ما الجديد في الخطاب الثاني لنصر الله؟

يجدّد إغفاله دور لبنان الرسمي ويستمد قراراته من الميدان

مناصرو «حزب الله» يتابعون خطابه عبر شاشة، السبت (د.ب.أ)
مناصرو «حزب الله» يتابعون خطابه عبر شاشة، السبت (د.ب.أ)
TT

ما الجديد في الخطاب الثاني لنصر الله؟

مناصرو «حزب الله» يتابعون خطابه عبر شاشة، السبت (د.ب.أ)
مناصرو «حزب الله» يتابعون خطابه عبر شاشة، السبت (د.ب.أ)

يكاد يكون الإطار السياسي العام للخطاب الثاني للأمين العام لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، منذ اجتياح حركة «حماس» المستوطنات الإسرائيلية، الواقعة ضمن غلاف غزة، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نسخة طِبق الأصل من خطابه الأول، وما ترتّب عليه من تداعيات ومفاعيل عسكرية وسياسية تجاوزت الأراضي الفلسطينية المحتلّة إلى الجبهة الشمالية في جنوب لبنان، لو لم يبادر للرد على تساؤلات «أهل البيت»، بدءاً بالثنائي الشيعي قبل الآخرين، حول إغفاله، في خطابه الأول، موقع النظام في سوريا في المواجهة العسكرية الآخذة في التصاعد بين محور الممانعة وإسرائيل.

فنصر الله أوحى، في خطابه الثاني، بمناسبة «يوم الشهيد»، السبت، بلا أية مواربة أو تردد، بأن الحراك خارج غزة ولبنان يقتصر حالياً على مساندة الساحات على امتداد قطاع غزة، مروراً بالعراق وسوريا واليمن وطهران، بخلاف الجبهة الشمالية في جنوب لبنان، التي لا تزال مشتعلة، وإنما تحت سقف التقيّد بقواعد الاشتباك مع بعض الخروقات في العمق التي لا تخرج حتى الساعة عن السيطرة، وكأنها تأتي في سياق اختبار النيات العسكرية في محاولة لتبادل القصف، للتأكد من مدى استعداده لتجاوز الخطوط الحمراء، وهذا ما ينطبق على إسرائيل.

لذلك تحوّلت الساحة السورية، ومن وجهة نظر «حزب الله»، من ساحة مواجهة إلى ساحة مساندة للضغط على الولايات المتحدة الأميركية، ومن خلالها إسرائيل، لوقف اجتياحها البري لقطاع غزة؛ لأن قرار توسعة نطاق المواجهة لا يزال، وحتى إشعار آخر، بيد واشنطن التي سارعت إلى استقدام أساطيلها وحاملات طائراتها إفساحاً في المجال أمام رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، لاسترداد هيبته العسكرية والسياسية التي تشظّت من جراء اجتياح «حماس» غلاف غزّة.

في هذا السياق، لم يتردد نصر الله في حصره دور النظام في سوريا باحتضان المقاومين واستعداده لأن يتحمّل تبِعات ما يتعرض له من ضغوط عسكرية تمثلت في مواصلة إسرائيل استهدافها عدداً من المواقع العسكرية والأمنية، وهذا ما دفع بخصومه للقول إن دفاعه عنه بمثابة علامة فارقة في خطابه.

وبكلام آخر، استحضر نصر الله، في خطابه، مجموعة من الأسباب الموجبة دفاعاً عن عدم انخراط النظام السوري مباشرة في المواجهة العسكرية التي امتدت إلى الجبهة الشمالية، رغم أن مصادر دبلوماسية عربية لم تُفاجأ بتموضع دمشق في عداد الدول المساندة لـ«حماس» في تصدّيها للعدوان الإسرائيلي. وتقول، لـ«الشرق الأوسط»، إن الدول الداعمة لتل أبيب ولاجتياحها قطاع غزة أحسنت في تقديرها موقف النظام في سوريا، وتحديداً بالنسبة لتصنيف لبنان على لائحة استدراجه للدخول في المواجهة للضغط على إسرائيل وإشغالها في الجبهة الشمالية، لمنعها من حشد وحداتها العسكرية في اجتياحها البري لقطاع غزة، فمحور الممانعة أراد تحصين الجبهة الشمالية بإلحاقه بعض الفصائل الفلسطينية في المواجهة التي تشهد حالياً ارتفاع منسوب التصعيد العسكري، ربما للتعويض عن حصر الدور السوري في مساندته الضغوط، بدلاً من أن ينخرط في المواجهة لافتقاده القدرات العسكرية.

كما أن نصر الله أخذ على عاتقه توزيع المهامّ المُلقاة على عاتق الدول والقوى المسانِدة لـ«حماس» في تصدّيها لتمدُّد العدوان الإسرائيلي نحو قطاع غزّة، وصولاً إلى إرساء معادلة - في رسالته المباشرة إلى الولايات المتحدة - قاعدتها وقف استهداف القواعد الأميركية في المنطقة، في مقابل ضغط واشنطن على إسرائيل لوقف عدوانها على غزة.

وتسأل مصادر نيابية ووزارية مواكِبة للأجواء التي سادت لقاءات مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أمن الطاقة آموس هوغستين، عما إذا كان استبعاده وجود نية لدى إسرائيل ولبنان بتصعيد الوضع على الجبهة الشمالية يحظى بكفالة سياسية لبنانية تعهّد بها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، بالإنابة عن «حزب الله» الذي يتواصل معه باستمرار من خلال المُعاون السياسي لأمينه العام حسين خليل، أم أنه توخّى من موقفه تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر بأن لبنان ليس في وارد الانخراط بالمواجهة تجاوباً مع الضغوط الدولية والعربية التي تتوالى عليه وتنطوي على تهديدات بعدم استدراجه للدخول في الحرب الدائرة بغزة، مع أن نصر الله أكد، في خطابه، أن لبنان تلقّى تهديدات من تحت الطاولة ومن فوقها، ولفت إلى أن القرار بوقف الحرب يبقى بيد واشنطن.

وتردّد بأن هوغستين، وفقاً للمصادر نفسها، أبدى خشيته من دخول العامل الفلسطيني بقوة على التصعيد العسكري الحاصل على طول الجبهة الشمالية، ناصحاً بضرورة التقيد بالقرار 1701؛ لأن البديل يكمن في تعميم الفوضى في الجنوب، بحيث لا تقتصر على منطقة العمليات الواقعة جنوب منطقة الليطاني التي يُفترض أن يتولى الأمن فيها الجيش اللبناني بمؤازرة «يونيفيل» لتطبيق القرار الدولي.

كما تردّد بأن هوغستين جدّد استعداد واشنطن لمساعدة لبنان للوصول إلى تسوية للنقاط الحدودية التي يتحفّظ عليها وتتحمل إسرائيل مسؤولية البقاء فيها؛ كونها تأتي في سياق خط الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وهذا ما يفسّر تعاطي الحكومة مع الخط الأزرق من زاوية أنه لا يؤمّن سيطرة الدولة على كامل أراضيها.

وعليه فإن معظم ما ورد في خطاب نصر الله ما هو إلا نسخة من خطابه الأول، باستثناء تبريره عدم انخراط سوريا في المواجهة الشاملة، وإلحاقها بمحور المساندة، إضافة إلى كشفه عن استخدام الحزب الطائرات المسيّرة، واصفاً إياها بأنها انقضاضية مزوّدة بصاروخ «بركان» تصل زنته إلى نصف طن.

ولم يَغِب عن بال نصر الله التذكير بأن الحزب يُبقي موقفه من مجريات الحرب في غزة على خلفية الاحتكام إلى الميدان، مما يعني، من وجهة نظر المصادر الوزارية والنيابية، أن الأداء العسكري للحزب يبقى مضبوطاً، وهذا ما يدعو جمهوره ومحازبيه للاطمئنان، ولم يُعرَف ما إذا كان ينسحب على «حماس»، مع أن الحزب يتولى توفير الغطاء السياسي للفصائل الفلسطينية في استخدام الجنوب منصّة لإطلاق الصواريخ التي تجاوزت قواعد الاشتباك وتشكّل خرقاً للقرار 1701، بخلاف الحزب الذي يضطر من حين لآخر إلى توجيه قذائفه الصاروخية إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلّة.

لكن الحزب، وإن كان يضبط إيقاعه العسكري في إشغال إسرائيل لتخفيف الضغط عن غزة، فإن نصر الله حصر خطابه بتوصيفه الوضع الراهن، دون أن يطرح خياراته السياسية، ما عدا رهانه على أن عامل الوقت لن يكون لصالح إسرائيل التي تتخبّط في حالة من الإرباك؛ نظراً لانقلاب مسؤوليها على مواقفهم واضطرارهم للدخول في تناقضات بغياب الرؤية السياسية والاستعاضة عنها بإطلاق التهديدات، وإنما بعصا أميركية.

فالتناقض في داخل إسرائيل لا يحجب الأنظار عن الأسباب الكامنة وراء إصرار نصر الله على تغييب الدولة واستحضارها، ولو من باب رفع العتب لتبديد الانطباع السائد محلياً وخارجياً بأن قرار السلم والحرب ليس بيد الدولة، رغم أنه لا غنى عن الاستقواء بالغطاء الرسمي، وصولاً للتناغم مع الرئيس ميقاتي؛ لأنه لا مبرر لتجاهل دور الحكومة ووجوب التناغم مع رئيسها الذي تحدّث باسم لبنان الرسمي أمام القمة العربية الإسلامية غير العادية.

ولم يكن مضطراً لتجاهل من يدعو إلى عدم استدراج لبنان في مواجهة غير محسوبة بذريعة أن من يطلق الدعوات هم قلة، إضافة إلى أنه لا مبرر لتجاهل الشريك الآخر في لبنان، ولو من موقع الاختلاف، وإلا فكيف يمكن تأمين الحصانة المطلوبة في مواجهة التهديدات الإسرائيلية، ما دام الحزب على الأقل في العلن يغرّد وحيداً ولا يجد من يدافع عنه سوى بعض المنتمين إلى محور الممانعة.

لذلك لا مصلحة للحزب بأن يدير ظهره للشريك دون التفاته نحو الحكومة والتنسيق معها لأنها الأقدر على التواصل مع الخارج، طلباً لتأمين شبكة أمان سياسية يمكن أن توفر الحد الأدنى من الحماية بمنأى عن المزايدات الشعبوية، وإصرار البعض على التصرف وكأنه يملي على خصومه أمر عمليات ويطلب منهم اللحاق به، رغم أن المكابرة والتعالي ليسا في مصلحة درء الأخطار واستيعاب ارتداداتها، قبل أن تفعل فعلها في ارتفاع منسوب القلق الذي لا يقتصر على طائفة دون الأخرى.

فهل يتدارك «حزب الله» الخلل الذي يعوق التوافق على خطة سياسية تشكل رافعة لخطة الطوارئ تحسباً لما سيؤول إليه الوضع على الجبهة الشمالية بما يسمح باستيعاب التداعيات الناجمة عنه؛ لأن الاحتكام إلى الميدان لا يكفي، ما لم يقترن بالاحتكام إلى السواد الأعظم من اللبنانيين الذين يغلب عليهم القلق في ظل الانقسام الحاد على المستوى السياسي، خصوصاً في حال تطييف المواجهة، بدلاً من لبننتها بعيداً عن تبادل حملات التخوين!


مقالات ذات صلة

كلفة الحرب تتصاعد في لبنان... خسائر قياسية والفاتورة الكاملة لم تُحسم بعد

المشرق العربي نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)

كلفة الحرب تتصاعد في لبنان... خسائر قياسية والفاتورة الكاملة لم تُحسم بعد

تكشف الأرقام الرسمية اللبنانية اتساع الكلفة البشرية والمادية للحرب على لبنان، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار وتراكم الخسائر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرات لـ«حزب الله» خلال تحرك احتجاجي على الأوضاع في الجنوب (أ.ب)

لماذا يرفض «حزب الله» الخروج من الحكومة ويتفادى إسقاطها؟

عندما حانت لحظة الاختبار داخل مجلس النواب اللبناني، لم يصوّت «حزب الله» لسحب الثقة منها ولإسقاطها، بل اختار نوابه الانسحاب من القاعة.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي لافتة رفعها أحد المعتصمين في سجن رومية تدعو للإفراج عن قانون «العفو العام» (المركزية)

سجناء لبنان مستمرون في إضرابهم اعتراضاً على الطعن بـ«العفو العام»

دخل إضراب نزلاء المبنى «ب» في سجن رومية المركزي، الاثنين، يومه التاسع، متخذاً منحى تصاعدياً ينذر بتحويل أزمة السجون انفجاراً إنسانياً واجتماعياً.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي «حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)

ماذا بقي من «حزب الله» بعد عامين على الحرب؟

فرضت حرب 2024 وما أعقبها من مواجهات وتحولات ميدانية واقعاً جديداً على «حزب الله»، بعدما أصابت الخسائر مستويات قيادية متقدمة في بنيته، وتراجعت قدراته العسكرية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون لدى وصوله إلى البيت الأبيض يوم 21 يوليو 2026 (أرشيفية- أ.ب)

ترمب يشيد بقيادة عون للبنان في هذه المرحلة

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقيادة الرئيس اللبناني جوزيف عون للبنان في هذه المرحلة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

عون يرفض أي تسوية على حساب لبنان... وسلام يحشد الدعم الدولي

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
TT

عون يرفض أي تسوية على حساب لبنان... وسلام يحشد الدعم الدولي

الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على ضرورة تحصين الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات التي يواجهها لبنان، مؤكداً أن أي تسويات يجب ألا تأتي على حساب البلاد ومصالحها الوطنية. وقال: «كفى الاستقواء بالخارج ضد بعضنا في الداخل خدمة لأعداء لبنان، ولنستقوِ ببعضنا ضد الخارج».

وأكد عون أن لبنان لا يمكن أن يُبنى بفئة أو طائفة أو حزب واحد، داعياً إلى تجاوز الانقسامات وتعزيز الحوار والتواصل بين اللبنانيين، بصفتهما مدخلاً لبناء الثقة وتثبيت الاستقرار. وشدد على أن لبنان قادر على النهوض متى وضع أبناؤه مصلحته الوطنية فوق كل اعتبار، داعياً إلى تعزيز التواصل بين الأجيال بعيداً عن الأحقاد والانقسامات.

سلام من نيويورك: لتثبيت سيادة الدولة واستكمال الإصلاح

وفي نيويورك، تحرك رئيس الحكومة نواف سلام على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، حاملاً أولويات لبنان في سلسلة لقاءات شملت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، والسيناتور الأميركية جين شاهين.

وركز سلام في هذه اللقاءات على ضرورة التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، وتعزيز قدرات الجيش، والعمل على استمرار وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة «يونيفيل»، إضافة إلى بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها. كما بحث حشد الدعم لمسار العودة والتعافي وإعادة الإعمار، ومواصلة الإصلاحات التي بدأتها الحكومة، وتوسيع التعاون والاستثمار، خصوصاً في مجالات الطاقة والنقل والربط الإقليمي.

وفي لقائه مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، شدد سلام على أهمية استمرار وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة في الجنوب بعد انتهاء مهمة «يونيفيل»، بما يدعم الاستقرار ويسهم في بسط سلطة الدولة. كما تناول الوضع الإنساني، مشيراً إلى استمرار نزوح نحو 329 ألف شخص، وضرورة الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى دعم العودة والتعافي واستعادة الخدمات الأساسية.

ومع الملك عبد الله الثاني، ركز البحث على دعم لبنان ومؤسساته، ولا سيما الجيش، ومواصلة التنسيق لخفض التصعيد، إلى جانب حشد الدعم الدولي لترتيبات تحُول دون حصول فراغ في الجنوب. أما مع إردوغان، فبحث سلام تعزيز العلاقات اللبنانية - التركية والتعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والبنى التحتية، إضافة إلى مشاريع الربط الكهربائي والسككي ودعم مسار العودة والتعافي وإعادة إعمار الجنوب.

سلام للجالية: قرارات مصيرية وإصلاحات لاستعادة الثقة

وفي لقاء مع الجالية اللبنانية في نيويورك، أكد سلام أن الحكومة، رغم صعوبة الظروف، لم تتراجع عن مسارها، بل اتخذت «قرارات صعبة» وبدأت ورشة إصلاح جدية بهدف تغيير مسار البلد وبناء دولة يستعيد اللبنانيون ثقتهم بها.

وفي ملف السلاح، شدد على أن الحكومة ماضية في تنفيذ قراراتها بهدف أن تكون الدولة وحدها صاحبة السلطة على كامل الأراضي اللبنانية، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيدها، وأن يتولى الجيش والقوى الشرعية مسؤولية أمن اللبنانيين. وربط ذلك بمواصلة العمل لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وتثبيت عودة الأهالي إلى الجنوب، وإطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار، مؤكداً أن الاستقرار يشكل شرطاً أساسياً للنهوض الاقتصادي والاستثماري.

بو صعب: التعنت الإسرائيلي يعيق التقدم في المفاوضات

وفي بيروت، استقبل نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب القائم بأعمال المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان جان إرنو، حيث جرى البحث في الأوضاع العامة، مع التركيز على الوضع في جنوب لبنان وسبل تثبيت الاستقرار فيه.

وشدد المجتمعون، وفق بيان مكتب بو صعب، على أن الاستقرار الفعلي والمستدام يتطلب حلاً جذرياً يؤدي إلى إنهاء الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان.

وأبلغ بو صعب الوفد الأممي أن لبنان لم يلمس أي التزام إسرائيلي بالاتفاق الموقع سابقاً لوقف إطلاق النار، مؤكداً أن «هذا التعنت والتملص الإسرائيلي يشكل عائقاً أساسياً أمام التقدم في مسار المفاوضات».


«يونيفيل»: تنفيذ القرار 1701 أساس الاستقرار في جنوب لبنان

احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)
احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)
TT

«يونيفيل»: تنفيذ القرار 1701 أساس الاستقرار في جنوب لبنان

احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)
احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)

​في وقت تتواصل فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، أكدت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أن التنفيذ الكامل للقرار 1701 يبقى الأساس لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين في الجنوب، مشددة على أن استمرار التوتر يؤكد الحاجة إلى حل سياسي يضع حداً للنزاع.

ويأتي موقف الـ«يونيفيل» في وقت يكتسب فيه حضورها في الجنوب أهمية إضافية؛ إذ أحيت هذا العام اليوم الدولي للسلام للمرة الأخيرة قبل انتهاء ولايتها في نهاية العام، بموجب قرار مجلس الأمن الصادر عام 2025، بينما يسعى لبنان إلى تمديد مهمة القوة الدولية تفادياً للفراغ الأمني في الجنوب في ظل استمرار التوتر.

أبانيارا: السلام مسؤولية مستمرة والحل بيد الأطراف

وقال رئيس بعثة الـ«يونيفيل» وقائدها العام، اللواء ديوداتو أبانيارا، إن «السلام ليس أمراً نتناوله مرة واحدة في السنة؛ بل هو مسؤولية مستمرة»؛ مشيراً إلى مواصلة قوات حفظ السلام تسيير دورياتها والإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة مع الأطراف، للحد من سوء الفهم ومخاطر التصعيد.

ولفت إلى أن الأعمال العدائية خلَّفت آثاراً إنسانية ومادية عميقة في جنوب لبنان، من نزوح آلاف السكان وتعطُّل سبل العيش، إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالمنازل والبنى التحتية، وسقوط ضحايا وإصابات في صفوف المدنيين؛ مشيراً إلى أن المدنيين على جانبَي الخط الأزرق يعيشون في ظل التوتر والخوف.

وأكد أبانيارا أن السلام في جنوب لبنان لا يزال متعذراً، ولكن الأمل في تحقيقه لا يزال قائماً، مشدداً على أن السلام الدائم يتطلب التزامات وحلولاً سياسية من الأطراف أنفسهم. وقال إن قوات حفظ السلام تستطيع المساعدة في استعادة الاستقرار وتجنب سوء الفهم والحد من مخاطر التصعيد، ولكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة السياسية والقرارات اللازمة لإنهاء النزاع بشكل دائم.

وشدد على أن مسؤولية التوصل إلى حل سياسي تقع على عاتق الأطراف، بينما ستواصل «اليونيفيل» القيام بدورها من خلال إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، والحد من مخاطر التصعيد، ودعم الجهود الدبلوماسية، مؤكداً أن استمرار التعاون بين القوات المسلحة اللبنانية وقوات حفظ السلام يظل أمراً جوهرياً للحفاظ على الاستقرار، ودعم بسط سلطة الدولة في الجنوب.

اعتداءات إسرائيلية متواصلة: قصف وتمشيط وتفجيرات

ميدانياً، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على عدد من المناطق الجنوبية؛ إذ تعرضت بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل لقصف مدفعي إسرائيلي بالتزامن مع تحليق للطيران المسيَّر في الأجواء، بينما تعرضت أطراف حداثا لقصف مدفعي، وطال القصف أيضاً مناطق الخيام ويحمر الشقيف.

وفي الخيام، تمركزت آلية إسرائيلية عند المدخل الشمالي للبلدة من جهة الحمّام، بالتزامن مع تنفيذ القوات الإسرائيلية عملية تمشيط واسعة داخل البلدة بالأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة. وتصاعدت أعمدة الدخان من عدد من المنازل في المنطقة، إثر إقدام القوات الإسرائيلية على إضرام النيران فيها.

آلية عسكرية إسرائيلية تمر بمحاذاة منازل دمرتها غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي وادي السلوقي، وقعت سلسلة تفجيرات نفَّذتها القوات الإسرائيلية، بينما سُمعت أصوات انفجارات في مناطق من الجنوب، ووصلت أصداؤها إلى مدينة صيدا وشرقها.

وبعد الظهر، قامت القوات الإسرائيلية بتنفيذ تفجير عنيف في بلدة المنصوري على دفعتين، حسبما أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام».


كلفة الحرب تتصاعد في لبنان... خسائر قياسية والفاتورة الكاملة لم تُحسم بعد

نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)
نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)
TT

كلفة الحرب تتصاعد في لبنان... خسائر قياسية والفاتورة الكاملة لم تُحسم بعد

نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)
نازحون لبنانيون يعودون إلى الجنوب بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار (أ.ب)

تكشف الأرقام الرسمية اتساع كلفة الحرب على لبنان؛ إذ اقتربت الحصيلة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 من 9 آلاف قتيل وتجاوزت 30 ألف جريح، وسُجل خلال أربعة أشهر من 2026 نحو 100 ألف وحدة مدمرة ومتضررة، ووُثق نحو 3800 اعتداء بعد وقف النار، بينما تبقى الكلفة النهائية مفتوحة بانتظار استكمال التقييم.

وتظهر بيانات وزارة الصحة أن الحصيلة من 8 أكتوبر 2023 حتى 17 سبتمبر (أيلول) 2026 بلغت 8953 قتيلاً و30643 جريحاً، أي 39596 ضحية. ومنذ 2 مارس (آذار) 2026، سُجل 4386 قتيلاً و12407 جرحى، أي نحو 49 في المائة من القتلى و40 في المائة من الجرحى.

وتتركز خسائر 2026 في الجنوب والنبطية، مع 3755 قتيلاً و10503 جرحى، أي نحو 85 في المائة من ضحايا المرحلة. ووثقت وزارة الصحة 180 اعتداءً على فرق الإسعاف، وتضرر 184 مركبة و40 مركزاً، ومقتل 135 وإصابة 416 من العاملين الصحيين والإسعافيين، وتضرر 17 مستشفى وإغلاق 3.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، سجلت الوزارة 4047 قتيلاً و16638 جريحاً، بإجمالي 20685 ضحية، مقابل 8953 قتيلاً و30643 جريحاً حتى 17 سبتمبر، أي بزيادة 4906 قتلى و14005 جرحى، وارتفاع إجمالي الضحايا بنحو 91 في المائة. وقد تشمل التحديثات مراجعات لحالات سابقة، فلا تعني الزيادة كلها بالضرورة سقوط الضحايا بعد ديسمبر 2024. كما تجاوز عدد قتلى مرحلة 2026 وحدها، البالغ 4386، حصيلة 2023 - 2024 المعلنة آنذاك.

تصاعد الدخان جراء قصف إسرائيلي على جنوب لبنان كما بدا من موقع في الجليل الأعلى (أ.ف.ب)

كلفة 2026 لم تُحسم

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «Statistics Lebanon» ربيع الهبر لـ«الشرق الأوسط»، إن «البيانات التي جمعتها الشركة تظهر أن عدد القتلى في حرب 2024 تجاوز أربعة آلاف، فيما بلغ عدد الجرحى نحو 17 ألفاً، بينما وصلت الحصيلة المنشورة لحرب 2026 حتى 18 سبتمبر إلى نحو 4386 قتيلاً و12407 جرحى منذ الثاني من مارس (آذار)، ما يعني أن خسائر 2026 البشرية بلغت مستوى مماثلاً لحصيلة القتلى في 2024 خلال فترة أقصر، فيما اقترب عدد الجرحى من حصيلة الحرب السابقة».

وفي ملف النزوح، أوضح الهبر أن «عدد النازحين بلغ في ذروة حرب 2024 نحو مليون شخص، فيما شهدت بداية تصعيد 2026 نزوح نحو مليون شخص داخلياً أيضاً، إلى جانب عبور نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من سبتمبر، كان نحو 329240 شخصاً لا يزالون نازحين داخل لبنان». ولفت إلى أن «تقارب ذروتي النزوح لا يعني تطابق التجربتين؛ لأن نزوح 2026 أصاب مجتمعاً كان جزء منه لا يزال يحاول تجاوز آثار النزوح السابق، وقد تكون الأسرة التي غادرت منزلها هذا العام هي نفسها التي عادت إليه قبل أشهر أو انتقلت إلى مسكن بديل بعدما فقدت منزلها في 2024».

وأضاف أن «انخفاض أعداد النازحين المسجلين لا يعني بالضرورة اكتمال العودة؛ لأن العودة تتطلب مسكناً صالحاً وطرقاً مفتوحة ومياهاً وكهرباء وفرصة لكسب الرزق، فيما يؤدي تكرار النزوح إلى زيادة أعباء الإيجار والنقل وصعوبة الحفاظ على العمل وتعليم الأطفال».

نازحون من الضربات الإسرائيلية في الجنوب يرفعون العلم اللبناني فوق خيامهم في بيروت (أ.ب)

وعن الأضرار المادية، قال الهبر إن «الأضرار المباشرة لحرب 2024 قُدّرت بنحو 6.8 مليار دولار على مستوى لبنان، منها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن. أما في 2026، فلا يتوافر حتى الآن تقييم وطني نهائي مماثل، لكن التقييمات الجزئية حتى أبريل (نيسان) تشير إلى أضرار مباشرة بالأبنية تتجاوز 1.745 مليار دولار، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في جنوب لبنان، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان».

وأشار إلى أن «التقييمات نفسها تتحدث عن تدمير 11095 مبنى بالكامل جنوب الليطاني و146 مبنى في بيروت وجبل لبنان، إضافة إلى تدمير 17891 وحدة سكنية في الجنوب و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، فضلاً عن نحو 3.1 مليون متر مكعب من الركام في الجنوب و649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان».

وشدد الهبر على أن «المقارنة بين أرقام 2024 و2026 تحتاج إلى حذر؛ لأن رقم 6.8 مليار دولار لعام 2024 يمثل أضراراً مادية مباشرة على المستوى الوطني، بينما يقتصر رقم 2026 على أضرار الأبنية التي شملتها تقييمات مناطقية ومرحلية حتى أبريل، وبالتالي لا يجوز جمع الرقمين أو اعتبار رقم 2026 كلفة نهائية للحرب».

اقتصادياً، قال الهبر إن «حرب 2024 تسببت بخسائر في النشاط الاقتصادي قُدرت بنحو 7.2 مليار دولار، إلى جانب 6.8 مليار دولار من الأضرار المادية، لتصل الأضرار والخسائر معاً إلى نحو 14 مليار دولار، فيما قُدرت احتياجات إعادة الإعمار والتعافي بنحو 11 مليار دولار». وأضاف أن «الناتج المحلي الحقيقي انكمش بنسبة 7.1 في المائة في 2024. وبعد مؤشرات تعافٍ خلال 2025، جاءت حرب 2026 لتغيّر المسار مجدداً، مع توقع انكماش بنسبة 6.4 في المائة، وتقدير بأن الحرب خفّضت النمو بنحو 10.4 نقطة مئوية، مقارنة بسيناريو عدم وقوعها، فيما يُتوقع تضخم يقارب 17.5 في المائة».

ولفت إلى أن «أضرار وخسائر الزراعة في حرب 2024 بلغت نحو 1.2 مليار دولار، فيما بلغت خسائر التجارة والصناعة والسياحة مجتمعة نحو 3.4 مليار دولار، بينما لا يتوافر حتى الآن تقدير وطني نهائي لهذه القطاعات في 2026».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

وفي القطاع الصحي، قال الهبر إن «البيانات المجمعة تشير إلى نحو 190 هجوماً على الرعاية الصحية خلال الأشهر الأولى من تصعيد 2026، وأكثر من 100 قتيل من العاملين الصحيين، إلى جانب تضرر 17 مستشفى جزئياً وإغلاق 42 مركز رعاية أولية في المرحلة الأولى».

وختم بالقول إن «احتياجات التعافي من حرب 2024 قُدرت بنحو 11 مليار دولار، بينما لم يصدر حتى الآن رقم وطني نهائي مماثل لحرب 2026، ولذلك لا يمكن وضع كلفة شاملة دقيقة للحربين معاً، وأي رقم نهائي يُطرح قبل اكتمال تقييم الأضرار والخسائر في مختلف المناطق والقطاعات سيبقى صورة ناقصة».

آليات إسرائيلية ثقيلة تجرف منزلاً في بلدة المنصوري جنوب لبنان، كما بدا من بلدة الحنية (رويترز)

100 ألف وحدة مدمرة ومتضررة

وبحسب المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر (NCNE) والمجلس الوطني للبحوث العلمية (CNRS)، بلغ عدد الوحدات المدمرة والمتضررة بين 2 مارس و2 يوليو (تموز) 2026 نحو 100 ألف، والردميات بين 10 و14 مليون طن.

وسجل قضاء النبطية العدد الأكبر، مع 26874 وحدة مدمرة أو متضررة و2.7 إلى 3.5 مليون طن من الردميات، تليه بنت جبيل بـ22350 وحدة و2.5 إلى 3.5 مليون طن، ثم صور بـ19782 وحدة ونحو مليوني إلى 3 ملايين طن، ومرجعيون بـ10296 وحدة و1.3 إلى 1.8 مليون طن.

مبانٍ متضررة نتيجة عمليات القصف والهدم التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (رويترز)

وامتدت الأضرار إلى قضاء بعبدا بـ8112 وحدة، وصيدا بـ4077، وجزين بـ2817، إضافة إلى البقاع الغربي وبعلبك وحاصبيا وبيروت وعاليه والشوف والهرمل وزحلة والمتن بأعداد أدنى. واستحوذت النبطية وبنت جبيل وصور ومرجعيون مجتمعة على نحو أربعة أخماس الوحدات المدمرة والمتضررة.