جدل ليبي حول زيادة رواتب العسكريين رغم الأزمة الاقتصادية

البعض يرونها «استرضاءً أمنياً»... وآخرون يخشون «تفريغ الكفاءات»

صدام حفتر خلال اجتماع مع عدد من منتسبي «الجيش الوطني» (الجيش الوطني)
صدام حفتر خلال اجتماع مع عدد من منتسبي «الجيش الوطني» (الجيش الوطني)
TT

جدل ليبي حول زيادة رواتب العسكريين رغم الأزمة الاقتصادية

صدام حفتر خلال اجتماع مع عدد من منتسبي «الجيش الوطني» (الجيش الوطني)
صدام حفتر خلال اجتماع مع عدد من منتسبي «الجيش الوطني» (الجيش الوطني)

يعكس الحراك الشعبي وإغلاق المقرات الحكومية بالعاصمة الليبية غضباً متصاعداً لا يتوقف عند أزمة انقطاع الكهرباء، بل يمتد للتنديد بالإنفاق من دون أولويات للحكومتين المتنازعتين، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية، وسط حالة من الجدل حول الأسباب التي تدعو إلى ذلك.

وكانت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة قد اعتمدت في 22 يوليو (تموز) الحالي رواتب منتسبيها، أسوة بقرار سبق أن اتخذه مجلس النواب الليبي بزيادة رواتب منتسبي القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» المتمركز شرق وجنوب البلاد.

الدبيبة يترأس اجتماعاً سابقاً لحكومته في طرابلس (حكومة الوحدة)

لكن إقرار الزيادات أثار تساؤلات عدة، أبرزها قدرة الخزانة على تحملها في بلد يشهد تأخراً متكرراً بصرف الرواتب، وحول إذا كان هدف المؤسسة العسكرية المنقسمة بين شرق وغرب البلاد منحصراً في «إرضاء عناصرها وضمان ولائهم فقط؛ أم استقطاب مزيد من الشباب؟».

بداية، أبدى رئيس المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشريف عبد الله، تفهمه لقرار حكومة «الوحدة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، عادّاً أنه «جاء لحماية صفها الداخلي، ورداً على تحركات (الجيش الوطني) في الشرق، خصوصاً مع إعلانه بدء صرف الزيادات الشهر الماضي».

وحذّر عبد الله في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من «تداعيات كارثية لهذه الزيادات التنافسية على الميزانية»، مشيراً إلى أن «الباب الأول المعني بالرواتب بات يلتهم 73 في المائة من تلك الميزانية، وفقاً للتقارير الرقابية». وذكر أن وزارة الدفاع بطرابلس «تحصلت على مخصصات ضخمة، تجاوزت العام الماضي 4.5 مليار دينار، فيما حصلت القيادة العامة لـ(الجيش الوطني) على رقم مماثل»، وتوقع «مضاعفة تلك الأرقام بالنظر إلى أن الزيادة تشمل طلاب الكليات والمدارس الثانوية العسكرية، إذ سيحصل كل طالب بالأخيرة على ألف دينار، والمستجد بمركز تدريب على 800 دينار، إضافة إلى علاوات التموين والملابس».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين: الأولى «الوحدة» برئاسة الدبيبة في طرابلس، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تدير شرق البلاد وأجزاء من الجنوب، بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

ووفقاً لمشروع قانون الميزانية الموحدة لعام 2025، الصادر عن البرلمان، فقد تلقت «القيادة العامة» بالشرق ميزانية مستقلة بلغت 5.5 مليار دينار، منها 4.1 مليار للرواتب.

وزير داخلية «الوحدة» قال إن عدد عناصر وزارته يقارب 400 ألف فرد (جهاز دعم مديريات أمن المناطق)

ولفت الخبير الأمني إلى أن الانقسام السياسي «تسبب في غياب إحصاءات رسمية، ما دفع المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا وغربها، بالإضافة إلى وزارة الداخلية في طرابلس، لتضخيم أعداد منتسبيها بوصفه مظهراً للقوة»، لافتاً إلى تصريح وزير داخلية «الوحدة» عماد الطرابلسي قبل عامين بأن عدد عناصر وزارته يقارب 400 ألف فرد، وتصريحات بعض قيادات بالجيش الوطني بأن عدد مقاتليه يقترب من 100 ألف.

ووفقاً لدراسة بمركزه، يقدر عبد الله العدد الفعلي للمسجلين بالداخلية والجيش في ليبيا «بين 250 إلى 280 ألف عنصر»، عادّاً ذلك «رقماً كبيراً جداً قياساً بسكان لا يتجاوز عددهم 7.5 مليون»، لافتاً إلى تنامي «ظاهرة الأسماء الوهمية في أغلب المؤسسات الليبية بعد عام 2011».

وحذّر عبد الله من الأثر الاجتماعي والوظيفي للأمر، موضحاً أن «ازدياد عدد الطلاب العسكريين يعني مزيداً من تكدس العاملين بالدولة، وهم حالياً قرابة 2.2 مليون موظف»، وفيما نوه بأن «الأخطر هو أن طالب الكلية العسكرية يتقاضى نحو 1500 دينار شهرياً، لكن ذلك يرتفع لأكثر من 3500 خلال سنوات التعيين الأولى»، لافتاً إلى أن «خريجي الطب والهندسة لا يحصلون على أي شيء، وهذا قد يدفع الشباب إلى هجر التعليم المدني، ويفجر أزمة حول مصير هذه الأعداد حال توحيد المؤسسة».

يقدر العدد الفعلي للمسجلين بالداخلية والجيش في ليبيا بين 250 إلى 280 ألف عنصر (إ.ب.أ)

بدوره انتقد مدير «مركز صادق للدراسات»، أنس القماطي، الزيادات الأخيرة في رواتب العسكريين، ووصفها بأنها «تحول العمل العسكري إلى بوابة سريعة لوظيفة مضمونة براتب مغرٍ، وكيف أنها لا تبني جيشاً بل تصنع طابوراً جديداً من المنتسبين».

وتحدث في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عما رآه «تناقضاً»، وقال إن «القوى الفاعلة بالشرق والغرب ترسل إشارات لواشنطن بجاهزيتها للسلام وتوحيد الجيش وفق (المبادرة الأميركية)، بينما ترفع في الوقت نفسه رواتب رجال قد يتقاتلون فعلياً إذا انهار السلام». عادّاً أن «إقرار الزيادات، في ظل خوض محادثات توحيد الجيش، ينبئ بعدم الثقة بالمبادرة».

وأضاف: «للأسف الخزينة العامة تتكبد فاتورة السباق بين كيانات عسكرية لا يُعرف عدد منتسبيها بدقة، ولا إن كان جميعهم ليبيين أم مرتزقة، فضلاً عن حجم التسليح»، لافتاً إلى «تحذير (المصرف المركزي) رسمياً لوزارة المالية الشهر الماضي من تجاوز الإنفاق على المرتبات والمخصصات المعتمدة لهذا العام».

ويرى الباحث أن «ارتفاع إنتاج النفط وقفزة الإيرادات الشهرية لقرابة 4 مليارات دولار، وهو أعلى أداء مالي منذ سنوات، ربما شجع ذلك القيادات شرقاً وغرباً على المضي في زيادة رواتب حاملي السلاح بدلاً من معالجة أزمة الكهرباء».

ويعتقد القماطي أن الهدف يتمثل في «استرضاء وضمان ولاء العناصر والرتب العسكرية والأمنية لهم لأطول فترة ممكنة، خصوصاً مع تصاعد الغضب الشعبي جراء الغلاء المعيشي الطاحن، وغياب أي مؤشرات بشأن إجراء الانتخابات حلم جل الليبيين».

ويرى مراقبون أن ملف المرتبات بات أحد أبرز عناوين الجدل حول العدالة الاجتماعية وإدارة المال العام، بالنظر لتدني أجور موظفي قطاعات حكومية، مقارنة بأقرانهم في مؤسسات سيادية أو عسكرية، رغم تقارب المؤهلات والمسؤوليات.


مقالات ذات صلة

تيتيه تدفع العملية السياسية رغم التناقضات الصارخة في ليبيا

شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن المخصصة لتطورات الأزمة الليبية (المجلس)

تيتيه تدفع العملية السياسية رغم التناقضات الصارخة في ليبيا

قدمت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، لأعضاء مجلس الأمن في نيويورك، اليوم (الثلاثاء)، صورة مليئة بالتناقضات في ليبيا.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا احتجاجات ليلية فى العاصمة طرابلس أمس الاثنين (من مقاطع نشرتها وسائل إعلام محلية)

الاحتجاجات تتواصل بالعاصمة الليبية بعد أزمة الكهرباء... و«الوحدة» تعد بحل

تشهد العاصمة الليبية مظاهرات احتجاجية تنديداً بانقطاعات واسعة للكهرباء. يأتي ذلك رغم تعيين عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» إدارة جديدة لشركة الكهرباء.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا ممثلو القيادة العامة في اللجنة الليبية المصغرة «4+4» في 5 أغسطس الحالي (البعثة الأممية)

المسار الأممي في ليبيا «مرتهن» لتوافقات القوى الفاعلة غرباً وشرقاً

تعاني العملية السياسية في ليبيا حالة من الجمود، في ظل تمسك طرفي الأزمة في غرب البلاد وشرقها برؤيتيهما للحل، وهو ما يرى متابعون أنه تسبب في تأجيل اجتماع «4+4».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرهينة الأميركي المفرج عنه كيفن رايدوت (وسائل إعلام موالية القيادة العامة)

«الوطني الليبي» يبث فيديوهات جديدة لـ«الرهينة الأميركي» بعد وصوله إلى بنغازي

احتفى ليبيون موالون لـ«الجيش الوطني» بعملية تحرير الرهينة الأميركي كيفن رايدوت، بينما ظهر الأخير وهو يشكر القيادة العامة على تأمين إطلاق سراحه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا  غرفة التحكم الرئيسية بشركة الكهرباء الليبية يوم الاثنين (من فيديو بثته الشركة)

غضب ليبي من انقطاع الكهرباء... ومقاولون يطالبون الدبيبة بمستحقاتهم

تصاعدت حالة الغضب الشعبي في ليبيا على خلفية حالة الإظلام التي عاشتها مناطق بغرب ووسط وجنوب البلاد لمدد تصل إلى 14 ساعة، في ظل درجة حرارة مرتفعة.

خالد محمود (القاهرة)

لجان تنفيذ «تفاهمات القاهرة» بشأن غزة... مناورة إسرائيلية لما بعد أكتوبر

صبي يحمل قطعةً من الخرسانة خلال تجميع الأنقاض من مبنى دُمِّر في حرب غزة (أ.ف.ب)
صبي يحمل قطعةً من الخرسانة خلال تجميع الأنقاض من مبنى دُمِّر في حرب غزة (أ.ف.ب)
TT

لجان تنفيذ «تفاهمات القاهرة» بشأن غزة... مناورة إسرائيلية لما بعد أكتوبر

صبي يحمل قطعةً من الخرسانة خلال تجميع الأنقاض من مبنى دُمِّر في حرب غزة (أ.ف.ب)
صبي يحمل قطعةً من الخرسانة خلال تجميع الأنقاض من مبنى دُمِّر في حرب غزة (أ.ف.ب)

تُجرى تحرُّكات مكثفة من الوسطاء لتنفيذ «تفاهمات القاهرة» بشأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة التي تمَّ التَّوصُّل لها نهاية يوليو (تموز) الماضي، كان أحدثها لقاءات جاريد كوشنر المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مصر وإسرائيل والتي تمخضت عن تشكيل لجان معنية لتنفيذ الاتفاق في شقين اثنين هما: سلاح الفصائل، والأوضاع الإنسانية.

ذلك المسار الجديد الذي تواجهه التفاهمات، عدّه خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» مناورةً إسرائيليةً جديدةً؛ نتيجة ضغوط كوشنر لإظهار أنَّ هناك التزاماً بها، ولكن الواقع سيحمل تسويفاً للشقِّ الأهم وهو الانسحاب الإسرائيلي مقابل نزع السلاح بالقطاع لما بعد الانتخابات المُقرَّرة في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل في تل أبيب، متوقعين البدء في مسار الأوضاع الإنسانية الذي تواجه تل أبيب بسببه انتقادات دولية.

وكان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قال في بيان، مساء الاثنين، إن «رئيس الوزراء ومجلس السلام أجريا مناقشات معمَّقة وبنّاءة، واتفق الطرفان على تشكيل فريقَي عمل، أحدهما معنيّ بنزع سلاح غزة وتجريدها من السلاح، وهو أمرٌ يحرص كلٌّ من إسرائيل ومجلس السلام على إنجازه على وجه السرعة قبل البدء بأيّ أعمال إعادة إعمار في غزة».

وأضاف: «أما فريق العمل الثاني، فسيركّز على الصرف الصحي والمياه النظيفة وغيرهما من قضايا الصحة العامة لسكان غزة، والتي تؤثر أيضاً على سكان إسرائيل».

وقاد كوشنر، الاثنين والثلاثاء، حراكاً أميركياً جديداً؛ بحثاً عن تنفيذ «خريطة الطريق» التي تمَّ التَّوصُّل لها لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة نهاية يوليو الماضي وسط تعنت إسرائيلي.

وخلال اجتماع بتل أبيب، ضغط كوشنر على نتنياهو للمضي قدماً في خطة وقف إطلاق النار في غزة، وطالب بـ«عدم وضع عقبات» أمامها، وفق مصدر إسرائيلي مطلع على المناقشات تحدَّث لشبكة «سي إن إن» الأميركية.

بينما عدَّ نتنياهو أنَّ إحراز تقدُّم بشأنها «إشكالي» في ظلِّ الانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها نهاية أكتوبر المقبل، وطالب باتخاذ «حماس» خطوات أولاً.

وجاء اللقاء غداة لقاء كوشنر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمدينة العلمين (الساحل الشمالي). وفي الاجتماع تمَّ التشديد على «ضرورة قيام جميع الأطراف بتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، الذي تمَّ التَّوصُّل إليه خلال قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025»، وفقاً لبيان أصدرته الرئاسة المصرية، كذلك لقاء صهر ترمب مع رئيس وفد حركة «حماس» الموجود بالقاهرة خليل الحية.

ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، سعيد عكاشة، أنَّ تشكيل فريقَي عمل يُعدُّ مناورة إسرائيلية نتيجة الضغوط الأميركية، لكن الثابت حتى الآن إسرائيلياً عدم اتخاذ أي قرار بالانسحاب من قطاع غزة أو إعادة الإعمار، إلا بعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر المقبل.

ويشير إلى أنَّ اللجان بالأساس بيروقراطية، وتأخذ وقتاً في التنفيذ والتشكيل مع وقت آخر من المناكفات، وبالتالي سنصل للانتخابات الإسرائيلية دون تحقيق شيء ملموس.

عامل يشرب الماء من وعاء خلال تجميع الأنقاض من مبنى دُمِّر في حرب إسرائيل بقطاع غزة (أ.ف.ب)

ويتفق معه الخبير والمحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، بأنَّ الحديث الإسرائيلي عن تشكيل فريقين هو نتيجة لوجود ضغوط أميركية بإظهار الالتزام بالتنفيذ من حيث المبدأ، ولكن من حيث الواقع سنرى التنفيذ يتم فقط في الشقِّ الصحي خشية تل أبيب من انتقال الأوبئة لها، أما الشقُّ الأول فكُتب لكسب مزيد من الوقت والمماطلة، ولن يُتطرَّق له إلا بعد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر المقبل.

والثلاثاء، قال متحدث وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحافي بالدوحة، إنه يجب تنفيذ كل الأطراف، خصوصاً إسرائيل التزاماتها بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، خصوصاً أن حركة «حماس» ملتزمة بما تمَّ الاتفاق عليه.

وعن دور الوسطاء لحين الانتخابات الإسرائيلية، يعتقد عكاشة أن الدور سيتواصل ولا يمكن أن يتوقف بهدف منع إسرائيل من أي تصعيد يستخدم انتخابياً، وتقليل أي عراقيل في مسار تنفيذ الاتفاق.

وتوقَّع الرقب أيضاً استمرار المشاورات والمقاربات بكيفية التسريع بتنفيذ الاتفاق، مرجحاً أن تواصل مصر حراكها المعهود، وتطلب من واشنطن مزيداً من الوفاء بالالتزامات من جانب إسرائيل، ومعها يُتوقَّع دخول لجنة التكنوقراط والقوات الدولية على أن تُرحَّل المسائل الشائكة، مثل نزع السلاح وانسحاب إسرائيل، لما بعد الانتخابات.


تيتيه تدفع العملية السياسية رغم التناقضات الصارخة في ليبيا

من جلسة مجلس الأمن المخصصة لتطورات الأزمة الليبية (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن المخصصة لتطورات الأزمة الليبية (المجلس)
TT

تيتيه تدفع العملية السياسية رغم التناقضات الصارخة في ليبيا

من جلسة مجلس الأمن المخصصة لتطورات الأزمة الليبية (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن المخصصة لتطورات الأزمة الليبية (المجلس)

قدمت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل) الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، لأعضاء مجلس الأمن في نيويورك، اليوم (الثلاثاء)، صورة مليئة بالتناقضات الصارخة في بلد يملك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، لكن مئات الآلاف من سكانه أمضوا نحو شهر ونصف الشهر بلا كهرباء ولا ماء خلال الأسابيع الأخيرة.

إخفاقات جوهرية

أكدت تيتيه خلال إحاطتها الدورية أن دفع العملية السياسية «لا يزال أمراً بالغ الأهمية» لبلد يواجه إخفاقات جوهرية في الحوكمة، تتجلى في التشرذم المؤسسي، وتحويل الموارد العامة ونقص الاستثمار. مبرزةً أن انقطاعات التيار الكهربائي خلال الأيام الأخيرة «لم تكن مجرد عطل فني عابر»، بل كشفت عن «أزمة أعمق».

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

كما أوضحت تيتيه أن تقارير المؤسسة الوطنية للنفط تشير إلى إنفاق نحو مليار دولار أميركي شهرياً على واردات الوقود، ومع ذلك تظل الشبكات الكهربائية عرضة للانقطاع بسبب نقص الوقود، في مفارقة وصفتها بأنها دليل على تحويل كميات كبيرة من الوقود المدعوم بعيداً عن مسارها الصحيح نحو قطاعي الكهرباء والأمن.

وعلى المسار السياسي، أوضحت تيتيه أن خريطة الطريق، التي تيسّرها «أنسميل»، تمضي عبر ثلاثة محاور متكاملة: مسار نحو انتخابات رئاسية وتشريعية، وحوار وطني منظم، وحكومة موحدة تُعيد توحيد المؤسسات التنفيذية، مبرزةً أن اللجنة المصغرة، المعروفة بـ«لجنة 4 + 4»، عقدت منذ اجتماعها الافتتاحي في 29 أبريل (نيسان) الماضي، سبعة اجتماعات، وباتت «على وشك الانتهاء» من معالجة أكثر القضايا إثارةً للجدل، على أن يُعقد اجتماعها المقبل في 20 أغسطس (آب) الجاري. مشيرةً في هذا السياق إلى حوار منظم دام ستة أشهر كاملة، وخرج بتوصيات تمس الحوكمة والاقتصاد والأمن، والمصالحة وحقوق الإنسان.

وضع اقتصادي وأمني معقد

على الصعيد المالي، تحدثت تيتيه عن مؤشرات توتر متصاعدة، حيث بدأ المصرف المركزي في يونيو (حزيران) الماضي تطبيق زيادات في رواتب العسكريين وأفراد الأمن شرقي البلاد، استجابةً لطلب تقدم به الجيش الوطني الليبي في ديسمبر (كانون الأول) 2025، فيما وردت أنباء عن طلب مماثل من الغرب.

تيتيه تطرقت إلى الاشتباكات الدامية بين جهات مسلحة متورطة في تجارة المخدرات والاتجار بالبشر (أ.ف.ب)

وفي 9 أغسطس (آب) الماضي، قدّم محافظ المصرف المركزي خطاباً يطلب فيه إعفاءه من منصبه، وهي خطوة عدّتها تيتيه مؤشراً على «تصاعد الضغوط التي كان يُفترض ببرنامج التنمية الموحد أن يخفف منها».

كما تطرقت المبعوثة الأممية إلى الوضع على الأرض، حيث «المشهد الأمني لا يقل توتراً. ففي 3 أغسطس (آب)، وقعت اشتباكات دامية بين جهات مسلحة متورطة في تجارة المخدرات والاتجار بالبشر وتهريب الوقود، في مناطق سكنية بالزاوية وصرمان، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين. وقالت إن «الأمر زاد تعقيداً»، بعد استهداف مصفاة الزاوية النفطية بطائرات مسيّرة، مما دفع المؤسسة الوطنية للنفط لإعلان حالة الطوارئ، والمطالبة بتحقيقات عاجلة في الهجمات.

في سياق ذلك، أشارت تيتيه إلى اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في الجيش الوطني الليبي، اللواء فوزي منصوري، أخيراً بتفجير سيارة مفخخة في بنغازي، مما أضاف اسماً آخر إلى سجل العنف الموجّه الذي يلاحق البلاد.

بصيص أمل

مع ذلك، أكدت تيتيه أنه «وسط هذا الركام من الأزمات، برز بصيص أمل» في سرت، حيث التقى رئيسا الأركان من الشرق والغرب، خالد حفتر وصلاح الدين النمروش، بحضور اللجنة العسكرية المشتركة «5 + 5» واللجنة العسكرية «3 + 3»، حيث اتفق الطرفان من حيث المبدأ على إنشاء قوة حدودية مشتركة، وتنفيذ مناورات مشتركة، وتنسيق دوري، وتدريب موحد، وهي خطوات وصفتها بأنها تثبت أن بناء الثقة على أرض الواقع «لا يزال ممكناً».

تيتيه أشارت في مداخلتها إلى استهداف المنشآت الحيوية الليبية بالمسيّرات (أ.ف.ب)

غير أن هذا التفاؤل الحذر اصطدم بواقع آخر؛ ففي نهاية الشهر الماضي، أصدر المجلس الرئاسي قرارات بإقالة مدير جهاز المخابرات العامة وتعيين خلف له، وهو قرار طعن فيه فوراً أحد نواب رئيس المجلس، كاشفاً عن استمرار التشرذم حتى داخل أعلى مؤسسات الدولة الأمنية.

وأقرت تيتيه بأن خريطة الطريق «قد تستغرق وقتاً أطول مما كان متوقعاً في البداية»، مؤكدةً أن ذلك لا يمثل تخلياً عن الهدف، بل «تكيفاً ضرورياً مع تعقيدات واقع سياسي، لا يزال يبحث عن توازنه».


الحرب توسّع النزوح والحشود مستمرة في جبهات السودان

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

الحرب توسّع النزوح والحشود مستمرة في جبهات السودان

عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)
عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس (أ.ف.ب)

قُتل أكثر من 12 شخصاً وأصيب آخرون في شمال كردفان، فيما شنت مقاتلات حربية ومسيرات، تابعة للجيش السوداني، غارات على تجمعات لـ«قوات الدعم السريع» في الولاية، في الوقت الذي وصلت فيه مئات الأسر الفارة من مناطق القتال إلى مدينة الأبيض، مع استمرار الحشود العسكرية على جبهات كردفان والنيل الأزرق، والذي ينذر بتجدد المواجهات البرية المباشرة.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، نقلاً عن سلطات محلية، إن أكثر من 12 مدنياً قتلوا وأصيب آخرون، في الاشتباكات التي شهدتها منطقة «أم عردة»، جنوب غربي الأبيض، وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بنزوح أكثر من 4200 شخص من البلدة والمناطق المحيطة بها خلال يومي الجمعة والسبت الماضيين.

غارات للجيش

وفي تطور ميداني متصل، أفاد شهود بأن مقاتلات حربية ومسيرات تابعة للجيش شنت غارات على تجمعات لـ«الدعم السريع» في شمال كردفان والنيل الأزرق، في وقت خفت فيه حدة الاشتباكات البرية المباشرة بين الطرفين، وظلت العمليات الجوية وهجمات الطائرات المسيرة حاضرة باستمرار في مسرح العمليات. وبينما تسعى قوات الجيش والقوات المتحالفة معه لتوسيع نطاق سيطرتها في شمال كردفان وتأمين محيط مدينة الأبيض، تتمركز حشود من «قوات الدعم السريع» في مناطق إلى الغرب والجنوب من المدينة، ما يبقي خطوط التماس مفتوحة أمام جولة جديدة من المواجهات، وتأتي الغارات الجوية للحد من تأثير هذه الحشود.

قائد الجيش الفريق البرهان لدى حضوره فعالية بولاية الخرطوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وأدى استمرار التوتر العسكري إلى تفاقم حركة النزوح، وأفادت تقارير صحافية بأن نحو 500 أسرة فرت من منطقتي «أم عردة، وجبل الهشابة» سيراً على الأقدام إلى مدينة الأبيض، في أحدث موجات النزوح باتجاه عاصمة شمال كردفان. وصلت هذه الأسر للمدينة التي تواجه ضغوطاً متزايدة جراء تدفق النازحين من مناطق القتال المحيطة، وهو ما كانت «أوتشا» قد حذرت منه، بأن تصاعد العنف في شمال كردفان سيدفع حتماً بأعداد متزايدة من السكان للبحث عن الأمان في المدينة، ما يزيد الضغط على الخدمات ومواقع استضافة النازحين.

وتسبب تدهور الوضع الأمني في تعطيل بعض الأنشطة الإنسانية، وقالت «أوتشا» إن الشركاء الإنسانيين اضطروا إلى تعليق أنشطة وخدمات صحية، منذ أكثر من أسبوعين في منطقة المزروب، التي تشهد تفشياً للكوليرا، وحذرت من تداعيات استمرار العنف على المدنيين، وإمكانية وصول المساعدات إلى المحتاجين.

توتر في النيل الأزرق

وبالتوازي مع تطورات كردفان، ظل محور القتال في ولاية النيل الأزرق يشهد توتراً عسكرياً مضطرداً، إثر تجدد القتال في قيسان والكرمك والمناطق المحيطة بهما، وسط تحركات وحشود للقوات المتحاربة واستعدادات لمعارك جديدة.

وأفادت المنظمة الدولية للهجرة، وفقاً لـ«أوتشا»، بأن نحو 5400 شخص نزحوا خلال الأيام الأخيرة جراء التطورات العسكرية في النيل الأزرق، فيما حذرت الأمم المتحدة من استمرار تعرض المدنيين لمخاطر القتال، وطالبت أطراف النزاع بحمايتهم والمنشآت المدنية وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

ويأتي النزوح الأخير امتداداً لموجات بدأت مع تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة، حيث أدى القتال في قيسان ومحيطها إلى حركة فرار للسكان، في ظل مخاوف من اتساع نطاق المواجهات إلى مناطق أخرى على امتداد الجبهة. وكانت «أوتشا» قد أفادت في تحديث سابق بأن نحو 2500 شخص نزحوا جراء القتال في قيسان، قبل أن يرتفع عدد النازحين مع تجدد المواجهات واتساع المناطق المتأثرة، وفق أحدث تقديرات المنظمة الدولية للهجرة.

وتثير التطورات مخاوف من تفاقم الوضع الإنساني في المناطق المتأثرة، فيما جددت الأمم المتحدة دعوتها أطراف النزاع إلى حماية المدنيين والمنشآت المدنية وضمان وصول المساعدات الإنسانية بسرعة ومن دون عوائق.

وتشكل ولايتا شمال كردفان والنيل الأزرق حالياً اثنتين من أبرز محاور القتال النشطة، بعدما انتقلت العمليات العسكرية خلال الأشهر الماضية إلى مناطق جديدة، فيما تحاول الأطراف المتحاربة تعزيز مواقعها وحشد قواتها على خطوط التماس.

ورغم تراجع حدة الاشتباكات البرية المباشرة خلال الساعات الأخيرة، فإن استمرار الغارات الجوية وهجمات المسيرات والتحركات العسكرية على الأرض، يبقي الجبهتين أمام احتمال تجدد القتال على نطاق واسع، في وقت تتزايد فيه التداعيات الإنسانية مع اتساع حركة النزوح من المناطق القريبة من خطوط المواجهة.