مصر: زيادة أسعار الكهرباء تعمق أعباء الغلاء وتثير انتقاداتhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/5302359-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%87%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D8%AA%D8%B9%D9%85%D9%82-%D8%A3%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA
مصر: زيادة أسعار الكهرباء تعمق أعباء الغلاء وتثير انتقادات
رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال مراسم تركيب وعاء الضغط بمحطة الضبعة النووية الشهر الماضي (وزارة الكهرباء المصرية)
أثار قرار الحكومة المصرية زيادة أسعار الكهرباء، خلال ذروة فصل الصيف، انتقادات شعبية وبرلمانية، وحذر خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»،من تأثيرات اجتماعية واقتصادية سلبية.
وزادت أسعار استهلاك الكهرباء للاستهلاك المنزلي بنسبة 12 في المائة لجميع شرائح الاستهلاك، مع الإبقاء على الشريحة الأولى دون زيادة، بحسب وزارة الكهرباء والطاقة.
ويأتي القرار الحكومي بعد أيام من استهداف طائرة مسيرة سفينتين للتخزين والتغييز في ميناء دمياط على ساحل البحر المتوسط، الأربعاء الماضي، وسط مخاوف من أن يتسبب الحادث في حدوث فجوة بشأن احتياجات الكهرباء من إمدادات الغاز خلال فصل الصيف، بينما أكدت الحكومة مراراً وتكراراً منذ وقوع الحادث «عدم تأثر شبكة الكهرباء بحادث ميناء دمياط».
وأشارت «الكهرباء»، في بيان، مساء الجمعة، إلى أنه «في إطار الحرص على استقرار التغذية الكهربائية، وضمان الاستدامة المالية لمنظومة الكهرباء والطاقة المتجددة إنتاجاً ونقلاً وتوزيعاً، أقرت منظومة تسعير الخدمات الكهربائية تعريفة محاسبية جديدة للاستخدامات المنزلية، وقررت تثبيت التعريفة المحاسبية للشريحة الأولى للقطاع المنزلي كما هي دون تغيير خلال المرحلة الحالية.
وأبدى عدد من نواب البرلمان المصري اعتراضهم على القرار، وتقدم عضو المجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) فريدي البياضي، السبت، بسؤال برلماني عاجل لوزير الكهرباء، بشأن قرار رفع أسعار معظم شرائح الكهرباء المنزلية، وطالب بـ«تجميد تطبيق القرار لحين تقديم الحكومة بيانات التكلفة والفاقد والخسائر إلى مجلس النواب ومراجعتها».
ويعد هذا القرار «خامس جولة لرفع أو إعادة تسعير تعريفة الكهرباء المنزلية منذ يوليو (تموز) 2021، بينها 4 قرارات صدرت منذ يناير (كانون الثاني) 2024، آخرها في أبريل (نيسان) 2026، واقتصرت الزيادة حينها على الشرائح الأعلى استهلاكاً، قبل أن تقرر الحكومة زيادة معظم الشرائح مجدداً»، بحسب البرلماني.
وحذر البياضي من التداعيات الاجتماعية لزيادة أسعار الكهرباء، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «زيادة أسعار الكهرباء ستزيد معاناة المواطنين الذين يعيشون سلسلة أزمات متتالية من الغلاء»، مشيراً إلى أن الحكومة «خالفت وعوداً سابقة بعدم زيادة أسعار الخدمات».
وطالبت عضوة مجلس النواب الدكتورة إيرين سعيد، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، بموافاة مجلس النواب بجميع «الدراسات الفنية والاقتصادية والاجتماعية التي استندت إليها الوزارة عند اتخاذ القرار، وبيان تفصيلي بتكلفة إنتاج الكهرباء، وحجم الدعم الفعلي، وقيمة الفاقد الفني والتجاري، وخطة الوزارة لخفض التكاليف دون تحميل المواطنين مزيداً من الأعباء».
وأكدت سعيد في سؤال برلماني، السبت، أن «هذه الزيادة تأتي في ظل استمرار الضغوط المعيشية التي يواجهها المواطن المصري نتيجة ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، بما يثير تساؤلات مشروعة حول قدرة الأسر، خصوصاً محدودي ومتوسطي الدخل، على تحمُّل أعباء إضافية».
وزير الكهرباء محمود عصمت خلال تفقد إحدى محطات محولات الكهرباء بالتجمع الخامس الشهر الماضي (وزارة الكهرباء المصرية)
وفي المقابل، تطرق بيان وزارة الكهرباء إلى «الأعباء التي تتحلمها الدولة لتغطية الفارق بين تكلفة إنتاج الكهرباء وأسعار استهلاكها»، مؤكداً أن«الدولة تتحمل 100 مليار جنيه (الدولار يساوي نحو 51 جنيهاً) سنوياً كفارق بين تكلفة إنتاج الكيلووات ساعة، وفقاً لأسعار الوقود التي تسدد بها شركات إنتاج الكهرباء وبين التعريفة المحاسبية الجديدة التى تم إقرارها»، وأشارت إلى أن المواطن يتحمل 25 في المائة من قيمة الفاتورة عند استهلاك 50 كيلووات ساعة وصولاً إلى تحمله 100 في المائة من قيمة الفاتورة عند استهلاك 2000 كيلووات».
وتحدث الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده عن «التأثير المباشر لزيادة أسعار الكهرباء على المواطن في أثناء ذروة الصيف»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الزيادة ستنعكس على ميزانية معظم المصريين، فزيادة قيمة فاتورة الكهرباء ستزيد المعاناة، وستؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للملايين الذين يحاولون الصمود في ظل الغلاء».
وتشهد مصر موجة غلاء وارتفاع متواصل لأسعار معظم السلع الأساسية، وتقوم الحكومة بإقرار زيادات مستمرة في أسعار الخدمات المختلفة (البنزين، الكهرباء، المياه، الاتصالات). وفي مارس (آذار) الماضي، أقرت زيادة في أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة.
يتميّز الكليم الفُوهي بتصميمات تستلهم صورها ورموزها من البيئة المحيطة، من الطيور والعصافير والأراضي الزراعية والخيول...
نادية عبد الحليم (القاهرة)
«مخازن السلاح» وسط الأحياء السكنية هاجس مستمر يؤرق الليبيينhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/5309912-%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%87%D8%A7%D8%AC%D8%B3-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D9%8A%D8%A4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86
«مخازن السلاح» وسط الأحياء السكنية هاجس مستمر يؤرق الليبيين
بقايا ذخائر عقب انفجار في مخزن أسلحة بمصراتة غرب ليبيا الجمعة (جهاز المباحث الجنائية)
باتت مخازن الأسلحة والذخائر، الواقعة داخل التكتلات والأحياء السكنية، تحدياً متجدداً ومتراكماً يلاحق حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا ويؤرق المواطنين، بعدما أعاد انفجار مستودع تابع لتشكيل مسلح في مصراتة، الجمعة، إثارة مخاوف من استمرار تخزين الذخائر وسط المدنيين، رغم قرار سابق بإخلاء هذه المخازن من المناطق المأهولة.
ويعكس الحادث، الذي وقع في منطقة الغيران، حجم المخاطر التي يواجهها السكان المحليون جراء انتشار مخازن الذخيرة التابعة للتشكيلات المسلحة داخل الأحياء، فيما تتصاعد مطالب محلية بإبعادها عن المناطق السكنية، خشية تكرار الانفجارات، كما حدث في مرات سابقة وخلفت ضحايا وأثارت غضباً شعبياً كبيراً.
وينقل سالم كرواد، أحد أعيان مصراتة، جانباً من غضب السكان، وقال إنه «بلغ ذروته بسبب انتشار السلاح المنفلت دون تحرك حكومي حاسم»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الخطر لا يقتصر على المخازن، بل يمتد إلى منازل تضم قذائف وصناديق ذخيرة وأسلحة خفيفة، بما يثير مخاوف السكان اليومية».
ذخيرة في موقع انفجار بمخزن أسلحة في مصراتة غرب ليبيا عثر عليها أمس الجمعة (جهاز المباحث الجنائية)
وحسب مصادر طبية، لم يسفر الانفجار، الذي وقع داخل مستودع تابع لتشكيل مسلح يطلق على نفسه «كتيبة الإعصار» عن إصابات فحسب، بل أثار حالة هلع بين السكان، بعدما تطايرت صواريخ وذخائر بصورة عشوائية في محيط المنطقة، وسط مخاوف من انفجارات أخرى محتملة.
وحتى الساعات الأولى من صباح السبت كانت غرفة عمليات المركز الليبي للأعمال، المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب (حكومي)، تتلقى بلاغات من مواطنين عن استمرار انفجارات متقطعة لذخائر، وفق مصدر بالمركز، أشار إلى أن المخازن كبيرة، وتضم ذخائر متنوعة في المدينة أيضاً.
ولم يصدر رئيس حكومة «الوحدة»، عبد الحميد الدبيبة، تعليقاً على الحادث، علماً بأنه كان في زيارة إلى مصراتة، حيث زار محطة كهرباء هناك، وشهد مهرجان العرعار الدولي الرياضي، فيما وجّه وزير داخليته عماد الطرابلسي الأجهزة الأمنية بإجراء عمليات مسح وتمشيط الأماكن المجاورة للانفجار، وانتشال المخلفات والتنسيق لاستقبال البلاغات.
رئيس حكومة الوحدة حضر مهرجاناً رياضياً في مصراتة لكنه لم يصدر تعليقاً على الانفجار (مكتب الدبيبة)
ورغم أن مصادر محلية استبعدت أن يكون الانفجار في مصراتة ناجماً عن استهداف متعمد. فإن الحادث أعاد التذكير بانفجار مماثل وقع في أغسطس (آب) من العام الماضي بمنطقة السكيرات بالمدينة نفسها، وأسفر حينها عن إصابة 16 شخصاً من السكان. وقد أثار انفجار السكيرات حينها احتجاجات من سكان مصراتة، طالبوا خلالها بإخراج مخازن الأسلحة والذخائر من المناطق السكنية، وأصدر وكيل وزارة الدفاع للمناطق والشؤون العسكرية، عبد السلام الزوبي، آنذاك قراراً بتشكيل لجنة لتحديد مواقع بديلة للتخزين، وإخلاء المواقع القائمة داخل المناطق المأهولة.
غير أن القرار الحكومي لم يجد طريقه إلى التنفيذ، حسب كرواد، الذي أبدى استغرابه من استمرار وجود المخازن داخل المناطق السكنية، رغم المطالبات المتكررة بإبعادها. وقال إن بقاء هذه المواقع «يعكس خطراً كامناً يهدد حياة المدنيين، ويجعل وقوع أي انفجار محتملاً في أي وقت».
وتواجه ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 فوضى كبيرة واسعة في انتشار السلاح والذخائر، مع وجود مخازن عسكرية قرب التجمعات السكانية. وتقدر تقارير أممية وجود نحو 20 مليون قطعة سلاح في البلاد، وهو ما يعكس حجم التحدي.
ولا تقتصر مخاطر الذخائر على الانفجارات، إذ تشير أرقام رسمية إلى سقوط 487 ضحية جراء الألغام والذخائر المتفجرة منذ مايو (أيار) 2020، من بينهم 175 قتيلاً و312 مصاباً و87 طفلاً.
وسبق أن حذر ممثلو عشر دول وشركاء دوليون لليبيا، خلال اجتماع عقد بروما في مايو الماضي، من مخاطر التخزين غير الآمن للذخائر، ولا سيما المستودعات القريبة من المناطق السكنية، مؤكدين أنها تمثل تهديداً مستمراً للمدنيين في البلاد.
أحد أفراد إدارة الهندسة العسكرية بطرابلس يفكك لغماً بمنطقة العقربية القريبة من حي سكني (رئاسة أركان قوات حكومة «الوحدة»)
ورغم التحذيرات، لا تزال مخازن الذخيرة منتشرة داخل المناطق السكنية في أنحاء ليبيا، حسب «المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب»، فيما تتضاعف المخاطر في الجنوب مع ارتفاع درجات الحرارة، وقد تزيد احتمالات انفجار الذخائر المخزنة بصورة غير آمنة.
وفي هذا السياق جدد الناطق باسم «المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب»، خالد جبريل، التأكيد أن التخزين غير الآمن للذخائر ومخلفات الحرب، خصوصاً قرب الأحياء السكنية، يمثل خطراً دائماً على حياة المدنيين، بسبب ما قد ينجم عنه من انفجارات وحوادث يصعب توقعها.
وقال جبريل لـ«الشرق الأوسط» إن حماية المدنيين، والحد من مخاطر الذخائر ومخلفات الحروب، مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون مختلف الجهات المعنية، بما يضمن وضع سلامة المواطنين في مقدمة الأولويات، واتخاذ إجراءات عملية لمنع التخزين العشوائي، وإبعاد مصادر الخطر عن التجمعات السكانية.
ويضع استمرار هذه المخاطر السلطات الليبية أمام تحديات تتجاوز حدود مصراتة، في بلد ما زال منقسماً بين حكومتين؛ الأولى حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة، وتتخذ طرابلس مقراً، والثانية حكومة مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتدير الشرق ومدناً جنوباً.
من الآبار وصولاً إلى الميزانية... أين تذهب أموال النفط الليبي؟https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/5309901-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%B5%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%B2%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B0%D9%87%D8%A8-%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%9F
من الآبار وصولاً إلى الميزانية... أين تذهب أموال النفط الليبي؟
أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)
يحاصر الظلام الدامس مناطق ليبية عدّة، من بينها ضاحية «عين زارة» بالعاصمة طرابلس، حيث يقطن الباحث عز الدين مختار، الذي دفعته أزمة انقطاع الكهرباء في جُل مدن بلاده إلى طرح تساؤلات عدّة تتعلق بمسارات عوائد النفط، التي لم تسلم من «الفساد»، ولماذا لم تنهض ليبيا من كبوتها حتى الآن؟ ولماذا تستمر معاناة قطاعات واسعة من المواطنين في بلد يحصل على مداخيل هائلة بفضل عائدات النفط؟
تعتمد ليبيا على عائدات النفط بنسبة تقارب 98 في المائة، لكن يظل الاستفهام الأبرز كيف يتم تجميع عائداته؟ وكيف يتم إنفاقها في ظل الانقسام الحكومي الذي تعيشه؟ ولماذا يشتكي سكانها الفقر؟ علماً أنها تمتلك أكبر احتياطي في أفريقيا، وتنتج وتصدر قرابة 1.4 مليون برميل في اليوم.
بداية، تتكفل المؤسسة الوطنية للنفط بتحصيل إيرادات مبيعات النفط الخام والغاز بالدولار الأميركي، وإيداعها في حساباتها لدى «المصرف الليبي الخارجي»، ثم تحويل هذه الإيرادات من المصرف الخارجي إلى حسابات «مصرف ليبيا المركزي» في طرابلس، حيث تُقيّد كإيرادات سيادية للميزانية العامة، وتُحوَّل إلى الدينار الليبي. (الدولار يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية)، في حين يسجل 9.12 في السوق الموازية.
أطر القاطرة «الهاني» تباشر مهامها التشغيلية في ميناء الزويتينة (المؤسسة الوطنية للنفط)
بعد ذلك تأتي الخطوة التالية بتولي وزارة المالية في طرابلس أذونات الصرف، بناءً على الترتيبات المالية المعتمدة، ويبدأ «المصرف المركزي» في تسييل الأموال للقطاعات والجهات الحكومية، وفق أبواب الموازنة العامة للدولة.
وعانت عائدات صادرات النفط في ليبيا من فترات تذبذب كبيرة خلال السنوات الماضية؛ إذ تراوحت ما بين 18 و22 مليار دولار، لكنها قفزت إلى قرابة 18 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، بزيادة تقارب الضعف عن الفترة ذاتها العام الماضي، وفق وزارة الاقتصاد في حكومة «الوحدة» المؤقتة.
ويرجع محمد الشحاتي، الخبير النفطي الليبي، هذه الزيادة خلال تلك الفترة إلى الحرب الإيرانية.
أين الخلل؟
يشخّص اختصاصيو الاقتصاد الليبي، ومن بينهم الدكتور أيوب الفارسي، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الأزمة الليبية في الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل. وقال إن حالة الاقتصاد الليبي «تشكل نموذجاً واضحاً لكيفية تحوّل الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية إلى أزمة مالية مركبة، حيث يتقاطع غياب التنويع الاقتصادي مع التشرذم السياسي، ليُنتجا وضعاً معقداً يمس الحياة المعيشية للمواطنين».
تزويد محطة «الرويس» الليبية بالغاز يسهم في استقرار شبكة الكهرباء (المؤسسة الوطنية للنفط)
وأوضح الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، أن بنيان الاقتصاد الليبي «يقوم على نموذج الدولة الريعية، التي تعتمد بشكل شبه كلي على عائدات صادرات النفط لتغذية الخزانة العامة وتأمين العملة الأجنبية».
وذهب في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هذا الاعتماد الأحادي على النفط أوجد اختلالات هيكلية عميقة، في مقدمتها تهميش القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، وتضخم الجهاز الإداري للدولة لاستيعاب العمالة في وظائف حكومية غير منتجة، إلى جانب الاعتماد المباشر على الاستيراد لتغطية أغلب السلع الاستهلاكية».
وتظل الأنشطة الصناعية في ليبيا محدودة ومقتصرة في مجملها على القطاع الخاص والصناعات البسيطة، وسط انتقادات لتمركز السوق لدى عدد محدود من التجار والمستوردين؛ ما عزز تدفق السلع المستوردة على حساب الإنتاج المحلي.
وفي جل الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها المدن الليبية، يتساءل المنددون بالحكومة: أين تذهب أموال النفط؟ ولماذا يعاني المواطنون رغم أنهم أبناء دولة منتجة للطاقة؟
حقل «البوري» النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
في هذا السياق، يلفت الشحاتي إلى ضرورة التمييز بين قيمة النفط المُنتَج، والإيرادات التي تعود فعلياً إلى الخزانة العامة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» موضحاً أن «ليس كل برميل يُنتَج في ليبيا يتحول إلى دولار يدخل الخزانة العامة مباشرةً، بالنظر إلى وجود حصة للشريك الأجنبي»، مبرزاً أن «الشركات الأجنبية، وفق ترتيبات تعاقدية مختلفة، أصبحت شريكة في الإنتاج».
وتحدث الشحاتي عن مفارقة لافتة، مفادها أن ليبيا «ورغم كونها دولة منتجة للنفط، فإنها أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد البنزين والديزل، وغيرها من المنتجات النفطية لتغطية احتياجات السوق المحلية، وبالتالي فإن جزءاً متزايداً من الموارد يتحول إلى عملة أجنبية لتمويل واردات المحروقات».
كما أشار الشحاتي إلى وجود مشكلة تتمثل في أن ليبيا «لا تنشر بصورة منتظمة حساباً موحداً وسهل القراءة، يجيب بوضوح عن سؤال بسيط: كم بلغت القيمة الإجمالية للنفط المنتج؟ وكم ذهب إلى الشركاء؟ وكم تم تصديره لحساب الدولة؟ وكم وُجّه للسوق المحلية؟ وما هي الإيرادات الصافية التي أصبحت متاحة فعلياً للإنفاق العام؟».
وهنا يعتقد أن «الأرقام المتداولة تعطي أجزاءً من الصورة، لكنها لا تقدم دائماً الصورة الكاملة لحركة الإيرادات من البئر إلى الحسابات العامة للدولة».
وتتركز آبار وحقول النفط في ليبيا بشكل رئيسي في حوض سرت (شرق)، الذي يضم نحو 82 في المائة من الاحتياطي النفطي، إضافة إلى حقول جنوب غربي البلاد في حوض مرزق، والمناطق البحرية قبالة الساحل.
* أزمات الوقود والكهرباء
رؤية الفارسي والشحاتي، التي كشفت عن بعض نقاط الخلل في مسار رحلة النفط من الآبار إلى الموازنة العامة، تتزامن مع أزمة انقطاع الكهرباء راهناً، والتي أدخلت ليبيا مرحلة «بلاك آوت» مرات عدة خلال الأيام الماضية، إلى جانب انقطاع للتيار لمدد تتجاوز 17 ساعة يومياً في بعض المناطق، وهو ما عدّه الباحث الاقتصادي مختار، جزءاً من أزمات مالية متكررة تعانيها بلاده، ومنها شح الوقود.
مضاعفة معدل الإنتاج بأحد الآبار بحقل «أبو الطفل» بزيادة بلغت 798 برميل يومياً (المؤسسة الوطنية للنفط)
وأرجع مختار في حديث إلى «الشرق الأوسط» ما يعانيه جُل الليبيين إلى «الفساد»، و«إنفاق لا محدود» على حكومتين متنازعتين على السلطة في غرب ليبيا وشرقها، إلى جانب «تهريب النفط عبر شركة (أركنو) التي يذهب عائدها إلى أشخاص بأعينهم، وليس إلى خزينة الدولة».
وهنا يرصد مختار عمق الأزمة الاقتصادية في ليبيا المتمثلة في الدعم؛ إذ يذهب أكثر من 60 في المائة من ميزانية البلاد إلى ملف دعم الوقود، الذي طالب حكومة طرابلس برفعه تدريجياً، ثم وضع خطة وطنية لتأهيل الكوادر البشرية، وقال بهذا الخصوص: «ليس لدينا مهارات صناعية في أي شيء؛ فضلاً عن أننا نستورد كل شيء من الزبادي والألبان والفواكه والخضراوات والأسماك المجمدة، وحتى الملابس الداخلية، كله من الخارج».
وتحتل ليبيا المرتبة الـ10 عالمياً من حيث احتياطيات النفط المؤكدة، باحتياطيات تبلغ نحو 48.3 مليار برميل، وفق بيانات «وورلد ميتر».
وقال فريق الخبراء في تقريرهم الأخير بشأن الوضع في ليبيا، الذي يغطي المدة الممتدة ما بين أكتوبر (تشرين الأول) 2024 وفبراير (شباط) 2026، إن «(أركنو) عملت على تحويل 3 مليارات دولار على الأقل من العائدات النفطية إلى حسابات بنكية خارج ليبيا ما بين يناير (كانون الثاني) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025».
وحسب التقرير، فإن «أركنو»، التي تأسست عام 2023 بوصفها شركة خاصة، تخضع لسيطرة غير مباشرة من جانب صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وتواجه اتهامات بـ«تهريب النفط».
وسبق أن استقصت وكالة «رويترز» حول الشركة، وخلصت إلى أن بعض إيرادات النفط «تتحول بعيداً عن مصرف ليبيا المركزي»، استناداً إلى وثائق شحن وبيانات لمجموعة بورصات لندن وشركة «كبلر».
كيف يتم توزيع الإيرادات؟
تتوزع الإيرادات النفطية، وفق خبراء واقتصاديين، على الأبواب الأربعة المعتمدة في الموازنة العامة؛ إذ يستحوذ الباب الأول الخاص بـ«المرتبات والأجور» على النسبة الأكبر من الإيرادات، وتُصرف لجميع موظفي القطاع العام في مختلف المناطق (شرقاً وغرباً وجنوباً)، عبر منظومة الرقم الوطني الموحدة.
جانب من حقل «أبو الطفل» النفطي في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط)
ويلي ذلك الباب الثاني المخصص لـ«النفقات التسييرية» لتشغيل الوزارات والمؤسسات العامة، في حين يبرز الباب الثالث الخاص بـ«الدعم» كأحد أهم الأبواب، لكونه يغطي دعم الوقود والمياه والكهرباء. أما الباب الرابع، فيتمثل في «التنمية والمشاريع» الموجهة للبنية التحتية، فضلاً عن المخصصات الموجهة للمؤسسة الوطنية للنفط لضمان إدامة الإنتاج وزيادته.
وهنا يلفت الشحاتي إلى مشكلة تتمثل في أن 26 في المائة من العائدات النفطية يذهب لتوريد المحروقات، أي ما يعادل 7 مليارات دولار، في حال كان سعر البرميل عند 70 دولاراً للبرميل، مبرزاً أن «المؤشرات هذا العام تشير إلى ارتفاع أضخم قد يصل إلى ما بين 8 و9 مليارات دولار؛ نتيجة ارتفاع سعر النفط لأكثر من 85 دولاراً للبرميل، وكذلك إلى توسع الفارق بين أسعار الخام وأسعار الديزل والبنزين نتيجة الشح في الأسواق»، كما لفت إلى «الارتفاع في الاستهلاك المحلي بسبب النمو الاقتصادي من جهة، وتصاعد عمليات التهريب من جهة أخرى».
كما كشف الشحاتي عن أزمة ثانية، تتمثل في «عدم وجود ميزانية معتمدة في البلد حتى نستطيع أن نحدد كيفية التوزيع بين الفئات والتوزيع الإقليمي الجغرافي، ولكن الواضح هو سيطرة مراكز المدن الرئيسية على معظم المصاريف»، مشيراً في هذا السياق إلى «اختلال كبير وواضح في المرتبات بين الأقاليم الثلاثة وبين الدرجات الوظيفية ونوعيات الوظيفة؛ وهي مشكلة لها أبعاد خطيرة في خلق فجوات مالية واسعة بين الطبقات، وحتى موضوع توحيد الإنفاق التنموي، الذي تم الاتفاق عليه، لا يبدو أنه مطبق بشكل سليم لعدم وجود معايير واضحة، وعدم وجود ميزانية متكاملة».
وبشأن هذه النقطة تحديداً، أوضح الشحاتي أنه «لا توجد معايير لتوزيع عوائد النفط، وعملية التوزيع تتم بشكل عشوائي غير مستدام».
وتشير البيانات إلى أن تصنيف ليبيا في مؤشر مدركات الفساد تراجع في أحدث تصنيف إلى المرتبة الـ177، من أصل 182 دولة في 2025، بعد أن كان في المرتبة الـ173 من 180 دولة عام 2024؛ ما يعكس استمرار تفاقم مستويات الفساد، وغياب أي تحسن ملموس خلال العامين الأخيرين.
معاناة الاقتصاد المحلي
سلط تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن ليبيا الضوء على استمرار معاناة الاقتصاد المحلي من اختلالات هيكلية عميقة، جراء ارتفاع مستويات الإنفاق العام، والاعتماد الأحادي على عائدات النفط والغاز، بالتزامن مع الضغوط المتزايدة على أسعار الغذاء والوقود والكهرباء.
شركة «سرت» تنهي التجارب التشغيلية لتزويد محطة سرت البخارية بالغاز الطبيعي (المؤسسة الوطنية للنفط)
ويغطي التقرير، الذي قُدم إلى مجلس الأمن الدولي في 17 أغسطس (آب) الحالي، الفترة من الأول من أبريل (نيسان) وحتى 28 يوليو (تموز) الماضي. ونقل عن صندوق النقد الدولي أن العجز المالي في ليبيا بلغ 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي، في حين قفز الدين العام إلى 146 في المائة من الناتج المحلي، بالتوازي مع ارتفاع التضخم إلى مستويات خانقة تسجل خانة العشرات؛ ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين.
ولحظ التقرير الأممي وجود «ارتفاعات غير مبررة في استهلاك الوقود من قِبل الأجهزة العسكرية والأمنية وقطاع الطاقة، فضلاً عن تكرار الشراء المزدوج».
تأثير الانقسام المؤسسي
فاقم الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعدد السلطات في ليبيا من الوضع الاقتصادي، وفق الفارسي، عضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، الذي يرى أن هذه «الاختلالات» لم تبق في حدودها الهيكلية التقليدية، وقال إن هذا الوضع «أدى إلى نشوء مالية عامة متوازية، وتمدد مفرط في الإنفاق الاستهلاكي لتغطية متطلبات الأطراف المتنافسة؛ ما رفع بند المرتبات والدعم إلى مستويات غير مسبوقة».
ومع تكرار صدمات إغلاق الحقول النفطية في السابق، وتراجع الإيرادات الفعلية، لجأت السلطات المالية إلى التمويل بالعجز والتوسع في الدين العام؛ ما أغرق السوق بكتل نقدية لا تقابلها أي زيادة في الإنتاج المحلي، حسب الفارسي.
وكانت الإيرادات النفطية لعام 2025 قد بلغت 21.9 مليار دولار، حسب «المؤسسة الوطنية للنفط»، مقارنة بـ18.6 مليار دولار خلال عام 2024، بزيادة قدرها 15 في المائة.
وهنا يُجمل الفارسي تأثير هذه «الاختلالات» على السياسة النقدية ومعيشة المواطنين، وقال إن هذا التدهور في المالية العامة وضع السلطة النقدية في موقف معقد، وأجبرها على اتخاذ قرارات اضطرارية لحماية الاحتياطيات وتدارك العجز. مشيراً إلى أن هذا الأمر «أدى إلى تآكل قيمة العملة الوطنية، وشح السيولة وانعدام الثقة، بالإضافة إلى شلل أدوات التنمية؛ إذ تحولت السياسة النقدية من أداة لتحفيز النمو والاستثمار إلى أداة لإدارة الأزمات اليومية».
لماذا لا تُحل الأزمة المالية؟
يرجع اقتصاديون سبب أزمة ليبيا المالية إلى أسباب عدّة، من بينها وفق ما يرصد الشحاتي «تفشي الفساد بشكل غير مسبوق»، وقال بهذا الخصوص: «لم يعد الفساد يقتصر على الهوامش، بل أصبح يستحوذ على جوهر المال العام في قطاعات أساسية؛ ما يعطل أي محاولة إصلاح».
كما يعزو الأزمة إلى «غياب الرؤية المؤسسية بعد تفكك الإدارة الوسطى، التي كانت تربط السياسات المالية والنقدية بالواقع الاقتصادي، وتوفر غطاءً سياسياً موحداً، فأصبحت السياسات منفصلة عن حقائق الاقتصاد، وفقدت القدرة على استعادة التوازن».
كما يرى الشحاتي أن الإصلاحات الكلاسيكية التي نجحت في دول أخرى «لا يمكن أن تنجح في ليبيا؛ نظراً لغياب سلطة سياسية مركزية قادرة على وضع رؤية مؤسسية وردع الفساد، الذي انتشر أفقياً وعمودياً في أجهزة الدولة والقطاع الخاص».
واستكمالاً لرؤية الحل، انتهى الفارسي إلى أن استمرار الأزمة المالية والنقدية في ليبيا يستلزم «معالجة جذور المشكلة عبر توحيد إدارة المالية العامة، وضبط الإنفاق الحكومي، والشروع في إصلاحات هيكلية حقيقية، تنقل البلاد تدريجياً من استهلاك الريع إلى بناء اقتصاد متعدد الموارد».
وللخروج من هذه الأزمة الراهنة، لم يفت الباحث عز الدين مختار أن يطالب الحكومة في طرابلس بـ«وضع خطة استراتيجية للاستفادة من الموارد البشرية، والاهتمام بالصناعات الصغرى والمتوسطة» للخروج من أزمة الاعتماد فقط على عائدات النفط.
واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)
يشار إلى أن مسعود سليمان، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، قال في تصريحات إعلامية الأسبوع الماضي، إن بلاده تحتاج إلى استثمارات تتراوح بين 30 و40 مليار دولار لتطوير مواردها النفطية والغازية غير المستغلة، موضحاً أن مؤسسته تستهدف رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يومياً بحلول 2030.
مَن المسؤول عن ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب الليبي؟https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/5309900-%D9%85%D9%8E%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D9%85%D8%B9%D8%AF%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%9F
مَن المسؤول عن ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب الليبي؟
شبان ليبيون خلال مشاركتهم في الانتخابات البلدية بترهونة (أ.ب)
يطمح الشاب الليبي حسن محمد، الذي تخرج قبل عام في كلية الاقتصاد بجامعة درنة، لإيجاد وظيفة بالجهاز الإداري للدولة تتطابق مع تخصصه، وتجنبه عناء الانتظار لسنين في طابور البطالة كحال الكثير من أبناء جيله.
يقول محمد لـ«الشرق الأوسط» إنه يتنقل حالياً بين مهن بسيطة في القطاع الخاص، من بيع الملابس والأغذية إلى العمل في المخابز، لكنها «تظل أعمالاً غير مستقرة وبدخل محدود»، لا يقارن بأمان الوظيفة الحكومية، التي يرى أن الجمع بينها وعمل إضافي مساءً هو السبيل الوحيد لبناء أسرة مستقبلاً.
يلجأ عديد من الشبان العاطلين عن العمل إلى المهن البسيطة في انتظار عمل مستقر (الشرق الأوسط)
أما بالنسبة للشاب بدر هلال، المتخرج في إحدى الكليات العلمية بجامعة طرابلس، فإن الحل هو السفر إلى أوروبا عبر منحة دراسية؛ وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أريد تبديد سنوات دراستي مع أقراني خلف مكاتب الوظيفة الحكومية دون إنتاج حقيقي، وبرواتب لا تكفي لمواجهة غلاء المعيشة».
أزمة جيل محاصَر
يرى مراقبون أن حالتي محمد وهلال تجسدان أزمة جيل محاصَر بين قطاع عام مشبع بالموظفين وقطاع خاص محدود الأثر؛ مما قفز ببطالة الشباب في ليبيا إلى مستويات قياسية، حيث صنفتها منظمة العمل الدولية على أنها الأعلى في شمال أفريقيا في تقرير لها بنسبة 50.1 في المائة للفئة العمرية (15 - 24 عاماً)، مقابل 18.8 في المائة لمعدل البطالة العام».
وأعاد التقرير، الذي حمل عنوان «اتجاهات الاستخدام العالمية للشباب 2026»، طرح تساؤلات جوهرية حول عجز بلد نفطي غني عن استيعاب نصف طاقاته الشابة، مقارنةً بدول جوار أقل موارد وأكثر سكاناً، ومدى ارتباط هذا العجز بالانقسام السياسي والمؤسساتي، الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات.
وأرجع وزير الدولة الأسبق للشؤون الاقتصادية، سلامة الغويل، تفاقم مستويات البطالة في ليبيا إلى «الانقسام السياسي وسوء توزيع عوائد النفط، وعدم تدشين مشروعات إنتاجية تستوعب الخريجين». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه منذ 2011، «تعاقبت نحو عشر حكومات على إدارة البلاد، بعضها تركز بالعاصمة والآخر بشرق البلاد، مما حال دون وضع رؤية استراتيجية لربط الشباب بسوق العمل وتأهيله لها».
وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين؛ الأولى «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير الشرق وأجزاء من الجنوب، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.
أزمة كوادر مدربة
وفقاً للغويل، فإن غياب الرؤية حيال هذه الأزمة، «حصر التوظيف في القطاع الحكومي، الذي أصبح يضم نحو مليونين ومائتي ألف موظف، أي ما يعادل نحو ثلث سكان البلاد، البالغ عددهم نحو 7.5 مليون نسمة»، لافتاً إلى أن الالتحاق بالجهاز الإداري «ليس سهلاً ولا يرتبط بالشهادة، وإنما غالباً بواسطة أحد أصحاب النفوذ».
وقلل الغويل من قدرة القطاع الخاص على استيعاب العمالة في ليبيا، واصفاً إياه بالمتعثر «نتيجة الفوضى الأمنية وتدهور البنية التحتية، من كهرباء وإنترنت ومياه، والأهم ندرة الكوادر المحلية المدربة، مما يدفع إلى تفضيل العمالة الوافدة لرخصها ومرونتها».
واستعرض الغويل معوقات أخرى لإقامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، «كصعوبة التمويل المصرفي وغياب الحوافز الضريبية، وتعقيد الإجراءات التشريعية، مما يدفع أصحاب رؤوس الأموال إلى أنشطة استهلاكية، كالمطاعم والمقاهي، بدلاً من مشروعات إنتاجية كالمصانع القادرة على استيعاب أعداد كبيرة من اليد العاملة».
في المقابل، يرى عضو مجلس النواب الليبي، محمد عامر العباني، أن بلاده تعاني «بطالة نوعية»، ناجمة عن رفض قطاع واسع من الشباب الانخراط في مهن متاحة بسوق العمل، وحصر تطلعاتهم في وظائف ذات بريق اجتماعي، ومستقبل مهني وراتب مضمون.
وأوضح العباني، الأكاديمي المختص في تدريب القوى العاملة، لـ«الشرق الأوسط»، أن كثيراً من الشباب يبتعد عن المهن الحرفية والصناعية والخدمية الأكثر طلباً في السوق الليبية، كالتمريض والزراعة والبناء وصيانة السيارات وأعمال النظافة، بداعي أنها «لا تليق بمركزه الاجتماعي»، مشيراً إلى أن هذا الأمر مهَّد للعمالة الوافدة الاستحواذ على 99 في المائة من هذه المهن.
ونفى العباني «وجود فجوة عميقة بين مخرجات التعليم وسوق العمل»، وقال إن «الكليات النظرية تُخرج أعداداً تفوق الاحتياج، لكن التدريب النوعي يمهد لاستيعاب الجميع».
تصاعُد أسعار السلع والخدمات دفع الشباب مرغماً إلى اقتحام مهن كانت حكراً على العمالة الوافدة (أ.ف.ب)
أما الناشط السياسي الليبي، حسام القماطي، فقدم رؤية مغايرة، مفادها أن «تصاعد أسعار السلع والخدمات، وتبديد مدخرات الأسر جراء تدهور العملة المحلية، دفع الشباب مرغماً لاقتحام مهن كانت حكراً على العمالة الوافدة».
وحمَّل القماطي مسؤولية «تصاعد البطالة للتشوه الاقتصادي والإداري الناتج إلى الانقسام والفساد».
وقال القماطي لـ«الشرق الأوسط» إن من يريد العمل اليوم أمامه ثلاثة خيارات: الواسطة للالتحاق بوظيفة حكومية، أو الهجرة، أو الخيار الأخطر، وهو ترك التعليم والانضمام لمجموعات مسلحة، مقابل رواتب تفوق أضعاف ما يتقاضاه أقرانه، الذين كانوا ربما متفوقين عليه دراسياً».
أوضح القماطي أن بعض الشباب الراغب في العمل يجد نفسه مضطراً إلى الانضمام للمجموعات مسلحة مقابل رواتب عالية (الشرق الأوسط)
وحذر القماطي من التداعيات النفسية والاجتماعية الخطيرة للبطالة، كتصاعد معدلات تعاطي المخدرات بين الشباب والإصرار على الهجرة، معتبراً ذلك انعكاساً «لإدراك الشباب عجزه عن تغيير الواقع، مع استمرار تأجيل الانتخابات وتشبث الفرقاء المتصارعين على السلطة والثروة بمقاعدهم، وتوجيه عوائد النفط لخدمة أجنداتهم».
في المقابل، شكك عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، في أرقام التقرير الدولي، موضحاً أن «من هم في سن العمل نحو أربعة ملايين، يعمل أكثر من مليونين ومائتي ألف منهم لدى الدولة، إلى جانب العاملين بالقطاع الخاص المحدود، وهو ما يجعل النسب التي أوردها التقرير لا تكتسب مصداقية».
ودعا ابن شرادة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى تنشيط القطاع الخاص عبر مزيد من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يقلل الأعباء على الباب الأول بالميزانية، أي رواتب العاملين بالدولة.
وطبقاً لبيانات المصرف المركزي، تجاوزت فاتورة الرواتب لعام 2025 حاجز الـ73 مليار دينار، مستحوذةً على ما يقارب نصف الميزانية العامة المعتمدة.