صراع التكنولوجيا والمعادن يصعّد التوتر بين واشنطن وبكين

الرسوم والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد تفتح جبهة اقتصادية جديدة

ميدان بالضاحية المالية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
ميدان بالضاحية المالية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

صراع التكنولوجيا والمعادن يصعّد التوتر بين واشنطن وبكين

ميدان بالضاحية المالية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
ميدان بالضاحية المالية في العاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

دخلت المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين مرحلة جديدة، مع اتساع الخلاف من الرسوم الجمركية إلى الذكاء الاصطناعي والمعادن الاستراتيجية، في وقت تكشف فيه التطورات الأخيرة حجم الترابط الذي لا يزال قائماً بين أكبر اقتصادين في العالم، رغم مساعي كل منهما لتقليل الاعتماد على الآخر.

وأعلنت وزارة التجارة الصينية معارضتها الشديدة للرسوم الأميركية المفروضة بموجب المادة 301 على سلع صينية بدعوى ارتباطها بالعمل القسري، مطالبة واشنطن بـ«تصحيح ممارساتها الخاطئة»، وإلغاء الإجراءات الجمركية الأحادية. وأكدت الوزارة أنها مستعدة لمواصلة الحوار على أساس الاحترام المتبادل، والمساواة، والمنفعة المشتركة، لكنها شددت في الوقت نفسه على احتفاظها بحق اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها.

وفي تصعيد موازٍ، انتقدت بكين ما وصفته بـ«حملات التشويه، والتهديد بفرض عقوبات» على شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، رداً على تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة تدرس فرض قيود على نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر المطورة خارج الولايات المتحدة، والتي يعتمد بعضها على تقنية لتطوير نماذج أصغر، وأكثر كفاءة.

وقالت وزارة التجارة الصينية إن عدداً من شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية استخدم نماذج صينية خلال عمليات البحث، والتطوير، والتدريب، في محاولة لنفي الاتهامات الأميركية بأن الشركات الصينية تستفيد بصورة غير عادلة من التكنولوجيا الغربية، وتحويل الجدل إلى مسألة تبادل المعرفة بين الطرفين.

لكن المواجهة الأكثر تعقيداً تبقى في قطاع المعادن الحرجة الذي أصبح يمثل إحدى أهم ساحات المنافسة الاستراتيجية بين البلدين. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب حدد الأول من يناير (كانون الثاني) 2027 موعداً لإنهاء اعتماد الصناعات الأميركية -ولا سيما الدفاعية- على المعادن والمغناطيسات النادرة القادمة من الصين، وروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية.

غير أن هذا الهدف يصطدم بواقع الصناعة الأميركية. فبحسب تقديرات نقلتها «رويترز»، بلغ الطلب الأميركي على أكثر أنواع مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة استخداماً نحو 48 ألف طن متري خلال 2025، بينما لم يتجاوز الإنتاج المحلي 300 طن فقط، مع توقع ارتفاع الطاقة الإنتاجية إلى خمسة آلاف طن بحلول نهاية العام، وهو مستوى لا يزال بعيداً عن تلبية احتياجات السوق.

كما أن الولايات المتحدة لم تنتج التنغستن منذ عام 2015، ولا التنتالوم منذ عام 1959، فيما لا تزال مشروعات التعدين والمعالجة الجديدة تحتاج لسنوات قبل دخولها مرحلة الإنتاج التجاري. ويرى خبراء أن البنية التحتية اللازمة لإنشاء سلسلة توريد أميركية متكاملة لن تكون جاهزة بحلول الموعد الذي حددته الإدارة الأميركية، ما يعني أن الإعفاءات من الحظر قد تبقى ضرورة عملية رغم التشدد السياسي.

وتسيطر الصين اليوم على أكثر من 80 في المائة من عمليات تكرير المعادن النادرة عالمياً، وهو ما يمنحها نفوذاً كبيراً في سلاسل توريد الصناعات الدفاعية، والسيارات الكهربائية، والإلكترونيات، والذكاء الاصطناعي. كما حذرت الوكالة الدولية للطاقة هذا الشهر من أن صناعات عالمية بقيمة 6.5 تريليون دولار قد تواجه مخاطر إذا فرضت بكين قيوداً جديدة على صادرات هذه المعادن.

ورغم استثمار واشنطن عشرات المليارات من الدولارات في دعم شركات التعدين والمعالجة المحلية، إضافة إلى إطلاق مشروع لتكوين مخزون استراتيجي من المعادن الحرجة، فإن شركات القطاع تؤكد أن بناء القدرات الإنتاجية يحتاج وقتاً أطول، وأن الطلب الحكومي وحده لا يكفي ما لم يواكبه التزام من شركات الصناعات الدفاعية بشراء الإنتاج المحلي.

ويعكس هذا المشهد تحول المنافسة الأميركية-الصينية من نزاع تجاري تقليدي إلى سباق على السيطرة على التقنيات، وسلاسل الإمداد، والمواد الخام. فبينما تحاول واشنطن تقليص اعتمادها على الصين في القطاعات الاستراتيجية، تؤكد الوقائع أن فك الارتباط الكامل لا يزال بعيد المنال، وأن الاقتصاد العالمي سيظل في المدى المنظور رهينة التوازن الدقيق بين المنافسة والتعاون بين القوتين الاقتصاديتين الكبريين في العالم.


مقالات ذات صلة

الطاقة ترفع تضخم الصين... والطلب يكبح الأسعار

الاقتصاد سوق للخضراوات في مدينة شيامن شرق الصين (أ.ف.ب)

الطاقة ترفع تضخم الصين... والطلب يكبح الأسعار

تسارعت وتيرة التضخم في الصين خلال أغسطس، مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام مع استمرار مخاطر الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد تُعرض الفاكهة للبيع في سوق «نيو كوفنت غاردن» في لندن (رويترز)

توقعات بتجاوز تضخم أسعار الغذاء في بريطانيا 6 % بحلول منتصف 2027

رجّح اتحاد الصناعات الغذائية والمشروبات في بريطانيا، يوم الأربعاء، ارتفاع معدل تضخم أسعار المواد الغذائية إلى نحو 4 في المائة بحلول نهاية العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

قوة الين تهدّئ رهانات الفائدة وتضغط على «نيكي»

أغلق مؤشر «نيكي» منخفضاً بنسبة 0.19 في المائة عند 65142.78 نقطة، بعدما ارتفع خلال الجلسة بما يصل إلى 0.8 في المائة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار شركة «أوبن إيه آي» إلى جانب لوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

«أوبن إيه آي» تعزز تعاونها مع «سامسونغ» لتطوير رقائق الجيل المقبل

تعزز «أوبن إيه آي» تعاونها مع «سامسونغ إلكترونيكس»، في الوقت الذي تعمل فيه الشركة الكورية الجنوبية على تطوير رقائقها الخاصة.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد حاويات شحن مكدسة في ميناء بالتيمور بولاية ماريلاند (أ.ف.ب)

ترمب يصعِّد الضغط على كندا بحظر واردات وقيود على العقود الحكومية

صعَّدت الولايات المتحدة حربها التجارية مع كندا بصورة حادة، بالتزامن مع دخول رسوم جمركية انتقامية كندية حيز التنفيذ.

«الشرق الأوسط» (تورونتو (كندا))

الطاقة ترفع تضخم الصين... والطلب يكبح الأسعار

سوق للخضراوات في مدينة شيامن شرق الصين (أ.ف.ب)
سوق للخضراوات في مدينة شيامن شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الطاقة ترفع تضخم الصين... والطلب يكبح الأسعار

سوق للخضراوات في مدينة شيامن شرق الصين (أ.ف.ب)
سوق للخضراوات في مدينة شيامن شرق الصين (أ.ف.ب)

تسارعت وتيرة التضخم في الصين خلال أغسطس (آب)، مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام، مع استمرار مخاطر الإمدادات الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، ولكن ضعف الطلب المحلي أبقى ضغوط الأسعار الأساسية محدودة، في معادلة تزيد تعقيدات إدارة ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء ارتفاع مؤشر أسعار المنتجين 3.8 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بـ3.5 في المائة في يوليو (تموز)، متجاوزاً توقعات استطلاع «رويترز» البالغة 3.6 في المائة.

كما تسارع تضخم أسعار المستهلكين إلى 0.8 في المائة من 0.5 في المائة، بما يتماشى مع التوقعات.

وقالت دونغ ليجوان، الإحصائية في المكتب، إن ارتفاع الأسعار العالمية للنفط الخام والمعادن غير الحديدية أدى إلى زيادة الأسعار في الصناعات الصينية المرتبطة بها. وكان التأثير واضحاً في أسعار صهر ومعالجة المعادن غير الحديدية التي قفزت 20.8 في المائة على أساس سنوي، بينما ارتفعت أسعار معالجة النفط والفحم والوقود 11.1 في المائة، وأسعار استخراج النفط والغاز 10.5 في المائة.

وساهم تسارع تضخم الطاقة بنحو 0.28 نقطة مئوية في الزيادة السنوية لمؤشر أسعار المستهلكين. ويشير ذلك إلى أن الجزء الأكبر من الضغوط التضخمية الحالية يأتي من جانب العرض والتكاليف الخارجية، وليس من انتعاش قوي في الاستهلاك. فقد ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، إلى 1 في المائة فقط، مقابل 0.9 في المائة في يوليو.

ويرى نغوين هوانغ نام، الخبير الاقتصادي لدى «كابيتال إيكونوميكس»، أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط قد يبقي التضخم مرتفعاً لفترة أطول من التقديرات السابقة، ولكنه يتوقع أن يتراجع تضخم المستهلكين بصورة حادة العام المقبل، ليسجل متوسطاً يبلغ 0.4 في المائة، مع عودة أسعار المنتجين إلى الانكماش.

وعلى أساس شهري، ارتفعت أسعار المستهلكين 0.4 في المائة، متجاوزة توقعات بزيادة 0.3 في المائة، بعدما تراجعت 0.1 في المائة في يوليو. وقفزت أسعار الخضراوات الطازجة 5.5 في المائة نتيجة الحرارة والأمطار الغزيرة والاضطرابات الموسمية في الإمدادات.

ولا تقتصر ضغوط التكلفة على الطاقة؛ إذ أدى نقص رقائق الذاكرة المرتبط بالطفرة في الطلب على الذكاء الاصطناعي إلى رفع التكاليف في بعض الصناعات. ومع ذلك، لا تزال مؤشرات الطلب الداخلي ضعيفة، بينما لم تنجح برامج دعم الاستهلاك حتى الآن في إطلاق تعافٍ واسع النطاق. ويظهر ذلك في عودة أسعار الأجهزة المنزلية إلى الانخفاض، بما يعكس تراجع تأثير برامج الاستبدال والدعم الحكومية. وقال دينغ مينغ، كبير الاقتصاديين في «تشاينا سيتيك بنك إنترناشيونال»، إن استمرار التضخم الأساسي عند مستويات منخفضة يعني أن الضغوط السعرية ستظل على الأرجح تحت السيطرة خلال بقية العام، وأن ارتفاع التضخم بصورة مستدامة يتطلب تعافياً أقوى للطلب المحلي.

وتحاول بكين معالجة هذا الضعف عبر توسيع دعم فوائد القروض للمستهلكين والشركات الخاصة الصغيرة، مع استعداد وزارة المالية لتقديم دعم إضافي إذا تطلبت الظروف ذلك.

كما اتخذت السلطات إجراءات لدعم سوق العقارات، بما في ذلك تمديد الحد الأقصى لقروض الرهن العقاري الشخصية إلى 40 عاماً.

وهكذا تواجه الصين مفارقة اقتصادية واضحة: تضخم مستورد يرتفع بفعل الطاقة والمواد الخام، مقابل طلب داخلي لا يزال غير قادر على توليد ضغوط سعرية قوية.

وسيحدد مسار الصراع في الشرق الأوسط وأسعار النفط من جهة، وقوة تعافي الاستهلاك الصيني من جهة أخرى، ما إذا كانت موجة التضخم الحالية ستستمر حتى نهاية العام، أم تبقى محدودة ومؤقتة.


«سينوبك» تتوقع تراجع الطلب على النفط في الصين 9 % خلال 2026

محطة وقود تابعة لشركة سينوبك الصينية العملاقة لتكرير النفط ببكين (رويترز)
محطة وقود تابعة لشركة سينوبك الصينية العملاقة لتكرير النفط ببكين (رويترز)
TT

«سينوبك» تتوقع تراجع الطلب على النفط في الصين 9 % خلال 2026

محطة وقود تابعة لشركة سينوبك الصينية العملاقة لتكرير النفط ببكين (رويترز)
محطة وقود تابعة لشركة سينوبك الصينية العملاقة لتكرير النفط ببكين (رويترز)

توقعت الذراع البحثية لمؤسسة الصين للبترول والكيماويات (سينوبك)، أن ينخفض الطلب على النفط في الصين بمقدار 600 ألف برميل يومياً في 2026، أو ما يعادل 8.9 في المائة مقارنة بالعام الماضي، مسجلاً بذلك ثالث تراجع سنوي على التوالي في ظل صعود أسعار النفط الذي أدى إلى كبح الاستهلاك وتسارع وتيرة الإقبال على المركبات الكهربائية.

وشكل انخفاض الطلب على النفط، أو التراجع طويل الأمد في الاستهلاك، في أكبر دولة مستوردة للنفط في العالم عاملاً رئيسياً في الحد من واردات الصين من الخام وكبح المزيد من الارتفاع في أسعار النفط العالمية، رغم الاضطرابات الشديدة في الإمدادات عبر مضيق هرمز بسبب حرب إيران.

ومن المتوقع أن يقود البنزين والديزل تراجع الاستهلاك في الصين بنسبة 8.7 في المائة و11.4 في المائة، ليصلا إلى 149 مليون طن و164 مليون طن على الترتيب.

ومن ناحية أخرى، ذكر معهد سينوبك للبحوث الاقتصادية والتنمية في تقرير، أن الطلب على وقود الطائرات قد يرتفع 1.3 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 41.55 مليون طن في 2026.

وأضاف التقرير أنه في حين يتوقع أن ترتفع طاقة التكرير في الصين إلى 952 مليون طن سنوياً في 2026، فإن كميات النفط الخام المعالجة تراجعت إلى 697 مليون طن بين الربعين الثاني والثالث.


باكستان تستعد للحصول على شحنات من الغاز الطبيعي المسال

عبرت ناقلة محملة بوقود من قطر مضيق هرمز متجهة لباكستان ومن المقرر أن تتبعها ناقلة أخرى (رويترز)
عبرت ناقلة محملة بوقود من قطر مضيق هرمز متجهة لباكستان ومن المقرر أن تتبعها ناقلة أخرى (رويترز)
TT

باكستان تستعد للحصول على شحنات من الغاز الطبيعي المسال

عبرت ناقلة محملة بوقود من قطر مضيق هرمز متجهة لباكستان ومن المقرر أن تتبعها ناقلة أخرى (رويترز)
عبرت ناقلة محملة بوقود من قطر مضيق هرمز متجهة لباكستان ومن المقرر أن تتبعها ناقلة أخرى (رويترز)

تستعد باكستان للحصول على شحنات من الغاز الطبيعي المسال التي تشتد الحاجة إليها؛ حيث عبرت ناقلة محملة بوقود من قطر مضيق هرمز، ومن المقرر أن تتبعها ناقلة أخرى.

وعبرت الناقلة «المرونة» الممر المائي في وقت سابق من هذا الأسبوع، ومن المقرر أن تصل إلى باكستان بحلول غداً الخميس، حسب بيانات تتبُّع السفن التي جمعتها وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

ومن المتوقع أن تعبر ناقلة أخرى محملة بالغاز الطبيعي المسال القطري خلال الأيام المقبلة، متجهة أيضاً إلى الدولة الواقعة جنوب آسيا، طبقاً لما ذكره تجار مطلعون على المسألة، حسب «بلومبرغ» يوم الأربعاء.

ومن المرجح أن يعني هذا التطور أن باكستان، التي كانت قد توسطت سابقاً في محادثات سلام بين أميركا وإيران، لن تحتاج إلى شراء كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال من السوق الفورية، وهي سوق يتم فيها تداول الأصول وتسلمها في الحال؛ حيث ارتفعت الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2022.

وكانت الحكومة الباكستانية تعاني من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي، بعد أن أدى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز بالضرورة إلى توقف الإمدادات من قطر التي تعد المورِّد الرئيسي للبلاد.