الأمن السيبراني في الحج... حماية تمتد من التطبيقات إلى المرافق الحيوية

أصبح الأمن السيبراني ركناً أساسياً في جاهزية موسم الحج الرقمية واستمرارية خدماته الحيوية (الشركة)
أصبح الأمن السيبراني ركناً أساسياً في جاهزية موسم الحج الرقمية واستمرارية خدماته الحيوية (الشركة)
TT

الأمن السيبراني في الحج... حماية تمتد من التطبيقات إلى المرافق الحيوية

أصبح الأمن السيبراني ركناً أساسياً في جاهزية موسم الحج الرقمية واستمرارية خدماته الحيوية (الشركة)
أصبح الأمن السيبراني ركناً أساسياً في جاهزية موسم الحج الرقمية واستمرارية خدماته الحيوية (الشركة)

مع اتساع الاعتماد على التطبيقات والمنصات الذكية في موسم الحج، لم يعد الأمن السيبراني مجرد إجراء تقني، بل أصبح جزءاً مباشراً من استمرارية الخدمات وسلامة التشغيل. فالموسم الذي يجمع ملايين الحجاج في نطاق جغرافي وزمني محدد يعتمد اليوم على منظومة رقمية واسعة تدعم النقل، والصحة، والاتصالات، والخدمات البلدية، وإدارة الحشود، والمنصات المخصصة لضيوف الرحمن.

هذا التحوُّل يجعل حماية الأنظمة المتصلة شرطاً أساسياً لضمان عمل الخدمات بكفاءة. فكل تطبيق أو منصة، أو نظام مراقبة، أو بنية تشغيلية مرتبطة بالموسم يمكن أن تتحول إلى نقطة حساسة إذا لم تُحمَ بطريقة مناسبة. ومع اقتراب موسم الحج هذا العام، تبرز الحاجة إلى التعامل مع الأمن السيبراني بوصفه جزءاً من إدارة المخاطر التشغيلية، لا مجرد طبقة حماية إضافية.

منظومة شديدة الترابط

تزداد حساسية البيئة الرقمية في الحج بسبب طبيعتها المترابطة؛ فالمنظومة لا تقتصر على تطبيقات يستخدمها الحجاج، بل تشمل أنظمة النقل، والخدمات الصحية، والمراقبة، وإدارة المباني الذكية، ومرافق الطاقة، والتبريد، والمصاعد، والإضاءة، وأنظمة السلامة.

يقول معتصم الصوفي، مدير أول تطوير أعمال أمن التكنولوجيا التشغيلية في شركة «فورتينت السعودية» إن موسم الحج أصبح يعتمد على منظومة تقنية متكاملة تدير تفاصيل تشغيلية دقيقة، من قطار المشاعر المقدسة، والتطبيقات الذكية، والخدمات الصحية، إلى أنظمة إدارة المباني، والمولّدات الاحتياطية التي تضمن استمرار تشغيل المرافق الأساسية.

هذا الترابط يمنح الجهات المشغّلة قدرة أكبر على إدارة الخدمات، لكنه يرفع في الوقت نفسه مستوى المخاطر؛ فالخلل في نظام واحد قد لا يبقى محصوراً داخله إذا كانت الأنظمة مترابطة بشدة. لذلك تصبح سلامة البيانات، واستقرار الشبكات، وحماية أنظمة التشغيل، عناصر مؤثرة مباشرة في جودة التجربة المقدَّمة للحجاج.

معتصم الصوفي، مدير أول تطوير أعمال أمن التكنولوجيا التشغيلية في شركة «فورتينت السعودية» (الشركة)

حين يلتقي الرقمي بالتشغيلي

اللافت في موسم الحج أن التهديد السيبراني لا يبقى دائماً داخل حدود البيانات، أو التطبيقات. في بعض الحالات، قد يمتد أثره إلى أنظمة تشغيلية لها علاقة مباشرة بالحركة، والطاقة، والتبريد، والسلامة. وهذا ما يجعل الجمع بين حماية بيئات تقنية المعلومات وبيئات التكنولوجيا التشغيلية أمراً ضرورياً.

تقنية المعلومات تشمل الأنظمة المعتادة، مثل الشبكات، والتطبيقات، ومراكز البيانات، والمنصات الرقمية. أما التكنولوجيا التشغيلية فتشمل الأنظمة التي تتحكم في مرافق مادية، مثل التبريد، والطاقة، والمصاعد وبعض أنظمة النقل، والمراقبة. وفي بيئة مزدحمة، وحساسة، مثل الحج، لا يمكن التعامل مع هذين العالمين كمسارين منفصلين.

يحذر الصوفي من أن أي استهداف لشبكات النقل أو أنظمة الطاقة والتبريد قد ينعكس بصورة مباشرة على سلامة الحجاج واستمرارية الخدمات. لذلك لم تعد الحماية السيبرانية تركز فقط على منع سرقة البيانات، بل تشمل أيضاً ضمان عدم تعطل الأنظمة التي يعتمد عليها التشغيل اليومي للموسم.

تهديدات أكثر تعقيداً

تواجه الجهات المرتبطة بالحج مجموعة واسعة من المخاطر الرقمية، من أبرزها حملات التصيد الاحتيالي، التي تستهدف المستخدمين عبر رسائل وروابط مزيفة، والمنصات الرقمية الوهمية التي قد تستغل حاجة الحجاج إلى الخدمات، إضافة إلى برمجيات الفدية، ومحاولات سرقة البيانات، والهجمات التي تستهدف الأنظمة التشغيلية والبنية التحتية الحيوية.

تزداد هذه المخاطر مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة في الهجمات الرقمية. فالمهاجمون قادرون على إنتاج رسائل أكثر إقناعاً، وتخصيص محاولات الاحتيال، وتسريع عمليات المسح والاستهداف. وهذا يفرض على الجهات المشغّلة امتلاك آليات كشف واستجابة أسرع لا تعتمد فقط على التدخل البشري بعد وقوع الحادث.

في هذا السياق، تصبح الجاهزية اللحظية عاملاً حاسماً؛ فالهجوم الذي يستهدف خدمة عادية قد يكون مزعجاً في أي وقت، لكنه في موسم الحج قد يتحول إلى ضغط تشغيلي كبير بسبب كثافة الاستخدام وحساسية التوقيت. لذلك تحتاج الجهات المعنية إلى مراقبة مستمرة، وقدرة على العزل السريع، وخطط واضحة لاستمرار الخدمة.

يقلل وعي الحجاج والموظفين بالممارسات الآمنة فرص الاحتيال ويحمي البيانات والخدمات الرقمية (واس)

مراكز العمليات الأمنية

تلعب مراكز العمليات الأمنية دوراً مركزياً في حماية المواسم الكبرى؛ فهي تعمل على مراقبة الأنشطة الرقمية، وتحليل الإشارات الآتية من الشبكات، والأنظمة، ورصد السلوكيات غير الطبيعية قبل أن تتحول إلى حوادث مؤثرة. ويشير الصوفي إلى أن هذه المراكز تمثل أحد خطوط الدفاع الأساسية خلال المواسم التشغيلية الكبرى، لأنها توفر مراقبة على مدار الساعة، وتحليلاً مستمراً للأنشطة الرقمية. وتكمن أهميتها في القدرة على الربط بين الأحداث المتفرقة، حيث قد تبدو محاولة دخول فاشلة، أو حركة غير مألوفة داخل الشبكة حدثاً محدوداً، لكنها قد تكون جزءاً من نمط أكبر يستهدف خدمة أو نظاماً بعينه.

كلما كان الاكتشاف أسرع، زادت قدرة الفرق الفنية على احتواء الخطر قبل أن ينعكس على المستخدمين أو العمليات. ولهذا ترتبط فعالية الأمن السيبراني في الحج بسرعة الاستجابة بقدر ارتباطها بقوة الأنظمة نفسها.

العامل البشري

رغم التركيز على التقنيات المتقدمة، يبقى العنصر البشري أحد أكثر العوامل تأثيراً في الأمن السيبراني؛ فالكثير من الهجمات تبدأ برسالة احتيالية، أو رابط مزيف، أو مشاركة غير مقصودة لبيانات حساسة، أو استخدام غير آمن لشبكات عامة. ويشدد الصوفي على أن الوعي السيبراني يمثل جزءاً رئيساً من منظومة الحماية، إلى جانب الحلول التقنية. ويشمل ذلك تدريب الموظفين والكوادر الموسمية والمتعاقدين على اكتشاف الرسائل المشبوهة، والتعامل بحذر مع الروابط، وتجنُّب السلوكيات الرقمية غير الآمنة؛ ففي موسم يعتمد على عدد كبير من الجهات والفرق والمورّدين لا تكفي حماية الأنظمة المركزية إذا كانت الأطراف المتصلة بها تفتقر إلى الوعي اللازم. لذلك يصبح التدريب المستمر جزءاً من الاستعداد للموسم، وليس نشاطاً جانبياً.

يقول خبراء إن التهديدات السيبرانية قد تستهدف التطبيقات والمنصات الوهمية وأنظمة الطاقة والتبريد والنقل (واس)

حماية الحجاج رقمياً

لا تقتصر الحماية على المؤسسات، فالحجاج أنفسهم جزء من البيئة الرقمية للموسم، خصوصاً مع استخدام التطبيقات الرسمية والحجوزات وخدمات الدفع والمنصات الإرشادية. لذلك تزداد أهمية توجيه المستخدمين إلى الممارسات الآمنة. ومن أبرز هذه الممارسات الاعتماد على التطبيقات والمنصات الرسمية فقط، وتجنب الروابط مجهولة المصدر، وعدم مشاركة البيانات الشخصية، أو كلمات المرور، أو رموز التحقق لمرة واحدة. كما يُنصح بالحذر عند استخدام شبكات الإنترنت العامة، والتحقق من موثوقية قنوات الدفع قبل تنفيذ أي عملية مالية. هذه الإرشادات تبدو بسيطة، لكنها مهمة في موسم قد يستغله المحتالون لإنشاء صفحات أو رسائل تبدو مرتبطة بخدمات الحج. وكلما كان المستخدم أكثر وعياً، قلَّت فرص نجاح الهجمات التي تعتمد على الخداع بدلاً من اختراق الأنظمة مباشرة.

استعداد المؤسسات

بالنسبة إلى المؤسسات الخدمية، تتطلب الجاهزية السيبرانية مجموعة من الإجراءات المتكاملة. تشمل هذه الإجراءات التشفير، والمصادقة متعددة العوامل، وضوابط الوصول، والمراقبة المستمرة، وحماية البيانات، وخطط الاستجابة للحوادث، واختبار قدرة الأنظمة على الاستمرار تحت الضغط. الأهم أن هذه الإجراءات لا تعمل منفصلة؛ فالمصادقة القوية تقلل فرص الدخول غير المصرَّح به، والمراقبة تكشف السلوك غير الطبيعي، وخطط الاستجابة تحدد ما يحدث عند وقوع حادث، وضوابط الوصول تمنع اتساع الضرر إذا تم اختراق حساب أو جهاز. وفي بيئة الحج، حيث تتداخل جهات حكومية، وخدمية، وتقنية متعددة، يصبح التكامل بين فرق الأمن السيبراني، والعمليات التشغيلية، ومقدمي الخدمات جزءاً أساسياً من إدارة الموسم؛ فالحماية الفعالة لا تأتي من أداة واحدة، بل من تنسيق واضح بين الأنظمة والفرق والإجراءات.

مرونة الخدمات الحيوية

تتجه المملكة ضمن برامج التحول الرقمي و«رؤية 2030» إلى رفع مستوى الجاهزية الرقمية، وتعزيز حماية الخدمات التقنية، خصوصاً في المواسم الكبرى. وفي حالة الحج، لا يعني الأمن السيبراني فقط منع الهجمات، بل ضمان استمرار الخدمات عند حدوث خلل أو محاولة استهداف. المرونة هنا تعني أن تكون الأنظمة قادرة على الاستمرار، أو العودة سريعاً إلى العمل، أو عزل الخلل قبل امتداده. ومع زيادة الاعتماد على الأنظمة الذكية في إدارة الحشود والمرافق والخدمات، تصبح هذه المرونة جزءاً من جودة التجربة وسلامة التشغيل. وبذلك يدخل الأمن السيبراني في صميم البنية التشغيلية للحج؛ فهو يحمي البيانات، ويدعم استمرارية الخدمات، ويقلل مخاطر التعطل، ويساعد الجهات المعنية على إدارة واحدة من أكثر البيئات الرقمية، والتشغيلية تعقيداً في العالم.


مقالات ذات صلة

خادم الحرمين: الجهود المتميزة أسهمت في نجاح «الحج» رغم ظروف المنطقة

الخليج خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان (واس)

خادم الحرمين: الجهود المتميزة أسهمت في نجاح «الحج» رغم ظروف المنطقة

أعرب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عن سروره بحرص وتفاني الجميع في نيل شرف خدمة ضيوف الرحمن.

«الشرق الأوسط» (جدة)
خاص حجاج إيرانيون خلال أداء مناسك الحج هذا العام (السفارة الإيرانية) p-circle

خاص عنايتي لـ«الشرق الأوسط»: بدء عودة 30 ألف حاج إيراني من السعودية جواً

قال السفير الإيراني لدى السعودية الدكتور علي رضا عنايتي إن نحو 30 ألف حاج وحاجة من إيران أدوا مناسك الحج هذا العام، وحظوا بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج فهد الجلاجل خلال اطمئنانه على صحة أحد الحجاج ضمن جولاته لمتابعة أعمال المستشفيات والمراكز الصحية في المشاعر المقدسة (الصحة السعودية)

إشادة أممية بنجاح السعودية في حماية الصحة العالمية خلال موسم الحج

أشادت منظمات دولية وعالمية، بالجاهزية الصحية المتقدمة التي وفرتها السعودية لضيوف الرحمن خلال أدائهم مناسك الحج ونجاحها الاستثنائي بإدارة أكبر التجمعات البشرية.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج منظومة متكاملة من الخدمات رافقت ضيوف الرحمن خلال أدائهم طواف الوداع (واس)

السعودية تبدأ إصدار تأشيرات العمرة تزامناً مع مغادرة قوافل الحجيج

بدأت السعودية، الأحد، إصدار تأشيرات العمرة بعد ساعات من إسدال الستار على موسم الحج، في خطوة تعكس الجاهزية المبكرة لاستقبال المعتمرين من مختلف دول العالم...

إبراهيم القرشي (جدة)
الخليج رغم ما شهده العالم من تحديات وبائية حافظت «الصحة» السعودية على معايير الرصد والتأهب والجاهزية لضمان رحلة حج آمنة (تصوير: علي خمج)

السعودية تؤكد خلو موسم الحج من أي مهددات صحية

أعلنت وزارة الصحة السعودية، السبت، خلو موسم حج هذا العام من أي تفشيات وبائية، أو مهددات صحية، تؤثر على الصحة العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«أبل» تطلق تحديثاً لمعالجة مشكلة الشحن السلكي في بعض أجهزة «آيفون»

يعالج التحديث مشكلة قد تمنع شحن بعض أجهزة «آيفون» عبر الكابل عند انخفاض البطارية (أبل)
يعالج التحديث مشكلة قد تمنع شحن بعض أجهزة «آيفون» عبر الكابل عند انخفاض البطارية (أبل)
TT

«أبل» تطلق تحديثاً لمعالجة مشكلة الشحن السلكي في بعض أجهزة «آيفون»

يعالج التحديث مشكلة قد تمنع شحن بعض أجهزة «آيفون» عبر الكابل عند انخفاض البطارية (أبل)
يعالج التحديث مشكلة قد تمنع شحن بعض أجهزة «آيفون» عبر الكابل عند انخفاض البطارية (أبل)

أطلقت شركة «أبل» تحديث «iOS 26.5.1» لمستخدمي هواتف «آيفون»، متضمناً إصلاحاً لمشكلة تقنية أثرت على عدد محدود من الأجهزة، وتسببت في تعذر الشحن السلكي في بعض الحالات.

وقالت الشركة إن التحديث يعالج خللاً قد يمنع بعض طرازات «iPhone 17» و«iPhone Air» من الشحن عبر الكابل عندما تكون البطارية في مستوى منخفض جداً أو شبه فارغة، مشيرة إلى أن المشكلة تؤثر على فئة محدودة من المستخدمين.

ويأتي التحديث الجديد بعد أيام من رصد بعض المستخدمين لهذه المشكلة، حيث ركزت أبل على توفير إصلاح مباشر دون الإعلان عن إضافة مزايا أو تغييرات جديدة في النظام.

تحديث «iOS 26.5.1» يصل بإصلاح لمشكلة الشحن السلكي وتحسين استقرار النظام (أبل)

وتواصل الشركة إصدار تحديثات فرعية بصورة دورية لمعالجة المشكلات التقنية وتحسين استقرار نظام التشغيل وأداء الأجهزة، خصوصاً بعد طرح الإصدارات الرئيسية التي تتضمن تغييرات واسعة وميزات جديدة.

وتنصح «أبل» المستخدمين بتثبيت التحديث عبر قائمة «تحديث البرامج» ضمن إعدادات الجهاز، لضمان الحصول على أحدث الإصلاحات والتحسينات الأمنية والتقنية المتاحة.

ويُعد «iOS 26.5.1» تحديثاً صغيراً من حيث الحجم والمحتوى، لكنه يستهدف معالجة مشكلة قد تؤثر على الاستخدام اليومي للأجهزة المتضررة، لا سيما في الحالات التي تتطلب إعادة شحن الهاتف بعد نفاد البطارية أو انخفاضها إلى مستويات متدنية، الأمر الذي قد يمنع الجهاز من استعادة الشحن السلكي بصورة طبيعية لدى بعض المستخدمين. وتؤكد هذه الخطوة استمرار «أبل» في طرح تحديثات سريعة لمعالجة المشكلات التقنية فور اكتشافها، بهدف تعزيز موثوقية أجهزتها وتحسين تجربة الاستخدام.

Your Premium trial has ended


الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجية العاملين… بدلاً من تسريحهم

نظام متكامل بالذكاء الاصطناعي لمراقبة العملية الإنتاجية
نظام متكامل بالذكاء الاصطناعي لمراقبة العملية الإنتاجية
TT

الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجية العاملين… بدلاً من تسريحهم

نظام متكامل بالذكاء الاصطناعي لمراقبة العملية الإنتاجية
نظام متكامل بالذكاء الاصطناعي لمراقبة العملية الإنتاجية

يقيس الكثير من الرؤساء التنفيذيين نجاح تبني الذكاء الاصطناعي بعدد الوظائف التي يمكنهم الاستغناء عنها. ففي الأسابيع القليلة الماضية فقط، أعلنت بعض الشركات عن تسريح عشرات الآلاف من الموظفين، وعزت ذلك إلى الذكاء الاصطناعي، وهي موجة وصفها أحد رؤساء البنوك العالمية، بأسلوب غير دبلوماسي، بأنها استبدال التكنولوجيا بـ«رأس المال البشري ذي القيمة المنخفضة»، كما كتبت باتريشيا كوهين*.

فهم ضيّق لإمكانات الذكاء الاصطناعي

لكن هذه الآراء تعكس «فهماً ضيقاً للغاية» لإمكانات الذكاء الاصطناعي، كما يقول إريك برينجولفسون، مدير مختبر الاقتصاد الرقمي في جامعة ستانفورد. ويضيف: «يعتقد الكثيرون خطأً أن الطريقة الوحيدة لتحقيق الإنتاجية من الذكاء الاصطناعي هي خفض تكلفة العمالة». ويُعدّ برينجولفسون واحداً من مجموعة من الاقتصاديين الذين يرون أن الشركات يمكنها تحقيق مكاسب أكبر باستخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجية العمال بدلاً من استبدالهم.

وقد أخذت شركة «شنايدر إلكتريك»، وهي شركة عالمية رائدة في مجال تكنولوجيا الطاقة ومقرها فرنسا، هذه الرسالة على محمل الجد. وتسعى الشركة، التي تضم قوة عاملة تقارب 160 ألف موظف حول العالم، إلى تبني الذكاء الاصطناعي في جميع أقسامها.

عاملات بمصنع شركة «شنايدر» في فرنسا

تحديد مَواطن إهدار الوقت

بدأت الشركة بتحديد «مَواطن إهدار موظفينا للوقت في أداء مهام متكررة، أو مهام مملة، أو القيام بأمور لا تُعدّ مناسبة من الأساس»، كما صرّح فيليب رامباخ، كبير مسؤولي الذكاء الاصطناعي في الشركة... أي بعبارة أخرى، رصد العمل الذي يعيق سير العمل.

مراكز الاتصال: الذكاء الاصطناعي يسرّع إجابة الاستفسارات

كانت مراكز الاتصال مثالاً واضحاً لشركة «شنايدر». فقد يتذمر أي شخص عانى تعقيدات نظام الرد الآلي عبر الهاتف من فكرة المزيد من التعديلات التكنولوجية. لكن رامباخ أوضح أن الهدف هو استخدام هذه التقنية لتوفير إجابات بشكل أسرع للعملاء.

وقبل أن تبدأ الشركة في استخدام الذكاء الاصطناعي، كان موظفو خدمة العملاء يتلقون آلاف الأسئلة من المتصلين، ويخوضون رحلة بحث مضنية عبر ملايين الصفحات من المعلومات للعثور على الإجابة، كما ذكر رامباخ. وأضاف: «تخيلوا ماذا؟ لم يكن عملاؤنا راضين تماماً عن جودة الإجابة، ولا عن سرعتها».

أما الآن، فيتولى الذكاء الاصطناعي مهمة البحث، ويُفصّل كيفية اختيار المعلومات ومصدرها. ثم يقوم الموظف بمراجعة الإجابة، وإذا لزم الأمر، يُعدّلها ويُحسّنها بالتشاور مع المتصل.

75 % من الإجابات... «ذكية»

في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025، استقبلت مراكز الاتصال 150 ألف سؤال واستفسار. وفي ثلاثة أرباع الحالات، تمكّن الذكاء الاصطناعي من تقديم الإجابة الصحيحة على أسئلة بسيطة، مثل: «لماذا لا يُظهر جهاز مراقبة الطاقة المتصل حديثاً مستويات الاستهلاك؟». في هذه الحالات، استخدم الموظفون الردّ المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي. أما في الحالات المتبقية، فقد عمل الموظفون مع المتصلين على حلّ مشاكل أكثر تعقيداً.

وقال رامباخ إن أوقات الاستجابة أصبحت أسرع، وأصبح الموظفون أكثر سعادة؛ لأن الوقت الذي وفروه من البحث في قواعد البيانات للإجابة عن الأسئلة الشائعة أتاح لهم مزيداً من الوقت للعمل مع العملاء.

أداء أفضل

سجلت شركات أخرى مكاسب في إنتاجية موظفيها. فقد وجدت دراسة أجراها برينجولفسون سوية مع الباحثتين ليندسي ريموند ودانييل لي، على أداء أكثر من 5000 موظف لدعم العملاء في واحدة من شركات قائمة «فورتشن 500»، أن مساعدة الذكاء الاصطناعي سمحت للموظفين، في المتوسط، بحل 15 في المائة مشاكل أكثر، مع تحسن ملحوظ في سرعة وجودة الأداء لدى الموظفين الأقل خبرة ومهارة.

في الوقت نفسه، وجدوا أن المتصلين أصبحوا أكثر تهذيباً وأقل عرضة لقول العبارة التي بات كل موظف خدمة عملاء يخشاها: «أريد التحدث إلى المدير».

الذكاء الاصطناعي في المصانع

في مصنع مُطوّر في لو فودروي، على بُعد نحو 60 ميلاً شمال باريس في نورماندي، تستخدم شركة «شنايدر» الذكاء الاصطناعي لإدارة عمليات صناعية معقدة في موقع عريق يعود تاريخه إلى عقود، وقد تم تحديثه بالفعل بأدوات روبوتية ورقمية - بعضها بلمسة فرنسية.

وقالت فيرجيني ريغودو، قائدة مشروع في شركة «شنايدر»: «لا حاجة إلى الذكاء الاصطناعي في كل مكان. فنحن لا نستخدمه إلا عندما نتأكد من أنه يُضيف قيمة حقيقية».

نظام لمراقبة جودة العناصر الصناعية

وتنتج الشركة 74 مليون رأس فضي سنوياً لتصنيع الموصلات الكهربائية - وهي المفاتيح المستخدمة لتشغيل وإيقاف الدوائر الكهربائية في المصاعد والمحركات والمركبات الكهربائية وأنظمة التدفئة ووحدات الإضاءة وغيرها.

وبفضل الذكاء الاصطناعي، يستطيع المشغلون رؤية تمثيل مرئي ومعرفة الكمية الدقيقة للمواد المستخدمة ومعايير جودتها. كما تُستخدم كاميرات مُحسّنة بتقنية الذكاء الاصطناعي لتقييم جودة المنتجات النهائية في غضون ثوانٍ.

وفورات مالية هائل

وقالت ريغودو إن الوفورات كانت هائلة. ففي غضون عام واحد، خفضت الشركة النفايات الناتجة من العملية بنسبة 73 في المائة، وانخفض استهلاك المياه بشكل كبير. كما لم تعد هناك حاجة إلى إرسال عينات من كل دفعة إلى مختبر خارجي لإجراء الاختبارات، وهي عملية كانت تستغرق من 24 إلى 48 ساعة. وقد وفر ذلك آلاف اليوروات من تكاليف المختبر، مع خفض استهلاك البنزين - من الشاحنات التي كانت تنقل العينات من المختبر وإليه - بنسبة 22 في المائة.

كاميرا ذكية للتدقيق في جودة المنتجات

تحسين أداء الموظفين... لا الاستغناء عنهم

في بعض الدول الأوروبية، يُشجع استخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة إنتاجية العمال - وليس استبدالهم - بموجب قوانين عمل صارمة تجعل تسريح الموظفين أمراً صعباً ومكلفاً.

أما في الولايات المتحدة، كما قال برينجولفسون، فإن السياسات الحكومية غالباً ما تشجع الشركات على الاستثمار في رأس المال وتقليص عدد العمال. وأشار إلى قانون الضرائب. وأضاف: «إذا كنتَ بصدد تأسيس مشروع جديد، ولديك عدد كبير من العمال، فسيتعين عليك دفع ضرائب أعلى. أما إذا استثمرتَ في رأس المال فقط، فستدفع ضرائب أقل».

توقعات متباينة

وبالطبع، تشمل التوقعات المتعلقة بتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل احتمالاتٍ متعددة. وبينما يتفق الكثير من الاقتصاديين على أن صانعي السياسات والشركات لديهم خيارات بشأن كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي، يتساءل البعض عما إذا كانت هذه الخيارات تتقلص.

وقال أنطون كورينيك، الذي أسهم في قيادة مشروع اقتصاديات الذكاء الاصطناعي التحويلي في جامعة فرجينيا، إن الوضع «غير قابل للتنبؤ إلى حد كبير». وأضاف أن الذكاء الاصطناعي «سيخلق وظائف ويقضي على أخرى، وليس من الواضح أيّهما سيكون له الأثر الأكبر».

وقال كورينيك إنه بدأ درس كيفية تطوير الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لمساعدة القوى العاملة منذ أكثر من 15 عاماً، لكن التطورات المذهلة جعلته أكثر تشككاً في قدرة المجتمع على توجيه مسار تطويره واستخدامه. وأضاف: «لم يعد من السهل تحديد اتجاهه كما كان من قبل».

وأشار إلى أنه في مرحلة ما، سيصبح الذكاء الاصطناعي «أكثر إنتاجية وأقل تكلفة بكثير من البشر». وأدلى كورينيك، الذي انضم أخيراً إلى فريق أبحاث الاقتصاد في معهد «أنثروبيك»، الذراع البحثية لشركة الذكاء الاصطناعي، بهذه التصريحات قبل توليه منصبه الجديد.

* خدمة «نيويورك تايمز»


معالج «سبارك» من «إنفيديا»: ذاكرة خارقة السرعة لعصر جديد من الذكاء الاصطناعي الشخصي

يجمع المعالج أهم عناصر الكمبيوتر داخل شريحة واحدة لزيادة مستويات الكفاءة
يجمع المعالج أهم عناصر الكمبيوتر داخل شريحة واحدة لزيادة مستويات الكفاءة
TT

معالج «سبارك» من «إنفيديا»: ذاكرة خارقة السرعة لعصر جديد من الذكاء الاصطناعي الشخصي

يجمع المعالج أهم عناصر الكمبيوتر داخل شريحة واحدة لزيادة مستويات الكفاءة
يجمع المعالج أهم عناصر الكمبيوتر داخل شريحة واحدة لزيادة مستويات الكفاءة

في خطوة غير مسبوقة، أعلنت شركة «إنفيديا» Nvidia رسمياً عن دخولها المباشر إلى عالم صناعة معالجات الكمبيوترات الشخصية. وجاء هذا الإعلان خلال فعاليات معرض «كومبيوتكس» Computex الذي تدور فعالياته بين 2 و5 يونيو (حزيران) الحالي في مدينة تاي بيه التايوانية، حيث تم الكشف عن معالج «إنفيديا آر تي إكس سبارك» Nvidia RTX Spark، وهو أول شريحة متكاملة All-in-One تجمع بين وحدة معالجة مركزية CPU قوية ووحدة معالجة رسومات GPU متطورة تعتمد على معمارية «بلاكويل» Blackwell الحديثة على شريحة واحدة للكمبيوتر المحمول.

جينسن هوانغ الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة «إنفيديا» لدى الكشف عن المعالج الجديد

ويمثل هذا المعالج قفزة نوعية في هندسة الكمبيوترات؛ إذ تم تصميمه بالكامل ليتناسب مع عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي الشخصيين والتشغيل المحلي للنماذج اللغوية الضخمة، فضلاً عن تقديم أداء استثنائي للألعاب وصناعة المحتوى.

قوة جبارة وكفاءة طاقة مذهلة

ويعتمد المعالج هندسة دمج مبتكرة عبر تقنية الربط المباشر NVLink-C2C بين وحداته التي تتألف من:

* المعالج الرئيسي: مزود بـ20 نواة تعتمد على معمارية ARM فائقة الكفاءة والمصممة بالتعاون مع «ميدياتيك» MediaTek

* معالج الرسومات: يضم 6144 نواة CUDA بمعمارية Blackwell؛ ما يمنح الكمبيوتر المحمول قوة رسومات تضاهي وحدات معالجة الصورة من فئة RTX 5070 المخصصة للأجهزة المحمولة

* الذاكرة الموحدة: يدعم المعالج ذاكرة فائقة السرعة من نوع LPDDR5X تصل سعتها إلى 128 غيغابايت وبنطاق ترددي هائل يبلغ 600 غيغابايت في ثانية؛ ما يقضي تماماً على مشكلة محدودية ذاكرة وحدات الرسومات لدى تشغيل أضخم التطبيقات والألعاب، وهي ذاكرة مشتركة بين المعالج الرئيسي ومعالج الرسومات

وعلى صعيد الذكاء الاصطناعي، يمنح هذا المعالج أداءً خارقاً يصل إلى 1 بيتافلوب بفضل استخدام دقة FP4 ونواة Tensor من الجيل الخامس؛ وهو ما يسمح بتشغيل نماذج ذكاء اصطناعي وعملاء الذكاء الاصطناعي محلياً بقوة 120 مليار متغير وسياق يصل إلى مليون «توكن» Token.

ثورة في عالم الألعاب وصناعة المحتوى

وخلال العرض التجريبي، تم تشغيل لعبتي Forza Horizon 6 و007 First Light الجديدتين بدقة 1440 التسلسلية وبأعلى إعدادات الرسومات، حيث استطاع المعالج الجديد كسر حاجز 100 صورة في الثانية بكل سلاسة، مع تفعيل تقنية تتبع الأشعة الضوئية من مصدرها Ray Tracing واستخدام تقنياتDLSS وTensorRT وتقنيات توليد الصورة Frame Generation والمزامنة مع تردد الشاشة G-SYNC وReflex لزيادة دقة التحكم خلال مجريات اللعب، وهي جميعها مزايا متقدمة مدعومة بالكامل في هذا المعالج.

وبالنسبة لصناع المحتوى، يستطيع المعالج معالجة مشاهد ثلاثية الأبعاد فائقة الضخامة تتجاوز 90 غيغابايت في الذاكرة وتحرير عروض الفيديو بدقة تصل إلى 12K. وتأكيداً على هذا التطور؛ بدأت شركة «أدوبي» في إعادة بناء وتطوير محركات تصدير الرسومات والفيديو Render الأساسية لبرامجها الشهيرة مثل Photoshop وPremiere من الصفر لكي تتوافق كلياً مع المعالج الجديد؛ ما يضمن أداءً أسرع بنحو مرتين في عمليات الذكاء الاصطناعي والمؤثرات البصرية في البرامج المدعومة.

ستصبح الكمبيوترات الشخصية أعلى قدرة وأصغر حجماً

الجدير ذكره، أن المعالج الجديد يدعم جميع البرامج التي تعمل على نظام التشغيل «ويندوز»، وذلك بالتعاون مع «مايكروسوفت» خلال مرحلة تصميمه، كما يدعم نظم الحماية ضد الغش Anti-cheat محلياً لضمان تشغيل الألعاب التي تستخدم تلك النظم دون عوائق.

تصاميم منخفضة السماكة وبطارية مطولة

وعلى الرغم من قدرته الفائقة في معالجة البيانات والرسومات، فإن الكمبيوترات التي ستستخدم هذه المعالجات ستعمل لنحو يوم كامل وبوزن لا يتعدى 1.3 كيلوغرام وبسماكة لا تتجاوز 14 مليمتراً فقط؛ وذلك بفضل الإدارة الذكية للطاقة ودقة التصنيع البالغة 3 نانومتر؛ ما يسمح لها بتشغيل الألعاب الثقيلة والبرامج المعقدة على البطارية المدمجة ولمدة طويلة.

ومن المتوقع إطلاق الأجهزة المدعومة بهذه المعالجات في خريف العام الحالي، حيث ستتوفر كخيار أول في سلسلة الكمبيوترات المحمولة الرائدة والمكتبية المدمجة من كبرى الشركات العالمية، مثل ASUS (ProArt P14 وP16) وDell (XPS 16) وHP (OmniBook X14 وUltra 16) وLenovo (Yoga Pro 9n) وMSI (Prestige N16 Flip AI)، بالإضافة إلى كمبيوتر Microsoft Surface Laptop Ultra.