منذ الحرب العالمية الثانية، في القرن الماضي، لم تشهد فرنسا حركة نزوح كالتي تعيشها اليوم، مع تواصل واشتداد الحرائق الاستثنائية التي تضرب خصوصاً منطقتي «لا جيروند» و«أكيتانيا» الساحليتين الواقعتين جنوب غربي البلاد، والمعروفتين بكثافة غابات الصنوبر الممتدة لعشرات الكيلومترات.
تكشف الأرقام صورة عن المأساة التي تعيشها فرنسا، والتي لا تتفوق عليها سوى كارثة الحرائق في محيط مدريد، العاصمة الإسبانية. وتفيد الأرقام المتوافرة بأن النيران التهمت، منذ بداية العام الجاري، 116 ألف هكتار من الغابات؛ بينها 42 ألف هكتار خلال أسبوع في المنطقتين المذكورتين. ولمكافحة تمدد الحرائق، نشرت السلطات المركزية والمحلية 2750 رجل إطفاء، و1500 عسكري، يدعمهم 1440 رجلاً من قوى الأمن الداخلي المكونة من درك وشرطة.

وبالإضافة إلى العنصر البشري، عَبّأت السلطات أوسع مروحة من وسائل مكافحة النيران التي شملت عشرات سيارات الإطفاء التي توافدت إلى منطقة الكوارث من المناطق الفرنسية كافة، وما لا يقل عن 18 طائرة متخصصة، أبرزها طائرات «كنادير» القادرة على ملء خزاناتها من المياه مباشرة من البحر أو من البحيرات.
وآخر وسيلة انضمت إلى الأسطول الجوي، طائرة «إم 400» العسكرية المتخصصة لنقل الجنود والمعدات، والتي جهزت خصيصاً بخزان يتّسع لـ16 ألف ليتر من المياه أو من السوائل التي تبطئ تقدم النيران.
ونتيجة لهذه الحرائق التي فاقت كل ما عرفته فرنسا فيما لم يمض من الصيف سوى شهر واحد، فإن النيران تسببت بإجلاء 225 ألف نسمة من مساكنها وتعطيل أنشطة 15 ألف شركة ومؤسسة في جنوب غربي البلاد، وإحالة عشرات آلاف الموظفين إلى البطالة المؤقتة، وخسائر مالية بمئات الملايين، وضرب الموسم السياحي في منطقة مشهورة بمنتجعاتها وشواطئها. وأخيراً، فإن السلطات المحلّية أحصت احتراق 250 منزلاً على الأقل. ولا تتوقف الأضرار عند هذا الحد، إذ إن الحرائق تسببت بأزمة تلوث واسعة ذات تأثير واسع على الصحة العامة وبكارثة بيئية بالغة الخطورة.
العون من أوروبا
ولأن الكارثة كبيرة، فقد لجأت فرنسا، كما إسبانيا، إلى الاستعانة بالشركاء الأوروبيين في إطار آلية «النجدة الأوروبية» التي عمد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تفعيلها.
فمن جانب، استفادت باريس منذ بداية الحرائق الغابات في منطقة «لا جيروند»، من خدمة الخرائط الفضائية الأوروبية الطارئة التي يوفرها برنامج «كوبرنيكوس» للمناطق المتضررة.

ومن جانب آخر، لبّى الاتحاد الأوروبي طلب المساعدة؛ إذ وصلت إلى فرنسا سبع طائرات وأربع طوافات متخصصة بمكافحة النيران وخامسة من سويسرا. لكن عيب طائرات «كنادير» الأول أنها لا تستطيع التدخل ليلاً، فيما كشف أنه من أصل 12 طائرة «كنادير» تمتلكها فرنسا، فإن أربعاً منها قيد إعادة التأهيل، وأن عدداً منها يستخدم منذ ثلاثين عاماً.
وإذا كانت باريس قد أبرمت، مؤخراً، عقداً مع الشركة الكندية المصنعة للحصول على أربع طائرات إضافية لتعزيز أسطولها، إلا أنها، عملياً، لن تحصل على اثنتين منها إلا في عام 2028، فيما الاثنتان المتبقيتان لن تسلما إلا في عام 2030؛ ما فتح المجال أمام جدل سياسي واسع واتهامات للسلطات بعدم التحضر لهذا النوع من الكوارث.
حتى بداية الأسبوع الجاري، كانت إدارة كارثة الحرائق متروكة لرئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو ووزير الداخلية لوران نونيز، إلا أن تدهور الوضع ميدانياً، واتساع دائرة الكارثة مادياً وبشرياً عقب عمليات الترحيل والإجلاء، والتركيز الإعلامي الاستثنائي على الحرائق، واقتراب النيران من مدينة بوردو الشهيرة التي تعد من أجمل المدن الفرنسية، و«عاصمة» منطقة «أكيتانيا الجديدة» والقلق الذي أثارته... كل هذه العوامل دفعت ماكرون إلى الانخراط مباشرة في إدارة الأزمة.
فقد ترأس الاثنين اجتماعاً وزارياً - أمنياً مخصصاً لتقييم الأزمة، وخصّص القسم الأكبر من اجتماع مجلس الوزراء الأخير، قبل مباشرة العطلة الصيفية، للملف نفسه. وأتبع ذلك بزيارة لبوردو للاطلاع عن قرب على الخطط الموضوعة لمحاربة النيران، وللتعبير عن مساندة الدولة لرجال الإطفاء الذين أنهكتهم النيران.
تحسن مؤقت
تنفّس رجال الإطفاء الصعداء، عصر الاثنين وخلال الليل، بعد أن توقف تقدم النيران، وزال خطر وصولها إلى مدينة بوردو.
بيد أن الأمور انقلبت الثلاثاء رأساً على عقب بسبب عاملين: ارتفاع درجة الحرارة، وعودة الرياح واتجاهها من الغرب «المحيط» إلى الشرق ثم إلى «الداخل».
وكانت النتيجة المباشرة، وسط حالة من الجفاف الشديد، استعادة النيران لقوتها حيث ارتفعت أعمدة الدخان الأسود مئات الأمتار في السماء، وعادت المخاوف من تقدم الحرائق باتجاه بوردو.

وسارعت السلطات المحلية إلى إخلاء 4 آلاف شخص من مخيم صيفي في مدينة لاكانو. وبما أن الحرائق لم تتم السيطرة عليها في إقليم «لا جيروند»، فإن السكان الذين اضطروا إلى إخلاء منازلهم منعوا من العودة إليها. وبينت تقارير وصور قنوات التلفزة الإخبارية الأوضاع المعيشية الصعبة للنازحين، حيث يتكدسون في القاعات الرياضية المغلقة وينامون على فرش وضعت على الأرض مباشرة.
أما في إقليم «ليه لاند»، فقد تمت السيطرة على الحريق بعد أن قضى على 3600 هكتار و198 مبنى. وفي مدينة بيسكاروس، التي يبلغ عدد سكانها نحو 15 ألف نسمة خارج الموسم السياحي، دمرت الحرائق قرابة 200 مبنى. وبفضل تحسن الوضع، فقد أعلنت السلطات أنه بات بإمكان سكان بلدتي «سانغينيه وبارانتيس-أن-بورن»، وعددهم نحو 15 ألف شخص، العودة إلى منازلهم منذ مساء الاثنين، إضافة إلى رواد أحد المخيمات.
توقع الأسوأ
لعل الأسوأ ما قد يحل مع وصول موجة من الحر الشديد الأربعاء، وهي الثالثة من نوعها خلال شهر واحد. وتفيد توقعات الأرصاد الجوية بأن الحرارة ستلامس سقف الأربعين درجة في العديد من المناطق، بما فيها الجنوب الغربي. وفي توصيفه للوضع، قال ماكرون من بوردو إن «الوضع الذي نواجهه اليوم هو أخطر ما سجلناه على الإطلاق، والأصعب منذ الحرب العالمية الثانية».

ولا يتردد مسؤولون آخرون عن الحديث عن «حرب النيران» التي لا تنحصر في الجنوب الغربي، بل إنها ما زالت قائمة ومتنقلة في مناطق أخرى أبرزها إقليم «لو فار» المطل على البحر الأبيض المتوسط، وأبرز مدنه «تولون» المعروفة بمرفئها العسكري الشهير حيث ترسو حاملة الطائرات «شارل ديغول». كذلك، فإن النيران ما زالت مشتعلة في جزيرة كورسيكا الفرنسية المتوسطية، بالقرب من مدينة «كورتيه» (وسط)، فضلاً عن حريق ما زال مندلعاً في منطقة مرتفعة من جبال الألب الفرنسية. وتعدد الحرائق وتوزعها جغرافياً يصعبان مهمة مكافحة النيران بسبب توزع القدرات المتوافرة.
ما تعيشه فرنسا راهناً يذكر بالكارثة التي عرفها إقليم «ليه لاند»، الواقع جنوب بوردو، في عام 1949، حيث قضت النيران على خمسين ألف هكتار من الغابات. والحال، أن النيران الحالية، إذا استعادت القوة الرهيبة التي تمتعت بها الأسبوع الماضي، فإنها مرشحة لتخطي الكارثة السابقة. وتفيد الأرقام التي وزعتها الرئاسة الفرنسية بأنه تم القبض على 162 شخصاً منذ الأسبوع الأول من شهر يوليو لشبهات تدور حول علاقتهم باندلاع الحرائق، وأن 15 منهم يرتعون في السجون، فيما صدرت أحكام بالسجن بحق خمسة موقوفين أدينوا بالتسبب بحرائق. وأبرز حالتين تناولت رجلي إطفاء، أحدهما شاب في التاسعة عشرة من عمره اعترفا بعلاقتهما بإشعال حريق متعمد. وتسببت الحرائق بإصابة 93 رجل إطفاء واحتراق اثنين من زملائهم داخل سيارتهما.
كذلك، فإن حركة القطارات السريعة مقطوعة بين بوردو ومدن واقعة أقصى الجنوب مثل بايون وبياريتز، فيما أُغلقت الطرق السريعة في الاتجاهين بين مدينتي بوردو وبايون.
