لخمس ساعات ونصف الساعة، سادت حالة من الارتباك، إذ لم تعرف العائلات في إنجلترا ولا الجماهير الموجودة في كأس العالم الموعد الحقيقي لانطلاق مواجهة إنجلترا والمكسيك.
وبحسب صحيفة «التلغراف» البريطانية، وصل لاعبو المنتخب الإنجليزي إلى مدينة مكسيكو وهم لا يقلون دهشةً عن ملايين العائلات في بريطانيا، بعدما بدأت الشائعات تنتشر في العاصمة المكسيكية حول تغيير موعد مباراتهم أمام أصحاب الأرض.
بدأ واحد من أكثر فصول كأس العالم إثارة للجدل عند الساعة السادسة والنصف مساءً بتوقيت بريطانيا، عندما أعلن الصحافي المكسيكي أندريس فاكا عبر إذاعة «تي يو دي إن» أنَّ مباراة الأحد على ملعب «أزتيكا» ستُقدَّم 6 ساعات كاملة.
واستند تقريره إلى مصادر وصفها بالمطلعة، وسرعان ما تبعه عدد من الصحافيين المكسيكيين، مؤكدين أنَّ السبب يعود إلى تحذيرات من عواصف كهربائية متوقعة دفعت إلى التفكير في تغيير موعد المباراة بصورة مفاجئة.
في البداية، قوبلت هذه الأنباء بكثير من التشكيك، خصوصاً داخل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، الذي أكد في أحاديث خاصة أنَّه لم يتلقَّ أي إخطار رسمي بهذا الشأن.

ففكرة تقديم موعد مباراة بهذا الحجم 6 ساعات كاملة، وفي هذا التوقيت المتأخر، كانت سابقة لم تحدث من قبل. حتى غاري نيفيل قال لاحقاً إنَّه لم يشهد قراراً مماثلاً حتى في مباريات الهواة.
لكن بعدما أكدت مصادر داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم لصحيفة «التلغراف» ووسائل إعلام أخرى أنَّ هناك مناقشات جارية بالفعل، بدأت خمس ساعات ونصف الساعة من الفوضى غير المسبوقة.
داخل معسكر إنجلترا
كان لاعبو إنجلترا يستعدون للتوجُّه إلى مطار كانساس سيتي للسفر إلى مدينة مكسيكو عندما بدأت الأنباء تصل إليهم. وتوقَّف كل من ماركوس راشفورد ومورغان روغرز للحديث إلى وسائل الإعلام، محاولين إظهار الهدوء أمام عقبة جديدة تواجه المنتخب، الذي لم يكن يملك أصلاً وقتاً كافياً للاستعداد للعب على ارتفاع يبلغ 2240 متراً فوق سطح البحر.
وقال راشفورد: «بالتأكيد ليس الوضع مثالياً، لكن في النهاية لا يغيِّر ذلك شيئاً».
وأضاف روغرز: «إنَّها مجرد عقبة أخرى علينا تجاوزها».
لكن خلف الكواليس، كان الاتحاد الإنجليزي يشعر باستياء شديد. والمفاجأة أنَّ الاتحاد المكسيكي بدا أكثر غضباً، إذ وصف مدرب المنتخب المكسيكي خافيير أغييري، في أثناء مؤتمره الصحافي، التغيير المقترح بأنه «ضربة موجعة في الصميم».
ولأن المباراة كانت مقررة أصلاً عند الواحدة فجراً بتوقيت بريطانيا صباح الاثنين، فإنَّ نقلها إلى السابعة مساءً الأحد كان سيُشكِّل تحولاً كبيراً بالنسبة للعائلات البريطانية، وكذلك الحانات والمطاعم التي تستعد لنقل المباراة.
خبر كبير في بريطانيا
وخلالء تحليق بعثة إنجلترا إلى المكسيك، قرابة التاسعة مساءً بتوقيت بريطانيا، بدأ كثير من الآباء يبلغون أبناءهم بأنهم سيتمكَّنون من مشاهدة المباراة بعد كل شيء.
ولم يقتصر التأثير على الجماهير، بل امتد أيضاً إلى أصحاب الحانات والمطاعم، الذين عاشوا أسبوعاً مضطرباً بعدما منحهم رئيس الوزراء السير كير ستارمر تصريحاً استثنائياً يسمح لهم بالإبقاء على منشآتهم مفتوحة حتى الخامسة صباحاً.
وقالت كيت ديفيدسون، صاحبة حانة «أولد آيفي هاوس» في شمال لندن: «لقد بذلنا كل ما نستطيع لتوفير موظفين للعمل طوال الليل، إضافة إلى رجال الأمن، وكل الترتيبات اللازمة».
كما بدأت السلاسل التجارية الكبرى في إعادة ترتيب خططها التشغيلية. وقال مات سنيل، الرئيس التنفيذي لمجمع «بوكس بارك»: «إذا تمَّ تقديم المباراة، فسيكون ذلك أسهل بكثير للجماهير التي ترغب في التجمُّع ومتابعة اللقاء في أجواء جماعية».
ارتباك المسافرين إلى المكسيك
أما بالنسبة للمشجعين الإنجليز الذين اشتروا تذاكر المباراة، فكانت الأزمة أكثر تعقيداً.
فمعظمهم كان سيصل إلى مدينة مكسيكو مساء السبت، لكن عدداً منهم كان مقرراً أن يصل مباشرة من الولايات المتحدة يوم الأحد، ما يعني أن تقديم المباراة كان سيؤدي إلى فواتها عليهم.
وكتب أحد المشجعين في موقع خاص بجماهير المنتخب الإنجليزي أنه اضطر للنظر في شراء تذكرة جديدة من أتلانتا مقابل ألف دولار إضافية.
أما مسؤولو «رابطة مشجعي إنجلترا» الموجودون في المكسيك، فأكدوا أنَّهم لا يملكون أي معلومات إضافية، وأنهم يعيشون حالة الغموض نفسها.
انقلاب جديد في الموقف
وبينما كانت طائرة المنتخب الإنجليزي في طريقها إلى مدينة مكسيكو، تبدَّلت الأجواء مرة أخرى.
فبعد الغضب الذي أبداه الاتحادان الإنجليزي والمكسيكي من حالة الارتباك، لم يصدر الإعلان الرسمي المنتظر من الاتحاد الدولي.

وقبيل الساعة الـ11 مساءً بتوقيت بريطانيا، بدأ صحافيون مكسيكيون يؤكدون أنَّ المباراة ستعود إلى موعدها الأصلي.
وكتب الصحافي جيبران أرايغي: «يبدو أن (فيفا) تراجع عن فكرة تغيير الموعد، وكل المؤشرات تؤكد أنَّ المباراة ستُقام في السادسة مساءً بتوقيت المكسيك، فالطرفان غاضبان».
وقبيل منتصف الليل، تأكَّد الأمر رسمياً، بعدما اتفق الاتحاد الدولي والاتحادان الإنجليزي والمكسيكي على إقامة المباراة في موعدها الأصلي دون أي تعديل.
وصول إنجلترا إلى مدينة مكسيكو
هبطت بعثة المنتخب الإنجليزي في مدينة مكسيكو قرابة الواحدة صباحاً، لتتلقى تأكيداً بإمكان العودة إلى برنامجها الأصلي للتحضير للمباراة.
ولم تنتظر الجماهير المكسيكية طويلاً لإظهار عدائها الرياضي، إذ أطلقت صافرات الاستهجان على لاعبي إنجلترا في أثناء نزولهم من الحافلة ووصولهم إلى الفندق، رغم أنَّ الاتحاد الإنجليزي كان قد اتخذ إجراءات كبيرة لإبقاء تفاصيل تحركات الفريق سرية.
لماذا فكر «فيفا» في تغيير الموعد؟
استيقظ البريطانيون، صباح السبت، وهم يتساءلون عن سبب تفكير الاتحاد الدولي أصلاً في تغيير موعد المباراة.
وأكدت مصادر مطلعة على المناقشات أنَّ الأحوال الجوية لم تكن السبب الوحيد.
فقد أصبحت الظروف المناخية القاسية مصدر قلق دائم خلال هذه البطولة، إذ شهدت بطولة كأس العالم للأندية التي أُقيمت العام الماضي في الولايات المتحدة 6 حالات تأجيل كبيرة؛ بسبب الطقس خلال 63 مباراة.
لكن مصادر مطلعة أكدت أيضاً أنَّ الاحتفالات الجماهيرية في مدينة مكسيكو عقب فوز المنتخب المكسيكي على الإكوادور في دور الـ32، والتي أسفرت عن وفاة 4 أشخاص، كانت أحد أبرز أسباب التفكير في تغيير موعد المباراة.
ومع الإبقاء على الموعد الأصلي، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى تأثير العواصف على سير اللقاء، خصوصاً أنَّ التوقعات تشير إلى احتمال يبلغ 90 في المائة لحدوث صواعق برق مع موعد انطلاق المباراة.
ومن المنتظر أن يعقد الاتحاد الدولي لكرة القدم اجتماعاً مع المنظِّمين المحليِّين، السبت؛ لمناقشة أي اضطرابات محتملة، تشمل ـ بحسب ما علمته «التلغراف» ـ تنظيم احتجاجَين كبيرَين على الأقل داخل المدينة.
ومع توقُّع نزول ملايين الأشخاص إلى شوارع مدينة مكسيكو، وسط يوم طويل من الاحتفالات والتجمعات الجماهيرية، قد تكون الفوضى الحقيقية لم تبدأ بعد، وستكشف الساعات المقبلة ما إذا كان الاتحاد الدولي سيندم على هذا التراجع المفاجئ الذي أثار كل هذا الجدل.


