عباس يمهد للشيخ قيادة مرحلة بالغة التعقيد

مصادر: قرار تعيينه رئيساً حال شغور المنصب يضمن انتقالاً سلساً... ويقطع الطريق على أي محاولات لتجاوز «منظمة التحرير»

صورة أرشيفية للرئيس الفلسطيني محمود عباس ونائبه حسين الشيخ (مواقع حركة «فتح»)
صورة أرشيفية للرئيس الفلسطيني محمود عباس ونائبه حسين الشيخ (مواقع حركة «فتح»)
TT

عباس يمهد للشيخ قيادة مرحلة بالغة التعقيد

صورة أرشيفية للرئيس الفلسطيني محمود عباس ونائبه حسين الشيخ (مواقع حركة «فتح»)
صورة أرشيفية للرئيس الفلسطيني محمود عباس ونائبه حسين الشيخ (مواقع حركة «فتح»)

فتح الرئيس الفلسطيني محمود عباس الطريق أمام نائبه حسين الشيخ ليتولى منصب الرئيس القادم لحين إجراء الانتخابات العامة، في خطوة جاءت في توقيت دقيق وحساس وحرج، في محاولة لضمان انتقال سلس للسلطة، وقطع الطريق على محاولة تشكيل قيادات ومرجعيات أخرى.

ووصفت مصادر مطلعة في رام الله، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، القرار بأنه «كان ضرورياً» لعدة أسباب؛ منها حساسية المرحلة وتعقيدها، ولقطع الطريق على أي محاولات لتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية، كما يأتي في سياق الإصلاحات والتغييرات التي تعهدت بها السلطة.

وأصدر عباس، الأحد، إعلاناً دستورياً يقضي بأنه إذا شغر مركز رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، في حالة عدم وجود المجلس التشريعي، يتولى نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، نائب رئيس دولة فلسطين، مهام رئاسة السلطة الوطنية مؤقتاً، لمدة لا تزيد على 90 يوماً، تجري خلالها انتخابات حرة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد، وفقاً لقانون الانتخابات الفلسطيني. وفي حال تعذر إجراؤها خلال تلك المدة لقوة قاهرة تمدد بقرار من المجلس المركزي الفلسطيني لفترة أخرى، ولمرة واحدة فقط.

وقال عباس في نص القرار إنه أصدر هذا الإعلان «إيماناً ووعياً منا بهذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الوطن والقضية الفلسطينية، ووفاءً بمسؤوليتنا التاريخية والدستورية في حماية النظام السياسي الفلسطيني وحماية الوطن، والحفاظ على سلامة أراضيه وكفالة أمنه، وحرصاً على صون مؤسساته الدستورية وضمان استمرارية عملها في حالة شغور منصب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية».

وأضاف: «وانطلاقاً من مقتضيات المصلحة الوطنية العليا في الحفاظ على الاستقرار، أصدرنا الإعلان الدستوري تأكيداً على مبدأ الفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات الحرة والنزيهة».

ويلغي قرار عباس الإعلان الدستوري رقم «1» لسنة 2024، الذي صدر في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، ونص على أن يتولى روحي فتوح، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، مهام رئاسة السلطة الوطنية مؤقتاً، لفترة لا تزيد على 90 يوماً.

 

ما الأسباب والدوافع؟

 

لم يوضح عباس أسباب القرار في هذا التوقيت، في حين قالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية إنه اتُخذ بناء على طلب أميركي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في قمة شرم الشيخ لإنهاء حرب غزة بمصر يوم 13 أكتوبر 2025 (رويترز)

لكن مصادر مطلعة في رام الله قالت لـ«الشرق الأوسط» إن القرار كان ضرورياً في ظل تعقيدات كبيرة على المشهد.

وقال أحد المصادر: «القرار اتخذ لعدة أسباب... أولاً المرحلة دقيقة وحساسة ومعقدة، ويجب أن يكون على رأس السلطة في حال أي مفاجآت شخص بحجم الشيخ. وثانياً لقطع الطريق على محاولات خارجية وداخلية لتجاوز منظمة التحرير وتعيين قيادات جديدة وتشكيل مرجعيات. وثالثاً يأتي في سياق الإصلاحات والتغييرات التي تعهدت بها السلطة».

وأوضحت المصادر أن الإعلان يؤكد في الأساس إجراء الانتخابات العامة، «ولا يُنصب الشيخ رئيساً مطلقاً».

ويجيء الإعلان الدستوري في خضم عمل كبير أميركي وغربي وعربي من أجل اليوم التالي في قطاع غزة، وهو يوم تريده السلطة «فلسطينياً خالصاً»، متحفظة على كثير من التفاصيل.

فالسلطة الفلسطينية ترفض تشكيل أي لجنة إدارية في غزة لا تعمل تحت مرجعيتها، كما ترفض وجود أي قوات دولية إلا بقرار من مجلس الأمن الدولي، على ألا تعمل في العمق وإنما على الحدود، باعتبار أن الأمن في القطاع يجب أن يكون مسؤوليتها.

 

بيان «فتح»

 

وأصدرت حركة «فتح» بياناً بعد اجتماعات الفصائل الفلسطينية في القاهرة، وهي اجتماعات لم تحضرها الحركة، أكدت فيه على هذه المبادئ.

وجاء في البيان أن «دولة فلسطين» و«منظمة التحرير» هما الإطار الجامع والوحيد القادر على حماية المشروع الوطني، رافضة سياسات التفرد و«محاولات القفز عن الشرعية الوطنية أو تجاوزها»، ومؤكدة أن السيادة والولاية على أرض دولة فلسطين حق أصيل للشعب الفلسطيني ومؤسساته الشرعية، وهو ما يفرض على الجميع الالتزام الجاد بهذا المبدأ وترجمته إلى خطوات عملية واضحة على الأرض.

وشددت الحركة على رفض أي شكل من أشكال الوصاية أو الانتداب، وقالت إن دور لجنة السلام الدولية هو «للرقابة والتدقيق في إطار زمني محدد ولضمان التزام الجميع بوقف الحرب، والإشراف على إعادة الإعمار وتنفيذ الخطة، دون أي مساس بالقرار الوطني المستقل أو ولاية مؤسسات دولة فلسطين».

وأكدت الحركة أيضاً على أن المعالجة الجذرية لقضية السلاح يجب أن تكون «ضمن رؤية وطنية تؤسس لسلطة واحدة، وسلاح واحد، وقانون واحد، وبما يضمن وحدة الموقف والاستقرار الداخلي، ويفوّت على الاحتلال ذرائع استمرار العدوان أو تكريس الانقسام».

 

«ترسيخ» مكانة الشيخ

 

جاء حسين الشيخ إلى منصبه نائباً للرئيس في أبريل (نيسان) الماضي، في سياق سياسي وأمني معقد، اضطر الرئيس الفلسطيني لإطلاق أوسع تغييرات في السلطة.

ومن شأن قيادة الشيخ المرحلة المقبلة أن ترسخ مكانته وتعزز حظوظه في أي انتخابات، حال إجرائها.

نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ (رويترز)

ولم يصل الشيخ إلى منصبه الحالي صدفة؛ إذ كانت مسألة تعيين نائب للرئيس الفلسطيني مثار نقاش منذ سنوات طويلة بعدما سيطرت «حماس» على المجلس التشريعي، وفي ظل تقدم عباس في العمر.

وينص النظام الأساسي للسلطة الفلسطينية على أنه في حال شغور منصب الرئيس لأي سبب كان، مثل الوفاة أو فقدان الأهلية، يتولى رئيس المجلس التشريعي منصب الرئيس لمدة 60 يوماً تجري في نهايتها انتخابات عامة للرئاسة.

لكن عباس حل المجلس التشريعي الذي كانت ترأسه «حماس» قبل سنوات، وأصدر نهاية العام الماضي مرسوماً دستورياً نص على أنه في حال شغور منصب الرئيس يتولى رئيس المجلس الوطني المنصب لمدة 90 يوماً تجري في نهايتها انتخابات عامة للرئاسة، ثم عَيَّن الشيخ نائباً له، ثم أصدر القانون الأخير بتعيينه مكانه إذا شغر المنصب، وليس فتوح.

ويمثّل قرار عباس، البالغ من العمر 90 عاماً، أوضح رسالة على أن السلطة لا تتخلى عن وجودها بشكل عام، ولا عن دورها في قطاع غزة، وتستجيب لطلبات الإصلاح والتغيير.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد ألقى شكوكاً حول إمكانية أن يقود عباس قطاع غزة.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الشيخ يُعد «الطباخ الرئيسي للسياسات الحالية»، وبالتالي فإن ما حدث «منطقي للغاية».

وقال أحدها: «إنه الوجه الأبرز والعنوان بالنسبة للجميع، حتى الأميركيين».

 

جهود المصالحة

 

أصبح الشيخ في العامين الماضيين أقرب شخص لعباس، وقد قاد كثيراً من الحوارات مع الإسرائيليين والأميركيين والعرب في جميع القضايا المصيرية المتعلقة بالسلطة الفلسطينية، ويُعد اليوم أحد المؤثرين في صنع القرار المركزي إلى جانب عباس.

وأفادت وزارة الخارجية المصرية، الأحد، بأن الوزير بدر عبد العاطي بحث هاتفياً مع الشيخ جهود تحقيق المصالحة بين الفصائل وتوحيد الصف الفلسطيني.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (أ.ف.ب)

وأكدت الوزارة في بيان أن عبد العاطي شدد للشيخ على استمرار مصر في دعم السلطة الفلسطينية ومساندة جهودها لتحقيق الوحدة وإعادة إعمار غزة.

وقال البيان إن الاتصال تناول أيضاً الإصلاحات التي تضطلع بها السلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى الإعلان الدستوري الذي أصدره عباس «باعتباره خطوة تستهدف تنظيم المرحلة المقبلة وتفعيل مؤسسات الدولة الفلسطينية».

وأوضح البيان أن الجانبين استعرضا التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر التعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية في غزة. وشدد الوزير المصري ونائب الرئيس الفلسطيني على ضمان توفير الدعم الدولي بما يلبي احتياجات الشعب الفلسطيني.

 

 

 

 


مقالات ذات صلة

«العالم مشغول».... حرب إيران تعمق الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية

شؤون إقليمية فلسطيني يحمل ابنه يوم الثلاثاء في رام الله بالضفة الغربية قبل حلول عيد الفطر  (رويترز)

«العالم مشغول».... حرب إيران تعمق الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية

عمّقت الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية؛ إذ لم تستطع دفع أكثر من 50% من رواتب موظفيها قبل عطلة عيد الفطر.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي الطفل الفلسطيني مصطفى الذي أصابه جنود إسرائيليون وقتلوا والديه وشقيقيه بعدما هاجموا بالرصاص السيارة التي كانت تقلهم يوم الأحد (أ.ف.ب)

«القتل السهل في الضفة»... مقتل أب وأم وطفليهما للاشتباه في سرعة سيارتهم

الجيش يقتل عائلة فلسطينية لمجرد شبهة أن السيارة مسرعة والمستوطنون قتلوا شاباً حاول الدفاع عن بلدته ونكلوا به أمام أبيه في تصعيد كبير يظهر استسهال القتل بالضفة.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

بن غفير يقرر تسليح 300 ألف يهودي في القدس

بن غفير يمنح 300 ألف يهودي في القدس حق الحصول على سلاح إضافة إلى آخرين، ما يعني تسليح كل اليهود في المدينة في خطوة أخرى نحو تشجيع إرهاب المستوطنين المنظم.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية الرئيس الفلسطيني محمود عباس (رويترز)

السلطة الفلسطينية تتموضع أعمق في المحور العربي المعتدل

السلطة تعزز تموضعها في المحور العربي المعتدل عبر سياسة أكثر وضوحاً خلال هذه الحرب ضد إيران ووكلائها في المنطقة

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يحتفلون فوق صاروخ إيراني سقط في رام الله أكتوبر 2024 (أ.ف.ب) p-circle

كيف تقيّم السلطة و«حماس» تأثير حرب إيران على مسار «خطة ترمب»؟

أعادت الضربات العسكرية الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران ترتيب أولويات العمل على أجندة المنطقة، وأخصها الملف الفلسطيني الذي كان ينتظر حراكاً وفق خطة الرئيس ترمب.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» ( غزة)

«حزب الله» يدعو السلطات اللبنانية إلى «التراجع الفوري» عن سحب اعتماد سفير إيران

السفير الإيراني لدى لبنان محمد رضا شيباني (أ.ف.ب)
السفير الإيراني لدى لبنان محمد رضا شيباني (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يدعو السلطات اللبنانية إلى «التراجع الفوري» عن سحب اعتماد سفير إيران

السفير الإيراني لدى لبنان محمد رضا شيباني (أ.ف.ب)
السفير الإيراني لدى لبنان محمد رضا شيباني (أ.ف.ب)

دعا «حزب الله»، السلطات اللبنانية، الثلاثاء، إلى «التراجع الفوري» عن قرار اعتبار السفير الإيراني المعيّن حديثاً لدى بيروت «شخصاً غير مرغوب به» ومنحه مهلة حتى الأحد للمغادرة، معلناً رفضه القرار الذي وصفه بأنه «خطيئة وطنية».

ورفض الحزب في بيان «بشكل قاطع القرار الصادر عن وزارة الخارجية اللبنانية والمنفلت من أي مسوّغ قانوني والقاضي بسحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن لدى لبنان محمد رضا شيباني، وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه».

وعدّ مطالبة السفير بمغادرة الأراضي اللبنانية «خطوة متهورة ومدانة لا تخدم مصالح لبنان الوطنية العليا ولا سيادته ولا وحدته الوطنية، بل تشكّل انقلاباً عليها وانصياعاً واضحاً للضغوط والإملاءات الخارجية، وتعدّياً صارخاً على صلاحيات رئيس الجمهورية».

وأكد أن اتهام شيباني بالتدخل في الشؤون الداخلية للبنان هو «تأكيد إضافي على أنه قرار كيدي سياسي بامتياز، يفتقر إلى الحد الأدنى من الحكمة والمسؤولية الوطنية».

واتهم وزير الخارجية يوسف رجّي بـ«الاصطفاف في الموقع الذي لا يخدم بأقواله وأفعاله إلا العدو الصهيوني، ويعمل عن دراية أو من دونها وانطلاقاً من عقلية حزبية ضيقة وحاقدة على إضعاف الدولة اللبنانية وتجريدها من عناصر التماسك التي تحتاجها في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة، ويدفع باتجاه تقديم المزيد من التنازلات خدمة للعدو بهدف تمهيد الطريق لوضع لبنان كاملاً تحت الوصاية الأميركية - الإسرائيلية».

ورأى «حزب الله» أن «هذا القرار خطيئة وطنية واستراتيجية كبرى لا تخدم الوحدة الوطنية، بل تفتح أبواب الانقسام الداخلي، وتُعمّق الشرخ الوطني، وتدخل البلاد في مسار بالغ الخطورة من الارتهان والضعف والانكشاف».

ودعا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى «التراجع الفوري عن هذا القرار لما له من تداعيات خطيرة».


توسع إسرائيل لنهر الليطاني ينذر بحرب طويلة في لبنان... و«حزب الله» يتوعد بالقتال

لبنانية تتفقد الأضرار الناتجة عن سقوط شظايا صاروخ إيراني تم اعتراضه فوق منطقة جونيه في جبل لبنان (أ.ب)
لبنانية تتفقد الأضرار الناتجة عن سقوط شظايا صاروخ إيراني تم اعتراضه فوق منطقة جونيه في جبل لبنان (أ.ب)
TT

توسع إسرائيل لنهر الليطاني ينذر بحرب طويلة في لبنان... و«حزب الله» يتوعد بالقتال

لبنانية تتفقد الأضرار الناتجة عن سقوط شظايا صاروخ إيراني تم اعتراضه فوق منطقة جونيه في جبل لبنان (أ.ب)
لبنانية تتفقد الأضرار الناتجة عن سقوط شظايا صاروخ إيراني تم اعتراضه فوق منطقة جونيه في جبل لبنان (أ.ب)

اتخذت الحرب بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي، منحى أكثر وضوحاً يتمثل في عزمها إقامة ما تسميه «منطقة أمنية» تمتد حتى نهر الليطاني، في مقابل تعهد الحزب بالقتال ومواجهة هذا التمدد، وهو ما يؤشر إلى أن الحرب قد تمتد أسابيع إضافية، على إيقاع توترات أمنية في المناطق بين النازحين والمجتمع المضيف، يتجدد مع كل غارة إسرائيلية في مناطق يُعتقد أنها «آمنة».

ووسط التصعيد والقرارات التي اتخذها الطرفان، أبلغ الرئيس اللبناني جوزيف عون المستشار الدفاعي الأعلى للمملكة المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأميرال إدوارد

آلغرين خلال استقباله له ظهر في قصر بعبدا، أن «الاعتداءات الإسرائيلية التي تعرض لها لبنان أوقعت ما يزيد على ألف ضحية ومئات الجرحى، وتهجير نحو مليون مواطن لبناني، إضافة إلى الدمار الهائل الذي لحق بالبلدات والقرى اللبنانية التي تعرضت للقصف».

وأشار عون إلى أن لبنان لا يمكنه خوض حروب الآخرين على أرضه، وهذا ما حدده مجلس الوزراء في القرار الذي اتخذه قبل أسابيع. ولفت عون إلى أن القرارات التي اتخذتها الحكومة في شأن حصرية السلاح وقرار السلم والحرب لا رجوع عنها؛ لأنها تنطبق على ما نص عليه الدستور واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري للحكومة.

حرب طويلة

تشير مجريات المعركة القائمة في الجنوب إلى أن الحرب قد تمتد لأسابيع، وفق ما قال مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن الإجراءات الإسرائيلية لجهة قطع الجسور والتغول بالقصف، لا سيما قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، فجر الثلاثاء، «يعكس تجاهلاً لدعوة الرئيس عون للتفاوض لايقاف الحرب».

وتعززت هذه التقديرات، بإعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الثلاثاء، أن قواته ستسيطر على «منطقة أمنية» في جنوب لبنان تمتد حتى نهر الليطاني، الذي دمرت إسرائيل الجسور التي تربط بين ضفتيه. وفي أثناء زيارة إلى مركز للقيادة العسكرية في إسرائيل، قال كاتس: «جميع الجسور الخمسة فوق الليطاني التي استخدمها (حزب الله) لعبور الإرهابيين والأسلحة تم تفجيرها، وسيسيطر جيش الدفاع الإسرائيلي على بقية الجسور والمنطقة الأمنية الممتدة حتى الليطاني».

وتمتد هذه المنطقة بعمق 30 كيلومتراً عن الحدود الإسرائيلية، وقد لحق بقراها وبلداتها الحدودية خصوصاً دمار هائل منذ الحرب الأخيرة التي خاضها «حزب الله» وإسرائيل بين عامي 2023 و2024. وفي أول رد على تصريحات كاتس، قال عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية النائب حسن فضل ​الله إن الحزب سيقاتل ​من أجل ‌منع ⁠القوات ​الإسرائيلية من احتلال ⁠جنوب لبنان، وأكد أن مثل هذا الاحتلال سيشكل «خطراً وجودياً ⁠على لبنان ‌كدولة».

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله (رويترز)

وقال في تصريح من مجلس النواب: «الأولوية اليوم هي للتصدي للعدوان الإسرائيلي، والتفاصيل الأخرى يمكن للبنانيين معالجتها فيما بينهم، وتجربتنا السابقة أظهرت أنّ هزيمة المشروع الإسرائيلي تؤدِّي إلى ذوبان ما يتصل به وهو ما حدث بعد عام 1982».

ضغط على النازحين

في مقابل المعركة العسكرية، يزداد الضغط على النازحين إلى مناطق لبنانية أخرى يومياً، إثر توترات مع المجتمع المضيف، كلما نفذت إسرائيل اغتيالاً في مناطق واقعة شرق بيروت أو شمالها؛ ما يدفع المضيفين لاتخاذ إجراءات إضافية. ويتكرر الأمر عند أي حادث أمني، بينه حادث سقوط شظايا صاروخية في منطقة كسروان (شمال بيروت) التي تسكنها أغلبية مسيحية.

ودوّت انفجارات، الثلاثاء، في مناطق عدّة تقع شمال بيروت، بينها جونية الساحلية التي تعد بمنأى عن الحرب الدائرة، وفق ما أفاد به سكّان ووسائل إعلام.

وأظهرت مشاهد أضرار في منازل بلدة ساحل علما في جونية، كما أظهرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تصاعد دخان من نقاط عدة. وأصيب عدد من المواطنين بجروح طفيفة جراء تطاير شظايا.

الدخان يتصاعد جراء اعتراض صاروخ إيراني فوق منطقة ساحل علما في جبل لبنان (رويترز)

وتضاربت المعلومات حول الشظايا، وبينما رجّح مصدر أمني أن تكون ناجمة عن اعتراض صاروخ إيراني عبر سفينة حربية أجنبية، قالت وسائل إعلام إسرائيلية إنها ناتجة عن صاروخ إيراني تفكك فوق جبل لبنان، وسقطت شظاياه في المنطقة.

وجاءت الحادثة بعد استهداف إسرائيلي للعنصر في «الحرس الثوري» الإيراني محمد كوراني في منطقة الحازمية بجبل لبنان. وقال الجيش الإسرائيلي في بيان، إن «سلاح البحرية هاجم، الاثنين، بتوجيه استخباري من (الشاباك)، في منطقة بيروت، وقضى على المدعو محمد علي كوراني، وهو عنصر من فيلق القدس كان يروّج لمخططات إرهابية بتوجيه من جهات استخبارية إيرانية».

المعركة الميدانية

توسع إسرائيل مناطق نفوذها داخل الأراضي اللبنانية، فإلى جانب القتال على محوري الطيبة والخيام المتواصل بضراوة منذ الأسبوع الماضي، توغّلت قوة من الجيش الإسرائيلي داخل بلدة حلتا في منطقة العرقوب، حيث اقتحمت عدداً من المنازل، وأطلقت النار على المواطنين؛ ما أدى إلى مقتل لبناني واختطاف آخر وإصابة ثالث بجروح.

كذلك، سجل قتال في داخل الأراضي اللبنانية في منطقة القوزح في القطاع الغربي، حيث اندلعت مواجهات حين حاول الجيش الإسرائيلي التقدم تحت غطاء ناري من القصف المدفعي وقذائف الدبابات التي طالت أيضاً بلدة حانين. كما رصدت تحشيدات عسكرية في بلدة علما الشعب، بالتوازي مع محاولات التوغل إلى وسط بلدة الناقورة الحدودية.

متطوعون في الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

بالموازاة، جدد الجيش الإسرائيلي استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد 3 أيام على انقطاع تلك الغارات، كما طال استهداف، فجر الثلاثاء، شقة سكنية في محلة بشامون، جنوب شرقي بيروت، وأسفر عن مقتل 8 أشخاص، وفق وزارة الصحة. وطالت الغارات الإسرائيلية في جنوب البلاد، وفق «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية، جسراً يربط مناطق في جنوب لبنان بالبقاع (شرق)، ما أدى إلى تدميره، إضافة إلى 4 محطات وقود تابعة للحزب في النبطية وصور، تقول إسرائيل إنها تمول أنشطته.


«الحرس الثوري» الإيراني... ظلّ طهران في بيروت

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع استهداف إسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع استهداف إسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» الإيراني... ظلّ طهران في بيروت

صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع استهداف إسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)
صورة تجمع قاسم سليماني ونصر الله وعماد مغنية مرفوعة على مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية قرب موقع استهداف إسرائيلي في حارة حريك (إ.ب.أ)

يعود الوجود الفعلي لـ«الحرس الثوري» الإيراني في لبنان إلى مرحلة ما بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، حين أرسلت إيران مئات من عناصره وبالتحديد إلى منطقة البقاع (شرقي البلاد) لتدريب مجموعات شيعية مسلّحة ونشر فكر المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني، ما ساهم بوقتها في تشكيل النواة الأولى لـ«حزب الله».

بعد ذلك، لعب «الحرس الثوري» دور «المرشد العسكري والعقائدي» للحزب؛ فقدّم له التدريب العسكري والتنظيمي، والدعمين المالي والتسليحي، وهو ما ساهم خلال تسعينات القرن الماضي في تطوير قدرات الحزب ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.

عناصر في «حزب الله» يؤدون القسم أمام نصب للجنرال الإيراني قاسم سليماني في بيروت عام 2022 خلال إحياء مراسم الذكرى الثانية لقتله بغارة أميركية في بغداد (أرشيفية - أ.ب)

وخلال حرب يوليو (تموز) 2006، برز تأثير التدريب والتسليح الإيراني بشكل واضح من خلال استخدام «حزب الله» تكتيكات وصواريخ أكثر تطوراً، ليتواصل الدعم بعد الحرب ليشمل تطوير منظومات صاروخية وشبكات اتصالات.

ومع اندلاع الحرب السورية عام 2011، أصبح التعاون بين «الحرس الثوري» و«حزب الله» جزءاً من استراتيجية إقليمية أوسع بقيادة إيران، فتحول الحزب إلى قوة إقليمية وذراع متطورة لطهران في المنطقة بدعم وتوجيه من «الحرس الثوري».

القرار الفعلي لـ«الحرس»

ويؤكد الكاتب السياسي المعارض لـ«حزب الله» ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، أن «(الحرس الثوري) موجود في كل المؤسسات التابعة للحزب وفي بنيته التنظيمية، ويلعب دوراً أساسياً على مستوى إدارة الحزب، ما يجعل المراقبين عن كثب لوضعيته يؤكدون أنه ليس من طبيعة لبنانية، إذ تظهر فيه الطبيعة الإيرانية، كما أن السمة الأمنية العسكرية للحزب هي بحد ذاتها من مواصفات (الحرس الثوري)»، مشيراً إلى أن «شخصية من (الحرس) توجد دائماً في اجتماعات مجلس شورى الحزب، ويعود لها القرار الفعلي».

صورة نشرتها مواقع «الحرس الثوري» من لحظة إطلاق صاروخ باليستي من منطقة جبلية غير محددة السبت (إعلام إيراني)

ويوضح الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعد حرب إسناد غزة وما تلاها من اغتيال القيادات الكبيرة للحزب عاد (الحرس الثوري) بقوة إلى المشهد، وعمل على ملء الفراغات والإمساك بزمام القيادة»، لافتاً إلى أن «بعض عناصر (الحرس) هم لبنانيون يشكلون صلة وصل بين إيران ولبنان». ويضيف: «في هذه الحرب (الحرس الثوري) يمسك بزمام القيادة والمبادرة ويدير العمليات».

ترميم بنية الحزب

وبعد الضربات الكبرى التي تلقاها «حزب الله» في حرب عام 2024، تكفل «الحرس الثوري» بإعادة ترميم البنية العسكرية للحزب. إذ أفادت وكالة «رويترز» بإرسال نحو 100 ضابط من «الحرس الثوري» لتولي مهام الإشراف المباشر وإعادة هيكلة الجناح العسكري للحزب.

وتمثلت أبرز التحولات البنيوية التي فرضها خبراء «الحرس الثوري» في إلغاء نظام «التسلسل الهرمي التقليدي» واستبداله بما يعرف بـ«الدفاع الفسيفسائي»؛ هذا المفهوم، حسب وصف أندرياس كريج، المحاضر في قسم الدراسات الأمنية في جامعة كينجز كوليدج لندن، يقوم على تفكيك الهيكل القيادي إلى وحدات صغيرة، شبه مستقلة، ولا مركزية بشكل كامل.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

ويبدو أن قسماً كبيراً من عناصر وقياديي «الحرس الثوري» ما زالوا يوجدون في لبنان للإشراف على المعارك وقيادتها في بعض الأحيان.

الإجراءات اللبنانية

وقد أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام صراحة قبل أيام أن «(الحرس الثوري) موجود في لبنان ويقود عمليات عسكرية»، مشيراً إلى أن «(الحرس الثوري) هو من أطلق مسيّرات من لبنان على قبرص». ولفت إلى أن «عناصر (الحرس الثوري) يقيمون بطريقة غير شرعية في لبنان بجوازات سفر مزورة».

وكانت الحكومة اللبنانية مطلع الشهر الجاري قد قررت منع أي نشاط أو عمل أمني أو عسكري قد يقوم به عناصر (الحرس الثوري) انطلاقاً من الأراضي اللبنانية وتوقيفهم من القضاء المختص تمهيداً لترحيلهم.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في الأسابيع والأشهر الماضية اغتيال عدد من قادة «الحرس الثوري» و«فيلق القدس» التابع له. ففي الثالث عشر من الشهر الجاري أفاد باغتيال «أبو ذر محمدي، وهو قائد في (الحرس الثوري) عمل في وحدة الصواريخ الباليستية التابعة لـ(حزب الله) في بيروت»، لافتاً إلى أن «محمدي كان عنصراً مركزياً في التنسيق العسكري بين (حزب الله) والنظام الإيراني، حيث كان حلقة وصل ووسيطاً بين (حزب الله) ومسؤولين إيرانيين كبار».