الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة

شهر التوعية بالمرض لعام 2026

الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة
TT

الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة

الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة

قد يحمل أحدهم كتلة صغيرة في ذراعه أو ساقه لأشهر، لا تؤلمه، ولا تعوقه عن عمله، أو ممارسة حياته اليومية، فيطمئن إلى أنها مجرد تجمع دهني، أو أثر لإصابة قديمة، ويؤجل مراجعة الطبيب. لكن، في بعض الحالات، قد تكون تلك الكتلة أول إشارة إلى «الساركوما»؛ أحد أندر أنواع السرطان، وأكثرها تنوعاً، وهو مرض لا تكمن خطورته في عدوانيته وحدها بقدر ما تكمن في أن أعراضه الأولى قد تمر بصمت، فلا تثير انتباه المريض، وأحياناً لا تثير الشك حتى لدى الطبيب في الزيارة الأولى.

هذه الحقيقة هي ما يدفع الجمعيات العلمية ومنظمات المرضى حول العالم إلى تخصيص شهر يوليو (تموز) من كل عام للتوعية بالساركوما (Sarcoma Awareness Month)، بهدف التعريف بعلاماته المبكرة، وتشجيع سرعة التشخيص، وتعزيز إحالة المرضى إلى المراكز المتخصصة. فالخبرة الطبية المتراكمة تؤكد أن الاكتشاف المبكر لا يزيد فرص العلاج فحسب، بل قد يغيّر مسار المرض بالكامل، ويتيح في كثير من الحالات علاجات أقل تعقيداً، وأكثر حفاظاً على وظائف الأعضاء، وفق أحدث إرشادات الجمعية الأوروبية لطب الأورام (ESMO)، والشبكة الوطنية الأميركية الشاملة للسرطان (NCCN). ولعل أكثر ما يثير القلق أن كثيراً من مرضى الساركوما يصلون إلى المراكز المتخصصة بعد أشهر من ظهور الأعراض، لأنهم لم يتصوروا أن كتلة صغيرة غير مؤلمة قد تكون ورماً خبيثاً.

نوعان رئيسيان وخصائص مختلفة

رغم أن الساركوما تمثل أقل من واحد في المائة من السرطانات لدى البالغين، فإنه يضم أكثر من مائة نوع فرعي، يختلف كل منها في سلوكه البيولوجي، واستجابته للعلاج. ينشأ الساركوما في الأنسجة الداعمة للجسم، كالعضلات، والدهون، والأوتار، والأربطة، والأوعية الدموية، والأعصاب، والعظام، والغضاريف. ويجعل هذا التنوع الكبير منه واحداً من أكثر مجموعات الأورام تعقيداً من حيث التشخيص، والعلاج، حتى إن التعامل مع هذه المجموعة اليوم يعتمد على فرق طبية متعددة التخصصات، وعلى تقنيات التشخيص الجزيئي التي أصبحت تمثل حجر الزاوية في اختيار العلاج المناسب لكل مريض.

يقسم الأطباء الساركوما إلى مجموعتين رئيستين:

1. ساركوما الأنسجة الرخوة، وهي الأكثر شيوعاً لدى البالغين، ويمكن أن تظهر في أي موضع من الجسم، ولا سيما الأطراف. ويُتوقع، في عام 2026، تسجيل نحو 13910 إصابات بساركوما الأنسجة الرخوة في الولايات المتحدة الأميركية، مع معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات نحو 65.7 في المائة.

2. ساركوما العظام التي تُصيب النسيج العظمي نفسه، ويعد الورم العظمي (Osteosarcoma) أكثر أنواعها شيوعاً، خاصة لدى الأطفال، واليافعين. ويُتوقع، في عام 2026، تسجيل نحو 4110 إصابات في أميركا، مع معدل البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات نحو 68.7 في المائة.

وكثيراً ما يُشخص هذا المرض بشكل غير دقيق، أو متأخر، نظراً لندرته، وتشابهه مع أنواع أخرى من السرطانات. وفقاً لتقارير الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان

(American Association for Cancer Research – AACR-).

ورغم ندرة هذه الأورام، فإنها تمثل نسبة أعلى من الأورام الصلبة لدى الأطفال مقارنة بالبالغين، مما يفسر الاهتمام الكبير بها في طب أورام الأطفال.

وتكمن المشكلة في أن سرطانات الساركوما لا تُعلن عن نفسها في مراحلها الأولى. ففي كثير من الحالات لا تسبب ألماً، ولا تؤثر في الحالة العامة للمريض، بل تقتصر على كتلة تنمو ببطء، أو ألم موضعي متقطع قد يستمر لأسابيع أو أشهر قبل أن يدفع صاحبه إلى مراجعة الطبيب.

ولهذا السبب تشدد الإرشادات الحديثة للجمعية الأوروبية لطب الأورام والشبكة الوطنية الأميركية الشاملة للسرطان على ضرورة عدم إهمال أي كتلة يزداد حجمها تدريجياً، أو يتجاوز قطرها خمسة سنتيمترات، أو تقع في عمق الأنسجة، أو يصاحبها ألم مستمر، أو تعود للظهور بعد استئصالها. ولا تعني هذه العلامات بالضرورة وجود سرطان، لكنها تستوجب تقييماً متخصصاً، لأن التشخيص المبكر يظل العامل الأكثر تأثيراً في نجاح العلاج، وتقليل المضاعفات.

ولا يقتصر الأمر على أورام الأنسجة الرخوة؛ ففي ساركوما العظام قد يكون العرض الأول ألماً يزداد مع الوقت، ويصبح أكثر وضوحاً أثناء الليل، أو مع النشاط البدني، وقد يصاحبه تورم، أو حتى كسر يحدث بعد إصابة بسيطة نتيجة ضعف العظم. وهنا تكمن أهمية عدم الاكتفاء بتفسير الألم على أنه نتيجة للنمو، أو للإجهاد الرياضي، خاصة إذا استمر، أو ازداد تدريجياً، إذ قد يكون ذلك أول مؤشر على وجود مشكلة تحتاج إلى تقييم دقيق.

الأسباب والتشخيص

• لماذا تحدث سرطانات الساركوما؟ ولعل السؤال الذي يطرحه، الآن، كثير من المرضى وعائلاتهم: لماذا تحدث الساركوما؟ رغم كل التقدم العلمي، لا يزال السبب المباشر لمعظم حالات الساركوما غير معروف. وتشير الدراسات إلى أن غالبية المرضى لا يملكون عامل خطر واضحاً، إلا أن بعض المتلازمات الوراثية النادرة، مثل متلازمة لي-فروميني (Li Fraumeni syndrome)، والورم الليفي العصبي من النوع الأول (neurofibromatosis type 1)، إضافة إلى التعرض السابق للعلاج الإشعاعي، أو الإصابة بوذمة لمفية مزمنة قد تزيد من ااحتمال الإصابة لدى فئات محددة، وفق مراجعات حديثة نشرتها مجلة «Nature Reviews Clinical Oncology». وفي المقابل، لا توجد أدلة علمية تثبت أن الساركوما تنشأ نتيجة إصابة مباشرة، أو كدمة، وهي من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً بين الناس.

ولأن معظم حالات الساركوما لا يمكن الوقاية منها، فإن أفضل وسيلة لتحسين النتائج تتمثل في رفع مستوى الوعي بعلاماتها المبكرة، وتسريع الوصول إلى المراكز المتخصصة عند الاشتباه بها. كما أن المتابعة الدورية بعد انتهاء العلاج تُعد جزءاً أساسياً من الرعاية، إذ تهدف إلى الكشف المبكر عن أي عودة للورم، ومتابعة المضاعفات المحتملة، ومساعدة المرضى على استعادة نشاطهم البدني، والنفسي، والعودة إلى حياتهم الطبيعية.

يعتمد تشخيص الساركوما على ثلاثة عناصر رئيسة: التقييم السريري، والتصوير الطبي، والخزعة. ويُعد التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) الخيار الأمثل لتقييم معظم أورام الأنسجة الرخوة، لما يوفره من معلومات دقيقة عن حجم الورم، وحدوده، وعلاقته بالأنسجة المحيطة، بينما يُستخدم التصوير المقطعي المحوسب (CT) في حالات أخرى، خاصة لتقييم الرئتين اللتين تُعدان أكثر مواقع الانتشار شيوعاً في بعض أنواع الساركوما. أما تأكيد التشخيص فلا يتم إلا من خلال الخزعة التي ينبغي أن تُجرى في المركز الذي سيتولى علاج المريض، أو بالتنسيق معه، لأن مكان أخذ العينة وطريقتها قد يؤثران في الخطة الجراحية لاحقاً، وهو ما تؤكد عليه الإرشادات الدولية بصورة متكررة.

ومع تطور علم الأمراض الجزيئي، لم يعد تشخيص الساركوما يعتمد على الفحص المجهري التقليدي وحده، بل أصبح يشمل تحاليل مناعية وجزيئية تساعد في تحديد النوع الفرعي للورم بدقة أكبر، والكشف عن الطفرات، أو الاندماجات الجينية التي قد يكون لها دور في اختيار العلاج. وقد أسهم هذا التطور في إعادة تصنيف عدد من أنواع الساركوما، وأصبح يمثل أحد أهم التحولات في طب الأورام خلال السنوات الأخيرة، وفق تصنيف منظمة الصحة العالمية للأورام.

• العلاج، ويشمل: -الجراحة، لا تزال تمثل حجر الأساس في علاج معظم حالات الساركوما الموضعية، إذ تهدف إلى استئصال الورم بالكامل، مع هامش آمن من الأنسجة السليمة، لتقليل احتمال عودته. وقد أسهمت التقنيات الجراحية الحديثة -إلى جانب التخطيط الدقيق قبل العملية الذي يضعه فريق متعدد التخصصات يضم جراح الأورام، وطبيب الأورام، واختصاصي الأشعة، واختصاصي علم الأمراض، واختصاصي العلاج الإشعاعي، بحيث تُبنى الخطة العلاجية على نوع الورم، ودرجته وخصائصه الجزيئية، وليس على حجمه، أو مكانه فقط- في المحافظة على الأطراف، والأعضاء المصابة لدى معظم المرضى، بعد أن كان بتر الطرف يُعد خياراً شائعاً في الماضي.

-العلاج الإشعاعي، يأتي مكملاً للجراحة في كثير من حالات ساركوما الأنسجة الرخوة، سواء قبل العملية لتصغير حجم الورم، أو بعدها للحد من خطر عودته موضعياً.

-العلاج الكيميائي، لم يعد يُستخدم بالطريقة نفسها في جميع الأنواع، إذ تختلف حساسية الساركوما له بصورة كبيرة؛ فهو جزء أساسي من علاج بعض الأورام، مثل الورم العظمي، والساركوما الإيوينغية (Ewing sarcoma)، بينما يكون دوره محدوداً في أنواع أخرى، وهو ما يعكس التنوع البيولوجي الكبير لهذه الأورام، وفق توصيات الجمعية الأميركية لعلم الأورام السريري (American Society of Clinical Oncology, ASCO).

-العلاجات الموجهة، وهي التي تمثل أبرز ملامح تطور الممارسة السريرية في السنوات الأخيرة، وذلك بعد التعرف على طفرات جينية ومسارات خلوية يمكن استهدافها دوائياً في بعض الأنواع. ويُعد الورم اللحمي المعدي المعوي (GIST) أحد أبرز الأمثلة على نجاح هذا النهج، إذ أدى استهداف الطفرات في جيني (KIT, PDGFRA) إلى تغيير جذري في نتائج العلاج لدى كثير من المرضى.

-الطب الدقيق (Precision Medicine)، حيث يواصل العلاج المناعي تحقيق نتائج واعدة في بعض الأنواع الفرعية، وإن كانت الاستجابة لا تزال متفاوتة، الأمر الذي يجعل اختيار العلاج يعتمد بصورة متزايدة على الخصائص البيولوجية للورم، وهو ما يُعرف اليوم بمفهوم الطب الدقيق.

رسالة شهر التوعية بالساركوما

يحمل شهر يوليو، شهر التوعية بالساركوما، رسالة صحية تتجاوز التعريف بورم نادر، لتؤكد أن تجاهل كتلة تكبر مع مرور الوقت أو ألم يستمر دون تفسير واضح قد يكلّف المريض فرصة التشخيص المبكر. وفي المقابل، فإن الاكتشاف في الوقت المناسب، والإحالة إلى مركز يمتلك الخبرة، والاستفادة من التطورات المتسارعة في التشخيص والعلاج، كلها قادرة على تغيير مسار المرض بصورة كبيرة.

لقد غيّر التقدم العلمي خلال العقدين الماضيين النظرة إلى أورام الساركوما. فبعد أن كان التعامل معها يقتصر على الجراحة في كثير من الحالات، أصبحت اليوم من الأورام التي تستفيد من التكامل بين الجراحة، والعلاج الإشعاعي، والعلاج الدوائي، والطب الجزيئي، والفرق الطبية متعددة التخصصات. ومع استمرار الأبحاث في كشف المزيد من أسرارها البيولوجية، يبقى الأمل قائماً في تطوير علاجات أكثر دقة، وفاعلية، بما ينعكس على زيادة فرص الشفاء، وتحسين جودة الحياة.

تبقى الرسالة الأهم: إن ندرة المرض لا تعني ندرته في الممارسة الطبية، ولا ينبغي أن تقلل من أهمية التفكير فيه. فكلما ازداد وعي المجتمع، وارتفع مستوى الاشتباه به لدى الأطباء، وتسارعت الإحالة إلى المراكز المتخصصة، أصبح بالإمكان اكتشاف الساركوما في مراحل أبكر، وتقديم علاج أكثر فاعلية، وتحويل قصة مرض نادر إلى قصة نجاح طبي تستند إلى العلم، والتشخيص المبكر، والرعاية المتخصصة.

*استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

موافقة أميركية تمهّد لتوفير حقنة للوقاية من «إيدز» بـ40 دولاراً سنوياً

صحتك شعار إدارة الغذاء والدواء الأميركية في قاعة مبنى هوبرت همفري بواشنطن يوم 22 أبريل 2025 (أ.ب)

موافقة أميركية تمهّد لتوفير حقنة للوقاية من «إيدز» بـ40 دولاراً سنوياً

تتيح موافقة أميركية على نسخة عامة من حقنة للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية توفيرها في 120 دولة بتكلفة 40 دولاراً سنوياً للشخص.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك أجرى العملية فريق طبي متخصص بـ«مستشفى قوى الأمن» باستخدام تقنية الروبوت في ترميم الثدي (واس)

السعودية تُسجل نجاح أول عملية نوعية لترميم الثدي بروبوت

نجح «مستشفى قوى الأمن» بالعاصمة السعودية الرياض في إجراء أول عملية من نوعها لترميم الثدي باستخدام تقنية الجراحة الروبوتية، لسيدة تبلغ من العمر 43 عاماً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
صحتك يساعد التقييم الطبي على تحديد العلاج المناسب لأعراض تضخم البروستاتا الحميد (بيكسلز)

هل يمكن تقليل تضخم البروستاتا دون جراحة؟

يمكن تخفيف أعراض تضخم البروستاتا الحميد دون جراحة، بتعديل العادات وأدوية يصفها الطبيب، مع ضرورة المراجعة العاجلة عند تعذّر التبوّل أو ظهور دم في البول.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

اختصاصات «الوحدة» الليبية في ملف الصحة تُصعّد غضب الأطباء

صعّدت مذكرة حكومية لتنظيم الاختصاصات الإدارية للخدمات الصحية في ليبيا من انتقادات الأطباء بالتزامن مع دعوات إلى وقفة احتجاجية في طرابلس الاثنين المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
علوم فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

فرشاة الأسنان للمراقبة والوقاية المنزلية

بعد أن تعلّمت فرشاة الأسنان قياس ضغط اليد وحساب وقت التنظيف، بدأت تتعلم كيف «ترى» داخل الفم. فالكاميرا التي تدخل اليوم إلى هذه الأداة اليومية

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)

العسل أم شراب القيقب... أيهما أفضل للتحكم في سكر الدم؟

العسل أم شراب القيقب... أيهما أفضل للتحكم في سكر الدم؟
TT

العسل أم شراب القيقب... أيهما أفضل للتحكم في سكر الدم؟

العسل أم شراب القيقب... أيهما أفضل للتحكم في سكر الدم؟

قد يكون شراب القيقب (Maple Syrup) خياراً أفضل قليلاً من العسل للأشخاص الذين يسعون إلى ضبط مستويات السكر في الدم، إذ تشير الأبحاث إلى أنه يرفع السكر بوتيرة أبطأ. ومع ذلك، يُعدّ كلا المُحلّيين الطبيعيين بديلاً أفضل نسبياً من السكر الأبيض المكرر، كما يحتويان على بعض الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة التي لا يوفرها السكر العادي.

ويستعرض تقرير نشرته مجلة «هيلث» الفروق الغذائية بين العسل وشراب القيقب، وكيف يؤثر كل منهما في مستويات السكر في الدم، وأيهما قد يكون الخيار الأفضل للأشخاص المصابين بالسكري.

كيف يؤثر العسل وشراب القيقب في سكر الدم؟

يرتبط تأثير الأطعمة في مستويات السكر بمؤشر يُعرف باسم «المؤشر الغلايسيمي»، وهو مقياس يوضح سرعة ارتفاع السكر في الدم بعد تناول الأطعمة المحتوية على الكربوهيدرات. وتساعد معرفة هذا المؤشر الأشخاص الذين يحتاجون إلى ضبط مستويات السكر، خصوصاً المصابين بالسكري.

وتبلغ درجة المؤشر الغلايسيمي للسكر الأبيض المكرر 65، مقابل 58 للعسل و54 لشراب القيقب. ويضع ذلك السكر والعسل ضمن الفئة المتوسطة، فيما يقع شراب القيقب ضمن الفئة المنخفضة.

وبذلك، يكون تناول العسل أو شراب القيقب باعتدال أقل احتمالاً للتسبب في ارتفاع سريع لسكر الدم مقارنة بالسكر الأبيض، لكن شراب القيقب يتميز بمؤشر أقل قليلاً من العسل، ما قد يجعله أبطأ في رفع مستويات السكر.

فوائد إضافية لشراب القيقب والعسل

تشير دراسات إلى أن استبدال السكر الأبيض بالعسل أو شراب القيقب قد يساعد في تحسين مستويات السكر في الدم، رغم أن تأثيرهما يبدو متقارباً عند تناولهما باعتدال.

ويحتوي شراب القيقب على حمض الأبسيسيك، وهو هرمون نباتي تشير أبحاث إلى أنه قد يساعد في تنظيم مستويات السكر وتحسين حساسية الإنسولين. ويوجد هذا المركب أيضاً في بعض أنواع العسل، مثل عسل المانوكا، لكنه لا يتوافر في أنواع كثيرة أخرى، أو يوجد بكميات ضئيلة.

كما يحتوي شراب القيقب على مضادات أكسدة قد تؤثر في ميكروبيوم الأمعاء وعملية الهضم، بما قد يبطئ تكسير الكربوهيدرات ويحد من سرعة ارتفاع السكر في الدم. وفي المقابل، يحتوي العسل على بعض الألياف ذات التأثير البريبايوتيكي، التي قد تدعم صحة الجهاز الهضمي وتساعد في تنظيم مستويات السكر.

مقارنة القيمة الغذائية

يوفر العسل وشراب القيقب بعض العناصر الغذائية، على عكس السكر المكرر الذي لا يقدم قيمة غذائية تُذكر. وتُظهر مقارنة ملعقة كبيرة، أي نحو 20 غراماً، من كل منهما اختلافات في السعرات الحرارية والسكريات والمعادن.

تحتوي ملعقة العسل على نحو 60.8 سعرة حرارية، مقابل 52 سعرة في الكمية نفسها من شراب القيقب. كما يوفر العسل 16.5 غرام من الكربوهيدرات و16.4 غرام من السكريات، مقارنة بـ13.4 غرام من الكربوهيدرات و12.1 غرام من السكريات في شراب القيقب.

وفي المقابل، يتفوق شراب القيقب في بعض المعادن؛ إذ تحتوي الملعقة الكبيرة منه على 20.4 ملغ من الكالسيوم، مقابل 1.2 ملغ في العسل، كما يوفر 42.4 ملغ من البوتاسيوم، مقارنة بـ10.4 ملغ في العسل. ويحتوي أيضاً على الزنك والمنغنيز، إضافة إلى كمية أكبر من فيتامين «بي 2».

أما العسل، فيُعد مصدراً أفضل لبعض الفيتامينات، مثل فيتامينات «بي 6» و«سي» والفولات (فيتامين «بي 9»)، وإن كانت كمياتها محدودة.

ويختلف نوع السكر في كل منهما أيضاً؛ فالعسل يتكون أساساً من الفركتوز، المعروف بسكر الفاكهة، إلى جانب الغلوكوز. أما شراب القيقب فيحتوي بصورة رئيسية على السكروز، الذي يتكون من الغلوكوز والفركتوز بنسب متساوية، وهو النوع نفسه الموجود في السكر المكرر.

وتشير الأبحاث إلى أن الفركتوز الموجود في العسل أقل تأثيراً في مستويات السكر مقارنة بأنواع أخرى من السكريات. لكن شراب القيقب يحتوي على مركبات أخرى ونسبة أعلى من الماء، ما يسهم في خفض مؤشره الغلايسيمي.

ومن الفروق بينهما أن شراب القيقب مناسب للنظام الغذائي النباتي، لأنه يُستخرج مباشرة من الأشجار، بينما لا يُصنف العسل عادةً ضمن المنتجات النباتية، نظراً إلى دور النحل في إنتاجه.

استخدامهما في الطهي

يمكن استخدام العسل وشراب القيقب بدلاً من السكر في وصفات مختلفة، مع مراعاة أن كليهما يحتوي على الماء، ما قد يستدعي تقليل كمية السوائل الأخرى في وصفات المخبوزات.

ويمكن إضافتهما إلى تتبيلات السلطات والصلصات، واستخدامهما في إعداد الكعك والخبز والفطائر لإضفاء الحلاوة والرطوبة. كما يمكن إضافة شراب القيقب إلى القهوة والمشروبات الباردة، بينما يمتزج العسل بصورة أفضل بالمشروبات الدافئة.

ويُنصح بحفظ شراب القيقب في الثلاجة بعد فتح العبوة، بينما يُحفظ العسل في مكان بارد وجاف.

أيهما أفضل لمرضى السكري؟

قد يكون شراب القيقب خياراً أنسب للأشخاص المصابين بالسكري أو الذين يعانون مشكلات في تنظيم مستويات السكر، نظراً إلى انخفاض مؤشره الغلايسيمي مقارنة بالعسل، وتأثيره الأكثر تدرجاً في مستويات السكر.

ومع ذلك، يُعد العسل أيضاً بديلاً أفضل من السكر الأبيض المكرر في هذا السياق. فقد أظهرت دراسات أنه يرفع مستويات السكر بوتيرة أبطأ من سكر المائدة لدى المصابين بالسكري.

ولا تزال الأبحاث المتعلقة بتأثير شراب القيقب في مرضى السكري محدودة، لكن دراسة نُشرت عام 2024 وجدت أن بالغين يعانون مشكلات أيضية، ويكونون غالباً أكثر عرضة للإصابة بالسكري، سجلوا تحسناً في مستويات السكر بعد استبدال السكر بشراب القيقب لمدة ثمانية أسابيع.

وفي المحصلة، لا يعني انخفاض المؤشر الغلايسيمي لأي من المُحلّيين أنه يمكن تناولهما بكميات كبيرة؛ فكلاهما يظل مصدراً للسكريات، ويظل الاعتدال في الاستهلاك أساسياً للتحكم في مستويات السكر في الدم.


إبطاء الشيخوخة... دراسة جديدة تكشف ما قد يساعد وما لا يجدي

اتباع أنظمة غذائية صحية مثل حمية البحر المتوسط والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات أو الدهون إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام قد يسهم في تقليل مؤشرات الشيخوخة فوق الجينية (بكسلز)
اتباع أنظمة غذائية صحية مثل حمية البحر المتوسط والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات أو الدهون إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام قد يسهم في تقليل مؤشرات الشيخوخة فوق الجينية (بكسلز)
TT

إبطاء الشيخوخة... دراسة جديدة تكشف ما قد يساعد وما لا يجدي

اتباع أنظمة غذائية صحية مثل حمية البحر المتوسط والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات أو الدهون إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام قد يسهم في تقليل مؤشرات الشيخوخة فوق الجينية (بكسلز)
اتباع أنظمة غذائية صحية مثل حمية البحر المتوسط والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات أو الدهون إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام قد يسهم في تقليل مؤشرات الشيخوخة فوق الجينية (بكسلز)

رغم أن التقدم في العمر عملية حتمية، فإن الحفاظ على الصحة واللياقة لأطول فترة ممكنة يظل هدفاً يسعى إليه كثيرون. وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم «العمر البيولوجي» أهمية متزايدة، إذ يعكس الحالة الفسيولوجية للجسم ومدى تقدمه في العمر، بدلاً من الاكتفاء بعدد السنوات التي عاشها الإنسان.

وتشير دراسة حديثة نُشرت في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، ونقلها موقع «ماديكال نيوز توداي»، إلى أن بعض التغييرات الغذائية والسلوكية، إلى جانب أدوية معينة، قد ترتبط بتباطؤ مؤشرات الشيخوخة البيولوجية، من خلال تأثيرها في أنماط مثيلة الحمض النووي (DNA).

وتعتمد هذه المؤشرات على ما يُعرف بـ«الساعات فوق الجينية»، وهي أدوات تقيس التغيرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي مع مرور الوقت، وتساعد في تقدير العمر البيولوجي للجسم.

وحلّل الباحثون بيانات 51 دراسة طولية تناولت تدخلات مختلفة بهدف إبطاء الشيخوخة، وفحصوا أكثر من 110 مؤشرات حيوية مرتبطة بمثيلة الحمض النووي، لرصد تأثير النظام الغذائي والتمارين الرياضية والأدوية والمكملات الغذائية فيها.

النظام الغذائي والرياضة والأدوية

أظهرت النتائج أن اتباع أنظمة غذائية صحية، مثل حمية البحر المتوسط والأنظمة منخفضة الكربوهيدرات أو الدهون، إلى جانب ممارسة الرياضة بانتظام، قد يسهم في تقليل مؤشرات الشيخوخة فوق الجينية.

لكن التأثير الأكبر ظهر مع بعض الأدوية، أبرزها الميتفورمين، المستخدم علاجاً أساسياً لمرض السكري من النوع الثاني، والسيماغلوتايد، وهو دواء من فئة محفزات مستقبلات «جي إل بي-1» يُستخدم لعلاج السكري والمساعدة في ضبط الوزن، إضافة إلى علاجات مضادة لعامل نخر الورم (Anti-TNF)، التي تُستخدم للسيطرة على الالتهابات.

ووفقاً للدراسة، ارتبطت هذه الأدوية بانخفاض ملحوظ في مؤشرات العمر عبر الساعات فوق الجينية الست عشرة التي شملها التحليل.

وقالت شبنم أونلوشيلر، كبيرة مسؤولي طول العمر والمهندسة الوراثية في معهد لندن للطب التجديدي، إن التدخلات الدوائية سجلت أكبر تأثير متوسط، في حين أظهرت التغييرات الغذائية والسلوكية استجابات أكثر اتساقاً عبر المؤشرات الحيوية المختلفة.

في المقابل، لم يجد الباحثون أدلة قوية ومتسقة على أن المكملات الغذائية تُحدث تأثيراً مضاداً للشيخوخة. وأوضح راغاف سيغال، الباحث المشارك في الدراسة من كلية الطب بجامعة ييل، أن ذلك لا يعني أن المكملات عديمة الفائدة، إذ قد تكون مهمة للأشخاص الذين يعانون نقصاً غذائياً أو لديهم احتياجات طبية محددة، لكن كثيراً من الادعاءات المتعلقة بقدرتها على إبطاء الشيخوخة لا تزال تسبق الأدلة العلمية المتاحة.

تحذير من استخدام الأدوية لأغراض مكافحة الشيخوخة

وحذرت أونلوشيلر من تفسير نتائج الدراسة على أنها توصية باستخدام الميتفورمين أو السيماغلوتايد أو العلاجات المضادة للالتهابات لدى الأشخاص الأصحاء بهدف إبطاء الشيخوخة.

وأشارت إلى أن بعض الدراسات شملت أشخاصاً يعانون حالات صحية محددة، ولذلك قد تعكس التغيرات المسجلة تحسناً في المرض الأساسي أو الالتهابات أو الصحة الأيضية، وليس بالضرورة تأثيراً مباشراً في عملية الشيخوخة نفسها.

هل تكشف المؤشرات الحيوية العمر الصحي؟

رغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن تغير مؤشرات مثيلة الحمض النووي لا يثبت بالضرورة أن التدخلات المستخدمة تطيل العمر أو تحافظ على الصحة والقدرات البدنية والإدراكية.

وقال سيغال إن هذه المؤشرات تتيح رصد التغيرات البيولوجية خلال أشهر أو سنوات، بدلاً من انتظار عقود لمعرفة ما إذا كانت التدخلات تقلل الإصابة بالأمراض أو خطر الوفاة. لكنه شدد على ضرورة إجراء دراسات طويلة الأمد للتأكد من أن هذه التغيرات تنعكس فعلياً على صحة الإنسان وجودة حياته.

وترى أونلوشيلر أن الخطوة التالية تتمثل في التحقق مما إذا كانت التغيرات في المؤشرات الحيوية تتنبأ بصورة موثوقة بالحفاظ على الوظائف البدنية والإدراكية، وانخفاض معدلات الإصابة بالأمراض، وإطالة سنوات الحياة بصحة جيدة. وحتى ذلك الحين، ينبغي التعامل مع «الساعات فوق الجينية» بوصفها أدوات بحثية واعدة، لا مقاييس طبية نهائية لصحة الفرد.

كيف يمكن دعم الشيخوخة الصحية؟

يشير سيغال إلى أنه لا يوجد حتى الآن تدخل واحد ثبتت قدرته على إبطاء الشيخوخة بصورة شاملة لدى البشر، لافتاً إلى أن أكثر الإجراءات المدعومة بالأدلة تظل مرتبطة بعادات يومية أساسية، تشمل الامتناع عن التدخين، وممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، والحصول على نوم كافٍ، والسيطرة على ضغط الدم والكوليسترول والسكري.

وتتفق أونلوشيلر مع هذه التوصيات، مؤكدة أهمية الجمع بين التمارين الهوائية وتمارين المقاومة، واتباع نظام غذائي على غرار حمية البحر المتوسط، والحفاظ على وزن صحي، والحد من استهلاك الكحول، والالتزام بمواعيد نوم منتظمة.

كما تشدد على ضرورة متابعة الحالات المزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والسكري، وإدارتها بصورة صحيحة، لما لذلك من دور في دعم الصحة الأيضية والقلبية والدماغية على المدى الطويل.


ما تأثير تناول الرمان بانتظام في صحة كليتيك؟

الرمان يتميز باحتوائه مجموعة من مضادات الأكسدة (بيكسلز)
الرمان يتميز باحتوائه مجموعة من مضادات الأكسدة (بيكسلز)
TT

ما تأثير تناول الرمان بانتظام في صحة كليتيك؟

الرمان يتميز باحتوائه مجموعة من مضادات الأكسدة (بيكسلز)
الرمان يتميز باحتوائه مجموعة من مضادات الأكسدة (بيكسلز)

يُعدّ الرمان من الفواكه الغنية بمضادات الأكسدة التي يدرس الباحثون دورها المحتمل في تعزيز صحة الكلى وحمايتها من التلف. ورغم النتائج الواعدة لبعض الدراسات الأولية، فإن الأدلة العلمية المتاحة بشأن تأثير تناول الرمان في الكلى لدى البشر لا تزال محدودة.

وفي المقابل، قد يحتاج بعض المصابين بأمراض الكلى إلى الانتباه للكميات التي يتناولونها من الرمان؛ نظراً إلى احتوائه البوتاسيوم، وفقاً لموقع «فيري ويل هيلث».

كيف يمكن أن يساعد الرمان في تعزيز صحة الكلى؟

يتميز الرمان باحتوائه مجموعة من مضادات الأكسدة والمركبات النشطة التي قد تسهم في دعم الصحة العامة، ومن أبرزها:

- حمض الإيلاجيك (Ellagic acid) وحمض الغاليك (Gallic acid): وهما مركبان يساعدان على مكافحة الالتهابات.

- البونيكالاغين (Punicalagin): أحد مضادات الأكسدة القوية التي تساعد على حماية خلايا الجسم من التلف الناجم عن الجذور الحرة.

- الأنثوسيانين (Anthocyanins): مركبات تسهم في مقاومة الأمراض، وهي المسؤولة أيضاً عن منح الرمان لونه الزاهي.

وتشير الأبحاث إلى أن الرمان ومركباته النشطة «قد» يقدمان مجموعة من الفوائد المحتملة للكلى، تشمل:

- حماية الكلى من التلف الناتج عن بعض الأدوية أو المواد الكيميائية أو المعادن.

- المساعدة على تقليل الالتهابات.

- الحد من تكوّن الأنسجة الندبية في الكلى، وهي حالة تُعرف باسم «التليف».

- الإسهام في إصلاح الأضرار التي تصيب الكلى.

- دعم قدرة الكلى على ترشيح الماء والفضلات بكفاءة.

ومع ذلك، فإن الباحثين لم يتمكنوا حتى الآن من تحديد ما إذا كان تناول الرمان بانتظام يحقق هذه الفوائد بالفعل لدى البشر؛ مما يعني أن النتائج المتاحة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتأكيدها.

ما الوظائف الأساسية التي تؤديها الكليتان؟

الكليتان عضوان أساسيان في الجسم، تتمثل مهمتهما الرئيسية في تنقية الدم من الفضلات والسوائل الزائدة، والتخلص منها عن طريق تكوين البول.

ولا يقتصر دورهما على ذلك؛ إذ تعملان أيضاً على تنظيم مستويات الماء والأملاح وغيرهما من الكهارل؛ المعروفة باسم «الإلكتروليتات»، في الدم.

وتُعدّ هذه العملية جزءاً من آلية تُعرف باسم «التوازن الداخلي (Homeostasis)»، التي تساعد الجسم في الحفاظ على استقرار بيئته الداخلية.

وإلى جانب هذه الوظائف، تؤدي الكليتان دوراً مهماً في إنتاج الهرمونات.

هل تناول الرمان آمن لمرضى الكلى؟

يُعدّ تناول الرمان آمناً لمعظم الأشخاص، إلا إنه ينبغي تجنبه لدى من يعانون حساسية تجاه هذه الفاكهة.

أما الأشخاص المصابون بأمراض الكلى، لا سيما الذين يعانون ارتفاع مستويات البوتاسيوم في الدم، فقد يحتاجون إلى مراقبة الكميات التي يتناولونها من الرمان.

وفي هذه الحالات، يمكن للطبيب المعالج أو اختصاصي التغذية المختص في أمراض الكلى المساعدة على تحديد الكمية المناسبة، بما يتوافق والحالة الصحية ومستويات البوتاسيوم في الدم.