تكافح فرنسا وإسبانيا واحدة من أسوأ حرائق الغابات في التاريخ الحديث، في حين حذّر الخبراء من ظاهرة غير مسبوقة قد تُفاقم آثار هذه الحرائق: السحب النارية الرعدية، أو ما يُعرف بـ«سحب النار».
وتنتشر حرائق الغابات عادةً عندما تجتمع الظروف الجوية الحارة والعاصفة والجافة، لكن الحرائق الشديدة قد تُولّد أنظمة جوية فريدة خاصة بها.
ويواصل عناصر الإطفاء الفرنسيون والإسبان جهودهم للسيطرة على حرائق هائلة أجبرت أكثر من 325 ألف شخص على إخلاء منازلهم، لا سيما قرب بوردو في جنوب غرب فرنسا، حيث دمّر 240 منزلاً وباتت النيران على بعد نحو 15 كيلومتراً من المدينة، وكذلك في مناطق إسبانية عدّة.
تواجه منطقة بوردو حريقاً هائلاً يُعرَف باسم «السحب الرعدية النارية»، حيث ترتفع الحرارة الشديدة في عمود صاعد لتلتقي بكتل هوائية أبرد عند القمة، وفق إريك بروكاردي، المتحدث باسم الاتحاد الوطني للإطفائيين الفرنسيين. هذه الظاهرة معروفة في دول مثل كندا وأستراليا، لكنها نادرة في فرنسا. فماذا نعرف عنها؟
ما هي «سحابة النار»؟
باختصار، تُعرف سحب البيروكومولونيمبوس، أو «البيرو سي بي»، بأنها سحب عاصفة ضخمة تتشكل نتيجة حرائق الغابات.
تُطلق حرائق الغابات الهائلة كميات كبيرة من الطاقة والحرارة التي ترتفع بسرعة في عمود دخان. وعندما يرتفع عمود الدخان إلى ارتفاع كافٍ، يتسبب انخفاض الضغط الجوي في تبريد الهواء، فيتكثف البخار مكوناً سحابة. ويمكن لهذه السحب أن تُولد صواعق برق ورياحاً عاتية.

إذا كان حريق الغابات كبيراً وشديداً بما يكفي، فإن عمود الدخان الناتج منه قد يُشكّل سحابة ركامية نارية، يصل ارتفاعها إلى 10- 15 كيلومتراً (ستة إلى تسعة أميال) وتخترق طبقة الستراتوسفير. تُطلق عليها وكالة «ناسا» اسم «تنين السحب الناري».
ويقول ريك مكراي، الأستاذ المساعد في مجموعة أبحاث حرائق الغابات بجامعة نيو ساوث ويلز، لصحيفة «الغارديان»: «إنها عاصفة رعدية كاملة تتشكل داخل عمود الدخان الناتج من الحريق. تصل هذه الظواهر إلى ما يقارب 10,000 كيلومتر مكعب من الغلاف الجوي؛ لذا فإن تأثيرها كبير للغاية».
ما مدى شيوع السحب النارية؟
بدأت أستراليا تشهد ظهور سحب البيروكومولونيمبوس في مطلع القرن، ويقول الخبراء إنها أصبحت أكثر شيوعاً. كما تشكلت هذه السحب خلال حرائق الغابات الهائلة في كاليفورنيا عام 2022، لكن قد يكون هذا وضعاً جديداً بالنسبة لفرنسا. وإذا تأكد ذلك، فسيكون هذا أول رصد لسحب البيروكومولونيمبوس في فرنسا.

يقول مكراي: «إنها المرة الأولى التي تضطر فيها فرنسا إلى دراسة مفهوم سحب البيروكومولونيمبوس بشكل صريح. ليس السؤال هو ما إذا كانت فرنسا قد شهدت واحدة قبل أيام أم لا، بل السؤال هو ما إذا كانت ستشهد واحدة يومي الثلاثاء والأربعاء من هذا الأسبوع».
لماذا تتكرر السحب النارية؟
تُؤدي أزمة المناخ إلى خلق ظروف أكثر خطورة لانتشار حرائق الغابات عالمياً، فضلاً عن الظروف التي تُؤدي إلى تكوّن سحب البيروكومولونيمبوس.
ويقول مكراي: «الأمر لا يقتصر على مجرد رفع درجة الحرارة، بل هو تغير مناخي شامل. إنه تغيرات في الغلاف الجوي، وتغيرات في طقس سطح الأرض، وتغيرات في كثير من العوامل الأخرى».
واندلعت حرائق الغابات في أوروبا خلال ذروة الموسم السياحي في منطقة تُعاني موجات حَرّ متتالية، حيث جفّت مساحات الغابات نتيجة نقص الأمطار منذ شهر مايو (أيار).

ويُحذّر خبراء الأرصاد الجوية من احتمال وصول موجة حرّ أخرى إلى فرنسا ابتداءً من الثلاثاء، حيث تصل درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية في بعض المناطق، في حين يتوقع خبراء تحرك كتلة من الحرارة الشديدة من تشيكوسلوفاكيا على مدى أربعة أو خمسة أيام.
تحركات رسمية
وأتت النيران على نحو 77 ألف هكتار في أنحاء إسبانيا. وقال ملك إسبانيا فيليبي السادس، الأحد، إن حرائق الغابات تسببت في أضرار «لا تُقدَّر» للتراث الطبيعي للبلاد، في حين جدد رئيس الوزراء دعوته إلى «ميثاق» وطني لمكافحة آثار تغيّر المناخ.
ولقي شخص مصرعه في حريق اندلع السبت قرب فالنسيا شرق إسبانيا، حيث تم إجلاء 15 ألف شخص الأحد بسبب حريق آخر. وأفادت السلطات بإجلاء نحو 60 ألف شخص في منطقة مدريد التي تواجه أسوأ حرائق غابات في تاريخ إسبانيا المعاصر. وبات إجمالي من غادروا منازلهم أو أماكن إقامتهم السياحية في إسبانيا 75 ألف شخص.
وفي فرنسا، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لعقد اجتماع أزمة، الاثنين، بشأن حرائق الغابات الجامحة التي أجبرت أكثر من 250 ألف شخص على الفرار من منازلهم، وذلك في ظل ظهور أول بارقة أمل تشير إلى احتمال تباطؤ انتشار أكبر حريق.
وفي منطقة جيروند بجنوب غربي فرنسا، حيث أتت الحرائق على منطقة تبلغ مساحتها أربعة أضعاف حجم باريس، قالت المقاطعة إن الوضع خلال الليل ما زال «مستقراً، فيما يعد تغيراً عن الأيام السابقة التي كان يقترب فيها الحريق الذي يستعر منذ الأسبوع الماضي من مدينة بوردو الشهيرة بالنبيذ».
ومن المقرر أن يترأس ماكرون اجتماع الأزمة، الاثنين. وقد تعهد في منشور عبر منصة «إكس» بتقديم دعم طويل المدى للمجتمعات الأكثر تضرراً، وقال: «سوف نعيد البناء، سوف نقوم بالإصلاحات، وسنكون موجودين طالما كان ذلك ضرورياً».
