أزمة أسمدة عالمية... كيف تهدد الحرب حصاد الحبوب في العام المقبل؟

وسط مخاوف من أن تكون أكثر حدة من صدمة 2022 مع استمرار تعثر حل النزاع

مزارع يحصد القمح في بينيتو خواريز بالأرجنتين (رويترز)
مزارع يحصد القمح في بينيتو خواريز بالأرجنتين (رويترز)
TT

أزمة أسمدة عالمية... كيف تهدد الحرب حصاد الحبوب في العام المقبل؟

مزارع يحصد القمح في بينيتو خواريز بالأرجنتين (رويترز)
مزارع يحصد القمح في بينيتو خواريز بالأرجنتين (رويترز)

يواجه المزارعون حول العالم ثاني ارتفاع في أسعار الأسمدة خلال 4 سنوات، بسبب الحرب الإيرانية. ولكن مع انخفاض أسعار الحبوب إلى مستويات لا تسمح بتخفيف أثر النقص الحاد في الإمدادات هذه المرة، يُعيد الكثيرون النظر في خطط الزراعة، مما يُعرّض الإنتاج الغذائي العالمي للخطر.

ويُعدّ الشرق الأوسط مركزاً رئيسياً لإنتاج الأسمدة، كما تمر نسبة كبيرة من التجارة العالمية للأسمدة عبر مضيق هرمز، الذي توقفت حركة الملاحة فيه بسبب النزاع، وفق «رويترز».

وقد تعطلت إمدادات اليوريا - أحد أهم الأسمدة النيتروجينية - من أكبر منشأة إنتاج بالعالم في قطر، كما تراجعت تدفقات الكبريت والأمونيا، وهما عنصران أساسيان في صناعة عدد واسع من الأسمدة.

قمح أخضر مكدّس في مزرعة خلال الإنتاج التقليدي للفريكة قرب مدينة جنين بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

مخاوف من سيناريو أشد

ومع استمرار غياب حل سياسي للنزاع، يستحضر المحللون والتجار ومنتجو الأسمدة والمهندسون الزراعيون أزمة 2022 الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، وسط مخاوف من أن تكون هذه الأزمة أكثر حدة.

وقال شون أريتا من مركز سياسات المخاطر الزراعية بجامعة ولاية داكوتا الشمالية: «في عام 2022، كانت كميات كبيرة من الأسمدة لا تزال تجد طريقها إلى الأسواق، لكننا اليوم أمام أزمة إمدادات أكثر حدة».

ويواجه المزارعون، الذين يعانون أصلاً من ضغوط مالية، ارتفاعاً كبيراً في التكاليف؛ فقد سجلت أسعار اليوريا أكبر قفزة منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير (شباط)، مع فقدان ما يقارب ثلث الإمدادات العالمية التي كانت تأتي عادة من منطقة الخليج.

وتحرك بعض الأسواق فعلياً لتعويض النقص، إذ سجلت الهند - أكبر منتج للأرز وثاني أكبر منتج للقمح في العالم - مشتريات قياسية من اليوريا في مناقصة استيراد واحدة، بأسعار تقارب ضعف مستوياتها قبل شهرين فقط.

لكن محللين يؤكدون أن هذه المستويات السعرية باتت مرتفعة للغاية بالنسبة لشريحة واسعة من المزارعين عالمياً.

وفي عام 2022، ساعد ارتفاع أسعار الحبوب، المزارعين، في امتصاص صدمة ارتفاع تكاليف الأسمدة الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، إلا أن وفرة المحاصيل في السنوات الأخيرة ضغطت على الأسعار؛ فقد تراجعت أسعار القمح في شيكاغو إلى نحو نصف مستوياتها قبل 4 سنوات، بينما انخفضت أسعار فول الصويا بنحو 50 في المائة مقارنة بالفترة نفسها.

ونتيجة لذلك، يفتقر كثير من المزارعين اليوم، إلى الإيرادات الكافية لمواجهة ارتفاع تكاليف المدخلات.

وتُعدّ الأسمدة النيتروجينية مثل اليوريا، ضرورية في كل موسم زراعي لكثير من المحاصيل؛ إذ تؤثر بشكل مباشر على الإنتاجية السنوية ومعايير الجودة، بما في ذلك محتوى البروتين في القمح.

وفي المقابل، يمكن تقليص استخدام بعض العناصر الأخرى مثل الفوسفات والبوتاس، دون تأثير فوري على المحاصيل، لكن هذا الخيار قد يتعرض للاختبار في حال استمرار الضغوط على أسواق الفوسفات، خصوصاً مع القيود الصينية على الصادرات واضطرابات إمدادات الكبريت والأمونيا.

عمال زراعيون يحمّلون جراراً بالأسمدة قبل نثرها في حقل قمح شتوي في منطقة دنيبروبتروفسك بأوكرانيا (رويترز)

تراجع الإنتاج وتقلص الإمدادات العالمية

حذّر آندي جونغ من مجموعة «موزاييك للأسمدة»، من أن بعض المزارعين قد يضطرون إلى خفض معدلات استخدام الأسمدة، ما يهدد الإنتاج الزراعي.

وبحسب سارة مارلو من شركة «أرغوس» لبيانات السلع، فقد فُقد ما لا يقل عن مليوني طن متري من إنتاج اليوريا - أي نحو 3 في المائة من التجارة البحرية السنوية - منذ بدء النزاع، نتيجة إغلاق المصانع في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى الاضطرابات في الهند وبنغلاديش وروسيا.

وفي الوقت ذاته، لا يزال نحو مليون طن من الشحنات محمّلاً على السفن، عالقاً في الخليج.

ويرى خبراء أن العودة إلى الوضع الطبيعي ستستغرق وقتاً حتى في حال انتهاء النزاع وفتح المضيق، بسبب الحاجة إلى معالجة اختناقات الإنتاج والأضرار التي لحقت بسلاسل الإمداد.

وقال مارك ميلام من شركة «آي سي إس»: «حتى في حال إعادة فتح المضيق قريباً، فإن إزالة الاضطرابات ستستغرق أسابيع».

كما أشار ستيفن نيكلسون من بنك «رابوبنك»، إلى أن استعادة التوازن في الأسواق قد تستغرق أشهراً.

وأضاف: «سيستغرق الأمر وقتاً للعودة إلى الوضع الطبيعي».

مزارع يحصد حقلاً من العدس في بولمان بواشنطن (رويترز)

إنتاج الغذاء العالمي تحت الضغط

ورغم أن كثيراً من المزارعين لا يزالون يمتلكون مخزونات من الأسمدة، إضافة إلى وفرة نسبية في الحبوب العالمية، فإن التأثير الفوري على الإمدادات الغذائية قد يظل محدوداً.

إلا أن مؤسسات دولية؛ بينها المجلس الدولي للحبوب، بدأت بالفعل في خفض توقعاتها للمحاصيل المقبلة، بينما حذرت الأمم المتحدة من مخاطر متزايدة على الأمن الغذائي في الدول النامية نتيجة اضطرابات إمدادات الأسمدة.

وفي أزمة 2022، أسهم ارتفاع تكاليف الأسمدة في تفاقم انعدام الأمن الغذائي في الدول المستوردة، ويشير محللون إلى أن مناطق مثل شرق أفريقيا، لا تزال عرضة لتكرار السيناريو.

مؤشرات مبكرة من أسواق الإنتاج العالمية

وقد تقدم أستراليا مؤشراً مبكراً على اتجاهات الإنتاج العالمي؛ إذ تتوقع مجموعات زراعية في ولاية غرب أستراليا، انخفاض مساحة زراعة القمح بنسبة 14 في المائة، مع توجه المزارعين إلى محاصيل أقل تكلفة.

وقال ماثيو بيغين، كبير محللي السلع في «بي إم آي»: «إذا بدأنا نرى انخفاضاً في استخدام الأسمدة بأستراليا وتراجعاً في الإنتاج، فقد يكون ذلك مؤشراً مبكراً لما قد يحدث عالمياً».

وفي البرازيل، أكبر مصدر لفول الصويا في العالم، يتوقع أيضاً تراجع استخدام الأسمدة أو التحول إلى بدائل أقل كفاءة.

كما يُتوقع انخفاض إنتاج زيت النخيل في جنوب شرقي آسيا، في وقت تعاني فيه الأسواق أصلاً من نقص الإمدادات، مع تحذيرات من آثار طويلة الأمد على الأشجار الصغيرة.

وفي أوروبا، بدأت قرارات الزراعة الربيعية تتجه نحو تقليص زراعة محاصيل كثيفة الاستخدام للأسمدة؛ مثل الذرة، بينما قد يؤدي انخفاض استخدام النيتروجين إلى تراجع محتوى البروتين في القمح هذا الصيف.

لكن الخطر الأكبر، بحسب محللين، يكمن في موسم الزراعة الخريفي، حيث قد يضطر المزارعون إلى تقليص المساحات المزروعة بالحبوب بسبب الضغوط المالية.

وقال بينوا فايود من شركة «إكسبانا»: «هذا ما يجعلنا نشعر بقلق متزايد تجاه موسم 2027».


مقالات ذات صلة

«غولدمان ساكس» يخفّض توقعاته لـ«برنت» إلى 80 دولاراً بعد اتفاق «هرمز»

الاقتصاد سفن في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)

«غولدمان ساكس» يخفّض توقعاته لـ«برنت» إلى 80 دولاراً بعد اتفاق «هرمز»

خفّض بنك الاستثمار الأميركي «غولدمان ساكس» توقعاته لأسعار خام برنت القياسي للربع الرابع من العام الجاري إلى 80 دولاراً للبرميل.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد امرأتان تمشيان مع كلبيهما على طول الشاطئ في يوم ممطر في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

اختلال الاقتصاد الصيني يتعمّق… تراجع استهلاك غير مسبوق منذ 3 سنوات

أظهرت البيانات الرسمية الصادرة الثلاثاء أن الاقتصاد الصيني يعاني من اختلال متزايد في التوازن بين القطاعات، مع تراجع ملحوظ في الاستهلاك والاستثمار.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مارة أمام مبنى المقر الرئيسي لبنك اليابان في طوكيو (أ.ف.ب)

بنك اليابان يرفع الفائدة إلى أعلى مستوى منذ 31 عاماً

رفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ 31 عاماً، في خطوة تاريخية جديدة ضمن مسار تطبيع السياسة النقدية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد خزانات تخزين النفط في محطة لإمداد الوقود في أوستن، تكساس (أ.ف.ب)

النفط يرتد صعوداً مع تشكك الأسواق في تفاصيل الاتفاق الأميركي - الإيراني

استعادت أسعار النفط جزءاً من خسائرها الحادة التي تكبدتها في الجلسة السابقة، مع تزايد شكوك المستثمرين بشأن تفاصيل الاتفاق المبدئي بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار قرب أدنى مستوياته في 10 أيام بعد الاتفاق الأميركي - الإيراني

استقر الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته في 10 أيام خلال تعاملات الثلاثاء، فيما عزز الاتفاق المبدئي في الشرق الأوسط شهية المستثمرين للمخاطرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«المركزي الأسترالي» يثبّت الفائدة عند 4.35 % ويحذر من احتمال رفع جديد

شاطئ كوجي في سيدني (رويترز)
شاطئ كوجي في سيدني (رويترز)
TT

«المركزي الأسترالي» يثبّت الفائدة عند 4.35 % ويحذر من احتمال رفع جديد

شاطئ كوجي في سيدني (رويترز)
شاطئ كوجي في سيدني (رويترز)

أبقى البنك المركزي الأسترالي أسعار الفائدة دون تغيير عند مستوى 4.35 في المائة خلال اجتماعه الثلاثاء، في خطوة جاءت متوافقة مع توقعات الأسواق، لكنه في الوقت نفسه حذّر من أن دورة التشديد النقدي لم تنتهِ بعد، مع إبقاء خيار رفع الفائدة مطروحاً إذا استدعت الظروف ذلك.

وقال بنك الاحتياطي الأسترالي إن الاقتصاد يشهد تباطؤاً نتيجة تشديد الأوضاع المالية، إلا أن معدلات التضخم لا تزال مرتفعة وتحتاج إلى مزيد من الضبط للوصول إلى المستويات المستهدفة.

وأكد البنك في بيانه أنه «سيفعل كل ما يلزم لخفض التضخم»، بما في ذلك رفع سعر الفائدة مجدداً إذا تطلب الأمر.

وكان البنك قد رفع أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس منذ فبراير (شباط)، في إطار محاولاته لكبح الضغوط التضخمية المستمرة، والتي تأثرت بارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.

وجاء قرار التثبيت في ظل مؤشرات على تباطؤ الاقتصاد المحلي، إضافة إلى تراجع أسعار النفط نتيجة التفاؤل بشأن اتفاق سلام في الشرق الأوسط، ما خفف بعض الضغوط التضخمية العالمية.

ويرى محللون أن البنك المركزي اختار التريث في هذه المرحلة لمراقبة تأثير التشديد النقدي السابق على الاقتصاد، مع الاحتفاظ بخيار العودة إلى رفع الفائدة إذا استمر التضخم عند مستويات أعلى من المستهدف.


«غولدمان ساكس» يخفّض توقعاته لـ«برنت» إلى 80 دولاراً بعد اتفاق «هرمز»

سفن في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)
TT

«غولدمان ساكس» يخفّض توقعاته لـ«برنت» إلى 80 دولاراً بعد اتفاق «هرمز»

سفن في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان (رويترز)

خفّض بنك الاستثمار الأميركي «غولدمان ساكس» توقعاته لأسعار خام برنت القياسي للربع الرابع من العام الجاري إلى 80 دولاراً للبرميل بدلاً من 90 دولاراً في تقديراته السابقة، كما قلّص متوسط توقعاته لعام 2027م إلى 75 دولاراً بدلاً من 80 دولاراً، وذلك في أعقاب توقيع الولايات المتحدة وإيران على اتفاقية سلام أولية لإعادة فتح مضيق هرمز فوراً.

وتُمثل هذه المراجعة التنازلية الدفعة الثانية من الخفض التي يجريها البنك الاستثماري في غضون أسبوع واحد، بعد أن كان قد قلّص تقديراته الطويلة الأجل لأسعار النفط لعام 2027 يوم الجمعة الماضي.

وأوضح محللو البنك، في مذكرة بحثية صدرت ساعة متأخرة من مساء الاثنين، أنهم يتوقعون الآن عودة الصادرات النفطية الخليجية إلى مستوياتها الطبيعية التي كانت عليها قبل اندلاع الحرب بحلول نهاية شهر يوليو (تموز) المقبل، وهو موعد يسهم في تقريب الجدول الزمني المقدر سابقاً والذي كان يراهن على نهاية شهر أغسطس (آب) كأفق زمني للتعافي اللوجستي.

الأسواق تتفاعل

وفي تداولات يوم الثلاثاء، سجلت أسعار النفط تراجعاً إضافياً، بعد أن كانت قد انخفضت بنحو 5 في المائة لتستقر عند أدنى مستوياتها منذ 10 مارس (آذار) الماضي، تزامناً مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي أكد فيها توقيع مذكرة تفاهم تنهي الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، والتي تسببت في إغلاق المضيق طوال الأشهر الماضية.

وبالتوازي مع قرار «غولدمان ساكس» بخفض تقديراته لخام غرب تكساس الوسيط لعام 2026 إلى 80 دولاراً ولعام 2027 إلى 70 دولاراً (مقارنة بـ75 دولاراً في السابق)، تبرز مراجعات المصارف الدولية الأخرى تباين القراءات حيال استدامة المعروض وأثر الصدمة الجيوسياسية المنقضية، وفق رصد وكالة «رويترز» للمستهدفات السعرية:

  • «سيتي بنك»: كان قد رفع في أواخر أبريل (نيسان) الماضي توقعاته لخام برنت إلى 110 دولارات للبرميل للربع الثاني من 2026، و95 دولاراً للربع الثالث، قبل أن يستقر بتقديراته عند 75 دولاراً لعام 2027.
  • «يو بي إس»: بنى تقديراته منتصف أبريل على فرضية بقاء المضيق مغلقاً، متوقعاً تجاوز الأسعار حاجز 150 دولاراً للبرميل، مع وضع مستهدف عند 100 دولار بنهاية يونيو الحالي.
  • «ماكواري»: وضع في أواخر مارس سيناريو متشائماً يقضي بوصول النفط إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرار الحرب لخطوط الصيف، مقدراً متوسط 2026 عند 89.28 دولار.
  • «باركليز»: ربط مراجعته السعرية بمدى سرعة تطبيع الأوضاع في المضيق؛ مشيراً إلى أن تعافي الحركة خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع سيهبط بالأسعار إلى 85 دولاراً (وهو ما يتماشى مع قراءة غولدمان الحالية)، بينما استغراق المنظومة اللوجستية 4 إلى 6 أسابيع كان سيدفع بالخام مجدداً نحو مستويات 100 دولار.

اختلال الاقتصاد الصيني يتعمّق… تراجع استهلاك غير مسبوق منذ 3 سنوات

امرأتان تمشيان مع كلبيهما على طول الشاطئ في يوم ممطر في هونغ كونغ (أ.ف.ب)
امرأتان تمشيان مع كلبيهما على طول الشاطئ في يوم ممطر في هونغ كونغ (أ.ف.ب)
TT

اختلال الاقتصاد الصيني يتعمّق… تراجع استهلاك غير مسبوق منذ 3 سنوات

امرأتان تمشيان مع كلبيهما على طول الشاطئ في يوم ممطر في هونغ كونغ (أ.ف.ب)
امرأتان تمشيان مع كلبيهما على طول الشاطئ في يوم ممطر في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

أظهرت البيانات الرسمية الصادرة الثلاثاء أن الاقتصاد الصيني يعاني من اختلال متزايد في التوازن بين القطاعات، مع تراجع ملحوظ في الاستهلاك والاستثمار، مقابل استمرار قوة القطاع الصناعي المدعوم بالطلب الخارجي والتكنولوجيا.

وسجلت مبيعات التجزئة في الصين انخفاضاً بنسبة 0.6 في المائة خلال مايو (أيار)، وهو أول تراجع شهري منذ أكثر من ثلاث سنوات، وأدنى من توقعات السوق التي رجّحت استقرارها دون تغيير. ويأتي هذا بعد ارتفاع طفيف بنسبة 0.2 في المائة في أبريل (نيسان).

ويعكس هذا التراجع ضعف الطلب المحلي في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في ظل استمرار أزمة قطاع العقارات وتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، إضافة إلى تراجع أثر برامج دعم الاستهلاك الحكومية.

وفي المقابل، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 4.5 في المائة على أساس سنوي، متسارعاً عن 4.1 في المائة في الشهر السابق، ومتجاوزاً توقعات الأسواق، مدفوعاً بقوة قطاع التكنولوجيا والصناعات المتقدمة.

وسجلت الصناعات عالية التقنية نمواً قوياً بلغ 15.1 في المائة، بدعم من الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، ما ساعد في تعويض الضغوط الناجمة عن ضعف الطلب الداخلي.

لكن هذا التباين بين القطاعات يكشف ما وصفه محللون بـ«اقتصاد السرعتين»، حيث يستفيد قطاع التصدير والصناعة من الطلب الخارجي، بينما يعاني الاستهلاك المحلي والعقارات من تباطؤ واضح.

وفي قطاع الخدمات، ارتفع الاستهلاك بنسبة 5.4 في المائة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، لكنه سجل تباطؤاً مقارنة بالفترة السابقة، رغم بقائه أفضل نسبياً من تجارة السلع.

أما الاستثمار، فقد شهد تراجعاً حاداً، إذ انخفضت الاستثمارات في الأصول الثابتة بنسبة 4.1 في المائة خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، مقارنة بتراجع أقل في الفترة السابقة، وجاء أسوأ من توقعات الأسواق.

كما واصل قطاع العقارات الضغط على الاقتصاد، مع انخفاض الاستثمار العقاري بنسبة 16.2 في المائة، وتراجع مبيعات المنازل الجديدة، إلى جانب انخفاض أسعار العقارات في المدن الكبرى بشكل أسرع نسبياً.

ويشير محللون إلى أن ضعف سوق الإسكان وتراجع الاقتراض الاستهلاكي يعكسان حالة حذر لدى الأسر الصينية بسبب تباطؤ نمو الدخل وعدم استقرار سوق العمل.

القطاع الصناعي

ورغم ذلك، لا يزال القطاع الصناعي مدعوماً بمرونة الصادرات، خاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، إلا أن محللين حذروا من أن استمرار الفائض التجاري الكبير قد يثير توترات مع الشركاء التجاريين للصين.

وقال خبراء إن الاقتصاد الصيني قد يحتاج إلى تدخلات سياسية إضافية خلال النصف الثاني من العام لدعم الطلب المحلي، خصوصاً مع استمرار الضغوط في قطاع العقارات وضعف الاستهلاك.

وبحسب التقديرات، من المتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي في الربع الثاني إلى نحو 4.5 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة في الربع الأول، مع بقاء التحديات الهيكلية قائمة رغم قوة قطاع التصدير.