عبد ربه: السنوار فاجأ حلفاءه وفوجئ بحجم اختراق 7 أكتوبر

«الشرق الأوسط» تعيد فتح دفاتر الرحلة الفلسطينية بمفاوضاتها الشائكة وعلاقاتها الصعبة (1 من 3)

TT

عبد ربه: السنوار فاجأ حلفاءه وفوجئ بحجم اختراق 7 أكتوبر

عرفات وإلى يساره ياسر عبد ربه عام 1993 (غيتي)
عرفات وإلى يساره ياسر عبد ربه عام 1993 (غيتي)

وضعتْ عملية «طوفان الأقصى» الشعب الفلسطيني على مفترق طرق يراوح بين نكبة جديدة وفتح الأفق أمام قيام الدولة الفلسطينية. أسئلة كثيرة تُطرح في الشارع الفلسطيني وخارجه: ماذا عن العملية التي شنتها «حماس»؟ وماذا عن الرد الإسرائيلي؟ وماذا عن شروط انضمام «حماس» إلى التسوية السلمية؟ وماذا أيضاً عن السلطة و«اليوم التالي»؟ ولأن الحاضر ابن تجارب الماضي فقد بحثتُ عمَّن كان شريكاً وشاهداً في العقود الماضية.

منذ «معركة الكرامة» في 1968، انخرط ياسر عبد ربه في العمل الفلسطيني. جاء من حركة القوميين العرب وشهد ولادة «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» وبعدها «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، وصولاً إلى حزب «فدا». وإضافةً إلى هذه المواقع القيادية الفصائلية، كان عبد ربه أميناً لسر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومقرباً من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وإلى جانبه في المفاوضات مع الإسرائيليين والأميركيين وكذلك في العلاقات مع بغداد ودمشق وطرابلس. كان الغرض من الحوار الانطلاق من الحاضر واسترجاع بعض محطات الماضي وعبره، وهنا نص الحلقة الأولى:

سألت عبد ربه إنْ كان الشعب الفلسطيني يتجه حالياً نحو الدولة المستقلة أم نحو نكبة ثانية، فأجاب: «نحن وسط نكبة فلسطينية غير مسبوقة، وربما هذه النكبة، من حيث حجم المأساة التي وقع بها الشعب الفلسطيني، تتجاوز كثيراً النكبة الأولى. في النكبة الأولى، كانت الحركة الوطنية الفلسطينية مهشمة، بل استبُدلت بالقرار العربي وتحالف عدد من الدول العربية الشكليّ في ما بينها، باسم حماية حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه».

نكبة جديدة... وظرف مختلف

في هذه النكبة، الحركة الوطنية الفلسطينية، رغم كل نواقصها وعيوبها التي كشفت عنها أيضاً أحداث مأساة غزة وما سُمي «طوفان الأقصى»، لا يمكن القضاء عليها أو استبدالها مهما كانت النتائج العسكرية على الأرض. المقارنة ليست بين وحشية ووحشية احتلالية إسرائيلية. تكنولوجيا القتل والدمار تتجاوز الآن بكثير ما كان متوفراً في عام 1948، ولكنّ الهدف واحد. في 1948 أُزيل ما يعادل 500 قرية فلسطينية وبلدة ومدينة، ونُفِّذ مخطط للتهجير الجماعي، وبقسوة لا تقل عن القسوة التي نشهدها اليوم.

لكن الآن، الفلسطيني لديه ذاكرة أكثر حدّة مما كانت عليه يومها. ربما لم نصدق عام 1948 أنه سيتم اقتلاعنا بالكامل من أرض وطننا. اليوم الفلسطيني، الكبير والصغير، يخشى أن يُقذف به مرة أخرى خارج أرض وطنه، وينظر إلى هذا الخطر على أنه شيء واقعي وملموس، وبالتالي يستميت في الدفاع، وترتفع صرخات الألم، وليست صرخات اليأس، رغم كل ما وقع من دمار في قطاع غزة من أقصى شماله حتى جنوبه.

الفلسطيني تحت الأنقاض اليوم يقول: لن أغادر أرض وطني. وهذه ليست شعارات، بل تعبير عن الوعي الذي تراكم عند الفلسطينيين على امتداد أكثر من سبعين عاماً. أنا أعتقد أن للدور الذاتي الفلسطيني في هذه اللحظة تأثيراً ليس بالقليل على كيفية اتجاه الأمور والأحداث.

عالم اليوم، ليس منحازاً بشكل قطعي لإسرائيل. هناك دوائر سياسية في الدول الغربية تنحاز لإسرائيل ولكن «بتردد»، وأحياناً أجرؤ على القول: «بخجل»، بينما لم نشهد في عام 1948 الملايين تتظاهر في العواصم الغربية، خصوصاً من جيل الشباب، كما نشهده اليوم.

أظن أن الشعور بأن الدولة الفلسطينية هي الحل سائدٌ حتى عند الدول الأكثر تملقاً لإسرائيل في هذه المأساة التي نمرّ بها. هذه الدول تحاول أن تقلل من حجم الجريمة الإسرائيلية التي ارتكبتها في قطاع غزة، ولا تزال. تحاول أن تغضّ النظر عن أفعال إسرائيلية وأقوال إسرائيلية. لم يكن يجرؤ الجيل الإسرائيلي الذي سبّب النكبة الأولى على النطق بها. اليوم هناك من يسمينا «حيوانات بشرية»، وهناك من يجاهر بضرورة مسح قطاع غزة وإخلائه من سكانه وطردهم نحو المجهول، واستيطان قطاع غزة وزرعه بالمستوطنات على أبعد أو أوسع مدى.

هناك أيضاً العالم اليوم يسارع إلى محاكمة إسرائيل. إسرائيل لم تخضع لأي محاكمة في تاريخها منذ نشأتها على المستوى الذي نشهده اليوم. محكمة العدل الدولية، هذا ليس حدثاً عابراً وطارئاً ومحدود الأثر. لم يقل لإسرائيل: أنت متهمة بإبادة الجنس البشري، مرة واحدة بكل تاريخها رغم أن هذا التاريخ مفعَم بالجرائم، مفعَم بالمذابح، مفعَم بالانتهاكات التي ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني.

أيُّ دور لـ«حماس»؟

وهل يمكن أن تكون «حماس» جزءاً من الحل؟ هذا السؤال يصعب عليّ أن أجيب عنه، ما لم تسارع «حماس» إلى استخدام هذه الفرصة لإعادة النظر في بعض المواقف والأفكار والأساليب التي اتّبعتها. أقول «بعض» ولا أقول «كل». يجب ألا أنكر أن «حماس» قوة وطنية فلسطينية، وأنها قوة مقاومة وأنها فعلت الكثير من أجل قضية الشعب الفلسطيني منذ نشأتها ومشاركتها في الانتفاضة الأولى.

ياسر عبد ربه خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل

لكي تعيد «حماس» الدور الذي بدأت به، وأن تستمر به، فهي تحتاج إلى مراجعة حقيقية. وهذا لا يمكن تفاديه بعد هذه المأساة التي حصلت، والمستمرة في قطاع غزة ولا ندري ما آفاقها بشكل كامل لكنّ مؤشراتها واضحة؛ وهي أن إسرائيل تريد غزة خالية من شعبها، أن تُلحقَ الدمار بقطاع غزة بحيث لا يعود بمقدور هذا الشعب أن يعود إلى مكانه الأصلي: لا بيوت، لا طرقات، لا بنية تحتية، لا إمكانية لتوفر أبسط مقومات الحياة. هذا ما هو قائم. فكيف ستتصرف «حماس» الآن، بغضّ النظر عن الاتهامات التي توجَّه ضدها، وبغضّ النظر عن عقوبات يمكن أن يتم إنزالها بها من هذا البلد أو ذاك، غربياً، وبعض هذه العقوبات فيها درجة عالية من النفاق.

تصوّرْ أن «حماس»، مثلاً، تُصنّف قوةً إرهابيةً بينما (لا تُصنَّف كذلك) حركة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية التي تصاحبها أعمال قتل وسرقة أراضٍ وتدمير بيوت وتدمير مزروعات ومحاولة حرق حتى بعض القرى والمدن وتقديمها نموذجاً للطرد الشامل للفلسطينيين خصوصاً في الضفة الغربية!

رغم هذا كله، أقول إن الباب لا يزال مفتوحاً، والمجال مفتوح، أمام «حماس». هذه ليست السابقة الأولى. كانت هناك سوابق عديدة. والفلسطينيون وياسر عرفات وحركة «فتح»، كان هناك وقت قيل إنها انتهت، بعد معركة بيروت، على سبيل المثال، وأنها أصبحت أبعد بعشرات آلاف الكيلومترات عن أرض وطنها وأصبحت في منفى قَصيٍّ وبعيد. ولكن استطاعت «فتح» أن تعيد دورها، ومعها منظمة التحرير وبقية القوى الفلسطينية، وأن تطرق باب التسوية السياسية بقوة. «حماس» تحتاج إلى درجة ما من التعامل بواقعية مع عالم اليوم، ومع التجربة الفلسطينية. وليس في كل يوم يمكن لهذه التجربة، المريرة والقاسية، أن تتكرر.

السنوار ونموذج عرفات

سألته إن كان يحيى السنوار، زعيم «حماس» في غزة، يستطيع أن يقبل الآن بما قبل به ياسر عرفات في «اتفاق أوسلو» 1993، فجاء الجواب: «لا أعرف بالضبط، أو لا أستطيع أن أفكر بعقل يحيى السنوار، ولكنَّ الجواب عندي سأسارع إلى قوله وهو: نعم. لأن التجربة المريرة تُعلم دروساً، وأنا أعرف، إذا كان المعنيّ هو الشخص بحد ذاته، أمرين: السنوار ليس من سلالة (الإخوان المسلمين) المكوَّنين عقائدياً بطريقة يصعب فيها عليهم التعامل البراغماتي والواقعي مع تطورات الأحداث. هو جاء إلى (حماس) بوصفها حركة ذات لون إسلامي وحركة مقاومة، بمعنى بعد عام 1987 عندما بدأت (حماس) تتكون وتشترك في الانتفاضة الأولى.

إسماعيل هنية ويحيى السنوار خلال اجتماع لقادة فصائل فلسطينية في غزة عام 2017 (أ.ف.ب)

الأمر الثاني، أنا أعتقد أنه لم يكن يُتوقع في 7 أكتوبر (تشرين الأول) النتائج التي حققها الاختراق (الحماسي) الفلسطيني لحدود قطاع غزة. ربما كان يريد القيام بعملية محدودة يتخللها اختطاف بعض العسكريين واشتباك محدود. معركة محدودة مع إسرائيل يتخللها أيضاً قليل من القصف والتدمير لتحسين الشروط بين قطاع غزة والاحتلال الإسرائيلي الذي يفرض الحصار الخانق على القطاع. تحسين شروط حياتية، وتحسين شروط اقتصادية، وتحسين شروط ربما جغرافية، وميناء أو مطار... إلخ، وتحسين شروط قبول إسرائيل بـ(حماس) قيادةَ أمرٍ واقع في قطاع غزة من الناحية السياسية. هذا الانفجار الذي حدث والذي نتج عن تقصير، كما يسميه الإسرائيليون، غير مسبوق، هو الذي ربما فاجأ السنوار مثلما فاجأ آخرين».

«طوفان الأقصى» قرار العسكريين

لكن هل شعر عبد ربه لدى إطلاق «طوفان الأقصى» بتوقيت اقليمي؟ يرد: «على الإطلاق. أنا لا أظن أن هذا الحدث في بداياته وفي التداعيات التي تلت ناتجٌ عن تخطيط إيراني مثلاً، كما كان يشاع، أو بعض قوى من معسكر الممانعة. أنا لا أظن ذلك. (حماس) لها علاقات مع إيران ومع غيرها من القوى، و(حماس) كانت مستعدة وترجو أن تقيم علاقات مع قوى أخرى في الخليج وفي العالم العربي من خارج ذلك المعسكر.

الذي حصل لم يكن بمعرفة قيادة «حماس» في الخارج، وإلا لَمَا استقبلت هذا الحدث بنفس الدهشة والاستغراب، وحتى أجرؤ على القول، الصدمة التي استقبلها بها الآخرون من خارج (حماس)، بمن فيهم أنا. هم حاولوا أن يلملموا أنفسهم وألا يبدوا كأنهم في حالة تعارض مع قيادة الداخل، وحاولوا أن يجدوا الذرائع والمبررات بالقول إن هذا قرار القيادة العسكرية في الداخل، وإن القيادة العسكرية مخوّلة بأن تتخذ ما تشاء من قرارات، وأين أنتم كقيادة سياسية؟ تكتموا على هذا الموضوع حتى اليوم.

لا أريد أن أنتقص من دورٍ للخارج ولا للداخل في (حماس)، ومن مسؤولية الخارج والداخل عن هذا العمل الذي قاد إلى استغلال إسرائيلي من أجل توسيع نطاقه ومن أجل القيام بحملة مدمِّرة شرسة عنصرية مثل الحملة التي نشهدها الآن. أظن أن إسرائيل كانت تتمنى أن تتوافر ظروف من هذا النوع، وربما أقل حدة من نتائج (طوفان الأقصى) في يومه الأول، لكنها سرعان ما لملمت نفسها وعرفت كيف توجه الضربة المقابلة وأن تستغل ما حدث.

مقاتلون فلسطينيون يتحركون من خان يونس باتجاه إسرائيل في 7 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

أنا أجزم بأن قوى الخارج بما فيها (حزب الله) فوجئت بانطلاق العملية. ردود الفعل ومحاولات التنصل الضمني مما حدث وقعت منذ اليوم الأول، في أقوال القيادات الإيرانية وقيادات (حزب الله) ومختلف التيارات. إذا كانت قيادة (حماس) نفسها لم تكن على علم، فكيف ستكون هذه الأطراف الأخرى على علم؟

أنا أظن أن القرار ذاتيٌّ من قيادة (حماس) في داخل غزة. وكما قلت، اعتقدتْ (هذه القيادة) أنها يمكن أن تقوم بعمل محدود نسبياً، ليس بالحجم الذي وقع، وأنّ رد الفعل الإسرائيلي أيضاً سيكون محدوداً نسبياً، أي بحجم، على الأقل، المعارك السابقة في 2014 و2018 وما قبلها، لكن أيضاً هم فوجئوا بحجم الإنجاز الذي تحقق لهم وسارعوا إلى محاولة استثمار هذا بعد أن وقع وأصبحت في يدهم أسلحة ثمينة من أسرى، مما أحدث هزة عميقة داخل إسرائيل».

ضرورة تجديد السلطة الفلسطينية

أريد الإشارة إلى استخلاص وحيد وقصير بالنسبة إلى معركة غزة اليوم. كلنا يعرف الواقع الإقليمي، وأنا لا أريد أن أدخل لا في التعليق ولا في إلقاء المواعظ والمطالب غير العقلانية مرة أخرى والنابعة من الشكوى ليس من حسابات القوى وموازينها، ولا الوضع الدولي. هناك فرص متاحة. الحركة الوطنية الفلسطينية مطالَبة الآن بأن تعيد تنظيم صفوفها ووضع أولوياتها السياسية من جديد، بما فيها حركة «حماس» وبقية القوى طبعاً.

ما أقصده أيضاً هنا، وبشكل أكثر صراحةً، أنه ينبغي ألا نستهين بالقول الذي أصبح متداولاً دولياً إن هناك حاجة إلى سلطة فلسطينية مجدّدة. ربما البعض ينظر إلى هذا المطلب الدولي كأنه نوع من الذريعة التي يستخدمها بعض القوى دولياً، خصوصاً الولايات المتحدة، للتنصل من القيام بما يتوجب عليها من إطلاق عملية سياسية تجعل هذه المأساة الواقعة في غزة اليوم، ليست فقط مأساة، وإنما فرصة للوصول إلى حل سياسي يشكّل الخاتمة في ما يتصل بالصراع العربي- الإسرائيلي.

ربما هو ذلك. لكن، لو كانت هناك قيادة وطنية فلسطينية موحدة، بمشاركة كل الأطراف بما فيها «حماس»، ألم يكن من الممكن تدارك ما حصل أو القيام بدور، ربما، يوفر ضمانة أكثر لمصالح الشعب الفلسطيني من الطريقة التي وقعت فيها أو انطلقت فيها هذه الأحداث الأخيرة من 7 أكتوبر حتى الآن؟ ألم يكن من الممكن أن نستخدم كل القوى المتوفرة في يدنا، وليست قوة غزة فقط أو قوى وإمكانات متناثرة هنا أو هناك في الضفة الغربية، أنْ نستخدم قوى وطاقات الشعب الفلسطيني كله بطريقة أكثر عقلانية أو أكثر فاعلية من الذي حصل حتى اليوم؟

ياسر عبد ربه خلال المقابلة مع «الشرق الأوسط»

نحن أهملنا، وبعضنا متعمِّدٌ أحياناً، عدداً من الفرص التي توافرت لإعادة تجميع القوى الفلسطينية في الإطار الوطني الواحد، وبالتالي السيطرة على القرار الوطني الفلسطيني، بحيث لا ينفرد به طرف ويفاجئ الأطراف الأخرى. كم مرة دَعَوْنا إلى حوارات ووصلنا إلى نتائج؟ في السعودية، في مصر، حتى مؤخراً في الجزائر... إلخ. موسكو احتضنت حوارات في ما بيننا، ومشينا بعد انتهاء كل لقاء في اتجاهات أعادت الصراع والتناقض الثانوي الداخلي بيننا وجعلته هو الرئيسي.

أنا أظن أنه يجب أن تكون هناك الآن محاولة جدية لإعادة تجميع الصف الوطني الفلسطيني لتكريس وجود قيادة وطنية فلسطينية موحدة ومسؤولة تضم الجميع. وإضافةً إلى ذلك، يجب أن يعاد أيضاً إنتاج قيادة للسلطة الوطنية تستطيع أن تتعامل مع الظرف الحالي ومع النوافذ المفتوحة مهما كانت ضيقة التي يتيحها الكلام وتتيحها المواقف الدولية الحالية».

فرص إصلاح السلطة و«حماس»

هل السلطة قابلة للإصلاح؟ هل منظمة التحرير قابلة للإصلاح؟ هل «حماس» قابلة للتغيير؟ يظن عبد ربه أن كل هذا ممكن. «أي إن (حماس) قابلة للتغيير، ويجب أن تُغيّر وألا تحكم على نفسها بمصير مأساوي أيضاً. (حماس) الآن تَلقى احتضاناً واسعاً من الفلسطينيين في كل مكان، ومن جمهور واسع في المنطقة العربية، وحتى على الصعيد الدولي. هناك مَن يبرر لها ما حدث بالقول إن الصراع لم يبدأ في 7 أكتوبر، والصراع مسؤول عنه العالم الذي احتضن (أوسلو) في البداية ثم تدريجياً تخلى عن الأهداف التي وُضعت أو وُقِّعت من أجلها اتفاقية أوسلو، بما فيها التسليم بالأمر الواقع الذي أعاد إنتاج الاحتلال الإسرائيلي بصيغ أكثر تشدداً وتطرفاً من ناحية التوسع الاستيطاني لإعادة رسم خريطة الضفة الغربية بحيث يستحيل الوصول إلى قيام دولة فلسطينية.

(حماس) تستطيع، و(فتح) تستطيع، ولكنّ هذا يحتاج إلى قرار حقيقي من الطرفين لإعادة مراجعة لكل السلوك السياسي الذي اتخذاه. نحن في حاجة إلى حكومة تشكل نوعاً من التوافق الوطني، ليس حكومة هذا الفصيل أو ذاك الفصيل. لا حكومة غزة (الحمساوية)، ولا حكومة الضفة (الفتحاوية)، بل حكومة توافق وطني تقبل بها كل الأطراف ويقبل بها بالأساس الشارع الوطني الفلسطيني ويثق العالم العربي والدولي بأن مثل هذه الحكومة ستكون قادرة على أن تسير بالوضع الفلسطيني بجدية نحو تحقيق حل منشود وهو الدولة الفلسطينية المستقلة».

صلاحيات الرئيس و«القرار الصحيح»

الرئيس ياسر عرفات لم يتقبل محاولات الحد من صلاحياته، وكنت في خضمّ هذه التجربة. هل يتقبل الرئيس محمود عباس الحد من صلاحياته؟ أجاب: «ليس مطلوباً الحد من صلاحيات أحد، بمن فيهم الرئيس محمود عباس. الرئيس محمود عباس يستطيع من أجل أن يمارس صلاحياته الفعلية أن يبادر إلى تشكيل، أو الدعوة لتشكيل، حكومة توافق وطني (أُجري اللقاء قبل استقالة الحكومة الفلسطينية)، وأن يطلق حواراً سريعاً ومن دون تعقيدات شهدناها في كل أشكال الحوارات السابقة التي وصلت إلى طريق مسدودة. نحن نريد حكومة تستطيع أن تتحدث باسم الفلسطينيين بدعمٍ من كل الفلسطينيين بمن فيهم قواهم المنظمة؛ «فتح» و«حماس»... إلخ.

عباس وعبد ربه خلال زيارة لمعبر رفح عام 2005 (غيتي)

هو يستطيع أن يخرج من إطار الحسابات الضيقة، وأن يحافظ على موقعه ودوره. ولكن يجب أن يأخذ القرار أولاً. لأن ياسر عرفات لم يأخذ القرار المناسب في اللحظة التي كان فيها يحتاج إلى أخذ ذلك القرار. في خضمّ الانتفاضة الثانية الفلسطينية، كان ينبغي وبكل جرأة أن يرفع ياسر عرفات صوته ضد العمليات المسلحة التي كانت تستهدف المدنيين والتي كان الاحتلال الإسرائيلي يستثمرها إلى الحد الأقصى من أجل تبرير تدمير كل قوى وطاقات السلطة الفلسطينية، بما فيها تدمير اتفاقات أوسلو نفسها.

الاستيطان مشكلة «أوسلو»

ياسر عرفات في «أوسلو» كان غير مقتنع بالتدرجية، أي سياسة تنفيذ الاتفاق مع الإسرائيليين على مراحل. وكانت عنده خشية حقيقية، وثبت أنها خشية مشروعة، من أن الإسرائيليين يمكن أن يتوقفوا عند المرحلة الأولى التي احتوتها «اتفاقية أوسلو»، ثم التنصل من إكمال هذه المرحلة نحو المراحل الفعلية التي تتناول القدس وكل الأراضي الفلسطينية والانسحاب منها، وتتناول اللاجئين، وتتناول إزالة الاستيطان عن الأراضي الفلسطينية. كان يخشى ذلك، ولكنه قام بتجربة.

أنت تعرف في مفاوضات أوسلو، حتى لما كدنا نصل إلى اتفاق كان الإسرائيليون يعرضون علينا فقط الانسحاب من غزة وتبقى الضفة الغربية محتلة من الإسرائيليين للمرحلة الثانية، أي بعد خمس سنوات. ياسر عرفات هو الذي تدخل بقوة لكي يقول: أقبل بالانسحاب من غزة، ولكن أريد موطئ قدم أيضاً في الضفة الغربية. ولذلك، وصلنا إلى «اتفاق غزة وأريحا»، هذا كان بفضل ياسر عرفات وتدخلاته وليس بفضل المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين توصلوا إلى النسخة الأولى من «اتفاق أوسلو».

عرفات وإلى يساره ياسر عبد ربه عام 1993 (غيتي)

بعد أن قبلت إسرائيل بصيغة «غزة وأريحا»، ويمكن قبلها، كانوا يفكرون بأن جزءاً من منطقة جنين مثلاً يمكن أن يحيلوه إلى السلطة لتكون مسؤولة عنه أو غيرها من المناطق، ثم رسا الأمر على منطقة أريحا بمبادرة إسرائيلية. ربما لأنهم اعتقدوا أن هذه المنطقة هي المنطقة التي لا تحتوي على كثافة استيطانية نسبية في ذلك الوقت، ولأنها هامشية بالقياس إلى المناطق الأخرى سكانياً وجغرافياً في بقية الضفة الغربية، لكنَّ مشكلة ياسر عرفات كمشكلة الذين اشتركوا في «عملية أوسلو»، وأنا منهم، ومن دون أن أزيّن دوري بهذه الدرجة أو تلك، أنهم لم ينظروا إلى خطر الاستيطان الإسرائيلي النظرة التي يستحقها والتي يتطلبها في ذاك الوقت.

كان هناك مَن يعتقد أنه بمجرد قيام السلطة الفلسطينية في غزة وفي أريحا، سيدرك المستوطنون أنفسهم أن هذه بداية المسار وعليهم أن يهيِّئوا أنفسهم للرحيل، وأن يعودوا من حيث جاءوا. هذا على أرض الواقع لم يحصل، الذي حصل عكس ذلك. على امتداد السنوات، تمدد الاستيطان أكثر فأكثر. فلم يكن هناك تقدير حقيقي ناتج عن إدراك واقعي لحجم الاستيطان، لانتشاره في الأراضي الفلسطينية، ولمعرفة حتى ثقافية بالفكر الصهيوني الذي إذا تخلى عن الاستيطان تخلى عن عمادٍ رئيسي في المشروع الصهيوني منذ بدايته.

مطبخ «أوسلو» الفلسطيني

مَن كان أفراد مطبخ «أوسلو»، وهل كانت لمحسن إبراهيم، الأمين العام لـ«منظمة العمل الشيوعي»، علاقة به؟ قال: «ياسر عرفات ومحمود عباس وأحمد قريع وشخصي المتواضع وحسن عصفور، الذي كان مشاركاً مع قريع في مفاوضات أوسلو المباشرة. القرار كان يُتخذ هناك، ولكن الكلمة الأخيرة في القرار كانت لياسر عرفات. محسن إبراهيم كان على علاقة، وكان يتم إطلاعه أولاً بأول على تطور المفاوضات، لكن طبعاً كان محسن على درجة من الذكاء لكي ينأى بنفسه عن الدخول في صميم الحوار الفلسطيني الداخلي، أي الدخول في مناقشة القرار الفلسطيني الختامي والنهائي.

كان محسن يقدم ملاحظات ونصائح وتساؤلات، وكلها كانت ذات قيمة، ولكن لم يكن يقول إن عليكم أن تقبلوا أو لا تقبلوا بهذا البند الذي توصلتم إليه. كان ينأى بنفسه، إدراكاً منه كشخص لامع الذكاء، بأنه مهما بلغت معرفته بتفاصيل وتعقيدات الوضع الفلسطيني ليس من الناحية السياسية حتى من الناحية الجغرافية والديموغرافية والوضع القائم على الأرض في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، لم يكن على إلمام كافٍ، فبالتالي لا يستطيع مَن هو في هذا الوضع أن يُدلي بدلوه في أن تقبل بهذا الشرط الإسرائيلي أو لا تقبل به».

وهل كان محمود درويش، الشاعر الكبير، على اطّلاع على «أوسلو»؟ يجيب: «أنا كنت شخصياً أُطلعه عليه، ومحمود كان حذراً منذ البداية. تحذيراته كانت تحذيرات عامة؛ أنه عليكم أن تحاولوا عدم الوقوع في الأفخاخ الإسرائيلية أولاً، وأن تحصلوا على التزامات محددة ودقيقة في ما يتعلق بالمواضيع الرئيسية: القدس، والانسحاب التام، والاستيطان، وطبعاً قضية اللاجئين. محمود يعرف ماذا يعني الاستيطان، بشكل أكثر دقة وأكثر واقعية من الآخرين.

أستطيع أن أقول وبناءً على خبرة مباشرة، إنني كانت لديَّ معرفة كافية للتحذير من خطر النظر إلى الاستيطان بشكل هامشي، وأن نتائج وجودنا ووضع أقدامنا مرة أخرى على جزء من أرض وطننا سوى تجعل الاستيطان ينعطف نحو الخلف ويزول من تلقاء نفسه بالتدريج. لم أكن من ذلك التيار، كنت أحذّر، لكن لم يكن تحذيري بالحدة الضرورية، ليس حدة الصوت بل حدة الموقف.

من ناحية أخرى، ياسر عرفات لم يكن يعرف الواقع الحقيقي للاستيطان ووجود المستوطنات، وآخرون كذلك، وأجزم بأنه حتى أبو مازن (الرئيس عباس)، لم يكن يعرف. كانت لديهم انطباعات أكثر من معرفة حقيقية، انطباعات مثل أن هذا وجود مؤقت وليس وجوداً راسخاً له طابع الديمومة على الأرض.

في مرات كثيرة، كثيرٌ من الناس في المنطقة العربية، حتى قادة، كانوا يعتقدون أن المستوطنات هي كرفانات متنقلة يمكن في لحظة إخراجها وسحبها كما جيء بها.

صدمة عرفات من المستوطنات

بعد عام 1996 عندما تمددت السلطة، «غزة وأريحا» ثم تلاها التمدد في أخذ السلطة المدنية والأمنية داخل المدن الرئيسية في الضفة الغربية، وهذا ما سُمي وقتها «اتفاقية إعادة الانتشار للقوات الإسرائيلية خارج المدن»، خارج «منطقة أ»، وتقسيم الضفة إلى ثلاث مناطق: «منطقة أ»، حيث للسلطة سيطرة كاملة، و«منطقة ب» حيث للسلطة سيطرة مدنية، و«منطقة ج» تبقى فيها لإسرائيل السيطرة المدنية والأمنية على مساحة تعادل 60 في المائة من أراضي الضفة. المهم، بعد أن حصل هذا، وكان حديثاً توصّلنا إلى انسحاب إسرائيلي من رام الله.

جاء عرفات إلى رام الله، وكان في حاجة إلى السفر إلى الأردن. وكانت الأجواء فيها ضباب ومُنعت المروحية من نقله من رام الله إلى عمان، فأردنا أن نأخذ طريق البر الذي يقود من رام الله إلى ضواحي القدس تقريباً، مروراً إلى الأغوار فأريحا ثم الانتقال إلى الأردن. كنت مع عرفات في السيارة وحدنا. نزلنا من رام الله عبر ضواحي القدس. أنا كنت قبل ذلك، حتى قبل أن ينسحب الإسرائيليون، قد تجولت في الضفة الغربية كلها، منطقةً منطقةً، لأتعرف على بلدي وعلى تضاريسه وعلى واقع الاستيطان في ذلك البلد، وربما بادرت منذ اللحظة الأولى لتشكيل مؤتمر وطني لمقاومة الاستيطان، ونحن ما زلنا في أريحا ولم نصل إلى بقية المدن.

في الطريق راح ياسر عرفات يسألني: «إيه ده؟» فأقول له: هذه مستوطنات. يُدهَش: «دي مستوطنات؟». مستوطنات بمعنى بلدات، وبنية تحتية حتى أكثر تقدماً من البنية التحتية للقرى الفلسطينية، وبلدات منتشرة وواسعة وفيها كل مقومات الحياة المدنية على الأرض. كل كيلومتر يسأل وأقول له: هذه مستوطنة. صمت ياسر عرفات وأُصيب بما يشبه الصدمة، ليست العاطفية، بل السياسية، لأنه تعرَّف على واقع الاستيطان أفضل مما تعرف عليه في غزة. في غزة كانت مستوطنات صغيرة، بؤراً محاطة ومطوَّرة بوجود بشري وجغرافي فلسطيني، فكان هذا الوجود هشاً لا يعمّر كثيراً، بعكس الواقع الذي كان قائماً في الضفة الغربية.

«استخفاف» عباس بالاستيطان

مرة كنت أنا وأبو مازن في الطريق إلى إسرائيل لإجراء لقاء في السفارة المصرية مع عدد من الإسرائيليين بحضور ومشاركة السفير المصري حينها. في هرتسيليا، محل إقامة السفير المصري، وليس في السفارة بتل أبيب. كان هذا في نهاية التسعينات.

وفي الطريق، هناك أرض حرام بين الضفة الغربية وإسرائيل. كانت منطقة حراماً، أي منطقة فاصلة. الإسرائيليون دخلوا إلى هذه المنطقة وبدأوا ببناء مستوطنات جديدة. أشرت لأبو مازن وقلت له: هؤلاء الذين يتحدثون عن التسوية، هذه المنطقة الحرام الفاصلة التي يجب أن تعود لنا أو على الأقل نتقاسمها، بدأوا ببناء مستوطنة عليها. أبو مازن نظر إليَّ وقال: «مش مشكلة. هذا كله سيعود إلينا. كله سنستعيده».

كانت نظرته إلى الاستيطان فيها درجة عالية من الاستخفاف، وأظن أنه حتى بعد أن أصبح رئيساً كانت نظرته ذاتها إلى الاستيطان أنه هذا كله سيزول، وقابل لاستعادته ولا يشكل خطراً كبيراً كما يتصور البعض الآخر، سواء منظمات أهلية فلسطينية أو شخصيات فلسطينية أو قيادات... إلخ.

عرفات وشخصنة حلم الدولة

سألت عبد ربه: هل تعتقد أن ياسر عرفات أراد أن يدخل التاريخ بصفته مَن استعاد قسماً من الأراضي الفلسطينية وبعدما تعب من حروب العواصم ومن الوضع العربي والوضع الدولي، وأنه يريد قبراً في الأراضي الفلسطينية؟ فردَّ بأن «ياسر عرفات كان طبعاً يريد أن يكرَّس أولَّ فلسطيني أنشأ للفلسطينيين أو قاد الفلسطينيين نحو إنشاء دولة مستقلة. وهذا الحلم لم يفارقه.

أحياناً كثيرة، بعض القادة يصبحون مسكونين بفكرة معينة، ويتماهون بين شخصهم وبين الفكرة. بين شخصهم والحقوق الوطنية أو السياسية لشعب بأكمله. كان لديه حلم شبيه بما حلم به نيلسون مانديلا وربما غاندي وغيرهما. ياسر عرفات كان يريد أن يكون هذا البطل الذي يَرسخ في ضمير الشعب الفلسطيني لأجيال. ذكراه وإنجازاته تَرسخ للأجيال القادمة.

مصافحة بين عرفات وإسحق رابين في حديقة البيت الأبيض برعاية بيل كلينتون (أ.ف.ب)

مشكلة ياسر عرفات أنه كان يعطي الأولوية لسيطرة السلطة على المواقع التي فيها تجمعات رئيسية للشعب الفلسطيني. سيطرة السلطة على الشعب، على الناس، وليس بالمعنى السيئ للسيطرة، بل بالمعنى السيادي، بمعنى أن يكون هو الممثل لهذا الشعب، ويستهين إلى حد غير قليل بموضوع الأرض، كأنَّ الأرض ستعود من تلقاء ذاتها عندما تصبح هناك سلطة لها مؤسسات لها هيئات مختلفة؛ لها حكومة ولها تمثيل، وأيضاً يخضع لها كل الشعب الفلسطيني. وهذا الشعب يختار ممثليه لهذه السلطة عبر الانتخابات.

أُريد هنا أن أعطي نموذجاً لذلك؛ في المرحلة التي كنا نتفاوض فيها بعد عودة السلطة إلى أرض الوطن وبدء التفاوض على اتفاق ما سُميت إعادة الانتشار والسيطرة الفلسطينية على المدن الرئيسية في الضفة الغربية سيطرة كاملة، كانت هناك لقاءات مستمرة، سواء في طابا المصرية أو أحياناً في بعض الأماكن مثل غزة، محيط غزة، وأحياناً كثيرة في رام الله وفي داخل بعض المناطق الفلسطينية، تجمع ياسر عرفات وشمعون بيريز الذي كان مكلفاً بدرجة رئيسية، وقبلها في حياة إسحاق رابين كانت تجمعه برابين.

عندما توصلنا إلى اتفاق حول انتشار السلطة في كل المدن، كان هناك لقاء مع بيريز. في هذا اللقاء، أنا كنت أجلس إلى جانب عرفات، قال له بيريز بكل صراحة وقحة: نحن لا نستطيع إكمال إعادة الانتشار في الضفة الغربية لأن هناك بعض المستوطنات المعزولة التي لم يُبتّ بمصيرها لأن هذا له علاقة بمفاوضات حول الوضع النهائي. هناك مستوطنات معزولة يجب أن تجد سبيلها للصلة بإسرائيل من دون المرور بمناطق مأهولة فلسطينية. وقال: كلها مجرد خمس طرق.

أنا كنت أجلس إلى جانب ياسر عرفات الذي كان بين خيار أن يستمر الانسحاب من بقية المدن أو أن يوافق. همستُ له وكتبت: لا تقبل يا أبو عمار. لا تقبل. لأنه أصبح ليس إحساساً بل معرفة، بأن الطرق الخمس يمكن أن تصبح خمسين طريقاً. والطريقة الإسرائيلية في التفاوض هي: يسهِّل ما يريده منك ويعقِّد ما تريده منه، حتى لو كان هناك ألف توقيع، وألف التزام، ومحدَّد بالتفصيل وبدقة. وهذا ما حصل. ياسر عرفات فكَّر قليلاً، على الأقل، كنت أتوقع أنه سيرفع الاجتماع، ثم قال له بالإنجليزية: take it (خُذها). شمعون بيريز فهم الدرس. يمكن أن تساوم ياسر عرفات على توسيع سلطته ونفوذه في الضفة الغربية مقابل أن تحصل على مكاسب بالنسبة للمستوطنات وأن يقبل بها من دون أن يثار حولها أي ضجيج».

غداً حلقة ثانية

حقائق

من هو ياسر عبد ربه؟

ولد ياسر عبد ربه في يافا في 1945. هاجرت عائلته بعد النكبة إلى لبنان. كان في سن الخامسة عشرة حين نجح السياسي اليساري اللبناني محسن إبراهيم في إقناعه بالانضمام إلى «حركة القوميين العرب». تابع في الجامعة الأميركية في القاهرة دراسته في مجال الاقتصاد والعلوم السياسية.

في 1968 كان إلى جانب جورج حبش ونايف حواتمة ووديع حداد في تأسيس «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وشارك في السنة التالية في تأسيس «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» وهو كان الرجل الثاني فيها بعد حواتمة. غادر الجبهة عام 1990 وأسس حزب «فدا»، قبل أن يتخلى عن قيادته ويعمل مستقلاً منذ 2004.

كان لقاؤه الأول مع ياسر عرفات في 1968 إبان «معركة الكرامة» حين تصدت المنظات الفلسطينية الناشئة بدعم من مدفعية الجيش الأردني لقوات إسرائيلية هاجمت بلدة الكرامة الحدودية. ربطته لاحقاً بعرفات علاقة ثقة وطيدة مكنته من لعب دور بارز في الحوار بين أميركا ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ترأس عبد ربه الجانب الفلسطيني في أول حوار مع الولايات المتحدة عام 1989، وكان شريكاً فاعلاً في ما عُرف بـ«مطبخ اتفاق أوسلو». وتولى بعد ذهاب القيادة الفلسطينية إلى الأراضي المحتلة مناصب وزارية. وشارك في معظم لقاءات عرفات مع كبار المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين.

تولى بين 2005 و2015 منصب أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وأخرج من منصبه في ختام تلك الفترة بعد خلافات علنية مع الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس. أتاح له دوره في منظمة التحرير المشاركة في لقاءات رفيعة مع زعماء من العالم العربي وخارجه. وربطته علاقة مودة عميقة مع الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش.

متزوج من الروائية ليانة بدر، وله ولدان.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تعلن مقتل قيادي في استخبارات «حماس» متهم بالتخطيط لهجوم 7 أكتوبر

المشرق العربي صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لإياد أحمد عبد الرحمن شمبري

إسرائيل تعلن مقتل قيادي في استخبارات «حماس» متهم بالتخطيط لهجوم 7 أكتوبر

أعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام «الشاباك»، اليوم الأربعاء، مقتل إياد أحمد عبد الرحمن شمبري، رئيس قسم العمليات في الاستخبارات العسكرية التابعة لـ«حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أشخاص يجلبون مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود»، الثلاثاء، من أن إسرائيل تتعمد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مؤكدة أن القيود التي فُرضت عليه عام 2024 جاءت على خلفية «أخطار تتعلق بالسمعة»، لا بسبب «تورط مثبت في عمليات غسل أموال».

يأتي هذا التوضيح في وقت يواجه فيه التكليف المفاجئ للزيدي تشكيل الحكومة في بغداد خلفاً لمحمد شياع السوداني تدقيقاً سياسياً في خلفيته، بعد إدراج مصرف يملكه ضمن قيود فرضها البنك المركزي العراقي على التعامل بالدولار، في إطار ما قيل حينها إنها «حملة لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة».

وقال ممثلون عن شركة «K2 Integrity»، طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم لأنهم غير مخولين بالتصريح، إن تحقيقاً مستقلاً أجرته الشركة لم يجد «أي أدلة موثوقة» تربط الزيدي أو «مصرف الجنوب» بـ«فيلق القدس»، كما لم يرصد تدفقات مالية مباشرة من المصرف إلى جهات إقليمية مصنفة عالية المخاطر.

وأوضح أحد الممثلين، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحظر الذي أوصت به وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك على «مصرف الجنوب» اقتصر على التعامل بالدولار الأميركي، وكان مدفوعاً بمخاطر تتعلق بالسمعة وملكية المصرف، وليس بسبب ثبوت مخالفات تتعلق بغسل الأموال أو تمويل كيانات مرتبطة بإيران.

يُعدّ الزيدي، وهو رجل أعمال يمتلك مع شقيقه وشركائه شركات، من بينها «الأويس» و«الجنوب» و«قناة دجلة»، شخصية غامضة في المشهد السياسي، وجاء تكليفه في ظل رفض أميركي علني أدى إلى استبعاد نوري المالكي من السباق، في حين أفيد بأن رفضاً غير معلن استبعد السوداني أيضاً.

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

قيود على إيران

وكان العراق قد فرض في فبراير (شباط) 2024 قيوداً على 8 بنوك محلية، من بينها «مصرف الجنوب الإسلامي»، مانعاً إياها من الوصول إلى الدولار عبر نافذة البنك المركزي. وجاءت تلك الخطوة ضمن جهود تقودها واشنطن للحد من تحويل الأموال إلى إيران.

وقال متحدث باسم وزارة الخزانة آنذاك إن الإجراءات تهدف إلى «حماية النظام المالي العراقي من إساءة الاستخدام»، في إشارة إلى مخاوف من توظيف العملة الأميركية في أنشطة غير قانونية.

وتسلط هذه القضية الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه بغداد في تحقيق توازن بين علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران، في ظل اعتمادها الكبير على الدولار الأميركي، حيث يتلقى العراق نحو 10 مليارات دولار نقداً سنوياً من «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق تقديرات رسمية.

ورحبت السفارة الأميركية في بغداد بتكليف الزيدي، مؤكدة دعمها جهود تشكيل حكومة «تعكس تطلعات العراقيين». ويأتي ذلك بعد أشهر من الجمود السياسي، وفي ظل ضغوط مارستها إدارة دونالد ترمب هددت خلالها بقطع الدعم عن العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.

ويواجه الزيدي مهلة 30 يوماً لتشكيل حكومته، وسط انقسامات حادة داخل «الإطار التنسيقي»، وفي وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية منذ الضربات العسكرية على إيران في فبراير 2026، وما تبعها من استهداف جماعات مسلحة للمصالح الأميركية في العراق.


«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

الحرب الكلامية المشتعلة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون و«حزب الله» حول من يفاوض باسم لبنان، وتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، أديا إلى تعليق اجتماع رئيس الجمهورية مع رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وتأجيله ريثما تؤدي الاتصالات إلى تنفيس أجواء الاحتقان، وخلق المناخ المريح لاجتماعهم، واستعيض عنه باتصالات مفتوحة بينهم ريثما تنجح الولايات المتحدة الأميركية في وقف الاعتداءات بما يسمح بمعاودة اللقاء في أقرب فرصة.

لكن هذه الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيان الذي أصدره أمين عام الحزب نعيم قاسم في تبريره للأسباب الكامنة وراء رفضه الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

فالجديد في موقف قاسم الذي قال فيه: «ليعلم أصحاب السلطة أن أداءهم لن ينفع لبنان، ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي-الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه»، قوبل باستغراب من قبل أكثرية القوى السياسية التي تقف خلف عون في خياره الدبلوماسي التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية.

رسالة إيرانية

وقالت مصادر لبنانية مطلعة على مجريات الاتصالات لـ«الشرق الأوسط» إن ما لم يقله قاسم هو الأهم بإيحائه بأن حزبه هو وحده من يملك في الميدان ما يعطيه، وليس في مقدور السلطة أن تعطي ما لا تملك. وأكدت أنه أراد تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر أن إيران هي الأقدر على التفاوض بالإنابة عن لبنان، وهذا ما يكمن وراء شكره لها على توصلها مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في محادثات باكستان.

ولفتت المصادر إلى أن قاسم أغفل عن قصد تسمية الجهة التي سيوكل إليها المفاوضات غير المباشرة، رغم قوله إنه «لو أتى وقف النار من أي وسيط علينا أن نقبل به».

دورية لقوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان قرب المنطقة الحدودية مع إسرائيل (أ.ب)

وسألت المصادر عن صحة ما يتردد على نطاق واسع في بيروت أن «حزب الله» انتدب مستشارين عنه لتمثيله بالوفد الإيراني في مفاوضاته مع الولايات المتحدة في باكستان يعود إليهم عند الضرورة للوقوف على رأيهم حيال ما تطرحه إيران من نقاط يعتبرها أساساً لإنهاء الحرب في الجنوب اللبناني، مع أنهم لا يجلسون على الطاولة، ويوجدون في غرفة محاذية للقاعة التي تستضيف المفاوضات؟

وقالت إنه إذا صح ما يقال في هذا الخصوص، كمل نقل عن مصدر دبلوماسي وثيق الصلة بإحدى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، فإن إصرار الحزب على إيداع الورقة اللبنانية في السلة الإيرانية سيصطدم بموقف أميركي لا عودة عنه، ليس لرفضه ربط لبنان بإيران فحسب، وإنما لأنه من غير الجائز مصادرة القرار اللبناني بالتفاوض المباشر مع إسرائيل الذي هو من صلاحية عون، بحسب المادة 52 من الدستور، وبالتالي لا يحق لحزب مصنف أميركياً على لائحة الإرهاب أن ينوب عن الدولة بعد أن رتب على بلده أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر بتفرُّده بقرار السلم والحرب عندما قرر إسناد غزة، وإيران.

لماذا يرفض «حزب الله» التفاوض المباشر؟

كما سألت «حزب الله»: هل يرفض المفاوضات المباشرة بذريعة أن كلمة الفصل تبقى له على خلفية حضوره العسكري في الميدان، ويعود له تسمية الجهة التي ترعاها؟ وماذا سيقول للبنانيين في ظل الاختلال في ميزان القوى بينه وبين إسرائيل التي تستمر في تجريف البلدات، وتدميرها الممنهج للمنازل، وارتكابها للمجازر بذريعة القضاء على ما تبقى من بنيته العسكرية؟ وقالت إن إصرار الحزب على شراء الوقت برفضه المفاوضات المباشرة يعني حكماً أنه يوفّر الذرائع لإسرائيل، وإن كانت ليست في حاجة إليها للتمادي في تدمير البلدات التي لا تقتصر على تلك الواقعة في المنطقة المعروفة بالخط الأصفر، وإنما تمتد إلى بلدات الخط الأمامي في شمال نهر الليطاني، وتطل على جنوبه.

الدخان يتصاعد جراء قذائف مدفعية إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وقالت إن عامل الوقت ليس في مصلحة لبنان، وهذا ما يتطلب من الحزب مراجعة حساباته باتخاذه قراراً جريئاً يقضي بوضع سلاحه بعهدة الدولة لتحسين شروطها في المفاوضات المباشرة، لإنقاذ ما تبقى من البلدات الواقعة في جنوب نهر الليطاني، وضفته الشمالية.

غطاء سياسي لعون

ودعت المصادر لإخراج الوضع من التأزّم بتوفير الغطاء السياسي لعون الذي كان قال كلمته، ولن يتراجع عن دعوته للتفاوض المباشر برعاية أميركية، خصوصاً أنه يشترط لبدئها إلزام إسرائيل بوقف أعمالها العدائية على قاعدة تمسكه بالثوابت الوطنية، وعدم التفريط بها تحت أي ضغط خارجي، وهو يلتقي في هذا السياق مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري من موقع الاختلاف معه برفضه المفاوضات المباشرة.

وشددت على ضرورة تنفيس الاحتقان المسيطر على البلد من جراء تصاعد الاشتباك بين عون، الذي يحظى موقفه بتأييد غالبية اللبنانيين، و«حزب الله» الذي يكاد يغرّد وحيداً في موقفه، وإن كان بري يحرص على مراعاته لاستيعابه، واحتضانه. وقالت إن الضرورة الوطنية تقضي باعتماد لغة الاعتدال في الخطاب السياسي للحفاظ على الاستقرار، وعدم تعريض السلم الأهلي لأي انتكاسة.

استحالة عودة سكان الجنوب

وأبدت المصادر مخاوفها من أن يتحوّل النزوح المؤقت للجنوبيين من بلداتهم، في حال استمرت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» التي تصاعدت وتيرتها مع تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، إلى لجوء دائم لاستحالة عودتهم إلى قراهم التي سوّتها إسرائيل بالأرض، وحوّلت القسم الأكبر من جنوب الليطاني إلى منطقة محروقة يصعب العيش فيها. ولفتت إلى أن الخيار الدبلوماسي يبقى الوحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بعد أن جرّب «حزب الله» الحرب بإسناده لغزة وإيران، ورتّب على البلد أثماناً غالية، وأن إصراره على رفع سقوفه السياسية سيواجه رفضاً بما يشبه الإجماع إذا ما اعتقد أنه يريد ثمناً سياسياً بادعائه، بخلاف ما هو حاصل في الميدان، أنه حقق انتصاراً على إسرائيل، وإذا كان هناك من ثمن فهو يقتصر أولاً وأخيراً على تسهيل عودة الجنوبيين إلى قراهم التي لن تكون ميسّرة ما لم تضع الحكومة خطة مدعومة عربياً ودولياً لإعادة إعمارها، وهذا ما يشكل إحراجاً للحزب إذا ما استمر على عناده بتمسكه بسلاحه الذي يصر المجتمع الدولي على وضعه بيد الدولة لبسط سلطتها على كافة أراضيها.


مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
TT

مصير الفصائل العراقية بين المراوغة والمواجهة مع واشنطن

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)
عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

يفتح اتفاق «الإطار التنسيقي» على تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة البابَ أمام مزيد من التساؤلات بشأن الخطوة التالية التي قد تُقدم عليها الفصائل الموالية لإيران، لا سيما في ظل ترحيب البعثة الأميركية في العراق بقرار التكليف.

حتى في ظل غياب ترحيب أو دعم أميركي لافت على مستوى وزارة الخارجية أو البيت الأبيض، الذي سبق أن تدخّل برفض ترشيح نوري المالكي، فإن هذا التطور، حسب مراقبين، يحمل إشارة مرور حذِرة للمكلف علي الزيدي للشروع في تشكيل حكومة تراعي «اشتراطات واشنطن»، التي تكررت مراراً خلال الأشهر الأخيرة على لسان كبار المسؤولين الأميركيين، مع تشديدهم على تفكيك الفصائل المسلحة ومواجهة النفوذ الإيراني في العراق.

وليس من الواضح بعد قدرة المرشح علي الزيدي على الاستجابة للشروط الأميركية، لا سيما أنه مدعوم من قوى ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران، وقد طالت بعضها مؤخراً عقوبات أميركية مشددة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تُعد إحدى القوى الوازنة في «الإطار التنسيقي»، إلى جانب «كتائب سيد الشهداء»، التي رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن زعيمها أبو آلاء الولائي.

وحتى مع تصريحات وبيانات سابقة لقادة الفصائل، خصوصاً «كتائب حزب الله»، بشأن رفضهم تمرير أي حكومة من دون موافقتهم، وهي رغبة تتقاطع مباشرة مع الموقف الأميركي، فإن مسألة الخطوة التالية لهذه الفصائل إزاء تشكيل الحكومة لا تزال موضع ترقب وتساؤل لدى بعض المراقبين.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

تجديد «البيعة» لخامنئي

وتزامناً مع الترحيب الأميركي بتكليف علي الزيدي، جددت حركة «النجباء»، وهي واحدة من أبرز الفصائل المسلحة الموالية لإيران، «بيعتها» للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في ردٍّ يشير إلى الترحيب الأميركي، غير أن مراقبين يستبعدون تأثيرها الجدي على مسار تشكيل الحكومة، باعتبار أنها لا تمتلك أي تمثيل في مجلس النواب، كما أنها لم تشر في بيانها إلى الاستحقاق الحكومي الجاري.

وقالت الحركة في بيان «نجدد البيعة والعهد (لخامنئي)، فالعراق سيبقى أبداً هو القوة الضاربة في هذا المحور، وسنظل نحن أبناء (النجباء) جنودكم الأوفياء». وأضافت: «إننا اليوم، ومن موقع الإدراك العميق لسنن التاريخ، نجدد بيعتنا المطلقة لمشروع الولاية، معلنين أن تمسكنا بهذا الخط ليس خياراً سياسياً أملته الظروف، بل هو انصياع طوعي، فكل أمر يصدر عنكم هو عندنا تكليف مقدس». وذكرت، أن «كل تحدٍّ يرميه العدو في طريقنا يعد فرصة استراتيجية، نحن في قلب الصراع، ندرك مآلاته، فامضِ بنا حيث شئت».

«حَمْل السُّلَّم بالعَرض»

لا يستبعد الباحث والخبير في الجماعات الشيعية، نزار حيدر، أن تقوم الفصائل المسلحة بـ«حَمْلُ السُّلَّم بِالعَرض»، على حد وصفه عرقلة تشكيل الحكومة بعد استشعارها الدعم الأميركي.

وقال حيدر لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الموقف «ليس جديداً على الفصائل المسلحة التي لم تنخرط في العملية السياسية، إذ تعلن دائماً أن سلاحها وولاءها لطهران، وأن تجديد بيعتها للمرشد الجديد ما هو إلا تأكيد لموقفها الثابت والمعلن».

ويشير إلى أن «جماعات الفصائل لا تعتقد بمرجعية النجف التي لا تذهب مع نظرية ولاية الفقيه، كما أنها لا تعطي أي اعتبار للدستور والقانون ولسلطة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها سلطة القائد العام للقوات المسلحة».

وقال حيدر إن الاتفاق على تكليف علي الزيدي والمباركة الأميركية «لم يكن هذه المرة نتيجة إمساك بالعصا من الوسط، بل ثمرة الإمساك بها من الطرف الأميركي».

ورأى حيدر أن «الفصائل سوف تحمل السلم بالعرض، كما يقال، لعرقلة عمل الحكومة الجديدة، خصوصاً أن من أبرز أولوياتها في برنامجها الحكومي حصر السلاح بيد الدولة، وتفكيك الميليشيات، بدعم من القوى السياسية والقضاء، فضلاً عن الإدارة الأميركية».

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

الفصائل لن تعترض

يختلف الأكاديمي والباحث عقيل عباس مع ما يذهب إليه نزار حيدر بشأن إمكانية عرقلة الفصائل لمسار تشكيل الحكومة، إذ يرى أنها «لن تعترض على هذا الترشيح، وستفعل ما دأبت عليه دائماً، أي تجنّب إظهار اعتراضات كبرى حيال مثل هذا القرار، حتى لا تضع نفسها في مواجهة علنية مع واشنطن».

وقال عباس لـ«الشرق الأوسط» إن الفصائل عادة «تعمل على التفاصيل لاحقاً، وهذه هي براعتها، من حيث كيفية تشكيل الحكومة ومنهاجها، وطبيعة اختيار الوزراء، ونوعية التنازلات التي يمكن أن تحصل عليها من الحكومة الجديدة».

ومع ذلك، لا يستبعد أن «تقدم الفصائل، في حال تبيّن لها أن المكلف بتشكيل الحكومة يمضي نحو تقديم تنازلات جدية لواشنطن بشأن تفكيكها، على اتباع أساليب أخرى، مثل عرقلة حصول الحكومة على الثقة في البرلمان أو تعقيد مفاوضات تشكيلها».

ورأى عباس أن السؤال الجوهري الذي يجدر أن يطرح هو: «هل ستستطيع الحكومة الجديدة أن تحميهم من الضغط الأميركي بخصوص تفكيكهم».

وقال إنه، ومع «عدم وجود اتفاق أميركي-إيراني بشأن الملفات الأساسية الثلاثة: النووي، والصواريخ الباليستية، وملف الوكلاء في المنطقة، فإن المشهد معقد، لكن السيناريو الأفضل للفصائل هو تفكيكها بموافقة إيرانية، بما يتيح لها البقاء داخل العمل السياسي والحكومي، أي الاستمرار في دائرة النفوذ والتمويل والتأثير، ولكن من دون دور عسكري».

وأشار عباس إلى أنه، ومع «عدم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، فإن حل الفصائل قد يُطرح محلياً عبر مواجهة مع الحكومة المقبلة، وهو ما يُمثل الاختبار الأصعب للحكومة أمام واشنطن».