة الزوار والمركبات يجب أن يخضع لدراسة دقيقة.

يضيف الفرخ بأنه يفترض أيضاً أن يحقق الاستثمار قيمة مضافة للعقار نفسه، سواء من خلال تأمين الصيانة الدورية والحماية الإنشائية وإطالة عمر المبنى، أو من خلال إعادة توظيفه بطريقة تحافظ على قيمته.

ودعا إلى البحث عن «أنماط جديدة من الاستثمار واستقطاب استثمارات ذات طابع ثقافي تراثي وعدم الاقتصار على النموذج السياحي التقليدي القائم على الفنادق والمطاعم»، مشدداً على ضرورة أن يكون الاستثمار أداة لتعزيز النسيج الاجتماعي والاقتصادي والعمراني، وليس سبباً في إضعافه أو استبداله.

وقال إن «المدينة التاريخية التي تفقد سكانها وأنشطتها قد تحافظ على أبنيتها، لكنها تفقد روحها الحية». وعبّر عن التطلع إلى «جعل التراث نفسه منتجاً للقيمة، لا أن نستهلك التراث من أجل تحقيق قيمة استثمارية قصيرة الأجل».

ورأى أن أمام دمشق «فرصة مهمة لإعادة تقديم نفسها، ليس كوجهة سياحية فقط، وإنما كموئل تراثي وثقافي حي يمتلك رصيداً استثنائياً من الحرف والمعارف والأسواق والمنتجات الثقافية التي ارتبطت باسمها».


الجيش الإسرائيلي يحارب صور المقاتلين الفلسطينيين ونُصبهم

صورة لنصب تذكاري متضرر بعد أن دمرته القوات الإسرائيلية خلال مداهمة لنابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
صورة لنصب تذكاري متضرر بعد أن دمرته القوات الإسرائيلية خلال مداهمة لنابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي يحارب صور المقاتلين الفلسطينيين ونُصبهم

صورة لنصب تذكاري متضرر بعد أن دمرته القوات الإسرائيلية خلال مداهمة لنابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
صورة لنصب تذكاري متضرر بعد أن دمرته القوات الإسرائيلية خلال مداهمة لنابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

أطلق الجيش الإسرائيلي مع الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر (تشرين الأول)، عملية في الضفة الغربية تستهدف هدم النصب التذكارية لمقاتلين فلسطينيين وصورهم التذكارية، ممن قضوا اغتيالاً أو أثناء مواجهات مع القوات الإسرائيلية، وتحوّلوا لاحقاً إلى رموز في مناطقهم أو على مستوى الفلسطينيين.

وبدأ الجيش الإسرائيلي العملية، فجر الأربعاء، في شمال الضفة في نابلس وجنين، وهدم هناك عدة نصب تذكارية لمقاتلين فلسطينيين، على أن تتوسع هذه العملية لتشمل باقي الضفة لاحقاً.

وقال الجيش الإسرائيلي، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، إن عمليته التي شاركت فيها عدة وحدات تستهدف هدم عشرات «البنى التحتية للتحريض على الإرهاب»، بينها نصب تذكارية أُقيمت لتكريم المسلحين الفلسطينيين، وذلك في عدد من المدن والقرى والبلدات الفلسطينية في مناطق تابعة للسلطة الفلسطينية. ويستهدف الجيش الإسرائيلي 50 نصباً على الأقل في الضفة.

وجاءت العملية بعد يومين من اقتحام الجيش جامعة بيرزيت في رام الله وهدمه هناك نصباً لشهداء الجامعة. وعلى الرغم من أن هدم نصب تذكارية لرموز فلسطينية وتحطيم صور ولافتات في الضفة بدأ بعد السابع من أكتوبر فإن هذه المرة أراد الجيش أن يحوّل الأمر إلى عملية عسكرية رسمية ذات أهداف.

ويريد الجيش على ما يبدو الاستعراض أكثر في ذكرى أكتوبر وإرسال رسالة للفلسطينيين بأنه صاحب المكان، عبر شنّه حرباً على الرموز السياسية والوطنية إضافة إلى الحرب المستمرة ضد وجوده.

وقال مصدر أمني فلسطيني لـ«الشرق الأوسط» إن «كل ما تفعله إسرائيل لن يغير الواقع». وأضاف: «قد يقتلون البشر قد يهدمون الحجر لكنهم لن يهدموا فلسطين. لن يهدموا الذاكرة ولن يمحو الرموز الوطنية».

وتابع: «إسرائيل تريد القول إنها صاحبة المكان وصاحبة السيادة في الضفة في إطار الحرب المستمرة ضد الفلسطينيين في الضفة وغزة من أجل تهجيرهم وتصفية القضية. إنهم يخاطبون الفلسطينيين ويحذرونهم من تمجيد كل ما هو وطني ويعدونهم بالدمار على غرار غزة. واضح أنهم يستعرضون مع ذكرى السابع من أكتوبر ضمن حملة انتخابية مستعرة».

ودخل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش على الخط، وحاول أن ينسب إلى نفسه «الفضل» في عملية هدم النصب في الضفة. وقال إن الجيش بدأ عمليته بعد عملية المسح التي أمر بها لصالح الجيش، لتحديد النصب المقامة لتخليد ذكرى من وصفهم بـ«المخربين». وأضاف: «نحن نفرض السيادة على الأرض ونوضح: لا مكان لدعم (الإرهاب)».

وكان الجيش الإسرائيلي قد ترك بيانات ومناشير في مناطق واسعة في الضفة قال فيها إن قواته تعمل على إزالة النصب التي «تمجد الإرهابيين». وخاطب الجيش الفلسطينيين قائلاً إن من «يمجد الإرهاب» أو يدعمه سيُعتقل بتهمة «التحريض»، وأن أي نصب أُقيم لهذا الغرض سيتم هدمه.

وقال الجيش أيضاً في البيانات التي أُلقيت في كل مكان في الضفة إن «الإرهاب لم ولن يجلب سوى الدمار والخراب» مع صور لقطاع غزة. وإضافة إلى هدم النصب أزال الجيش صوراً لمقاتلين فلسطينيين.

ويحرص الفلسطينيون على تمجيد رموز وطنية ومقاتلين ومسلحين عبر إقامة نصب تذكارية في قلب المدن والقرى والمخيمات، بينما تملأ الجدران والشوارع الكثير من صورهم، وتُطلق أسماؤهم على الشوارع والميادين.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن «الجيش بدأ بالتزامن مع مرور 3 سنوات على هجوم السابع من أكتوبر عملية إزالة النصب والصور واعتقال كل مَن يمجد العمل ضد إسرائيل».

وبحسب الصحيفة، اقتحمت القوات نابلس وجنين وبدأت في اعتقال مطلوبين وتدمير واسع لنصب تذكارية تخلد مقاتلين فلسطينيين، وقد شاركت في العملية وحدات مختلفة بينها وحدات المستعربين.

مناشير ورقية وضعها الجيش الإسرائيلي على سيارات الفلسطينيين أثناء عمليته في الضفة تحذرهم من دعم المسلحين (مواقع تواصل)

وأكدت «يديعوت أحرونوت» أن الاعتقالات طالت مؤيدين للسابع من أكتوبر بينهم منفذو هجمات (أسرى) أُطلق سراحهم في الصفقات الأخيرة. وشملت العمليات الإسرائيلية في الضفة إلى جانب نابلس وجنين، شمال غربي القدس وطولكرم وبيت لحم وطوباس.

واعتقل الجيش الإسرائيلي أكثر من 50 فلسطينياً، وقتل رجلاً يدعى علي البزاري في اشتباكات اندلعت بين فلسطينيين ومستوطنين هاجموا قاطفي الزيتون في بلدة برقة شمال غربي نابلس وخلفت أيضاً 16 جريحاً، كما أصاب شاباً بجراح في جنين، وفجّر منزل الأسير قدري سمارة في بلدة بدو القريبة من القدس.

وإضافة إلى عمليات الجيش، هاجم المستوطنون في ذكرى السابع من أكتوبر عدة مناطق في الضفة.

وسُجل أعنف هجوم في برقة، حيث قُتل فلسطيني، إلى جانب هجمات في المغير شمال شرقي رام الله، شملت إحراق المستوطنين مركبة لصحافيين أجانب ومهاجمة منازل.

كما هاجم المستوطنون مركبة في دير نظام شمال غربي رام الله وخطوا شعارات عنصرية على المنازل، وفي الأغوار الشمالية، واصل مستوطنون أعمال تجريف وتوسعة نبع الحمة تمهيداً للسيطرة عليه.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن للعملية التي ينفذها الجيش في ذكرى السابع من أكتوبر أهمية خاصة، وهو يبذل جهداً لإزالة أكبر عدد من النصب التذكارية في الضفة خلال هذه الفترة.