وساطة أميركية تعيد تدفق نفط كركوك إلى «جيهان» لتخفيف حصار «هرمز»

برّاك أشاد بجهود بغداد وأربيل وأكد التزام واشنطن الكامل بدعمها

عامل يتفحص أنابيب في ميناء «جيهان» التركي (أرشيفية - رويترز)
عامل يتفحص أنابيب في ميناء «جيهان» التركي (أرشيفية - رويترز)
TT

وساطة أميركية تعيد تدفق نفط كركوك إلى «جيهان» لتخفيف حصار «هرمز»

عامل يتفحص أنابيب في ميناء «جيهان» التركي (أرشيفية - رويترز)
عامل يتفحص أنابيب في ميناء «جيهان» التركي (أرشيفية - رويترز)

بدأ العراق يوم الأربعاء تصدير النفط الخام بما يصل إلى 250 ألف برميل يومياً من حقول كركوك إلى ميناء «جيهان» التركي؛ لتخفيف أزمة الإمداد على خط أنابيبه الجنوبي عبر مضيق هرمز، وذلك عقب اندلاع الحرب مع إيران.

جاء ذلك بعد التوصل إلى اتفاق بين بغداد وحكومة إقليم كردستان العراق يسمح بنقل النفط عبر شبكة خطوط الأنابيب الشمالية، وبعد اتصال هاتفي أجراه المبعوث الأميركي الى سوريا والعراق توم برّاك مع رئيس وزراء إقليم كردستان، مسرور بارزاني. ومع حسم هذا الاتصال للجدل المستمر بين الطرفين حول مسببات تأخير التصدير، تحولت اللجنة المشكلة لبحث الخلافات من طابعها السياسي المعقد إلى إطار فني بحت ودراسة الآليات التقنية لعمليات الضخ والتصدير.

وقد تهاوى الإنتاج المحلي بنسبة 70 في المائة نتيجة الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران وما تبعه من توقف الملاحة في مضيق هرمز. ومع امتلاء خزانات الجنوب، أصبح المسار الشمالي هو «الرئة الوحيدة» المتاحة حالياً لتنفس القطاع النفطي.

وبقي خط أنابيب «كركوك - جيهان» متوقفاً عن العمل بشكل شبه كامل سنوات، وسط نزاع بشأن توزيع المدفوعات بين حكومتي بغداد وأربيل.

وقد استؤنفت الصادرات عبر محطة ضخ «سارالو» بعد توقف طويل؛ مما يمثل إعادة تنشيط طريق تصديري شمالي رئيسي، في ظل سعي العراق إلى استعادة بعض التدفقات النفطية وسط استمرار اضطرابات الشحنات الجنوبية.

وكان العراق؛ العضو في منظمة «أوبك»، يصدّر ما معدّله 3.5 مليون برميل يومياً قبل الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) 2026. وكان معظم هذا الإنتاج يُصدّر عبر موانئ محافظة البصرة الجنوبية المطلّة على الخليج. لكن مع تعطّل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، توقفت صادرات العراق عبره وبدأت خزانات النفط تمتلئ بسرعة؛ مما أرغم السلطات على وقف الإنتاج إلى حد كبير، والبحث عن طرق بديلة للتصدير.

وأعلنت «شركة نفط الشمال» الحكومية التي تدير عمليات النفط شمال البلاد، في بيان «استئناف عمليات ضخ النفط الخام عبر ميناء (جيهان) التركي، بعد فترة من التوقف التي شكّلت تحدياً كبيراً أمام القطاع النفطي». وأشارت إلى مباشرتها «تشغيل محطة ضخ (سارالو)، إيذاناً باستئناف عمليات ضخ وتصدير نفط كركوك إلى ميناء (جيهان)، بطاقة تصديرية أولية تبلغ 250 ألف برميل يومياً، في خطوة تعكس تكامل الجهود بين الجهات المعنية لتحقيق الأهداف الوطنية المشتركة». ونوّهت بأن عودة التصدير جاءت «ثمرة للاتفاق المبرم بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان».

من جهتها، أكدت وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كردستان أنها باشرت «في الساعة الـ06.30 (الـ03.30 بتوقيت غرينيتش) وبالتنسيق مع وزارة النفط الاتحادية، تشغيل محطة نفط (سارالو) لنقل 250 ألف برميل يومياً إلى محطة فيشخابور، ليتم تصديرها عبر أنبوب نفط إقليم كردستان إلى ميناء (جيهان) التركي».

وكان وزير النفط العراقي، حيان عبد الغني، أعلن، مساء الثلاثاء، أن الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان توصلتا إلى اتفاق لاستئناف صادرات النفط إلى ميناء «جيهان» التركي؛ ابتداءً من يوم الأربعاء. وتوازياً، كشف عن بدء محادثات مع إيران لتصدير جزء من النفط عبر مضيق هرمز.

ناقلات نفط تُحمّل النفط الخام في محطة البصرة النفطية بالمياه الإقليمية العراقية قبالة سواحل البصرة (أرشيفية - رويترز)

بارزاني: المباحثات ستستمر

وقبل استئناف التصدير، قال رئيس وزراء إقليم كردستان، مسرور بارزاني، في منشور على منصة «إكس»، إن الإقليم سيسمح بتصدير النفط الخام عبر خط أنابيب كردستان في أقرب وقت ممكن؛ «نظراً إلى الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد».

وأضاف: «ستستمر المباحثات مع بغداد لرفع القيود المفروضة على الواردات والتجارة مع الإقليم بشكل عاجل، ولتقديم الضمانات اللازمة لشركات النفط والغاز لضمان استئنافها الإنتاج في بيئة آمنة».

الولايات المتحدة تدعم الاتفاق

وبعد ذلك بوقت قصير، قال بارزاني، إنه أصدر خلال مكالمة هاتفية مع المبعوث الأميركي إلى العراق وسوريا، توم برّاك، تعليماته لفريق حكومة إقليم كردستان بتوفير جميع التسهيلات اللازمة لاستئناف صادرات النفط، بما يخدم مصالح المواطنين في ظل الظروف الصعبة.

من جهته، رحّب برّاك بالاتفاق، وكتب عبر حسابه الخاص على منصة «إكس»: «نتقدم بجزيل الشكر لأربيل وبغداد على جهودهما للتوصل إلى اتفاق في هذا الوقت الحرج لاستئناف صادرات الطاقة وتعزيز ازدهار المنطقة». وأضاف: «تظل الولايات المتحدة ملتزمة التزاماً كاملاً دعم هذه الجهود المهمة في هذه الأزمة».

البرلمان... و7 نقاط

في جلسة ماراثونية امتدت حتى فجر الأربعاء، أصدر البرلمان العراقي حزمة قرارات استراتيجية استهدفت تحصين الاقتصاد الوطني من تداعيات الأزمة الأمنية الراهنة. وألزم المجلس الحكومة الاتحادية بإيجاد منافذ عاجلة لتصريف النفط الخام، محذراً من انعكاسات استمرار تعطل التصدير على قوت المواطنين ورواتب الموظفين، مع إبداء استعداده الكامل للتصويت على أي تشريعات تدعم هذا المسار السيادي.

وشدد البرلمان في قراراته على ضرورة بسط الإدارة الاتحادية سيطرتها المطلقة على كافة عمليات الإنتاج والنقل والتوزيع في جميع أنحاء البلاد. كما ألزم الحكومة بتعميم نظام «الأسيكودا» الرقمي في كافة المحافظات، بما فيها إقليم كردستان، لضمان الشفافية المالية، مع تحديد سقف زمني لإدراج قانون النفط والغاز ضمن البرنامج الحكومي تمهيداً لإقراره.

كما حثّ البرلمان الحكومة على تزويد المصانع الحكومية والخاصة بزيت الوقود لمنع ارتفاع مخزونات المصافي، وإعادة تأهيل مسار خط الأنابيب العراقي من كركوك مروراً بغرب الموصل وزمار وفيشخابور وصولاً إلى «جيهان».

«تحت المراقبة»

وفي الأثناء، وضعت وكالة «ستاندرد آند بورز» العالمية تصنيف العراق الائتماني طويل الأجل عند «بي-» تحت «المراقبة السلبية». وجاء هذا القرار الاستثنائي، الذي خرج عن الجدول الزمني المعتاد للمراجعات الدورية، مبرراً بالانخفاض الحاد وغير المسبوق في إنتاج النفط العراقي الذي تهاوى بنسبة 70 في المائة، ليصل إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً فقط، نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.

وكشف تقرير «الوكالة» عن وصول سعات التخزين العراقية إلى طاقتها القصوى؛ مما فرض تعليقاً إجبارياً للإنتاج في مرافق حيوية، على رأسها حقل الرميلة العملاق (الأكبر في البلاد بطاقة 1.4 مليون برميل يومياً). ولم تقتصر الأزمة على الجنوب؛ بل امتدت لتشمل حقول كركوك في الشمال (بمعدل 220 ألف برميل يومياً) التي توقفت لأسباب أمنية. وحذرت «الوكالة» بأن إعادة تشغيل هذه الحقول العملاقة ليست عملية بسيطة، بل قد تستغرق أسابيع أو شهوراً نظراً إلى التعقيدات الهندسيّة المرتبطة بآليات إغلاق وفتح المنشآت الضخمة.


مقالات ذات صلة

مناصب جديدة لاستكمال حكومة العراق

المشرق العربي رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)

مناصب جديدة لاستكمال حكومة العراق

يستكمل العراق حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي عبر تفاهمات تشمل ملء الحقائب الوزارية الشاغرة واستحداث وزارات جديدة، إلى جانب تسمية أربعة نواب لرئيس الوزراء.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي صورة وزعها القضاء العراقي للقاضي فائق زيدان (الثاني من اليسار) وهو يعاين سبائك ذهبية ضُبطت في قضية الموقوف عدنان الجميلي

وكيل «النفط العراقية» شاهداً في أولى محاكمات الفساد

حدد القضاء العراقي الأسبوع المقبل موعداً لمحاكمة زعيم «تحالف عزم» في البرلمان، على خلفية تهم فساد، في حين ظهر اسم وكيل وزارة النفط، عدنان الجميلي، شاهداً.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

أفاد مصدر أمني عراقي، الأربعاء، بمقتل ضابط برتبة عميد وجندي بانفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية جنوبي محافظة كركوك.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الرياض الأربعاء (واس)

نقاشات سعودية ـ عراقية في الرياض حول أمن المنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تطورات الأحداث الإقليمية، وتنسيق الجهود بشأنها، بما يعزز أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جنود من القوات الخاصة العراقية يقفون فوق مركبات مدرعة في قرية قرب الموصل بالعراق يوم 25 أكتوبر 2016 (رويترز)

مقتل عسكريَّين عراقيَّين بانفجار عبوة ناسفة قرب كركوك

أفاد الجيش العراقي بأن عبوة ناسفة استهدفت مركبة تابعة للجيش العراقي، مما أسفر عن مقتل عميد وجندي بالقرب من مدينة كركوك شمال البلاد، اليوم (الأربعاء).

«الشرق الأوسط» (بغداد)

اضطرابات السندات الأوروبية تثير مخاوف بشأن مخاطر صناديق التحوط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

اضطرابات السندات الأوروبية تثير مخاوف بشأن مخاطر صناديق التحوط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

أظهرت موجة البيع الحادة التي شهدتها السندات الحكومية الأوروبية، هذا الشهر، كيف أن الدور المتنامي لصناديق التحوط يجعل إحدى الأسواق ذات الأهمية النظامية أكثر عرضة للاضطرابات، وهو خطر يراقبه المنظمون عن كثب.

ظاهرياً، كانت أسباب ارتفاع عوائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها في 24 عاماً واضحة، وتشمل ازدياد أعباء الدين الحكومي، والتضخم الذي تؤججه تكاليف الطاقة المرتفعة، والمنافسة على رؤوس الأموال الناجمة عن الطفرة العالمية في مراكز البيانات، التي تدعم النمو الاقتصادي.

لكن بعض المستثمرين قالوا إن حجم التحركات وسرعتها يشيران إلى أن صناديق التحوط كانت تغذي التقلبات في السوق، من خلال التخارج السريع من مراكزها الاستثمارية، وفق «رويترز».

ولم يسبق الارتفاعات اليومية الكبيرة وغير المعتادة في العوائد، التي تجاوزت 10 نقاط أساس، محفز واضح. كما ارتفع الفارق الذي يطلبه المستثمرون للاحتفاظ بالسندات الفرنسية بدلاً من الألمانية بنحو 25 نقطة أساس خلال يومين، في أكبر زيادة من نوعها منذ أزمة ديون منطقة اليورو. وترتفع العوائد عندما تنخفض أسعار السندات.

ويقدّر البنك المركزي الأوروبي أن صناديق التحوط تستحوذ على أكثر من نصف التداولات في سوق السندات الحكومية الأوروبية، التي تبلغ قيمتها نحو 13 تريليون دولار، مقارنة بنحو 30 في المائة في عام 2020. ويقول صندوق النقد الدولي إن انكشاف صناديق التحوط على السندات السيادية تضاعف أكثر من مرتين منذ عام 2022، من دون تحديد إجمالي قيمته.

وقالت لوريلين رينو-شاتلان، مسؤولة استراتيجية الدخل الثابت في «بيكتت لإدارة الثروات»: «تضخم مجتمع صناديق التحوط بشكل كبير. وهذا يؤدي إلى مزيد من التقلبات في سوق السندات، وقد يفسر شدة موجة البيع في فرنسا، في وقت لم يكن فيه هناك محفز حقيقي واضح».

صناديق التحوط قد تضخم تحركات الأسعار

تدير صناديق التحوط أصولاً تتجاوز قيمتها 40 تريليون دولار، بما يشمل الأموال المقترضة التي تستخدمها لزيادة الرافعة المالية في رهاناتها، فضلاً عن انكشافها من خلال المشتقات المالية، وفقاً لصندوق النقد الدولي. ونادراً ما تكشف هذه الصناديق تفاصيل استثماراتها، كما تراهن على انخفاض أسعار الأصول وارتفاعها على حد سواء.

وتكتسب أنشطة هذه الصناديق في تداول الديون السيادية أهمية خاصة، نظراً إلى تأثيرها في قدرة الحكومات على التمويل، وهو ما قد ينعكس بدوره على تكاليف الاقتراض للشركات والأسر.

وقال صندوق النقد الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) إن زيادة نشاط التداول لدى صناديق التحوط قد «تفاقم اختلالات الأسعار وضغوط السيولة خلال فترات التوتر». وأشار إلى مخاطر الاقتراض الذي تلجأ إليه هذه الصناديق، فضلاً عن تركز الاستثمارات في صفقات متشابهة، بحيث تتخذ صناديق عديدة مراكز متقاربة.

ورفضت الهيئة الأوروبية للأوراق المالية والأسواق، الجهة الرقابية المالية في المنطقة، التعليق على هذا التقرير.

وقال برونو شنيلر، الشريك الإداري في شركة «إيرلن كابيتال مانجمنت»، التي تستثمر في صناديق التحوط، إن بعض الاستراتيجيات الشائعة لدى هذه الصناديق تتأثر بشدة بتغيرات الأسعار والتقلبات.

وتشمل هذه الاستراتيجيات صفقات المراجحة بين أسعار السندات النقدية والعقود الآجلة، وصفقات العائد الممولة بالاقتراض والرافعة المالية. ففي صفقات المراجحة بين السندات والعقود الآجلة، تسعى صناديق التحوط إلى تحقيق أرباح من الفارق المحدود بين أسعار السندات والعقود الآجلة المرتبطة بها. أما صفقات العائد، فتقوم على الاقتراض بعملة ذات أسعار فائدة منخفضة للاستثمار في أصول أخرى.

وقال شنيلر إن تغير ظروف السوق قد يدفع المستثمرين إلى تقليص انكشافهم بسرعة نسبية، «ما يخلق احتمال أن تصبح تحركات السوق معززة لنفسها».

لكنه حذّر من عزو التقلبات الأخيرة إلى صناديق التحوط وحدها، نظراً إلى وجود عوامل أساسية مؤثرة، لا سيما في فرنسا.

فقد تؤدي التجاذبات السياسية قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027 إلى عرقلة الجهود الرامية إلى خفض العجز الفرنسي المرتفع، وهو أحد العوامل التي أثارت قلق الأسواق.

صناديق التحوط تملأ الفراغ مع تراجع مستثمرين آخرين

قال جيري كرول، الرئيس العالمي للشؤون الحكومية في «رابطة إدارة الاستثمارات البديلة»، وهي مجموعة تمثل قطاع الاستثمارات البديلة، إن صناديق التحوط تُعد أحد أهم مصادر السيولة في أسواق السندات.

وأضاف: «فيما يتعلق بديناميات السوق الأخيرة، نحذر من إطلاق أحكام متسرعة وعامة استناداً إلى أدلة غير كافية أو أمثلة محدودة بشأن دور فئات بعينها من المشاركين في السوق».

وقد استحوذت صناديق التحوط على حصة أكبر من أسواق السندات الحكومية مع تراجع إقبال مشترين آخرين. فالبنوك المركزية تقلص ميزانياتها العمومية، والتغييرات في أنظمة التقاعد تحد من الطلب على الديون السيادية، فيما تقيد القواعد التنظيمية قدرة البنوك على الاحتفاظ بالسندات.

ويمكن لمشاركة صناديق التحوط أن تساعد الأسواق على العمل بسلاسة في وقت تتزايد فيه احتياجات الحكومات إلى الاقتراض، كما يسهم نشاطها المتكرر في التداول في تعزيز السيولة.

وقالت ماريون لو مورديك، رئيسة الاستثمار في الدخل الثابت لدى «فيدليتي إنترناشونال»: «يدرك الجميع إلى حد ما الدور الذي تؤديه صناديق التحوط، ويقدّرونه».

لكن الصفقات الشائعة لدى صناديق التحوط غالباً ما تكون مزدحمة بالمستثمرين وممولة بالديون، كما أن تركيز هذه الصناديق على المدى القصير قد يدفعها إلى الخروج المفاجئ والجماعي من مراكزها إذا تحركت الأسواق في غير مصلحتها، ما يستنزف السيولة ويفاقم تحركات الأسعار.

وقالت لو مورديك: «تقضي صناديق التحوط تماماً على نشاط السوق في مثل هذه الظروف». وأضافت: «بالنسبة إليّ، فإن هذا يفسر بالكامل تراجع السيولة في أوائل أكتوبر».

وعندما سُئل المدير المالي لمصرف «جي بي مورغان»، أحد عمالقة وول ستريت، يوم الثلاثاء عن التهديد النظامي الذي تمثله صناديق التحوط، قال للمحللين إن هذا القطاع كان «مصدر مخاطر للنظام منذ فترة طويلة، والجميع يعرف ذلك، بما في ذلك صناديق التحوط نفسها».

وقال جيريمي بارنوم إن الرافعة المالية التي تستخدمها هذه الصناديق تندرج ضمن فئة «المخاطر المعروفة التي لا تزال تفاصيلها غير معروفة بالكامل». وأضاف: «هذا لا يعني أنها خالية من المخاطر، لكننا نعرف إلى حد ما طبيعة هذه المخاطر».

تحت المراقبة

شهدت السندات قصيرة الأجل تقلبات حادة على نحو خاص في أوائل أكتوبر. فقد ارتفعت عوائد السندات الفرنسية لأجل عامين، في حين انخفضت العوائد الألمانية مع تدفق الاستثمارات نحو الأصول الآمنة، واتسع الفارق بينهما بمقدار 21 نقطة أساس، في أكبر زيادة يومية منذ عام 2012.

وغالباً ما تستخدم صناديق التحوط السندات الحكومية الفرنسية ضماناتٍ عند الاقتراض لتمويل رهاناتها الاستثمارية. وتشكل الديون الفرنسية نحو 100 مليار يورو (112 مليار دولار) من إجمالي 250 مليار يورو من السندات الحكومية في منطقة اليورو المقدمة ضماناتٍ مقابل الاقتراض في سوق اتفاقيات إعادة الشراء (الريبو)، وفقاً لبيانات بنك فرنسا.

ويراقب بنك إنجلترا أيضاً سوق اتفاقات إعادة الشراء، التي تمثل مصدراً أساسياً للتمويل بالنسبة إلى المؤسسات المالية خلال فترات الضغوط. ويقدّر البنك أن صناديق التحوط مسؤولة عن 85 مليار جنيه إسترليني (113 مليار دولار) من إجمالي الاقتراض الصافي البالغ 200 مليار جنيه إسترليني في سوق اتفاقات إعادة الشراء المدعومة بالسندات الحكومية البريطانية.

وقال أحد كبار المستثمرين في السندات الأوروبية لـ«رويترز»، إن دور صناديق التحوط أصبح موضوعاً رئيسياً يناقشه المنظمون مع الشركة خلال اجتماعاتهم.

وذكرت رينو-شاتلان من «بيكتت» أن سيولة السندات الفرنسية في أوائل أكتوبر كانت الأسوأ منذ عام 2008.

ويجعل ضعف السيولة التداول أكثر صعوبة ويرفع الرسوم التي يتقاضاها الوسطاء. وفي الحالات القصوى، قد يمتنع الوسطاء عن تقديم أسعار، ما يؤدي إلى شلل الأسواق.

ومع ذلك، أشار تقرير منفصل لصندوق النقد الدولي صدر يوم الثلاثاء إلى أن الأسواق تعاملت جيداً مع الضغوط الأخيرة. كما قال مديرو الصناديق الستة الذين تحدثت إليهم «رويترز» إن التقلبات لم تؤثر حتى الآن، بوجه عام، في استراتيجياتهم، بل إنها أوجدت فرصاً استثمارية في بعض الأحيان.

وقالت ميكيلا باريليتي، رئيسة الائتمان في «ستاندرد لايف»: «التقلبات تكون مفيدة أحياناً... فقد أصبحت السندات الفرنسية (OATs) رخيصة نسبياً مقارنة بمخاطر الائتمان»، وأضافت: «نتعامل مع السندات الفرنسية بحذر، لكننا زدنا حيازاتنا منها بالفعل خلال موجة البيع».


الهند توسّع إجراءات الدفاع عن الروبية لتشمل أسعار الفائدة

رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)
رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)
TT

الهند توسّع إجراءات الدفاع عن الروبية لتشمل أسعار الفائدة

رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)
رجل يمرّ بجوار مجسّم لرمز الروبية الهندية بمقر البنك المركزي في مومباي (رويترز)

يعتزم البنك المركزي الهندي مواصلة تشديد الأوضاع النقدية لمواجهة تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج وزيادة تكلفة المراهنة على تراجع الروبية، لكنه سيتجنَّب اللجوء إلى إجراءات حادة كتلك التي اعتمدها خلال أزمة سابقة للعملة، وفقاً لمصدرين ومحللين.

ورفع بنك الاحتياطي الهندي أسعار الفائدة الرئيسية هذا الشهر للمرة الأولى منذ 4 سنوات، بالتوازي مع سحب السيولة من الأسواق عبر بيع السندات، وتشديد متطلبات الاحتياطي الإلزامي على البنوك، وفرض قيود أكثر صرامة على معاملات التحوط الكبيرة في سوق الصرف الأجنبي.

وجاءت هذه الخطوات بعدما تجاوز التضخم المستوى المستهدف من البنك المركزي، وفي وقت اقتربت فيه الروبية، التي تُعدُّ من بين أسوأ العملات أداءً في آسيا منذ بداية العام، مع تراجعها بنحو 6 في المائة، من كسر أدنى مستوى سابق لها عند 96.96 روبية للدولار. غير أن العملة الهندية تعافت منذ ذلك الحين إلى 94.71 روبية للدولار، وفق «رويترز».

وقال أحد المصدرين المطلعين على توجهات البنك المركزي: «يتبع البنك المركزي نهجاً محسوباً في تشديد السياسة النقدية، ما يعني تشديد الأوضاع على نطاق واسع»، مضيفاً أن البنك سيواصل تقييم الحاجة إلى مزيد من التشديد، بما في ذلك سحب السيولة.

وأضاف المصدران أن المراجعة المقبلة للسياسة النقدية، المقررة في ديسمبر (كانون الأول)، قد تشهد أيضاً مناقشة زيادة أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس، إذا استدعت تطورات التضخم تقديم زيادات الفائدة إلى موعد أقرب.

وتتولى لجنة للسياسة النقدية مؤلفة من 6 أعضاء، بينهم 3 أعضاء من خارج البنك المركزي، اتخاذ القرارات المتعلقة بأسعار الفائدة.

وقال محافظ بنك الاحتياطي الهندي سانجاي مالهوترا، في مقابلة، إن السياسة النقدية لا يمكن فصلها تماماً عن الاستقرار المالي. ويمثل هذا التصريح تحولاً عن موقف البنك السابق الذي أكد فيه أن أسعار الفائدة لن تُستخدَم للدفاع عن العملة، ما دفع المتداولين إلى زيادة رهاناتهم على رفع الفائدة.

وتعكس سوق مبادلات الروبية حالياً توقعات بإمكانية تنفيذ زيادة كبيرة في أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل، بينما بدأ محللون يضعون في حساباتهم احتمال رفعها بمقدار 50 نقطة أساس.

وقال بنك «إتش إس بي سي»، في تقرير صدر يوم الأربعاء، إنه يتوقع رفع الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس في ديسمبر، لينضم بذلك إلى بنك الدولة الهندي الذي تبنى التوقع نفسه.

أدوات التدخل في سوق الصرف آخذة في التراجع

في إطار سلسلة من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي الهندي منذ مارس (آذار) للدفاع عن الروبية، نجح في تعبئة نحو 150 مليار دولار من خلال تدابير تستهدف جذب التدفقات المالية، من بينها برنامج لودائع الدولار يقدم حوافز للجالية الهندية في الخارج.

كما خفّض البنك حدود مراكز النقد الأجنبي المسموح بها للبنوك، وفرض متطلبات احتياطي على معاملات التحوط الكبيرة، وبدأ توفير الدولار مباشرة من احتياطاته لشركات النفط الحكومية.

وأدت مبيعات الدولار المتواصلة في السوق الفورية إلى استنزاف الاحتياطات، ورفعت تكلفة المراهنة على تراجع الروبية إلى أعلى مستوى لها في 5 سنوات، بينما تعافت العملة بنسبة 2 في المائة من أدنى مستوياتها.

وبدأ البنك المركزي حالياً دفع عوائد السندات المحلية إلى الارتفاع، إذ زادت بمقدار يتراوح بين 45 و60 نقطة أساس منذ بداية سبتمبر (أيلول).

وقالت برانجول بهانداري، كبيرة الاقتصاديين المعنيين بالهند في بنك «إتش إس بي سي»، في مذكرة بتاريخ 14 أكتوبر (تشرين الأول): «يبدو الأمر وكأنه تكرار لإجراءات عام 2013، ولكن بترتيب عكسي؛ إذ تتساءل الأسواق عمّا إذا كانت سلسلة من زيادات أسعار الفائدة ستكون الخطوة التالية».

وخلال آخر أزمة حادة تعرَّضت لها الروبية في عام 2013، رفع البنك المركزي أولاً سعر الاقتراض قصير الأجل، المعروف باسم «تسهيل الإقراض الهامشي (MSF)»، بمقدار 200 نقطة أساس، قبل أن ينتقل إلى اتخاذ تدابير لسحب الدولار من السوق والحد من المضاربات.

لكن المصدر الأول، إن البنك من غير المرجح أن يتبع النهج نفسه في التعامل مع أسعار الفائدة هذه المرة، موضحاً أن البنوك لا تلجأ إلى تسهيل الإقراض الهامشي عندما تكون السيولة وفيرة، وهو ما حدَّ أيضاً من فاعلية هذا الإجراء في عام 2013.

بائع عملات بأحد الشوارع يعدّ الأوراق النقدية في نيودلهي (رويترز)

الاستقرار المالي في مواجهة النمو

وقال مستثمرون إن ارتفاع عوائد السندات الهندية سيعزز جاذبية أدوات الدين المحلية، وقد يسهم في جذب تدفقات استثمارية إلى سوق السندات لتعويض عمليات البيع الأجنبية في أسواق الأسهم.

وقال نوربرت لينغ، رئيس إدارة محافظ الدخل الثابت لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «إنفيسكو»: «إن رفع أسعار الفائدة يدعم مصداقية السياسة النقدية، ويحافظ على جانب من العائد الإضافي الناتج عن فروق أسعار الفائدة، ويقلل الحافز إلى المراهنة على مزيد من تراجع الروبية».

وباع المستثمرون الأجانب صافي أسهم هندية بقيمة نحو 33 مليار دولار خلال عام 2026، كما تحولوا إلى بائعين صافين لأدوات الدين منذ أغسطس (آب)، منهين بذلك سلسلة من عمليات الشراء استمرت 4 أشهر.

غير أن التشديد السريع للسياسة النقدية قد ينطوي أيضاً على مخاطر إبطاء الاقتصاد المحلي والحد من نموه. فعلى الرغم من نمو الاقتصاد الهندي بنسبة 7.8 في المائة خلال الربع الممتد من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران)، يُتوقع أن يتباطأ النمو في النصف الثاني من السنة المالية.

وقال المصدر الثاني إن نحو 60 في المائة من القروض ترتبط بمؤشرات مرجعية خارجية، من بينها سعر الفائدة الرئيسي، ما يسمح بانتقال أثر قرارات الفائدة إلى تكاليف الاقتراض بسرعة، وقد يلقي بأعباء إضافية على المقترضين الصغار.

وقالت أليسيا بيراردي، رئيسة قسم الاقتصاد الكلي العالمي واستراتيجيات الأسواق الناشئة في معهد «أموندي» للاستثمار: «إن استخدام أسعار الفائدة لاستهداف سعر العملة سيؤدي إلى تشديد الأوضاع النقدية في اقتصاد يواجه بالفعل صدمة في قطاع الطاقة».

وأضافت: «ينبغي أن تظل السياسة النقدية متمحورة حول هدف التضخم، ومن المتوقع أن يعود التضخم إلى النطاق المستهدف في مطلع عام 2027».


الأسهم الأوروبية تتجه لتحقيق أكبر مكاسب أسبوعية منذ أغسطس

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية تتجه لتحقيق أكبر مكاسب أسبوعية منذ أغسطس

رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)
رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

اتجهت الأسهم الأوروبية يوم الجمعة نحو تسجيل أكبر مكاسب أسبوعية لها منذ أغسطس (آب)، مدعومةً بسلسلة من تقارير الأرباح القوية ومؤشرات على استقرار أسهم التكنولوجيا العالمية، التي تعرضت لضغوط كبيرة في الفترة الأخيرة، ما عزز ثقة المستثمرين.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.3 في المائة إلى 641.75 نقطة بحلول الساعة 07:08 بتوقيت غرينتش، ليظل قريباً من أعلى مستوى له في أكثر من أسبوعين. وعلى مدار الأسبوع، حقق المؤشر مكاسب تجاوزت 1 في المائة، وفق «رويترز».

وصعد سهم «شنايدر إلكتريك» بنسبة 1.4 في المائة، بعدما رفعت المجموعة الصناعية مستهدفاتها للأرباح الأساسية والإيرادات لعام 2026 للمرة الثانية.

كما ارتفع مؤشر قطاع الأسهم الصناعية بنسبة 0.7 في المائة، ليكون من بين القطاعات الأفضل أداءً في المؤشر الأوروبي.

وساهمت النتائج القوية للشركات الأوروبية في دعم استقرار الأسواق مع اقتراب نهاية أسبوع اتسم بالتقلب، وشهد موجة بيع لأسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، وسط مخاوف بشأن المنافسة الصينية وازدياد الاعتماد على التمويل بالدين لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وارتفع سهم شركة «أيكسترون» المتخصصة في صناعة الرقائق بنسبة 4.8 في المائة، بعدما تجاوزت طلبياتها في الربع الثالث توقعات السوق، مع تمسك الشركة بتوقعاتها السنوية.

ويترقب المستثمرون صدور بيانات التضخم في منطقة اليورو، ممثلةً في مؤشر أسعار المستهلكين المنسق (HICP)، في وقت لاحق يوم الجمعة، بحثاً عن مؤشرات توضح ما إذا كانت الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط قد بدأت في التراجع.