للوهلة الأولى، بدا مقترح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بالسماح لشركات الاستثمار المباشر بالدخول في منظومة كأس العالم كأنه أحد أكبر الأخطاء في عهد رئيسه جياني إنفانتينو، وكأن الرجل حلّق عالياً أكثر مما ينبغي قبل أن يسقط. المقترح قوبل برفض واسع؛ إذ انضم الاتحاد الآسيوي لكرة القدم إلى الاتحاد الأوروبي (يويفا) واتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف) في معارضة الفكرة. وكان «يويفا» الأكثر حدة، بعدما لوّح بمقاطعة بطولات «فيفا» إذا جرى اعتماد المشروع، بينما فضلت الاتحادات الأخرى الاكتفاء برفض الفكرة دون التهديد بالمقاطعة. ولم يستغرق الأمر سوى أيام قليلة حتى انهارت الخطة بالكامل، بعدما أعلن إنفانتينو بنفسه، في بيان صدر، مساء الجمعة، سحب المشروع، لكن بعدما كانت هذه المادة قد أُنجزت بالفعل، قررت شبكة «The Athletic» المضي قدماً في الفكرة بوصفها تجربة ذهنية لا أكثر: كيف كان كأس العالم سيبدو لو اختفت منتخبات أوروبا تماماً؟ أول ما سيفتقده المونديال سيكون نجومه، فلن يكون هناك كيليان مبابي، هداف البطولة، ولا رودري أفضل لاعب، ولا أسماء بحجم إيرلينغ هالاند وجود بيلينغهام ولامين يامال.

وسيبدو الأمر كأنه تجريد كامل للبطولة من أكبر أصولها. ووفقاً لموقع «ترانسفير ماركت»، الذي يقدّر القيم السوقية للاعبين، فإن الأوروبيين يسيطرون بشكل كاسح على قمة سوق كرة القدم؛ فمن بين 223 لاعباً تبلغ القيمة السوقية لكل منهم 40 مليون يورو أو أكثر، تصل القيمة الإجمالية إلى 14 مليار يورو، منها 10.3 مليار يورو تعود للاعبين من دول الاتحاد الأوروبي لكرة القدم. قد يبدو هذا النقص هائلاً، لكن من وجهة نظر إنفانتينو ربما لا يمثل مشكلة؛ فهو يرى أن دخول المستثمرين الخواص سيمنح «فيفا» فرصة لـ«إطلاق قيمة تجارية لم تكن مستغلة من قبل»، ربما عبر مزيد من الإعلانات، ورفع أسعار التذاكر، وابتكار وسائل جديدة لتحقيق الأرباح. وبدلاً من الاستمتاع بثلاثية جديدة لمبابي، قد يجد المشجع نفسه مدعواً لشراء رمز رقمي (NFT) جديد لأحد أساطير «فيفا» في أثناء إحدى فترات التوقف لشرب المياه! غياب أوروبا لن يعني اختفاء النجوم تماماً، بل سيمنح الفرصة لآخرين. سيصبح البرازيلي فينيسيوس جونيور اللاعب الأعلى قيمة في البطولة، بقيمة سوقية تبلغ 140 مليون يورو. كما سيقفز مهاجم منتخب أميركا فولارين بالوجون من المركز 105 بين أغلى لاعبي كأس العالم الحالي إلى المركز 28 في النسخة الخالية من الأوروبيين. أحد الانتقادات التقليدية لكأس العالم أن البطولة، رغم كل مفاجآتها، تنتهي غالباً بتتويج عدد محدود جداً من المنتخبات؛ فثمانية منتخبات فقط رفعت الكأس عبر التاريخ، وكانت فرنسا آخر منتخب يتوَّج باللقب للمرة الأولى عام 1998. ومع غياب أوروبا، التي فازت بستة من آخر 8 ألقاب، قد يبدو أن الباب سيُفتح أمام تنوع أكبر في هوية الأبطال، لكن التاريخ يقول غير ذلك. وعند إعادة قراءة جميع نسخ كأس العالم، مع حذف المنتخبات الأوروبية ومنح اللقب لأفضل منتخب غير أوروبي في كل نسخة، تظهر نتيجة مختلفة تماماً. وبدلاً من تنوع الأبطال، تصبح البطولة تحت هيمنة شبه مطلقة لأميركا الجنوبية؛ فالأرجنتين، التي خسرت نهائيي 2014 و2026 أمام منتخبين أوروبيين، كانت ستصبح بطلة 3 نسخ من آخر 4 بطولات.أما الحصيلة التاريخية فستكون: البرازيل: 8 ألقاب، الأرجنتين: 6 ألقاب، أوروغواي: 4 ألقاب، بينما كانت 5 نسخ ستنتهي دون إمكانية تحديد بطل وفق هذا السيناريو. بمعنى آخر، الأبطال سيبقون أنفسهم تقريباً، لكن جميعهم من أميركا الجنوبية. وبالطبع، كرة القدم لا تُحسب بهذه الطريقة؛ فكثير من المنتخبات خرجت على يد منافسين أوروبيين، وربما كانت ستواصل المشوار لو لم تواجههم. منتخب المكسيك، على سبيل المثال، خرج 6 مرات من أصل 10 مشاركات في الأدوار الإقصائية أمام منتخبات أوروبية، وآخرها خسارته 2 - 3 أمام إنجلترا في مونديال 2026. ولو اختفت أوروبا، ربما يتمكن أخيراً من تجاوز عقدة دور الـ16، وربما ينافس حتى على اللقب. أما اليابان، التي وضعت عام 1992 خطة للفوز بكأس العالم خلال 100 عام، فقد تتقدم كثيراً في هذا المشروع، بعدما وقفت المنتخبات الأوروبية في طريقها خلال ثلاث من 5 مشاركات لها في الأدوار الإقصائية. وفي أميركا الشمالية، قد لا يحتاج منتخب أميركا إلى أي تدخلات استثنائية لتجاوز خصم أوروبي عنيد مثل بلجيكا، بعدما أصبحت منتخبات القارة تحقق أفضل نتائجها منذ مونديال 2002، إذ فازت بنسبة 38 في المائة من مبارياتها في نسخة 2026، كما أن تتويج الولايات المتحدة باللقب سيمنح «فيفا» دفعة تجارية هائلة في أكبر أسواقها. ويبقى المغرب المنتخب الوحيد من خارج أوروبا وأميركا الجنوبية الذي بلغ نصف نهائي كأس العالم، عندما حقق ذلك في نسخة 2022 قبل أن يخرج أمام فرنسا. وفي غياب المنتخبات الأوروبية، سيصبح المغرب، إلى جانب السنغال، من أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب. لم تمر سوى أيام قليلة حتى اضطر إنفانتينو إلى التراجع عن المشروع، خصوصاً بعد استقالة مستشاره كارلوس كورديرو احتجاجاً على المقترح، لكن يبقى السؤال الذي طرحته الصحيفة في نهاية تقريرها، وإن كان بسخرية واضحة: هل كان إنفانتينو صاحب رؤية ثورية أراد تحرير كأس العالم من الهيمنة الأوروبية، أم أن الفكرة كانت مجرد مشروع تجاري لم يجد من يشتريه؟
