جدل ليبي حول زيادة رواتب العسكريين رغم الأزمة الاقتصادية

البعض يرونها «استرضاءً أمنياً»... وآخرون يخشون «تفريغ الكفاءات»

صدام حفتر خلال اجتماع مع عدد من منتسبي «الجيش الوطني» (الجيش الوطني)
صدام حفتر خلال اجتماع مع عدد من منتسبي «الجيش الوطني» (الجيش الوطني)
TT

جدل ليبي حول زيادة رواتب العسكريين رغم الأزمة الاقتصادية

صدام حفتر خلال اجتماع مع عدد من منتسبي «الجيش الوطني» (الجيش الوطني)
صدام حفتر خلال اجتماع مع عدد من منتسبي «الجيش الوطني» (الجيش الوطني)

يعكس الحراك الشعبي وإغلاق المقرات الحكومية بالعاصمة الليبية غضباً متصاعداً لا يتوقف عند أزمة انقطاع الكهرباء، بل يمتد للتنديد بالإنفاق من دون أولويات للحكومتين المتنازعتين، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية، وسط حالة من الجدل حول الأسباب التي تدعو إلى ذلك.

وكانت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة قد اعتمدت في 22 يوليو (تموز) الحالي رواتب منتسبيها، أسوة بقرار سبق أن اتخذه مجلس النواب الليبي بزيادة رواتب منتسبي القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» المتمركز شرق وجنوب البلاد.

الدبيبة يترأس اجتماعاً سابقاً لحكومته في طرابلس (حكومة الوحدة)

لكن إقرار الزيادات أثار تساؤلات عدة، أبرزها قدرة الخزانة على تحملها في بلد يشهد تأخراً متكرراً بصرف الرواتب، وحول إذا كان هدف المؤسسة العسكرية المنقسمة بين شرق وغرب البلاد منحصراً في «إرضاء عناصرها وضمان ولائهم فقط؛ أم استقطاب مزيد من الشباب؟».

بداية، أبدى رئيس المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشريف عبد الله، تفهمه لقرار حكومة «الوحدة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، عادّاً أنه «جاء لحماية صفها الداخلي، ورداً على تحركات (الجيش الوطني) في الشرق، خصوصاً مع إعلانه بدء صرف الزيادات الشهر الماضي».

وحذّر عبد الله في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من «تداعيات كارثية لهذه الزيادات التنافسية على الميزانية»، مشيراً إلى أن «الباب الأول المعني بالرواتب بات يلتهم 73 في المائة من تلك الميزانية، وفقاً للتقارير الرقابية». وذكر أن وزارة الدفاع بطرابلس «تحصلت على مخصصات ضخمة، تجاوزت العام الماضي 4.5 مليار دينار، فيما حصلت القيادة العامة لـ(الجيش الوطني) على رقم مماثل»، وتوقع «مضاعفة تلك الأرقام بالنظر إلى أن الزيادة تشمل طلاب الكليات والمدارس الثانوية العسكرية، إذ سيحصل كل طالب بالأخيرة على ألف دينار، والمستجد بمركز تدريب على 800 دينار، إضافة إلى علاوات التموين والملابس».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين: الأولى «الوحدة» برئاسة الدبيبة في طرابلس، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير شرق البلاد وأجزاء من الجنوب، بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

ووفقاً لمشروع قانون الميزانية الموحدة لعام 2025، الصادر عن البرلمان، فقد تلقت «القيادة العامة» بالشرق ميزانية مستقلة بلغت 5.5 مليار دينار، منها 4.1 مليار للرواتب.

وزير داخلية «الوحدة» قال إن عدد عناصر وزارته يقارب 400 ألف فرد (جهاز دعم مديريات أمن المناطق)

ولفت الخبير الأمني إلى أن الانقسام السياسي «تسبب في غياب إحصاءات رسمية، ما دفع المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا وغربها، بالإضافة إلى وزارة الداخلية في طرابلس، لتضخيم أعداد منتسبيها بوصفه مظهراً للقوة»، لافتاً إلى تصريح وزير داخلية «الوحدة» عماد الطرابلسي قبل عامين بأن عدد عناصر وزارته يقارب 400 ألف فرد، وتصريحات بعض قيادات بالجيش الوطني بأن عدد مقاتليه يقترب من 100 ألف.

ووفقاً لدراسة بمركزه، يقدر عبد الله العدد الفعلي للمسجلين بالداخلية والجيش في ليبيا «بين 250 إلى 280 ألف عنصر»، عادّاً ذلك «رقماً كبيراً جداً قياساً بسكان لا يتجاوز عددهم 7.5 مليون»، لافتاً إلى تنامي «ظاهرة الأسماء الوهمية في أغلب المؤسسات الليبية بعد عام 2011».

وحذّر عبد الله من الأثر الاجتماعي والوظيفي للأمر، موضحاً أن «ازدياد عدد الطلاب العسكريين يعني مزيداً من تكدس العاملين بالدولة، وهم حالياً قرابة 2.2 مليون موظف»، وفيما نوه بأن «الأخطر هو أن طالب الكلية العسكرية يتقاضى نحو 1500 دينار شهرياً، لكن ذلك يرتفع لأكثر من 3500 خلال سنوات التعيين الأولى»، لافتاً إلى أن «خريجي الطب والهندسة لا يحصلون على أي شيء، وهذا قد يدفع الشباب إلى هجر التعليم المدني، ويفجر أزمة حول مصير هذه الأعداد حال توحيد المؤسسة».

يقدر العدد الفعلي للمسجلين بالداخلية والجيش في ليبيا بين 250 إلى 280 ألف عنصر (إ.ب.أ)

بدوره انتقد مدير «مركز صادق للدراسات»، أنس القماطي، الزيادات الأخيرة في رواتب العسكريين، ووصفها بأنها «تحول العمل العسكري إلى بوابة سريعة لوظيفة مضمونة براتب مغرٍ، وكيف أنها لا تبني جيشاً بل تصنع طابوراً جديداً من المنتسبين».

وتحدث في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عما رآه «تناقضاً»، وقال إن «القوى الفاعلة بالشرق والغرب ترسل إشارات لواشنطن بجاهزيتها للسلام وتوحيد الجيش وفق (المبادرة الأميركية)، بينما ترفع في الوقت نفسه رواتب رجال قد يتقاتلون فعلياً إذا انهار السلام». عادّاً أن «إقرار الزيادات، في ظل خوض محادثات توحيد الجيش، ينبئ بعدم الثقة بالمبادرة».

وأضاف: «للأسف الخزينة العامة تتكبد فاتورة السباق بين كيانات عسكرية لا يُعرف عدد منتسبيها بدقة، ولا إن كان جميعهم ليبيين أم مرتزقة، فضلاً عن حجم التسليح»، لافتاً إلى «تحذير (المصرف المركزي) رسمياً لوزارة المالية الشهر الماضي من تجاوز الإنفاق على المرتبات والمخصصات المعتمدة لهذا العام».

ويرى الباحث أن «ارتفاع إنتاج النفط وقفزة الإيرادات الشهرية لقرابة 4 مليارات دولار، وهو أعلى أداء مالي منذ سنوات، ربما شجع ذلك القيادات شرقاً وغرباً على المضي في زيادة رواتب حاملي السلاح بدلاً من معالجة أزمة الكهرباء».

ويعتقد القماطي أن الهدف يتمثل في «استرضاء وضمان ولاء العناصر والرتب العسكرية والأمنية لهم لأطول فترة ممكنة، خصوصاً مع تصاعد الغضب الشعبي جراء الغلاء المعيشي الطاحن، وغياب أي مؤشرات بشأن إجراء الانتخابات حلم جل الليبيين».

ويرى مراقبون أن ملف المرتبات بات أحد أبرز عناوين الجدل حول العدالة الاجتماعية وإدارة المال العام، بالنظر لتدني أجور موظفي قطاعات حكومية، مقارنة بأقرانهم في مؤسسات سيادية أو عسكرية، رغم تقارب المؤهلات والمسؤوليات.


مقالات ذات صلة

هل تدفع «آلية دول جوار ليبيا» باتجاه تنفيذ اتفاق «4+4»؟

شمال افريقيا اجتماع وزراء خارجية دول الجوار الليبي مصر وتونس والجزائر في القاهرة في أغسطس الماضي (الخارجية المصرية)

هل تدفع «آلية دول جوار ليبيا» باتجاه تنفيذ اتفاق «4+4»؟

مع انتقال اتفاق «4+4» الليبي من مرحلة التفاوض إلى اختبار التنفيذ، يبرز التساؤل حول مدى قدرة «آلية دول الجوار الثلاثية» مصر والجزائر وتونس على الإسهام في دعمه.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا وكيل وزارة الدفاع بـ«الوحدة» عبد السلام الزوبي يتوسط رئيس الأركان العامة صلاح النمروش (إلى اليسار) ورئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه في لقاء سابق (وزارة الدفاع)

ليبيا: مناوئو الدبيبة يلوّحون بإعادة تفعيل «المجالس العسكرية»

عقد المجلس العسكري في مصراتة الليبية اجتماعاً حضره ممثلون عن المجالس العسكرية في 11 مدينة بغرب ليبيا، اتفقوا خلاله على تفعيل المجالس العسكرية وتكوين اتحاد لها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

أثارت إعدامات نُفذت بحق أكثر من 30 شخصاً في بنغازي انتقادات للبعثة الأممية لدى ليبيا بعد دعوتها سلطات شرق البلاد إلى وقف تنفيذ أحكام إعدام جديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا نائب قائد «الجيش الوطني» الليبي الفريق صدام حفتر مع وزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف بموسكو في أغسطس الماضي (الجيش الوطني)

الحضور الروسي يتعزز في شرق ليبيا وجنوبها... ويثير تساؤلات

تثير أنباء وصول قافلة بحرية روسية إلى طبرق الليبية تساؤلات بشأن تنامي الحضور العسكري لموسكو في شرق البلاد وجنوبها، في ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون أفارقة يتلقون الإسعافات من خفر السواحل الليبي (خفر السواحل الليبي)

المهاجرون الإريتريون في سجون ليبيا... تعذيب وتجويع واغتصاب

وجد مهاجرون إريتريون كانوا يأملون في الوصول إلى أوروبا، أنفسهم محتجزين في سجن بشرق ليبيا تحت رحمة سجّانين يطالبون عائلاتهم بدفع مبالغ مالية مقابل إطلاق سراحهم.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)

الجيش السوداني يصُدّ هجوماً في ولاية النيل الأزرق


جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يصُدّ هجوماً في ولاية النيل الأزرق


جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)

أعلنت سلطات محلية في إقليم النيل الأزرق أن الجيش السوداني تصدّى لهجوم شنته «قوات الدعم السريع» على منطقة الكيلي بمحلية الكُرمك، قرب الحدود مع إثيوبيا. وقالت محافظة الكرمك، شرق البلاد، إن القوة المهاجمة انطلقت من الأراضي الإثيوبية، بينما أعلن الجيش تنفيذ هجوم استباقي جنوب الكيلي، قال إنه أسفر عن مقتل عناصر من «الدعم السريع» وتدمير 9 مركبات قتالية.

وفي تطور موازٍ، أعلن الجيش استعادة 11 منطقة في ولاية شمال كردفان عقب معارك مع «الدعم السريع»، بينها كجمر وشرشار والقليعات وأولاد حزمة ومناطق حول المزروب.


الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
TT

الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)

يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، ناتجة عن تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة من البلاد، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع تكاليف الإنتاج، وسط مخاوف من انعكاس ضعف الموسم الحالي، على توفر الغذاء وأسعار سلعه خلال الموسم المقبل.

وبدأت تداعيات الأزمة تظهر بالفعل في بعض مناطق غرب السودان، مع تدهور المراعي ونفوق الماشية وارتفاع أسعار الحبوب، بينما تراوحت أسعار جوال الذرة؛ وهي الغذاء الرئيسي في معظم أنحاء السودان بين 500 و600 ألف جنيه للأردب، وفقاً لمعلومات ميدانية.

وقالت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في أحدث تصريحاتها، إن الأمطار التراكمية خلال موسم يونيو (حزيران) - سبتمبر (أيلول)، جاءت دون المتوسط في معظم مناطق إنتاج المحاصيل، ما أثر في الإنبات ونمو المزروعات وأثار مخاوف بشأن إنتاج الحبوب في 2026.

مزارع سوداني يحرث أرضاً زراعية في ولاية القضارف بشرق البلاد وسط الجفاف (أ.ف.ب)

وقال رئيس «تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل» عابدين برقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن علامات تعثر الموسم كانت واضحة منذ بدايته، وإن عدداً كبيراً من المزارعين أحجموا عن الزراعة، قبل أن تشجع إحدى المنظمات بعضهم على اللحاق بالموسم، وتوفر لهم التمويل.

وأضاف: «العطش بدأ يظهر على المحاصيل، ونحمّل إدارة الري مسؤولية عدم تنظيف جميع الترع من الحشائش والطمي، ما أعاق تدفق المياه إلى الأراضي المزروعة».

وأضاف برقاوي أن المياه تصل إلى 6 مزارع من جملة 18 في المنطقة، وشح الأمطار فاقم المشكلة، مشيراً إلى أن نحو 50 في المائة من المساحة المزروعة بالذرة والفول والقطن، مهددة بالعطش، محذراً من أن يؤدي تلف المحاصيل إلى عجز المزارعين عن تسديد ديون تمويل الموسم.

النيل موجود والمياه لا تصل

في الولاية الشمالية، ترتبط أزمة الري بانقطاع الكهرباء اللازمة لتشغيل الطلمبات، وقال رئيس «اتحاد مزارعي دنقلا»، طه جعفر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن غير مستفيدين من النيل، لا في الزراعة، ولا مياه الشرب»، وأشار إلى أن «الكثيرين من المزارعين أحجموا هذا الموسم عن زراعة الفول والقمح لعدم توفر مياه الري بصورة كافية».

وصلت الشاحنات أخيراً إلى مخيم زمزم المنكوب بالمجاعة في شمال دارفور (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «ترعتا السليم وأرقو كانتا تمتلآن بالمياه في مثل هذا الوقت من العام، لكنهما أصبحتا جافتين الآن»، وتابع: «حتى أشجار النخيل التي عمرها عشرات السنين جفت».

مقابل ذلك، قال وزير الطاقة المعتصم إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إن توفير الكهرباء للمشاريع الزراعية تم وضعه ضمن أولويات الموسم، مؤكداً «تحسن الإمداد الكهربائي في الشمالية بالاعتماد على سد مروي والربط المصري والطاقة الشمسية».

مخاطر في سنار

في «مشروع البساطة» بولاية سنار جنوب البلاد، قال المزارع أيمن إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، إن انخفاض منسوب النيل الأزرق يزيد مخاطر الموسم، خصوصاً بالنسبة للمحاصيل النقدية مرتفعة التكلفة.

وأوضح أن نحو 10 آلاف فدان استهدفتها الزراعة، نبت منها نحو 7500 فدان اعتماداً على الأمطار، بينما بقي نحو 2500 فدان دون زراعة، وأضاف: «حتى 27 أغسطس (آب) الماضي، لم تكن طلمبات المشروع قد بدأت العمل بسبب انخفاض منسوب النيل الأزرق، مما زاد اعتماد المحاصيل على الأمطار».

دارفور وكردفان... الخطر يتسع

تبدو الأزمة أشد في أجزاء من غرب السودان، حيث يهدد نقص الأمطار، الزراعة والمراعي ومصادر مياه الحيوانات معاً. وقال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، عقب زيارة للسودان، إن دارفور لم تشهد مثل هذا الجفاف منذ عام 1984، محذراً من «تأثيره الخطير المحتمل على الزراعة ونتائج الموسم».

طفلة تظهر عليها أعراض سوء التغذية (متداولة)

وفي «جبل عيسى» بشمال دارفور، أعلنت غرفة الطوارئ في منصتها، عن نفوق أكثر من 420 رأساً من الضأن نتيجة شح الأمطار وانعدام المراعي ومصادر المياه.

وظهرت انعكاسات الأزمة في أسواق الحبوب؛ إذ تشير «فاو» إلى أن أسعار الذرة والدخن ارتفعت في يونيو الماضي بمعظم الأسواق التي ترصدها، وأصبحت في المتوسط تقارب 7 أضعاف مستوياتها قبل اندلاع الحرب في مارس (آذار) 2023.

وسجلت أسواق في دارفور وكردفان ارتفاعات أكبر مع تناقص المعروض وتعطل طرق التجارة، ووصل سعر جوال الدخن في أم كدادة بشمال دارفور إلى نحو 600 ألف جنيه في أغسطس، فيما تشير معلومات ميدانية إلى تداول جوال الذرة بنحو 500 - 600 ألف جنيه في معظم أسواق المحاصيل بالبلاد.

ولا ترتبط الزيادات في الأسعار بشح الأمطار وحده؛ إذ أسهمت الحرب وإغلاق الطرق وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وتراجع محصول العام الماضي، في الضغط على الأسعار.

وفي غرب كردفان، حذرت «غرفة طوارئ دار حمر»، من أزمة غذائية في مناطق: ود بندة، والنهود، وغبيش، وأبو زبد، والأضية، والخوي، في ظل شح الأمطار وتضرر الزراعة والحرب وصعوبة حركة السلع.

موسم متفاوت في جنوب كردفان

لكن الصورة ليست واحدة في جميع المناطق؛ إذ قال المزارع عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط»، إن الموسم يبدو مبشراً حتى الآن في شرق جنوب كردفان، خصوصاً في أبو جبيهة وكلوقي، حيث تمت زراعة القطن والسمسم.

أطفال نازحون في «مخيم زمزم» (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «الوضع يختلف في الدلنج وكادوقلي، حيث زرع بعض المواطنين أمام منازلهم، بينما تعثرت الزراعة في المشاريع الكبيرة بسبب الظروف الأمنية»، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج «منع كثيراً من المزارعين من الزراعة»، معرباً عن مخاوفه كذلك من ظهور آفات تهدد الذرة والسمسم.

موسم مقبل أكثر صعوبة

يثير ضعف الأمطار وتعثر الزراعة مخاوف من تراجع إنتاج الغذاء المحلي خلال الأشهر المقبلة، في بلد يعاني بالفعل أزمة جوع واسعة. ويقول برنامج الأغذية العالمي إن «نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع في السودان، بينهم نحو 5 ملايين في مستويات الطوارئ»، في وقت اضطر فيه البرنامج إلى تقديم حصص غذائية جزئية لبعض المستفيدين بسبب نقص التمويل.

كما حدد أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان تواجه خطر المجاعة في أسوأ سيناريو معقول إذا تصاعد القتال، وزاد النزوح وتعطل وصول الغذاء والمساعدات.

الحكومة: الإنتاج مطمئن

تقدم الحكومة تقييماً أكثر تفاؤلاً؛ إذ قال وزير الزراعة والري عصمت قرشي لـ«الشرق الأوسط»: «السودان لن يجوع، كما يزعم بعض التقارير التي تصدر عن بعض المنظمات»، مؤكداً أن موقف الإنتاج الزراعي «مطمئن».

قارب مهجور جنح على ضفاف النيل الأزرق وقاع النهر المكشوف في الخرطوم (أ.ف.ب)

وأشار قرشي إلى معالجة مشكلات الري في مناطق «السوكي، وحلفا، ومشروع الجزيرة»، وقال إن المرحلة الأولى من تمويل الموسم بلغت 700 مليار جنيه، وإن المبيدات متوفرة بكميات تكفي 3 سنوات.

لكن نتيجة الموسم الحالي ستظل حاسمة بالنسبة للأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق التي تجمع بين ضعف الأمطار والحرب والنزوح وتعطل الأسواق، وسط ارتفاع أسعار الحبوب وتراجع قدرة ملايين السودانيين على شراء الغذاء.


الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)

تدخل أفريقيا مرحلةً جديدةً من التنافس الدولي على النفوذ، مع اتساع مساحة الحضور الصيني في القارة مقابل تراجع نسبي في الاهتمام الأميركي بها، ولا تكتفي بكين بتوسيع شراكاتها الاقتصادية، بل تدفع بالتعاون العسكري والأمني إلى واجهة علاقاتها بالقارة السمراء وكان أحدث هذه الجهود «منتدى السلام والأمن الصيني - الأفريقي» الرابع.

ذلك المنتدى الذي جمع، بحسب بكين، مسؤولين في مجال الدفاع وممثلين عسكريِّين من الاتحاد الأفريقي و41 دولة أفريقية، يؤكد بحسب خبراء، أن «ذلك التعاون الدفاعي متصاعد، وأن الصين تزيد نفوذها بالقارة على أساس التعاون المتبادل في ظلِّ مواجهة المخاطر العسكرية والأمنية المتزايدة بخلاف واشنطن التي تقوم شراكتها على الشروط والضغوط».

وفي كلمة رئيسية ألقاها خلال «منتدى السلام والأمن الصيني - الأفريقي» الذي عُقد في بكين، دعا وزير الدفاع الصيني دونغ جيون إلى بذل مزيد من الجهود لتعزيز التعاون في مجال الدفاع بين الصين وأفريقيا، بحسب ما نقلته وكالة أنباء «شينخوا» الصينية، مساء الخميس.

وشدَّد على أن «التعاون في مجال الأمن بين الصين وأفريقيا يعود بالنفع على الجانبين، ويسهم في الاستقرار العالمي»، داعياً إلى «تعاون طويل الأمد يقوم على المساواة والمنفعة المتبادلة».

وقال دونغ: «إن الجيش الصيني مستعدٌّ للعمل مع الدول الأفريقية لتعزيز التنسيق الاستراتيجي، وتحسين آليات التبادل الدفاعي الشاملة والمتعددة المستويات، وتعميق التعاون الإقليمي في مجال الأمن البحري، وتعزيز القدرات الدفاعية».

خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، يوضِّح لـ«الشرق الأوسط»،أن المنتدى «يمثل فرصةً كبيرةً لتعزيز التعاون الدفاعي بين بكين وأفريقيا، مع التنامي المتسارع للنفوذ والوجود الصيني داخل معظم دول القارة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وتقديم نفسها شريكاً استراتيجياً بخلاف نهج واشنطن القائم على الشروط والضغوط، وهذا أحد أسباب التجاوب الأفريقي».

بعض الوزراء والمسؤولين الأفارقة المشاركين في «المنتدى الصيني - الأفريقي» (وكالة الأنباء الصومالية)

وتعتقد الخبيرة في الشؤون الصينية تمارا برو، أن بكين «تعزز حضورها الاستراتيجي المتصاعد في القارة الأفريقية الغنية بالموارد اعتماداً على مبدأ المنفعة المتبادلة (رابح - رابح) لحماية الممرات لضمان تدفق هذه الموارد وحماية مصالحها الاستثمارية، ومن دون فرض شروط سياسية أو التدخل في الشؤون الداخلية للحكومات، بخلاف النهج الأميركي الذي يربط التعاون والمساعدات بملفات حقوق الإنسان وطبيعة أنظمة الحكم».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن دعوة وزير الدفاع الصيني «تتكامل مع خطة عمل منتدى التعاون الصيني - الأفريقي (2025 - 2027)، التي تشمل تقديم منح وعائدات عسكرية وتدريب الضباط الأفارقة في الصين، وتنفيذ تدريبات ودوريات بحرية مشتركة، وتقديم المساعدة في مجالات مكافحة الإرهاب، وإزالة الألغام، وتأمين خطوط الملاحة، وتسويق الأسلحة الصينية، وبناء شبكة أمنية طويلة الأمد لحماية المصالح الاقتصادية».

أيضاً يؤكد الخبير الصيني في العلاقات الدولية، يحيى تشو شيوان لـ«الشرق الأوسط»، أن الدول الأفريقية «في حاجة فعلية إلى تعزيز قدراتها الذاتية في مجال الأمن والدفاع، وهذه الدعوة الصينية ستلاقي تجاوباً»، موضحاً أن «هذا التعاون لا يعني أن بكين تسعى إلى توسيع ما يسمى (النفوذ العسكري في أفريقيا)، أو طلب الاختيار بينها وبين واشنطن، أو توجيه التعاون ضد أي طرف ثالث، بل تسعى لاستقرار القارة؛ ما يصب في صالح بكين».

مشاركون أفارقة في «المنتدى الصيني - الأفريقي» (وكالة الأنباء الصومالية)

ونقلت «شينخوا» عن الممثلين الأفارقة المشاركين في المنتدى، «تقديرهم للمساعدة والدعم اللذين تقدمهما الصين في مجالَي الدفاع والتنمية العسكرية»، مؤكدين أن «الدول الأفريقية مستعدة لمواصلة تعزيز التعاون مع الصين في مجالَي الدفاع والأمن، والإسهام في تنمية العلاقات بين أفريقيا والصين».

وكشفت «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، أن وزير الدفاع أحمد معلم فقي، شارك في هذا المنتدى، لافتة إلى أنه بحث مجالات التعاون في الدفاع والتدريب وبناء قدرات القوات المسلحة، إلى جانب الاستفادة من الدعم الدولي بما يتوافق مع الاحتياجات والأولويات الوطنية.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، التقى فقي، نظيره الصيني دونغ جون، في العاصمة بكين، في أول لقاء على المستوى الوزاري بين البلدين منذ نحو 4 عقود؛ لبحث تطوير التعاون الثنائي في مجالات الأمن والدفاع.

وهنا يعتقد يحيى تشو شيوان، أن الصومال «بوصفه دولة ذات سيادة، من حقه أن يختار شركاءه وفقاً لاحتياجاته في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن الوطني»، مؤكداً أنه «إذا عزَّزت الصين والصومال تعاونهما الدفاعي، فهذا طبيعي بين دولتين لهما سيادة،لكن التحدي الحقيقي أمام هذا التعاون في المستقبل هو كيف يمكن التعامل مع التهديدات الأمنية الآنية، وفي الوقت نفسه معالجة جذور الصراعات من خلال التنمية الاقتصادية».

هذا التجاوب الأفريقي الواسع، في ظلِّ التهديدات المتصاعدة بالقارة، يفتح بحسب تمارا برو، «آفاقاً للشراكة الدفاعية أمام الدول الأفريقية للاستفادة من التنافس الدولي بين واشنطن وبكين لتحسين شروطها التفاوضية، ونقل التكنولوجيا والخبرات العسكرية، وتطوير قدراتها الذاتية للحد من الاعتماد على القوات الأجنبية، لا سيما في مناطق مثل القرن الأفريقي؛ لمواجهة القرصنة وتأمين الموانئ».

في المقابل، تواجه هذه الشراكة تحديات جوهرية وفق برو «تتمثل في الاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية التي تمارسها الولايات المتحدة للحد من التمدد العسكري الصيني في القارة بدعوى حماية الأمن القومي الأميركي».

ورغم هذه التحديات التي تأتي في ظلِّ تحركات إسرائيلية بالقارة، يرى حسين البحيري، أن «هناك فرصاً لأفريقيا لتزيد تجاوبها مع بكين، في ظلِّ التراجع الأميركي عن دعم بعثات حفظ السلام في الدول الأفريقية، أو خفض التمويلات في عدد من المجالات الإنسانية جراء الصراعات».