هل يجب أن تتحسب مصر لنشاط زلزالي غير معهود؟

تسجيل 10 توابع غير محسوسة

مشهد جوي للعاصمة المصرية القاهرة (رويترز)
مشهد جوي للعاصمة المصرية القاهرة (رويترز)
TT

هل يجب أن تتحسب مصر لنشاط زلزالي غير معهود؟

مشهد جوي للعاصمة المصرية القاهرة (رويترز)
مشهد جوي للعاصمة المصرية القاهرة (رويترز)

ضرب زلزال شرق مصر في الساعات الأولى من الاثنين، وأثار حالة من الذعر بين سكان القاهرة الكبرى، وامتد نطاق الإحساس به إلى مناطق واسعة وصولاً إلى مدينة العريش القريبة من الحدود مع قطاع غزة؛ وهو ما أثار تساؤلات حول احتمال تعرض البلاد لنشاط زلزالي غير معتاد.

ووقعت الهزة على بُعد نحو 40 كيلومتراً إلى الشمال من مدينة السويس، في الساعة الثالثة قبل الفجر بالتوقيت المحلي (منتصف الليل بتوقيت غرينتش)، حسب ما أعلنه «المعهد القومي المصري للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية» الذي رفع تقديره الأولي لقوتها من 5.2 إلى 5.6 درجة.

وعلى الفور، فعّلت السلطات الصحية خطة الطوارئ احترازياً، رغم عدم تسجيل أي طلبات فورية للمساعدة.

وأعلن «الهلال الأحمر المصري» تفعيل خطة الطوارئ في المدن التي شعر سكانها بالزلزال، مؤكداً أنه لم يتلقَّ أي بلاغات عن إصابات أو أضرار في الممتلكات، ودعا السكان إلى تجنب الاقتراب من المباني القديمة أو تلك التي تظهر عليها تشققات، ومتابعة التحديثات الرسمية أولاً بأول.

بيان «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية» بخصوص الهزة الأرضية في مصر الاثنين (صفحة المعهد على فيسبوك)​

وقال رئيس «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، باسم نبوي، إن محطات الرصد سجلت 10 هزات تابعة، بلغت شدة أقواها 2.9 درجة على مقياس ريختر عند الساعة 7:33 صباحاً.

وأوضح في تصريحات متلفزة أن هذه التوابع ضعيفة وغير محسوسة، مشيراً إلى أن الشعور بأي هزة ارتدادية يرتبط بمدى قرب المناطق السكنية من مركز الزلزال؛ إذ تقل احتمالية الإحساس بها كلما بعدت المسافة عنه.

وأضاف أن مركز الزلزال كان على عمق يقارب 8 كيلومترات تحت سطح الأرض، وهو عمق ضحل نسبياً أسهم في تضخيم الشعور بالهزة لدى سكان المناطق القريبة من مركزها.

نشاط زلزالي «طبيعي»

ونفى الأستاذ المساعد بالشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة للمعهد القومي للبحوث الفلكية، محمد عز العرب، تعرُّض مصر لنشاط زلزالي غير معهود، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن قوة الزلزال الأخير تقع ضمن المعدلات المألوفة تاريخياً في هذه المنطقة، التي قال إنها «تشهد نشاطاً زلزالياً معروفاً، وإن كان يحدث على فترات متباعدة».

وأضاف: «بيانات الرصد الزلزالي في نطاق 30 كيلومتراً من مركز الزلزال الأخير في السويس تؤكد أن الهزات الأرضية ليست غريبة عن المنطقة التي تمتلك سجلاً زلزالياً يمتد لأكثر من قرن، تراوحت خلاله قوة الزلازل بين الضعيفة والمتوسطة».

وأشار إلى أن أول تسجيل موثّق في هذا النطاق يعود إلى 6 مارس (آذار) 1900 حين رُصدت هزة بقوة 4.3 درجة على بُعد 13 كيلومتراً، وتلتها هزة أخرى في 27 يوليو (تموز) 1989 بقوة 3.4 درجة وعلى مسافة 6 كيلومترات فقط.

ثم وقع زلزال بقوة 4.5 درجة في 18 يوليو 2014 على بُعد 19 كيلومتراً قال عز العرب إنه كان الأقوى في السجل الزلزالي المرصود لهذا النطاق الجغرافي.

كما شهدت المنطقة في فبراير (شباط) 2023 نشاطاً ملحوظاً؛ إذ سُجلت هزة بقوة 4.1 درجة على بُعد 9.5 كيلومتر، أعقبتها بعد أربعة أيام هزة أخرى بقوة 3.1 درجة على مسافة 12 كيلومتراً، في مؤشر على استمرار الحركة التكتونية الطبيعية في المنطقة، سواء على فترات متقاربة أو متباعدة.

وبشأن الهزات الارتدادية، أوضح عز العرب أن تسجيل توابع غير محسوسة بعد الزلزال أمر متوقع، وأشار إلى أن أقواها بلغت شدته نحو 3 درجات، في حين تراوحت البقية بين 1.7 درجة و3 درجات.

«الهلال الأحمر المصري» أعلن الاثنين تفعيل خطة الطوارئ في المدن التي شعر سكانها بالزلزال (الشرق الأوسط)

وتنجم الهزات، أو «التوابع»، عن استمرار تكيّف القشرة الأرضية مع التغيرات التي أحدثها الزلزال الرئيسي في توزيع الإجهادات على امتداد الصدع؛ وتقل قوتها عنه عادة بنحو 1.1 إلى 1.2 درجة، ويمتد نطاقها المكاني بين 5 و10 كيلومترات من مركز الهزة، حسب عز العرب الذي لفت إلى أن من الطبيعي أن يعقب حدوث زلزال بقوة 5.6 درجة وعلى عمق ضحل عدد من الهزات التابعة.

الموجات الزلزالية

رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، شريف الهادي، قال إن وقوع الزلزال بالقرب من مناطق مأهولة بالسكان يفسر شعور المواطنين به بوضوح، موضحاً أنه نتج من تحرك أحد الصدوع النشطة في المنطقة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن قوة الزلزال البالغة 5.6 درجة، إلى جانب وقوع مركزه على مسافة تقل عن 120 كيلومتراً من القاهرة، كانا من أبرز العوامل التي أسهمت في الإحساس به على نطاق واسع.

وأشار إلى أن الزلازل تحدث نتيجة تراكم الإجهادات داخل الصخور على جانبي الصدع، قبل أن تتحرر فجأة في صورة موجات زلزالية تتفاوت درجة الإحساس بها تبعاً لقوة الزلزال وبُعد السكان عن مركزه.

وأضاف أن الجانب الإيجابي يتمثل في عدم تأثر البنية التحتية بالهزة، وعدم تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات، مضيفاً أن معظم التوابع المرصودة كانت من الضعف بحيث لم يشعر بها السكان.

وقال إن مركز الزلزال يقع في منطقة البحيرات المرة، على بعد نحو 40 كيلومتراً من مدينة السويس، وهي منطقة معروفة تاريخياً بنشاطها الزلزالي المتوسط وما دون المتوسط، ضمن معدلات طبيعية لا تحمل أي دلائل على نشاط زلزالي غير اعتيادي.

وطمأن الهادي المواطنين، مؤكداً عدم وجود أي مؤشرات حتى الآن تدعو إلى القلق من حدوث توابع قوية.


مقالات ذات صلة

النيابة المصرية تتهم صحافيي «متصدقش» بالتبعية لـ«الإخوان»

شمال افريقيا مقر النيابة المصرية (صفحة النيابة على «فيسبوك»)

النيابة المصرية تتهم صحافيي «متصدقش» بالتبعية لـ«الإخوان»

اتهمت النيابة العامة المصرية، الأربعاء، صحافيي منصة «متصدقش» الإلكترونية بالتبعية للجنة الإعلامية لجماعة «الإخوان» المصنفة «إرهابية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري شدّد الأربعاء على أهمية قيام الشركات الكورية بالنظر في توسيع استثماراتها (صفحة الرئاسة على «فيسبوك»)

رهان مصري - كوري على شراكة أوسع

تأكيدات مصرية - كورية جنوبية على تعزيز العلاقات خلال أول زيارة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى سول منذ 10 أعوام.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري يوضح بمجلس النواب أسباب اعتراض الرئيس على قانون جامعة «كيان» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

«النواب» المصري لإلغاء «تمييز» العسكريين في قانون جامعة «كيان»

تعد «كيان» أول جامعة تعمل بالصفة المدنية تحت مظلة القوات المسلحة المصرية، وبدأ القبول فيها خلال العام الدراسي الحالي.

أحمد عدلي (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)

تراشق سموتريتش و«مؤثرين» مصريين يُشعل الاحتفال بـ«ذكرى أكتوبر»

تصدر التراشق بين وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش ومصريين المشهد على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع احتفالات القاهرة بذكرى انتصار أكتوبر (تشرين الأول).

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا نقابة الصحافيين المصريين تطالب بالإفراج عن 6 صحافيين تابعين لمنصة «متصدقش» جرى توقيفهم بتهمة التبعية لـ«الإخوان» (النقابة)

مصر: جدل حول سير التحقيقات مع صحافيي «متصدقش»

جدل متصاعد في مصر خلَّفه توقيف 6 صحافيِّين، تابعين لمنصة «متصدقش» الإلكترونية، والتي تتهمها السلطات المصرية بالانتماء لجماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

محادثات «الحوار الوطني» الفلسطيني في مصر لجولة جديدة... وتأجيل الانتخابات يقترب

جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية في اجتماع سابق بالقاهرة (حساب حماس في «تلغرام»)
جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية في اجتماع سابق بالقاهرة (حساب حماس في «تلغرام»)
TT

محادثات «الحوار الوطني» الفلسطيني في مصر لجولة جديدة... وتأجيل الانتخابات يقترب

جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية في اجتماع سابق بالقاهرة (حساب حماس في «تلغرام»)
جانب من مشاركة قوى وفصائل فلسطينية في اجتماع سابق بالقاهرة (حساب حماس في «تلغرام»)

بين حديث من حركة «فتح» عن «تقدم»، وتأكيد مصدر فلسطيني مطلع على «وجود تباينات مع حركة (حماس) وتيار محمد دحلان»، تتجه محادثات «الحوار الوطني» الفلسطيني في القاهرة إلى جولة جديدة الأسبوع المقبل، فيما بات الاتجاه الأقرب نحو تأجيل الانتخابات التشريعية.

وعقد أمين سر اللجنة المركزية لحركة «فتح»، جبريل الرجوب، لقاءات بمصر الأربعاء، وقال متحدث الحركة عبد الفتاح دولة لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، إن «الحوار في القاهرة إيجابي جداً، وهناك تفاهمات ومشاورات مع عدد من الفصائل منها الجبهة الشعبية وحماس والجهاد الإسلامي برعاية مصرية».

ويعتقد أن «أهمية ما يجري لا تكمن فقط في عقد لقاءات ثنائية أو في بحث ملف انتخابي بعينه، وإنما في إمكانية الانتقال إلى حوار فلسطيني أوسع ترعاه الشقيقة مصر ويجمع القوى والفصائل الفلسطينية على قاعدة المصلحة الوطنية ومرتكزات الإجماع الوطني».

وستستمر اللقاءات «خلال الأسبوع المقبل بهدف بلورة استراتيجية فلسطينية واضحة للمرحلة المقبلة والتوافق على كيفية إدارة المرحلة سياسياً ووطنياً على أساس سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح شرعي»، وفق دولة. ويوضح أن «موضوع الانتخابات حاضر في هذه المشاورات، ومن الطبيعي أن يكون موضع نقاش وتوافق وطني خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها شعبنا».

وتابع: «نحن نتعامل بإيجابية مع مبادرة الرفاق في (الجبهة الشعبية) وما طرحوه بشأن التوافق الوطني حول تأجيل الانتخابات وموعدها، لأن الانتخابات في النهاية وسيلة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتعزيز الشرعية والوحدة وليست هدفاً منفصلاً عن المشروع الوطني».

وحول ما يثار حول لقاءات مع القيادي الفلسطيني محمد دحلان، أضاف متحدث حركة «فتح»: «أُفضل أن نترك الأمر في إطار الاتصالات السياسية الجارية وألا نستبق نتائجها أو نعطيها توصيفات قبل أن تتضح بصورة رسمية، وما يهمنا في (فتح) هو أن يكون أي حوار فلسطيني شاملاً وجاداً، وأن يقود إلى توافق وطني حقيقي على القضايا الأساسية وفي مقدمتها وحدة النظام السياسي الفلسطيني ووحدة القرار والشرعية والسلاح والقانون والاستراتيجية الوطنية في مواجهة الاحتلال».

وزير الخارجية المصري يلتقي أمين سر اللجنة المركزية لحركة «فتح» جبريل الرجوب بالقاهرة الاثنين الماضي (الخارجية المصرية)

في المقابل، قال مصدر فلسطيني مطلع (موجود حالياً في القاهرة) لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، إن «حركة (فتح) شاركت في اجتماعات منفصلة مع حركتي (حماس) و(الجهاد)، و(الجبهة الشعبية)، وهناك تباينات في المناقشات، خصوصاً أن (حماس) ضد تأجيل الانتخابات»، عادّاً «حديث (فتح) مقدمة لتبرير قرار تأجيل الانتخابات المرتقب».

وأشار إلى أن «تيار دحلان حتى الآن قدم مبادرة بشأن المشهد، ولم ترد حركة (فتح) عليها وليس هناك أي ترتيبات بشأن لقاءات وشيكة بينهما»، مؤكداً: «كانت هناك محاولات لاجتماع موسع للفصائل ولم تنجح، ونحن بتنا أقرب إلى قرار من السلطة بتأجيل الانتخابات من عقد الحوار الوطني؛ إلا إذا رأى الرئيس الفلسطيني محمود عباس غير ذلك».

فيما تحدث مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، عن أن «الفصائل الأربعة توافقت على ضرورة وأهمية عقد جلسة حوار وطني شامل بمشاركة كل الفصائل والقوى». وأضاف أنّه «تم التوافق على رفع توصية للرئيس محمود عباس واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لتأجيل الانتخابات لإعطاء فرصة للحوار الوطني والتوافق الفلسطيني».

وأجريت آخر انتخابات تشريعية في الأراضي الفلسطينية في عام 2006 وفازت فيها حركة «حماس» متفوقة على «فتح» التي كانت مهيمنة في السابق، لتحتدم الخلافات بين الحركتين. ونتيجة لذلك، لم ينعقد المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 2007. وفي يوليو (تموز) الماضي، أصدر عباس مرسوماً رئاسياً حدد فيه 28 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية، وفي حال إجرائها كما هو مقرر فستكون أول انتخابات من هذا النوع منذ عقدين.


موريتانيا: توقيف 17 متهماً في شبكة «ابتزاز إلكتروني»

وزير الثقافة والاتصال الناطق باسم الحكومة الحسين ولد امدو خلال مؤتمر صحافي مساء الأربعاء (تواصل اجتماعي)
وزير الثقافة والاتصال الناطق باسم الحكومة الحسين ولد امدو خلال مؤتمر صحافي مساء الأربعاء (تواصل اجتماعي)
TT

موريتانيا: توقيف 17 متهماً في شبكة «ابتزاز إلكتروني»

وزير الثقافة والاتصال الناطق باسم الحكومة الحسين ولد امدو خلال مؤتمر صحافي مساء الأربعاء (تواصل اجتماعي)
وزير الثقافة والاتصال الناطق باسم الحكومة الحسين ولد امدو خلال مؤتمر صحافي مساء الأربعاء (تواصل اجتماعي)

أعلنت الحكومة الموريتانية، مساء الأربعاء، توقيف 17 شخصاً خلال حملة أمنية واسعة لتفكيك شبكة «ابتزاز إلكتروني»، يقودها ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، أغلبهم يقيم في الخارج، عبر نشر أخبار كاذبة والتشهير بمسؤولين ورجال أعمال.

جاء ذلك على لسان وزير الثقافة والاتصال الناطق باسم الحكومة، الحسين ولد امدو، في مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس الوزراء، حيث واجه الوزير سؤالاً حول الظروف التي يوجد فيها الموقوفون، ومنع ذويهم ومحاميهم من التواصل معهم.

وأكد ولد امدو، في رده على السؤال، أن جميع الموقوفين في ظروف جيدة، بشهادة جهتين مختصتين التقتاهم، في إشارة إلى «الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب» و«المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة».

فساد مالي

أكد الوزير الناطق باسم الحكومة في سياق حديثه عن الموضوع، أن الأمر يتعلق بتحقيق في قضايا «فساد مالي وإفساد قيمي»، مشدداً على أن السلطات ستتابع كل من تثبت مسؤوليته في الجانب المالي، مؤكداً أن القضاء يتولى الملفات وفق المساطر القانونية.

ورغم أن الوزير لم يكشف عن أي تفاصيل حول حجم الفساد المالي الذي أشار إليه، فإن الصحافي الاستقصائي الموريتاني، السالك زيد، نشر عبر صفحته على «فيسبوك»، نقلاً عن مصادر مطلعة على الملف، أن التحقيقات الجارية قادت إلى تجميد 7 حسابات بنكية مرتبطة بأحد المدونين المقيمين في الولايات المتحدة.

وأضاف زيد أن المبالغ الموجودة في الحسابات البنكية تقدَّر بأكثر من 1.5 مليار أوقية، أي ما يقارب 3.9 مليون دولار أميركي، لكن المدون ظهر في بث مباشر لينفي هذه المعلومات، وقال إنها حملة منظمة لاستهدافه بسبب مواقفه السياسية المعارضة للسلطة.

«مكافحة الإساءة»

من جهة أخرى، قال الوزير الناطق باسم الحكومة إن الشبكة تواجه اتهامات من قبيل «تسهيل إنتاج المحتويات وتسييرها وصولاً إلى تجاوز السقف الأخلاقي، من الافتراء والبهتان إلى الحقد والتحريض والكراهية»، وفق تعبيره.

وأكد ولد امدو أن الهدف من متابعة وتفكيك هذه الشبكة هو «مكافحة الإساءة، وصون الحريات والحقوق، والحفاظ على أمن المجتمع»، مشيراً إلى أن جميع الموقوفين ما زالوا في مرحلة «التحري والبحث» لدى الضبطية القضائية، وأن الإجراءات تجري «وفق الضوابط القانونية» مع احترام قرينة البراءة.

وأضاف ولد امدو موضحاً أن المحامين «أحرار في متابعة أوضاع الموقوفين» والتأكد من احترام حقوقهم، وأن الجهات المعنية زارتهم واطلعت على ظروفهم. وأشار إلى أن بعضهم «قد يُطلَق سراحه لاحقاً» في حال غياب الأدلة، مشيراً إلى أن المسار القضائي للملف هو ما سيحدد التطورات.

وفي تعليق على تصريحات الوزير، انتقد الأمين العام لحزب العمال الموريتاني (قيد الترخيص)، وجاها ولد الأدهم، حديث الوزير عن الملف، ووصفه في منشور على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) بأنه «غير مؤسَّس قانونياً ولا متماسك منطقياً».

وقال الأدهم إن القانون الموريتاني يضمن لكل موقوف الحق في إخباره بسبب توقيفه، ومعرفة مكان احتجازه ولقاء أحد أفراد عائلته ومحاميه، مؤكداً أنه لم يُسمح بذلك لأي من موقوفي الملف «إلى حد الساعة».

وأضاف أن الوزير لم يتحدث عن متضررين مباشرين، ولا عن أفعال إجرامية محددة حرَّكت السلطات، مشيراً إلى أن عبارة «إفساد المناعة القيمية للمجتمع» التي استخدمها الوزير فضفاضة، و«لا يمكن أن تتحول إلى تهمة مفتوحة تُبنى عليها إجراءات التوقيف».


قفزة «التمويل الاستهلاكي» بمصر تكشف عن أزمات توفير الاحتياجات المعيشية

زيادة لافتة في الاعتماد على نظام التقسيط في مصر (الشرق الأوسط)
زيادة لافتة في الاعتماد على نظام التقسيط في مصر (الشرق الأوسط)
TT

قفزة «التمويل الاستهلاكي» بمصر تكشف عن أزمات توفير الاحتياجات المعيشية

زيادة لافتة في الاعتماد على نظام التقسيط في مصر (الشرق الأوسط)
زيادة لافتة في الاعتماد على نظام التقسيط في مصر (الشرق الأوسط)

أمام أحد فروع متجر شهير لبيع الأجهزة الكهربائية بمصر، حيث توجَّه الخبير الاقتصادي وائل النحاس لشراء جهاز يحتاج إليه، أوقفه شابٌّ باسمٌ عارضاً عليه تمويلاً مالياً لشراء ما جاء يبتاعه، بل والمزيد، محاولاً إقناعه بـ«المزايا الكثيرة والتسهيلات في السداد»؛ لكن الخبير الذي يتجنَّب حتى استخدام «بطاقة الائتمان» ولا يحب «الديون»، شكر الشاب ومضى.

قد لا يعلم مندوب شركة التمويل أن ما يروِّج له يُسمى في علم الاقتصاد «التمويل الاستهلاكي»، بحسب النحاس الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النظام «يتسع بشكل مقلق»، رغم مزاياه في تمكين الكثيرين من شراء ما يحتاجون إليه بنظام التقسيط، دون شروط تقريباً.

وأضاف: «على خلاف البنوك التي تحتاج إلى ضمانات قبل استخراج بطاقة مشتريات لعميل لديها، تقدِّم شركات التمويل الكثيرة جداً عروض الشراء والتمويل، بداية من أقساط المدارس أو احتياجات المنزل اليومية، وصولاً إلى المنزل والسيارة».

ارتفاع متسارع

بالاعتماد على أحد تطبيقات التمويل الاستهلاكي، اشترت الموظفة سلمى محمد، من منطقة فيصل جنوب القاهرة، هاتفها قبل نحو عام؛ وقبله اشترت بتطبيق آخر ثلاجة ثمنها 12 ألف جنيه (نحو 230 دولاراً)، ثم اندلعت الحرب الروسية - الأوكرانية، وارتفعت الأسعار فتضاعف الثمن.

تقول سلمى، وهي أم لطفلين، إن شركات التقسيط سهَّلت عليها شراء احتياجاتها. وتضيف قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «من قبل كنت أستلف أو أدخر أولاً قبل شراء أي شيء، وقد يرتفع السعر فلا أستطيع شراء ما ادخرت من أجله، لكن هذه التطبيقات وفَّرت لي فرصة شراء أي شيء في أي وقت».

وواصلت حديثها: «صديقاتي وأقاربي يعتمدون على هذه التطبيقات في شراء متطلبات البيت اليومية أحياناً من خلال مواقع الشراء الإلكتروني».

شراء الاحتياجات الأساسية يحتاج إلى تمويل استهلاكي لدى بعض الأسر مع ارتفاع الأسعار (وزارة التموين المصرية)

سلمى ومعارفها ليسوا سوى نماذج لأكثر من مليون شخص اعتمدوا على هذه الآلية لتمويل استهلاكهم، سواء من السلع المعمرة أو غيرها، بل وحتى وجبات الطعام أو الملابس.

وجاء في بيان صادر عن مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء، الثلاثاء، أن قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح ارتفعت من نحو 8.4 مليار جنيه عام 2020، إلى نحو 96.3 مليار في عام 2025، أي إلى أكثر من 11 ضعفاً خلال 5 سنوات.

وارتفعت قيمة التمويل خلال عام 2025 وحده بنسبة 57.1 في المائة مقارنة بنحو 61.3 مليار جنيه في 2024، وبلغ عدد المستفيدين نحو 10.8 مليون عميل.

فقاعة التمويل

ويرى الباحث الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي أن هذه الآلية «مؤشر مزدوج الرؤية؛ فهي من جهة تدعم النمو والاستهلاك للمواطن وتعزِّز قدرته الشرائية في مواجهة التضخم، لكنها في الوقت نفسه شراء بالدين يحمل كثيراً من مخاطر التخلف عن السداد والتعثر والإفلاس، ويكشف عن أزمات لدى كثير من المواطنين في توفير الاحتياجات المعيشية الأساسية».

وقال متحدثاً إلى «الشرق الأوسط»: «إننا أمام فقاعة في التمويل الاستهلاكي، ناتجة عن تراجع القوة الشرائية الحقيقية للمواطن نتيجة التضخم وضعف العملة وعدم وجود روافد أخرى يستطيع أن ينفق منها على احتياجاته الأساسية، فضلاً عن ارتفاع نسب الفائدة».

ويرى عبد النبي أن هذا التمويل «يعكس صورة غير دقيقة لنمو الاقتصاد المصري؛ فمقابل زيادة التمويل الاستهلاكي تقل القوة الشرائية للرواتب والدخول، أي أن المواطنين أنفسهم يسهمون في نمو الاقتصاد، لكن بالدَّين».

وتشهد الأسواق المصرية معدلات مرتفعة من التضخم الذي سجَّل 14.5 في المائة في أغسطس (آب) الماضي، مقارنة بـ14.9 في يوليو (تموز)، وذلك على أساس سنوي.

وتقرُّ الحكومة المصرية بالضغوط الاقتصادية على المواطنين.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأحد، خلال كلمته بمناسبة ذكرى نصر أكتوبر: «أعلم يقيناً أن الأعباء الاقتصادية تُثقل كاهل الأسر المصرية، وأقدر صبركم وتحملكم».

المخاطر

قبل شهور عدة، سافر ع. م إلى إحدى الدول الخليجية للبحث عن عمل بعدما فشل في العثور على عمل بمصر. وقصَّ على «الشرق الأوسط» كيف أنه لم يكن لديه المال الكافي لتذكرة السفر أو التأشيرة، لذا لجأ إلى حيلة للحصول على المال من خلال شراء هواتف عدة بالتمويل الاستهلاكي، ثم بيعها مباشرة مع خسارة 10 في المائة من ثمنها.

قال: «كان ثمن الهواتف 50 ألف جنيه بالقسط على عامين، وحصلت ببيعها على 40 ألف جنيه تقريباً، كانت كافية للتذكرة والتأشيرة».

وأضاف: «زوجتي تحملت عبء سداد القسط من راتبها شهوراً عدة حتى استطعت العثور على عمل».

ويعلق الخبير الاقتصادي وائل النحاس على الأمر قائلاً: «شراء أجهزة دون استخدامها ثم بيعها للحصول على المال أمر شائع ومن مخاطر التمويل الاستهلاكي، فهو يؤدي على المدى البعيد إلى ارتفاع الأسعار».

ويلفت إلى أن الأجهزة الرقابية منعت من قبل شركات التمويل الاستهلاكي من تقديم تمويل لشراء الذهب، والذي كان يعتمد عليه المتلاعبون للحصول على المال من هذه الشركات، حتى دون تكبد أي خسائر.

ومثَّل التمويل الاستهلاكي نحو 6.9 في المائة من إجمالي التمويل الممنوح من خلال الجهات الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، وفق مركز معلومات بمجلس الوزراء.

وتأتي القفزات اللافتة في آلية التمويل الاستهلاكي وسط أوضاع اقتصادية ضاغطة وفق مراقبين، في ظلِّ استمرار الاضطرابات الإقليمية وتأثيرها على الأسعار وحركة الشراء عالمياً، «ما يجعل مخاطر عدم السداد تتصاعد على نحو قد يهدِّد السلم المجتمعي»، وفق النحاس.

وأشار إلى انتشار مقاطع على «تيك توك» لمواطنين يستغيثون من ملاحقات شركات التمويل الاستهلاكي والتربص بهم تحت المنازل، أو اقتحامها وترهيبهم للحصول على المستحقات غير المُسدَّدة.