مؤازرة روسية جوية لقوات النظام لاحتواء هجمات حماة... وصواريخ «التاو» تربك قواته

الجولاني يتابع الهجوم في غرفة عمليات المعركة وعينه على المطار العسكري

مواطنون سوريون يفرون من القتال الدائر في إحدى قرى محافظة حماة حيث حققت فصائل معارضة وإسلامية تقدماً على حساب قوات النظام وداعميه رغم الدعم الجوي الروسي (أ.ف. ب)
مواطنون سوريون يفرون من القتال الدائر في إحدى قرى محافظة حماة حيث حققت فصائل معارضة وإسلامية تقدماً على حساب قوات النظام وداعميه رغم الدعم الجوي الروسي (أ.ف. ب)
TT

مؤازرة روسية جوية لقوات النظام لاحتواء هجمات حماة... وصواريخ «التاو» تربك قواته

مواطنون سوريون يفرون من القتال الدائر في إحدى قرى محافظة حماة حيث حققت فصائل معارضة وإسلامية تقدماً على حساب قوات النظام وداعميه رغم الدعم الجوي الروسي (أ.ف. ب)
مواطنون سوريون يفرون من القتال الدائر في إحدى قرى محافظة حماة حيث حققت فصائل معارضة وإسلامية تقدماً على حساب قوات النظام وداعميه رغم الدعم الجوي الروسي (أ.ف. ب)

انخرطت روسيا في معركة حماة، عبر غارات جوية مكثفة نفَّذتها طائراتها الحربية بهدف تمكين قوات النظام السوري من احتواء الهجوم الواسع الذي نفذته قوات معتدلة ومتشددة معارضة، وأسفر عن وصولها إلى مناطق قيربة من مدينة حماة ومطارها العسكري. وفي حين ازدادت تكهنات صعوبة احتواء قوات النظام للهجوم الذي يعد الأوسع والأسرع منذ عام 2013، نشرت وكالة أنباء تابعة لتنظيم «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقاً)، صوراً أظهرت زعيمها (أبو محمد الجولاني)، إلى جانب قياديين آخرين، في غرفة العمليات المركزية لمعركة «وقل اعملوا»، يخططون للسيطرة على مطار حماة.
تحت ضغط القصف الجوي الكثيف، تواصلت المعارك العنيفة بين مقاتلي «هيئة تحرير الشام» (التي تضم جبهة «فتح الشام») وقوات النظام والمسلحين الموالين لها في قرية زور القصيعية قرب بلدة قمحانة ومحيط قرية شيزر، ومحور قرية معرزاف، وعدة محاور أخرى بريف محافظة حماة الشمالي.
وذكر «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أن قوات النظام تمكنت من استعادة حاجز في المنطقة، واستعادة قرية شيزر، وسط محاولات منها للتقدم واستعادة ما خسرته من مناطق.
مدير «المرصد» رامي عبد الرحمن أفاد أمس بأن النظام «لا يستطيع الصمود أمام هذه الهجمات الكبيرة والعنيفة التي تشنها الفصائل في حماة». ولفت إلى أن ما يجري «أعنف اشتباكات على الإطلاق تشهدها جبهات حماة، لأن الفصائل المشاركة كبيرة ولها ثقل كبير على الأرض». وتابع عبد الرحمن أن المعارك أصبحت على بعد أقل من 4 كلم عن مدينة حماة (رابع كبرى مدن سوريا) ومئات الأمتار فقط من بلدة محردة كبرى البلدات المسيحية بمحافظة حماة، مؤكداً أن لدى «قوات المعارضة تعزيزات ضخمة جدا ومستمرة، أما قوات النظام وعلى الرغم من وصول تعزيزات إليها، والدعم الروسي، لا تزال تمنى بالخسائر، ولم تستطع صد أي هجمات أو إيقاف تقدم الفصائل».
في هذه الأثناء، أقرّ مصدر عسكري نظامي أمس بأن طائرات حربية روسية تشارك في غارات جوية ضد مقاتلي المعارضة للمساعدة في صد هجوم كبير على مناطق خاضعة لسيطرة النظام قرب حماة. وقال المصدر العسكري لوكالة «رويترز»: «بدأ الآن توجيه الضربات الجوية ورمايات المدفعية المركزة على المجموعات المسلحة ومقرات قيادتها وخطوط الإمداد الخاصة بها تمهيداً للانتقال إلى الهجوم المعاكس».
وأضاف المصدر النظامي «الروس مشتركون طبعاً في هذه الغارات»، وتركزت المعارك أمس على قرية قمحانة التي تبعد نحو ثمانية كيلومترات شمال حماة، وتعتبر أحد مداخل عمق القرى والبلدات العلوية بمحافظة حماة.
ولقد استهلته قوات المعارضة بتفجير انتحاري رد عليها النظام بغارات جوية استهدفت لأول مرة منذ بدء النزاع السوري داخل أحياء بلدة قمحانة. ومن ثم دارت داخل أحياء البلدة معارك عنيفة جداً، عقب تدمير الدفاعات الأولى لقوات النظام، إثر تفجير المفخخة.
كذلك أفاد ناشطون في المنطقة بأن الطائرات الحربية نفذت غارات مكثفة على مناطق في بلدات طيبة الإمام ومعردس، وأطراف ومحيط قمحانة، ترافق مع قصف صاروخي استهدف منطقة التلول الحمر براجمات الصواريخ، في حين قصفت الفصائل المعارضة والإسلامية بالصواريخ تمركزات لقوات النظام في قرية تويم بريف المحافظة الشمالي، بينما طال القصف الجوي بلدة حلفايا. وأفيد عن مقتل قيادي محلي في «هيئة تحرير الشام»، كما قُتل ضابط من قوات النظام برتبة عقيد في الاشتباكات ذاتها.
وفي السياق نفسه، تواصلت المعارك العنيفة في قرية زور القصيعية قرب قمحانة وعدة محاور في المحافظة، وسط تقدم للفصائل في منطقة الصخر، ترافق مع استهداف الفصائل المقاتلة بصاروخ موجَّه دبابة لقوات النظام في محيط بلدة معرزاف مما أدى لإعطابها.
في المقابل، ذكر مصدر عسكري معارض لـ«الشرق الأوسط» أن قوات المعارضة «ستكرر مجزرة الدبابات في ريف حماة» بعدما دمرت عشرات منها في معركة وقعت في خريف 2015 في المنطقة نفسها. وأردف أن «صواريخ التاو الموجهة ضد الدروع، أعطتنا أفضلية، وهي تمنع قوات النظام من التقدم بالآليات والمدرعات، لأنها ستكون تحت مرمى النيران».
واستطرد أن المعارك الدائرة «تستخدم فيها قوة نارية هائلة أسهمت إلى حد كبير في منع قوات النظام من التجمع، كون الصواريخ والمدافع طالت عمق القرى العلوية ومناطق تجمعه». وبما يخص «أبو محمد الجولاني»، بينما تسعى قوات المعارضة للتقدم إلى مدينة حماة، نشرت وكالة «إباء» صوراً لزعيم «فتح الشام» (النصرة) وهو أيضاً القائد العسكري العام لـ«هيئة تحرير الشام»، وإلى جانبه القيادي البارز في الفصيل «أبو صالح الطحان». وقال الوكالة إن الصور من غرفة العمليات المركزية لمعركة «وقل اعملوا» بريف حماة.
وظهر «الجولاني» و«الطحان» وهما يتابعان التطورات العسكرية في أرض المعاركة من خلال خريطة تظهر المناطق التي تشهد مواجهات مفتوحة ضد قوات النظام. وتوضح إحدى الصور تركيز الرجلين على مطار حماة العسكري، الواقع في الجهة الغربية من المدينة.
هذا، وتقود «هيئة تحرير الشام» تحالفاً مكوناً من عدة فصائل معارضة، نجحت في السيطرة على نحو 15 قرية وبلدة في ريف محافظة حماة الشمالي الغربي، في غضون أيام. وانضمت إلى المعركة أمس، حركة «أحرار الشام»، إذ أعلن عمر خطاب، المتحدث العسكري باسم الحركة أن «أحرار الشام» دخلت معركة حماة بغرفة عمليات منفصلة تضم ستة فصائل معارضة، هي «أحرار الشام» و«فيلق الشام» و«أجناد الشام» و«جيش النصر» و«جيش النخبة» و«الفرقة الوسطى»، وبدأت الفصائل معركة جديدة في ريف حماة الشمالي الغربي، باسم «صدى الشام».
ومن جهة ثانية، أكد الرائد سامر عليوي نائب قائد «جيش النصر»، أحد الفصائل المشاركة في المواجهات، أن «المعركة لن تتوقف حتى تحرير كل مناطق حماة والوصول إلى ريف محافظة حمص المحرّر الذي يعتبر من أهم أهداف المعركة».
في غضون ذلك، وسع النظام عملياته إلى ريف محافظة إدلب، التي تعد خط الإمداد الأساسي للمعارضة في محافظة حماة المتاخمة لها. ولقد نفَّذَت الطائرات الحربية عدة غارات على مناطق في الحي الشرقي لمدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، إضافة إلى قرية البشيرية في ريف مدينة جسر الشغور، بالتزامن مع قصف لقوات النظام على أماكن في منطقة الشغور. كذلك طال القصف مناطق في أطراف مدينة أريحا وأماكن أخرى في أوتوستراد معرة النعمان، بينما قصفت الهليكوبترات العسكرية بالبراميل المتفجرة مناطق في مدينة جسر الشغور بريف محافظة إدلب الغربي.
وتوسَّع القتال إلى ريف محافظة حلب الغربي، المتاخم لمحافظة إدلب، حيث استهدفت الفصائل المعارضة والإسلامية بصاروخ موجَّه راجمة صواريخ لقوات النظام في أطراف محافظة حلب الغربية مما أدى لإعطابها، وسط استمرار الاشتباكات العنيفة بين قوات النظام والمسلحين الموالين لها من جهة، والفصائل المعارضة من جهة أخرى، في محور الراشدين بالضواحي الغربية لمدينة حلب، بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان».



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.