أغضب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، جيشه وأوساطاً واسعة من قوى اليمين المتطرف والمستوطنين؛ إذ أطاح بالجنرال آفي بلوط، المسؤول عن الضفة الغربية، بدعوى أنه ينكل بمستوطن معتقل بسبب اعتداءاته على الفلسطينيين.
لكن رئيس أركان الجيش إيال زامير، شعر بالإهانة فقرر التمرد ورفض إقالة بلوط، وانضم إلى موقفه أيضاً اليمين المتطرف؛ فتراجع كاتس عن قراره، ليسجل في حسابه أن قراره ارتد إلى نحره، ولم يحسن وضعه الانتخابي.
تغلغل المصالح الشخصية
كشفت هذه الفضيحة مستوى القيادات السياسية في إسرائيل، التي تحوّل التنافس الطبيعي على المراكز المتقدمة إلى صراعات شخصية وحزبية لا تعرف الحدود، ويتم فيها استغلال الصلاحيات لأغراض متدنية تصل إلى حد المساس بالجيش وجنرالاته، وتبين تغلغل المصالح الشخصية في القضايا الاستراتيجية والمصيرية.
وقد بدأت القصة من التنافس الحزبي في حزب «الليكود» الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو الذي أصرّ على تغيير دستور الحزب، حتى يحظى بصلاحيات تعيين 8 أشخاص في مواقع متقدمة على لائحة الحزب للانتخابات المقبلة. وتسبب ذلك في تهديد مكانة معظم الوزراء والنواب، فراح كل منهم يحارب لأجل مكانته، مستخدماً وسائل شرعية وغير شرعية.

كاتس من جهته، الذي يعرف أن حزبه يجنح نحو اليمين المتطرف ويلاحظ جيداً أن المستوطنين في الضفة الغربية باتوا يشكلون قوة كبيرة داخل الحزب، يقيم تعاوناً غير مسبوق مع وزير المالية بتسلئيل سموترتش، الذي يحمل حقيبة إضافية هي وزير ثانٍ في وزارة الدفاع مسؤول عن ملف الاستيطان.
فهما معاً يقرران إقامة 80 مستوطنة جديدة و150 نقطة استيطان زراعية، ويضعان تحت تصرفهما مليون دونم من الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية، و120 بؤرة استيطان.
وهما يغيّران معاً القوانين والأنظمة لتسهيل توسيع الاستيطان، ويدعمان المستوطنين في اعتداءاتهم على الفلسطينيين.
كاتس «الأهبل»
طبقاً للإعلام العبري، فإن كاتس يرفض مثلاً فرض أوامر اعتقال إدارية ضد الإرهابيين اليهود، ويدير سياسة «أبرتهايد» ويتباهى بذلك. وهذا ما دفع بعض الصحف الإسرائيلية إلى وصفه بـ«الأهبل الذي يكتب لائحة اتهام ضد نفسه أمام محكمة الجنايات الدولية».

وفي الشهر الماضي، انفجرت قضية تتعلق بمسؤول الأمن في المستوطنات طال يانون دارديك، الذي ضبط بالصوت والصورة وهو ينفذ اعتداءات على الفلسطينيين في قرية حمصا بمنطقة الخليل.
وعندما تم توثيقه، لم تستطع الأجهزة الأمنية تجاهل القصة فاعتقلته. وبدأ الجيش يحقق في إمكانية تقديمه إلى المحاكمة، وراحت الأجهزة تفاوض دارديك حول أفضل السبل التي ترضيه، لكنه اتخذ قراراً عنيداً بأنه يجب إغلاق الملف ضده، لأن ما فعله شرعي ودفاعاً عن اليهود في وطنهم، ثم أعلن الإضراب عن الطعام.
لكن كاتس، وللأسباب الانتخابية المذكورة أعلاه، تبنى قضيته وقرر تحريره؛ فاعتبر الجنرال بلوط هذا القرار خاطئاً ويشجع آخرين على الاعتداءات فتزيد، ولا يعود الجيش يسيطر على الوضع. ورد كاتس بخطوة غير مسبوقة، وزار دارديك في معتقله، وسط ضجة إعلامية.

وقالت إذاعة الجيش إن كاتس، بهذه الزيارة، «يعمل ضد الأمن، ويشجع بأفعاله ناشطي الإرهاب اليهودي». وقد فهم كاتس أن هذا الموقف صدر عن مقربين من بلوط، فقرر الرد عليه بطريقة حازمة تجند من حوله اليمين المتطرف.
قنبلة سياسية
في مقابلة مع تلفزيون اليمين (قناة 14) ليلة الأحد - الاثنين، أطاح كاتس بالجنرال بلوط، وأعلن أن من سيحل محله هو العميد دادو بار كاليفا. وتحول هذا الإعلان إلى قنبلة هائلة الانفجار في الساحتين السياسية والعسكرية.
لكن رئيس الأركان أعلن أنه صاحب الصلاحية في إقالة وتعيين الجنرالات، وأنه لن يعين جنرالات في مناصب رفيعة قبل بداية عام 2027. واعتبر ذلك تمرداً على الوزير.
وأبلغ زامير هيئة الأركان العامة، الاثنين، بأنه لن يعين جنرالات قبل بداية العام المقبل، وأنه يرفض استعمال الجيش للأغراض الانتخابية.
وقال إن قراره يأتي بسبب الانتخابات العامة، التي ستجري في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
قادة الاستيطان
خرج قادة المجالس الاستيطانية بقرار مشترك يطالبون فيه بالإبقاء على بلوط قائداً للمنطقة الوسطى، لأنه أفضل من تولى هذا المنصب بالنسبة إليهم.
وفي أعقاب هذه الضجة، خرج كاتس ببيان سريع نفى فيه أنه أقال بلوط، وقال إنه اتفق مع زامير على هوية من سيحل محله عندما ينهي مهامه. واتهم المعارضة والصحافة بالافتراء عليه.

يذكر أن بلوط هو نفسه مستوطن وابن لعائلة استيطانية، ومعروف بتعاطفه مع المستوطنين والتعامل معهم من خلال تفوق عرقي؛ إذ لا يحاسب اليهود على ممارساتهم ضد الفلسطينيين، بل يمنحهم تسهيلات لإطلاق النار على الفلسطينيين.
وقد صرح مؤخراً بأن البؤر الاستيطانية «تعزز الأمن وتندمج ضمن المفهوم العملياتي للجيش الإسرائيلي». ووصفه سموتريتش بأنه «أفضل جنرال تولى قيادة القيادة الوسطى».
