فرنسا تواجه أخطر حرائق منذ الحرب العالمية الثانية

116 ألف هكتار احترقت منذ بداية العام وموجة حر جديدة تهدد بتفاقم الكارثة

ماكرون يتحدث إلى الصحافة وإلى يمينه وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز عقب زيارته للمركز الإداري لعمليات الإطفاء والإنقاذ في بوردو (إ.ب.أ)
ماكرون يتحدث إلى الصحافة وإلى يمينه وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز عقب زيارته للمركز الإداري لعمليات الإطفاء والإنقاذ في بوردو (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تواجه أخطر حرائق منذ الحرب العالمية الثانية

ماكرون يتحدث إلى الصحافة وإلى يمينه وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز عقب زيارته للمركز الإداري لعمليات الإطفاء والإنقاذ في بوردو (إ.ب.أ)
ماكرون يتحدث إلى الصحافة وإلى يمينه وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز عقب زيارته للمركز الإداري لعمليات الإطفاء والإنقاذ في بوردو (إ.ب.أ)

منذ الحرب العالمية الثانية، في القرن الماضي، لم تشهد فرنسا حركة نزوح كالتي تعيشها اليوم، مع تواصل واشتداد الحرائق الاستثنائية التي تضرب خصوصاً منطقتي «لا جيروند» و«أكيتانيا» الساحليتين الواقعتين جنوب غربي البلاد، والمعروفتين بكثافة غابات الصنوبر الممتدة لعشرات الكيلومترات.

تكشف الأرقام صورة عن المأساة التي تعيشها فرنسا، والتي لا تتفوق عليها سوى كارثة الحرائق في محيط مدريد، العاصمة الإسبانية. وتفيد الأرقام المتوافرة بأن النيران التهمت، منذ بداية العام الجاري، 116 ألف هكتار من الغابات؛ بينها 42 ألف هكتار خلال أسبوع في المنطقتين المذكورتين. ولمكافحة تمدد الحرائق، نشرت السلطات المركزية والمحلية 2750 رجل إطفاء، و1500 عسكري، يدعمهم 1440 رجلاً من قوى الأمن الداخلي المكونة من درك وشرطة.

جانب من زيارة ماكرون للمركز الإداري لعمليات الإطفاء والإنقاذ في بوردو يوم 27 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

وبالإضافة إلى العنصر البشري، عَبّأت السلطات أوسع مروحة من وسائل مكافحة النيران التي شملت عشرات سيارات الإطفاء التي توافدت إلى منطقة الكوارث من المناطق الفرنسية كافة، وما لا يقل عن 18 طائرة متخصصة، أبرزها طائرات «كنادير» القادرة على ملء خزاناتها من المياه مباشرة من البحر أو من البحيرات.

وآخر وسيلة انضمت إلى الأسطول الجوي، طائرة «إم 400» العسكرية المتخصصة لنقل الجنود والمعدات، والتي جهزت خصيصاً بخزان يتّسع لـ16 ألف ليتر من المياه أو من السوائل التي تبطئ تقدم النيران.

ونتيجة لهذه الحرائق التي فاقت كل ما عرفته فرنسا فيما لم يمض من الصيف سوى شهر واحد، فإن النيران تسببت بإجلاء 225 ألف نسمة من مساكنها وتعطيل أنشطة 15 ألف شركة ومؤسسة في جنوب غربي البلاد، وإحالة عشرات آلاف الموظفين إلى البطالة المؤقتة، وخسائر مالية بمئات الملايين، وضرب الموسم السياحي في منطقة مشهورة بمنتجعاتها وشواطئها. وأخيراً، فإن السلطات المحلّية أحصت احتراق 250 منزلاً على الأقل. ولا تتوقف الأضرار عند هذا الحد، إذ إن الحرائق تسببت بأزمة تلوث واسعة ذات تأثير واسع على الصحة العامة وبكارثة بيئية بالغة الخطورة.

العون من أوروبا

ولأن الكارثة كبيرة، فقد لجأت فرنسا، كما إسبانيا، إلى الاستعانة بالشركاء الأوروبيين في إطار آلية «النجدة الأوروبية» التي عمد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تفعيلها.

فمن جانب، استفادت باريس منذ بداية الحرائق الغابات في منطقة «لا جيروند»، من خدمة الخرائط الفضائية الأوروبية الطارئة التي يوفرها برنامج «كوبرنيكوس» للمناطق المتضررة.

رجل إطفاء يتفقّد تقدّم الحرائق من هليكوبتر في جنوب غربي فرنسا يوم 28 يوليو (أ.ب)

ومن جانب آخر، لبّى الاتحاد الأوروبي طلب المساعدة؛ إذ وصلت إلى فرنسا سبع طائرات وأربع طوافات متخصصة بمكافحة النيران وخامسة من سويسرا. لكن عيب طائرات «كنادير» الأول أنها لا تستطيع التدخل ليلاً، فيما كشف أنه من أصل 12 طائرة «كنادير» تمتلكها فرنسا، فإن أربعاً منها قيد إعادة التأهيل، وأن عدداً منها يستخدم منذ ثلاثين عاماً.

وإذا كانت باريس قد أبرمت، مؤخراً، عقداً مع الشركة الكندية المصنعة للحصول على أربع طائرات إضافية لتعزيز أسطولها، إلا أنها، عملياً، لن تحصل على اثنتين منها إلا في عام 2028، فيما الاثنتان المتبقيتان لن تسلما إلا في عام 2030؛ ما فتح المجال أمام جدل سياسي واسع واتهامات للسلطات بعدم التحضر لهذا النوع من الكوارث.

حتى بداية الأسبوع الجاري، كانت إدارة كارثة الحرائق متروكة لرئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو ووزير الداخلية لوران نونيز، إلا أن تدهور الوضع ميدانياً، واتساع دائرة الكارثة مادياً وبشرياً عقب عمليات الترحيل والإجلاء، والتركيز الإعلامي الاستثنائي على الحرائق، واقتراب النيران من مدينة بوردو الشهيرة التي تعد من أجمل المدن الفرنسية، و«عاصمة» منطقة «أكيتانيا الجديدة» والقلق الذي أثارته... كل هذه العوامل دفعت ماكرون إلى الانخراط مباشرة في إدارة الأزمة.

فقد ترأس الاثنين اجتماعاً وزارياً - أمنياً مخصصاً لتقييم الأزمة، وخصّص القسم الأكبر من اجتماع مجلس الوزراء الأخير، قبل مباشرة العطلة الصيفية، للملف نفسه. وأتبع ذلك بزيارة لبوردو للاطلاع عن قرب على الخطط الموضوعة لمحاربة النيران، وللتعبير عن مساندة الدولة لرجال الإطفاء الذين أنهكتهم النيران.

تحسن مؤقت

تنفّس رجال الإطفاء الصعداء، عصر الاثنين وخلال الليل، بعد أن توقف تقدم النيران، وزال خطر وصولها إلى مدينة بوردو.

بيد أن الأمور انقلبت الثلاثاء رأساً على عقب بسبب عاملين: ارتفاع درجة الحرارة، وعودة الرياح واتجاهها من الغرب «المحيط» إلى الشرق ثم إلى «الداخل».

وكانت النتيجة المباشرة، وسط حالة من الجفاف الشديد، استعادة النيران لقوتها حيث ارتفعت أعمدة الدخان الأسود مئات الأمتار في السماء، وعادت المخاوف من تقدم الحرائق باتجاه بوردو.

طائرة كنادير تساهم في جهود إخماد النيرات في جنوب فرنسا يوم 4 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وسارعت السلطات المحلية إلى إخلاء 4 آلاف شخص من مخيم صيفي في مدينة لاكانو. وبما أن الحرائق لم تتم السيطرة عليها في إقليم «لا جيروند»، فإن السكان الذين اضطروا إلى إخلاء منازلهم منعوا من العودة إليها. وبينت تقارير وصور قنوات التلفزة الإخبارية الأوضاع المعيشية الصعبة للنازحين، حيث يتكدسون في القاعات الرياضية المغلقة وينامون على فرش وضعت على الأرض مباشرة.

أما في إقليم «ليه لاند»، فقد تمت السيطرة على الحريق بعد أن قضى على 3600 هكتار و198 مبنى. وفي مدينة بيسكاروس، التي يبلغ عدد سكانها نحو 15 ألف نسمة خارج الموسم السياحي، دمرت الحرائق قرابة 200 مبنى. وبفضل تحسن الوضع، فقد أعلنت السلطات أنه بات بإمكان سكان بلدتي «سانغينيه وبارانتيس-أن-بورن»، وعددهم نحو 15 ألف شخص، العودة إلى منازلهم منذ مساء الاثنين، إضافة إلى رواد أحد المخيمات.

توقع الأسوأ

لعل الأسوأ ما قد يحل مع وصول موجة من الحر الشديد الأربعاء، وهي الثالثة من نوعها خلال شهر واحد. وتفيد توقعات الأرصاد الجوية بأن الحرارة ستلامس سقف الأربعين درجة في العديد من المناطق، بما فيها الجنوب الغربي. وفي توصيفه للوضع، قال‌ ماكرون من بوردو إن «الوضع ⁠الذي نواجهه اليوم ⁠هو أخطر ما سجلناه على الإطلاق، والأصعب منذ الحرب العالمية الثانية».

جانب من الحرائق الكبيرة التي تصيب إقليم «لا جيروند» وتلتهم هكتارات من غابات الصنوبر يوم 26 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

ولا يتردد مسؤولون آخرون عن الحديث عن «حرب النيران» التي لا تنحصر في الجنوب الغربي، بل إنها ما زالت قائمة ومتنقلة في مناطق أخرى أبرزها إقليم «لو فار» المطل على البحر الأبيض المتوسط، وأبرز مدنه «تولون» المعروفة بمرفئها العسكري الشهير حيث ترسو حاملة الطائرات «شارل ديغول». كذلك، فإن النيران ما زالت مشتعلة في جزيرة كورسيكا الفرنسية المتوسطية، بالقرب من مدينة «كورتيه» (وسط)، فضلاً عن حريق ما زال مندلعاً في منطقة مرتفعة من جبال الألب الفرنسية. وتعدد الحرائق وتوزعها جغرافياً يصعبان مهمة مكافحة النيران بسبب توزع القدرات المتوافرة.

ما تعيشه فرنسا راهناً يذكر بالكارثة التي عرفها إقليم «ليه لاند»، الواقع جنوب بوردو، في عام 1949، حيث قضت النيران على خمسين ألف هكتار من الغابات. والحال، أن النيران الحالية، إذا استعادت القوة الرهيبة التي تمتعت بها الأسبوع الماضي، فإنها مرشحة لتخطي الكارثة السابقة. وتفيد الأرقام التي وزعتها الرئاسة الفرنسية بأنه تم القبض على 162 شخصاً منذ الأسبوع الأول من شهر يوليو لشبهات تدور حول علاقتهم باندلاع الحرائق، وأن 15 منهم يرتعون في السجون، فيما صدرت أحكام بالسجن بحق خمسة موقوفين أدينوا بالتسبب بحرائق. وأبرز حالتين تناولت رجلي إطفاء، أحدهما شاب في التاسعة عشرة من عمره اعترفا بعلاقتهما بإشعال حريق متعمد. وتسببت الحرائق بإصابة 93 رجل إطفاء واحتراق اثنين من زملائهم داخل سيارتهما.

كذلك، فإن حركة القطارات السريعة مقطوعة بين بوردو ومدن واقعة أقصى الجنوب مثل بايون وبياريتز، فيما أُغلقت الطرق السريعة في الاتجاهين بين مدينتي بوردو وبايون.


مقالات ذات صلة

الجزائر وتونس لمواجهة التهريب والهجرة السرية

شمال افريقيا ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)

الجزائر وتونس لمواجهة التهريب والهجرة السرية

يعقد مسؤولون رفيعو المستوى من الجزائر وتونس اجتماعات ماراثونية، منذ أمس الثلاثاء، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي وتنمية المناطق الحدودية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
آسيا عربات إطفاء في ولاية كاليمانتان الغربية في إندونيسيا

الحرائق أتت على أكثر من 1.9 مليون هكتار من الأراضي في إندونيسيا

أتت الحرائق في إندونيسيا على أكثر من 1.9 مليون هكتار من الأراضي في الفترة بين يناير (كانون الثاني) ونهاية سبتمبر (أيلول) من هذا العام.

شمال افريقيا رجال إطفاء يواجهون حرائق شرق الجزائر في يوليو 2026 (الحماية المدنية)

الجزائر توجّه اتهامات غير مسبوقة لباريس بشأن «حملات الاستقطاب»

تبدو تصريحات من موقوفَين جزائريين كأنها اتهامات رسمية جديدة موجهة إلى فرنسا، بخصوص «توظيف عملاء بهدف ضرب استقرار البلاد»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حرائق دمرت منطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

الجزائر تتهم معارضاً في الخارج بإشعال حرائق الغابات

اتهمت السلطات الجزائرية رسمياً وبشكل مباشر اليوتيوبر المعارض اللاجئ في فرنسا، أمير بوخرص، بدفع أموال لشخصين مقابل إشعال الحرائق التي ضربت شرق البلاد...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
يوميات الشرق في جوف الأرض جمرٌ لا يعرف النوم (أ.ف.ب)

حرائق «الزومبي» في إندونيسيا... نيران تختبئ أشهراً تحت الأرض

لأسابيع متواصلة، بدت أجزاء من جزيرة بورنيو الإندونيسية كأنها مشهد من مشاهد الدمار الشامل، إذ يتجوّل السكان مرتدين الأقنعة وسط ضباب كثيف كريه الرائحة...

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)

مظاهرات في مدريد دفاعاً عن نظام المعاشات التقاعدية

تظاهر آلاف الأشخاص في شوارع وسط مدريد دفاعاً عن نظام المعاشات التقاعدية (أ.ب)
تظاهر آلاف الأشخاص في شوارع وسط مدريد دفاعاً عن نظام المعاشات التقاعدية (أ.ب)
TT

مظاهرات في مدريد دفاعاً عن نظام المعاشات التقاعدية

تظاهر آلاف الأشخاص في شوارع وسط مدريد دفاعاً عن نظام المعاشات التقاعدية (أ.ب)
تظاهر آلاف الأشخاص في شوارع وسط مدريد دفاعاً عن نظام المعاشات التقاعدية (أ.ب)

تظاهر آلاف الأشخاص في شوارع وسط مدريد، ظهر السبت، دفاعاً عن نظام المعاشات التقاعدية، قبل شهر من الانتخابات التشريعية، وسط اتهام اليسار لليمين بالسعي إلى خصخصة جزئية لهذا النظام.

وسار المتظاهرون بشكل سلمي لمسافة كيلومترين بين محطة أتوتشا وشارع ألكالا، مروراً بمتحف برادو الشهير وساحة سيبيليس.

ورفع بعض المتظاهرين الذي بلغ عددهم 25 ألفاً، لافتات عليها عبارات منها «المعاشات التقاعدية حق مضمون»، و«احموها».

وقالت بيلار (64 عاماً)، رفضت ذكر كنيتها: «يجب عدم المساس بالمعاشات التقاعدية!»، منددة بـ«النزعة لخصخصة كل شيء».

وعبّرت عن ارتياحها لأنّ «قضية السكن أثارت حراكاً كبيراً» في الأسابيع الأخيرة، لا سيما بين الشباب الذين «استيقظوا»، على حد قولها، قبل أن تدعو إلى «الدفاع عن كل الخدمات العامة التعليم والرعاية الصحية».

وكان زعيم المعارضة اليمينية ألبرتو نونيز فيخو، قال، الاثنين، إن حزبه، حزب «الشعب»، سيعيد تقييم المعاشات التقاعدية بما يتوافق مع القانون، في حال فوزه في الانتخابات المبكرة المقررة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني).

وكان فيخو يرد في تصريحاته على اتهامات توجهها حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز لحزب «الشعب» بالسعي إلى إصلاح نظام المعاشات التقاعدية من خلال إعادة النظر في الآلية المعمول بها حالياً لربط المعاشات بمعدل التضخم، والنافذة منذ الأول من يناير (كانون الثاني) 2022.

وصوّت حزب «الشعب» في نهاية عام 2021، ضد هذا القانون، منتقداً تكلفته على خزينة الدولة.

وبلغ متوسط المعاش التقاعدي في إسبانيا 1576 يورو شهرياً في سبتمبر (أيلول)، لنحو 6.8 مليون مستفيد، وفق وزارة الضمان الاجتماعي.


الفرنسيون يتأهّبون لسبت احتجاجي جديد وسط استنفار أمني واسع

تشهد مدن فرنسية انتشاراً أمنياً واسعاً لتأمين المظاهرات يوم 24 أكتوبر (رويترز)
تشهد مدن فرنسية انتشاراً أمنياً واسعاً لتأمين المظاهرات يوم 24 أكتوبر (رويترز)
TT

الفرنسيون يتأهّبون لسبت احتجاجي جديد وسط استنفار أمني واسع

تشهد مدن فرنسية انتشاراً أمنياً واسعاً لتأمين المظاهرات يوم 24 أكتوبر (رويترز)
تشهد مدن فرنسية انتشاراً أمنياً واسعاً لتأمين المظاهرات يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وسط انتشار أمني مكثف، تشهد مناطق فرنسية عدة اليوم احتجاجات جديدة ضد غلاء المعيشة، على وقع مخاوف من أن تتخلّلها أعمال عنف ونهب على غرار تلك التي هزت البلاد في مظاهرات 17 أكتوبر (تشرين الأول).

قوات مكافحة الشغب تنتشر قرب ساحة «لا باستيل» في باريس يوم 24 أكتوبر (إ.ب.أ)

وأكّدت السلطات بهذه المناسبة نشر نحو 70 ألف شرطي ودركي، بزيادة نحو 20 في المائة مقارنة بالأسبوع الماضي. ويشارك في هذه الموجة من الاحتجاجات طلاب الثانويات والنقابات، فضلاً عن ناشطين في حركة السترات الصفراء، وذلك قبل ستة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية، في بلد يثير قلقاً متزايداً في الأسواق المالية بسبب حجم ديونه وعدم استقراره.

مسارات التظاهر

من المقرر أن يسير المتظاهرون ضمن مسارات محددة مسبقاً وبدقة في عدد من المدن. وفي باريس، حظرت السلطات على المتظاهرين اعتماد مسار كان قد تم تحديده الخميس، واقترحت مساراً بديلاً قوبل برفض من النقابات التي لجأت إلى القضاء مطالبة بالعودة إلى المسار الأصلي.

رجل يقف أمام واجهة متجر محصّنة بألواح خشبية في ليون يوم 24 أكتوبر (رويترز)

ودانت الأحزاب اليسارية هذا القرار، متهمة السلطات بـ«تعمد إحداث الفوضى»، و«التسبب في حالة من الارتباك وبث الذعر». كما تم حظر المظاهرات في المناطق حيث التجمعات السكنية، مثل وسط مدينة ليون وميلوز ونانسي وبزانسون (شرق).

وعلى غرار سائر المدن، لجأ أصحاب المتاجر في العاصمة باريس إلى تحصين واجهات محالهم بألواح خشبية خوفاً من تكرار أعمال النهب. وشملت أعمال العنف في 17 أكتوبر عمليات نهب للمتاجر واعتداء على أصحابها، فيما انتشرت على نطاق واسع صور أشخاص يرتدون ملابس سوداء وهم يفرون حاملين بضائع مسروقة، كما تعرض مبنى بلدية ليموج (وسط) للحرق.

رجل شرطة خلال دورية قرب جادة «شانزيليزيه» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

وكانت غرف التجارة والصناعة قد دعت أصحاب المحال التجارية إلى «ترك المهمة للشرطة»، وسط تقارير تفيد بأن عدداً منهم لجأوا إلى التسلح لحماية ممتلكاتهم. إلى ذلك، ستغلق عدة وجهات سياحية معروفة أبوابها في وجه السائحين، على أن تتولى قوات من الجيش حراستها. واتّهمت الحكومة التي دعت إلى تكثيف الإجراءات الأمنية القوى اليسارية المتطرفة في البلاد بتشجيع أعمال العنف.

مؤتمر «التجمع الوطني»

في مدينة أورليان، وسط البلاد، تبدو الأوضاع أكثر تعقيداً، إذ يعقد مؤتمر لحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة مرشحته مارين لوبان التي تتصدر استطلاعات الرأي للانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان)، فيما يعتزم معارضون لحزب لوبان الخروج في مسيرات حدد مسارها مسبقاً.

واجهة صيدلية في تولوز محصّنة بألواح خشبية استعداداً للمظاهرات يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

وأقر رئيس بلدية المدينة حظر تجول ليلاً حتى صباح الاثنين، لمن تقل أعمارهم عن 15 عاماً. وقالت كريستين، التي تدير متجراً لبيع الأقلام وهي تغالب دموعها: «ينتابنا قلق عميق»، كما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية». ودعا حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري الراديكالي بزعامة جان لوك ميلانشون إلى «التظاهر سلمياً في جميع أنحاء فرنسا، يداً بيد، إلى جانب النقابات العمالية والطلابية».

شوارع مدينة أورليان بدت خالية قبل ساعات من عقد مؤتمر حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرّف يوم 24 أكتوبر (أ.ب)

وفي مدينة ليون، أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع صباح السبت لتفريق نحو 150 شخصاً تجمعوا للاحتجاج في منطقة محظورة على جميع المظاهرات. وألقت قوات الشرطة قنابل الغاز لتفريق المتظاهرين الذين تجمعوا بالقرب من مبنى جامعي، ومركز شرطة المدينة عند محاولتهم قطع الطريق.


فرنسا تنشر آلاف الشرطيين... وتنقل مسيرة السبت إلى أطراف باريس

محتجون يشاركون في مظاهرة نظَّمتها نقابات عمالية بباريس (رويترز)
محتجون يشاركون في مظاهرة نظَّمتها نقابات عمالية بباريس (رويترز)
TT

فرنسا تنشر آلاف الشرطيين... وتنقل مسيرة السبت إلى أطراف باريس

محتجون يشاركون في مظاهرة نظَّمتها نقابات عمالية بباريس (رويترز)
محتجون يشاركون في مظاهرة نظَّمتها نقابات عمالية بباريس (رويترز)

تأهَّبت باريس لمسيرة جديدة ينظِّمها طلاب وعمال؛ احتجاجاً على نقص موارد التعليم، وتكاليف المعيشة المتصاعدة، اليوم (السبت)، بعد أسبوع من الاضطرابات العنيفة التي خلفَّت متاجر منهوبة وسيارات محترقة، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتمَّ توجيه المسيرة الجديدة إلى الأطراف الجنوبية الشرقية للمدينة، بعيداً عن مركزها، في وقت نشرت فيه الشرطة قواتها بكثافة في أنحاء فرنسا.

وفرضت الشرطة، أمس (الجمعة)، مساراً جديداً بين بورت ديتالي وبورت دو فانسان، بدلاً من المسيرة المقررة من ساحة الباستيل إلى ساحة الأمة.

وقال وزير الداخلية، لوران نونيز، إنه سوف يتم نشر نحو 70 ألف شرطي في أنحاء البلاد، إلى جانب مروحيات وعربات مدرعة ومدافع مياه.

وفي وسط باريس، انتشر عشرات من أفراد الدرك تحت قوس النصر وعلى طول الشوارع الرئيسية القريبة.

ومن المتوقع إقبال جماهيري كبير مجدداً بعد أن نزل أكثر من نصف مليون شخص إلى الشوارع الأسبوع الماضي.

وفي الوقت نفسه، أغلقت متاحف رئيسية أبوابها، اليوم (السبت)، من بينها متحف اللوفر، ومتحف أورسيه، ومتحف بيكاسو، والقصر الكبير حيث يُقام معرض كبير للرسام سيزان.

وفي أعقاب الاضطرابات الأخيرة، حثَّ باتريس فور مفوض شرطة باريس أصحاب المتاجر في العاصمة على توظيف حراس أمن، بيد أنه تراجع لاحقاً بقوله إن حماية أصحاب الأعمال ومؤسساتهم مسؤولية الحكومة.

وتضرَّر نحو 3 آلاف متجر في أنحاء فرنسا، أو تعرَّضت للنهب نهاية الأسبوع الماضي.

ومن المقرر تنظيم مسيرات احتجاجية في باريس ومرسيليا اليوم، لكن السلطات المحلية حظرت تجمعات أخرى، من بينها في ليون ونيس ومونبلييه. وفي ليون، أفادت وسائل إعلام فرنسية بأن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع، صباح اليوم (السبت).