انتخابات بريطانيا: بين رهان ماي... وصعود كوربين

عثرات المحافظين وتغيب ماي عن المناظرات التلفزيونية عزّزا فرص «المفاجآت»

انتخابات بريطانيا: بين رهان ماي... وصعود كوربين
TT

انتخابات بريطانيا: بين رهان ماي... وصعود كوربين

انتخابات بريطانيا: بين رهان ماي... وصعود كوربين

أربكت رئيسة الوزراء تيريزا ماي المشهد السياسي البريطاني بإعلانها، قبل 6 أسابيع، تنظيم انتخابات عامة مبكرة، متراجعة بذلك عن تصريحاتها السابقة الرافضة لتغيير الحكومة للمرة الثالثة خلال 3 سنوات. وبرّرت ماي دعوتها إلى انتخابات مبكرة في 18 أبريل (نيسان) الماضي بسعيها لتحقيق غالبية أكبر قبل المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، مستغلة بذلك الشعبية الكبيرة التي كان المحافظون، حين ذلك، يحظون بها وفق استطلاعات الرأي. إذ كان المحافظون يتقدمون بنحو 20 نقطة مئوية على حزب العمال المعارض، كما كانت تحظى ماي بقبول شعبي تجاوز حتى شعبية رئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر في عزّها، وفق بعض الاستطلاعات. إلا أن هذا التقدم غدا موضع شكوك خلال الأسابيع الماضية، وخصوصاً منذ عرض حزب العمال جدول أعماله اليساري، وعقب الجدل حول مشروع ماي المتعلق بالرعاية الصحية للمسنّين، ورفضها المشاركة في المناظرات التلفزيونية.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تدفع هذه التطورات إلى التساؤل عما إذا كان من الممكن أن تخسر ماي الرهان الذي أطلقته في أبريل الماضي أم لا.

يصوّت البريطانيون يوم 8 يونيو (حزيران) الحالي في انتخابات عامة جديدة، هي الثانية منذ 7 مايو (أيار) 2015، لانتخاب نوابهم لـ650 مقعداً في مجلس العموم البريطاني. وبخلاف الانتخابات العامة السابقة، لن يختار البريطانيون نوابهم انطلاقاً من القضايا التقليدية كالاقتصاد والصحة والتعليم فحسب، بل سيصوّتون كذلك وفقاً لبرامج الأحزاب من مفاوضات خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي.
تيريزا ماي، التي تسلمت رئاسة الحكومة البريطانية عقب تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو الماضي واستقالة رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون، كانت قد دعت إلى تنظيم انتخابات مبكرة سعياً إلى تحقيق فوز مزدوج. الأول من شأنه أن يعطيها تفويضاً صريحاً لخوض مفاوضات الخروج - أو «بريكست»، والثاني يستغل ضعف حزب العمال وانقسامه حول زعامة جيريمي كوربين لإزاحته من المشهد السياسي.
* مرشحة «بريكست»
اليوم تعد ماي في الأوساط السياسية والشعبية البريطانية مرشحة «بريكست» بامتياز، إذ تجاوب الناخبون معها خلال الفترة الأولى من تسلمها رئاسة الوزراء بإيجابية كبيرة، لأنها وازنت في نظرهم بين الالتزام بتطبيق إرادة الغالبية بالخروج من الاتحاد الأوروبي من جهة، وتمسكها بحماية مصالح بريطانيا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عبر الحفاظ على علاقة وثيقة بجيرانها الأوروبيين من جهة أخرى.
كذلك حظيت ماي باحترام الناخبين لتمسكها بتنفيذ إرادتهم بعدما كانت من قبل في معسكر البقاء. إذ سبق لها أن قالت ماي في أبريل من العام الماضي إن «البقاء في الاتحاد الأوروبي يجعلنا أكثر أمناً، وأكثر ازدهاراً، وأكثر تأثيراً خارج حدودنا»، إلا أنها قبلت نتيجة الاستفتاء الشعبي، بل أصبحت أحد رموز الخروج بعبارة «بريكست يعني بريكست» التي دخلت القاموس السياسي البريطاني في يناير (كانون الثاني) الماضي.
ومن ثم، في تغييرها موقفها من عضوية الاتحاد الأوروبي، كسبت ماي قبولاً واسعاً ضمن قاعدتها الحزبية. ولكن هذا القبول شكّل نقطة ضعف كذلك، إذ فتح الباب أمام منتقديها في صفوف حزبها وصفوف المعارضة التي تعتبر أنها ليست أهلاً لقيادة مفاوضات الخروج مع بروكسل كونها لم تصل لرئاسة الوزراء عبر انتخابات عامة. والقصد، أنها تفتقر إلى تفويض شعبي.
* رهان... وعثرات
بهدف تبديد هذه الشكوك، قرّرت زعيمة حزب المحافظين خوض انتخابات عامة مبكرة، وافق عليها مجلس النواب بأغلبية الثلثين، غير متوقعة أن تتحوّل هذه العملية الديمقراطية إلى اختبار لشعبيتها ومدى قدرتها على إقناع الناخبين.
وحقاً، شهدت الحملة الانتخابية عدة عثرات في المعسكر المحافظ، بدأت أولاً مع عرض برنامج الحزب الذي أثار جدلاً حول مشروع التغييرات في المساعدات الاجتماعية للمسنّين، قبل أن تتعرّض ماي للانتقاد حول الاقتطاعات التي أجرتها الحكومة المحافظة على صعيدي الشرطة والخدمات العامة منذ عام 2010، في أعقاب اعتداء مانشستر الإرهابي الدامي الذي أوقع 22 قتيلاً في 22 مايو الماضي. أيضاً لقي اتهام زعيم حزب العمال جيريمي كوربين لماي بالتهرّب من المواجهة، بعدما رفضت المشاركة في مناظرة تلفزيونية الأسبوع الماضي عبر تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مع مسؤولين سياسيين آخرين.
وفي استطلاعات الرأي تُرجمت هذه الصعوبات غير المرتقبة إلى تقارب فاجأ المتابعين بين المحافظين والعمال. ومع أن معظم الاستطلاعات ما زالت تتوقع فوز حزب المحافظين، فإن الغالبية التي يسعى إلى الحفاظ عليها أصبحت موضع شك. وللعلم، إذا فشل المحافظون في تعزيز غالبيتهم في البرلمان، أو الحفاظ عليها على الأقل، فإن ذلك قد يترجم بـ«برلمان معلّق» يضم كتلة كبيرة من الأحزاب المعارضة.
معلقة عن أحدث استطلاعات الرأي التي تتوقّع تراجعاً حاداً في عدد مقاعد المحافظين، قالت أليشيا كيرنز، المرشحة المحافظة عن منطقة ميتشام أند موردن، بجنوب العاصمة لندن، لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تثق في استطلاعات الرأي في بريطانيا. وهو رأي وافقت عليه أنجيلا راينر وزيرة الثقافة في «حكومة الظل» العمالية أيضاً.
وتابعت كيرنز أنه «لا يجب أن نتقاعس. الانتخابات تُكسب في الشارع وفي المقاهي وفي التجمّعات وفي أماكن العمل»، حاثّة الناخبين على التصويت وإقناع أصدقائهم بالإدلاء بأصواتهم «كي نتفادى كارثة حكومة ائتلافية»، حسب تعبيرها.
* «ظاهرة» كوربين
من ناحية أخرى، لم تكن عثرات الحزب الحاكم وحدها المسؤولة عن إرباك التوقعات بفوز كاسح للمحافظين أمام حزب العمال، أبرز أحزاب المعارضة. بل إن الصعود المفاجئ لجيريمي كوربين، الزعيم اليساري المتشدد للعمال، وتسجيل الحزب نحو 3 ملايين ناخب إضافي، بينهم مليون ناخب شاب لم يتجاوزوا الـ25 سنة، أسهم بدوره في زيادة غموض المشهد السياسي.
وبعد أن مني العمال بالهزيمة الانتخابية الثانية على التوالي في عام 2015، اتجه الحزب أكثر فأكثر إلى اليسار السياسي، واستطاع كوربين تجميع ترشيحات كافية لخوض المنافسة وقيادة الحزب في اتجاه جديد. ومن ثم، انقسمت الكتلة النيابية للحزب بفعل حملة كوربين لإعادته إلى جذوره الاشتراكية، والابتعاد به عن برنامجه الوسطي المؤيد للأعمال الذي دعمه رئيس الوزراء الأسبق توني بلير.
مع هذا، نجح كوربين ليس فقط في اجتذاب آلاف الأنصار الجدد غالبيتهم من الشباب المتحمس لبرنامجه الانتخابي اليساري، بل في التواصل من جديد مع نشطاء اليسار الذين كانوا قد تخلوا عن الحزب في عهد بلير. وبعدما كان محط سخرية قبل أشهر قليلة، عزّز كوربين صفوف حزبه بمناصريه اليساريين وحشد دعماً كافياً مكنه من النجاة من «محاولة انقلاب» قادها الجناح المعتدل في الحزب خلال العام الماضي.
وبدا هذا الحماس الجديد لصالح حزب العمال واضحاً من خلال عشرات اللقاءات الجماهيرية في مختلف أنحاء البلاد، حيث اجتذب كوربين الآلاف، وأيضاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ارتفعت أصوات وسائل الإعلام التقليدية والمؤسسة السياسية «الفاسدة». وفي حديث لوكالة «رويترز»، قال مصدر في الحملة الانتخابية العمالية إن «الزخم وراء كوربين يتزايد منذ بدأ سريان قواعد البث الإعلامي في الانتخابات قبل شهر، التي تضمن تخصيص فترة من البث لقادة الأحزاب... كما أن الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي لتجمعات كوربين تلقى رواجاً واهتماماً كبيرين ضمن نشطاء حزب العمال المحليين ومتطوّعين من النقابات العمالية وناخبين مترددين جذبهم فضولهم إلى الحزب».
* جدل «بريكست»
في أي حال، تتفق كل الأحزاب المتنافسة في الانتخابات البريطانية العامة على ضرورة احترام إرادة الشعب البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تختلف بدرجات متفاوتة حول شروط الخروج و«الخطوط الحمراء» في المفاوضات مع بروكسل (حيث عاصمة الاتحاد).
ويمكن تلخيص برنامج «بريكست» لكل من المحافظين والعمال في 4 محاور أساسية. إذ يرى المحافظون وجوب انسحاب بريطانيا من السوق الأوروبية الموحّدة والاتحاد الجمركي، وأن تنظم مفاوضات خروج سلسة منظمة خلال السنتين المقبلتين، مشددين على أن «الخروج من دون صفقة أفضل من الخروج بصفقة سيئة»، وعلى المصادقة على مشروع قانون للاستعاضة عن قوانين الاتحاد الأوروبي بقوانين خاصة بالمملكة المتحدة.
أما بالنسبة للعمال، فإنهم مع إعادة النظر في أولويات «الخروج» للتأكيد على تمسك بريطانيا بالبقاء في السوق الأوروبية الموحّدة، وبضمان حقوق الأوروبيين المستقرّين في بريطانيا والبريطانيين الذين يعيشون في أوروبا، ومواصلة العمل بالقوانين الأوروبية المتعلقة بحقوق العمال وحماية البيئة. كما يرفض العمال الخروج من الاتحاد الأوروبي دون صفقة.
بعكس الحزبين الرئيسيين، يطالب حزب الديمقراطيين الأحرار (وسط) بعرض الصفقة النهائية للخروج من الاتحاد الأوروبي على الناخبين عبر استفتاء عام جديد يتيح التراجع عن الخروج. وينادي الحزب القومي الاسكوتلندي بزعامة نيكولا ستورغن بمشاركة اسكوتلندا في طاولة المفاوضات وبإبقائها ضمن السوق الأوروبية الموحّدة.
وتشكل «بريكست» نقطة جدال جوهرية بين ماي وكوربين. إذ شددت رئيسة الوزراء أخيراً انتقاداتها للزعيم العمالي على خلفية مفاوضات الانسحاب، مع تقلص تقدم المحافظين في استطلاعات الرأي قبل الانتخابات التشريعية المرتقبة. وادعت ماي أنه بينما هي جاهزة لإجراء المفاوضات التي ستبدأ بعد 11 يوماً من انتخابات 8 يونيو، فإن الزعيم العمالي «سيجد نفسه وحيداً وغير جاهز في غرفة مفاوضات الاتحاد الأوروبي». وفي خطاب ألقته الثلاثاء الماضي في مدينة وولفرهامبتون بوسط بريطانيا، قرب مدينة برمنغهام، أعادت رئيسة الوزراء تركيز النقاش مجدداً حول هذا الموضوع. إذ قالت ماي: «أنا حاضرة وجاهزة للذهاب، ولكن جيريمي كوربين ليس جاهزاً... واحد منا فقط لديه التصميم لتحقيق إرادة الناس وتنفيذ بريكست، وواحد منا فقط يملك الخطة لجعل بريكست ناجحاً».
ثم كرّرت ماي تأكيد أهدافها التفاوضية فيما يتعلق بالانسحاب من أوروبا، التي تشمل انسحاب بريطانيا من السوق الأوروبية الموحّدة وإنهاء سلطة محكمة العدل الدولية. وشدّدت مجدداً على أنها تفضل أن ترحل على أن تقبل اتفاقاً سيئاً مع الاتحاد الأوروبي، قائلة إن رفض كوربين أن يقوم بذلك يعني «القبول بأي شروط، مهما كانت غير منطقية».
وفي هذا الصدد، حذر محللون، وفق وكالة الصحافة الفرنسية (أ ف ب)، من أن الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاقية تجارية جديدة قد يسبب ضرراً كبيراً لاقتصاد بريطانيا، وهو موقف كرّره العمال بعد خطاب ماي. وقال النائب العمالي تشوكا أومونا: «في هذه الانتخابات، من الحيوي ألا نمنح الحكومة شيكاً على بياض من أجل بريكست فوضوي وصعب، يمكن أن يضر باقتصادنا».
وبدوره، ردّ كوربين في مؤتمر صحافي بلندن على مضمون كلام ماي، واعتبره مغلوطاً، متهماً رئيسة الحكومة بالسعي إلى «مواجهة» مع بروكسل يمكن أن تكلّف بريطانيا غالياً. وأيضاً، استخدم خصوم ماي تصريحات مسؤولين أوروبيين بأن مقاربتها لمفاوضات الخروج «منفصلة عن الواقع» لانتقادها، إذ قالت صحيفة «فرنكفوتر ألغماينه تسايتونغ» الألمانية، مطلع الشهر الماضي، إن مباحثات ماي مع جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، وميشال بارنييه، كبير مفاوضي الاتحاد في لندن كانت «سيئة». وتابعت الصحيفة أن يونكر «خرج من الاجتماع متشائماً جداً»، ناقلة عنه قوله: «لقد غادرت 10 داونينغ ستريت وأنا متشكك بشكل أكبر بعشرة أمثال ما كنت عليه من قبل». في المقابل، رد متحدث باسم الحكومة البريطانية في بيان: «لا نعترف بهذه الرواية... وكما أوضح كل من رئيسة الوزراء وجان كلود يونكر، كان هذا الاجتماع بناءً قبل انطلاق المفاوضات رسمياً».
مع هذا، اعتمد نواب من المعارضة على المقال لانتقاد سياسة ماي. واعتبر وزير خزانة «حكومة الظل» جون ماكدونيل أن المقال «مقلق جداً»، وأنه يؤكد الطريقة «المتهورة» التي تجري بها ماي المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. بينما أكد تيم فارون، زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار، المؤيد لأوروبا، أن الحكومة تتجه بالبلاد «نحو بريكست قاسٍ وكارثي».
* المناظرات التلفزيونية
في سياق ثانٍ، قبل أيام من الانتخابات التشريعية، ركز خصوم رئيسة الوزراء البريطانية انتقاداتهم على تغيبها عن المناظرات التلفزيونية مع قادة الأحزاب المتنافسة. ووصف الزعيم العمالي كوربين تغيب ماي بأنه «إشارة ضعف»، بينما رأته زعيمة حزب «الخضر» البيئي كارولين لوكاس تعبيراً عن «جبن كبير». وللعلم، في المناظرة التي نظمها تلفزيون «بي بي سي» ودعي إليها زعماء الأحزاب الرئيسية السبعة، اختارت رئيسة الوزراء أن تمثلها وزيرة الداخلية آمبر رد، مفوّتة بذلك فرصة الرد مباشرة على انتقادات أحزاب المعارضة أمام ملايين المشاهدين. وفي محاولة منها لتبرير إحجامها عن خوض أي مناظرة تلفزيونية، كرّرت ماي ما أعلنته منذ انطلاق الحملة الانتخابية بأنها تفضل التواصل مع الناخبين مباشرة، وليس مع زعماء الأحزاب الأخرى. لكن هذا الرد لم يقنع تيم فارون الذي قال إنها «دعت إلى انتخابات مبكرة لمصلحتها الخاصة ومصلحة الحزب المحافظ، وهي تخشى إلى حد كبير خوض نقاش معنا».
* معركة استطلاعات الرأي
والآن قبل أيام معدودات من موعد الاقتراع، ترسم استطلاعات الرأي صورة مُربكة عن اتجاهات الانتخابات، فمن جهة يشير بعضها إلى أن المحافظين سيحققون فوزاً مريحاً، بينما يتوقع بعضها الآخر مفاجأة تعطي حزب العمال مقاعد جديدة. وفي حين تتحكم عوامل عدة في مصداقية استطلاعات الرأي، بما حجم عيّنة المستطلعين وهامش الخطأ وتوقيت إجراء الاستطلاع، فإن العامل الأكثر إثارة - وربما الأكثر تأثيراً - قد يكون نسبة إقبال الناخبين الشباب والطبقات العاملة.
موقع مؤسسة «يوغوف» كان في استطلاع نشرت حصيلته صحيفة «التايمز» الأربعاء الماضي أن المحافظين قد يخسرون 20 مقعداً مقابل فوز العمال بـ30 مقعداً إضافياً. وأفادت «يوغوف» على «تويتر» أول من أمس معلقة على النتائج: «ما زالت هناك 8 أيام حتى يوم الانتخابات، وأي تغيّر طفيف قد يسفر عن غالبية جيدة للمحافظين». ومع أن المحافظين سيظلون القوة الأولى في البرلمان وفق معظم الاستطلاعات، فإن خسارتهم 20 مقعداً قد تحرمهم من الغالبية المطلقة. ونشير هنا إلى أن حصيلة استطلاع «يوغوف» استقبلت بتحفظ في المعسكر المحافظ. وقالت ماي خلال زيارة لمدينة بليموث (جنوب غربي إنجلترا) إن «الاستطلاع الوحيد المهم هو الذي سيجرى 8 يونيو» المقبل. ومن جهتها، حذرت صحيفة «التايمز» من هذه التوقعات التي أجريت في غضون أسبوع وشملت نحو 50 ألف شخص، معتبرة أنها تتضمن «هامش خطأ كبيراً»، إذ هناك احتمال آخر بفوز كبير للمحافظين.
وإلى جانب استطلاعات الرأي، تلقي وسائل الإعلام بثقلها في الحملات الانتخابية. وكانت مجلة «الإيكونوميست» الأسبوعية المرموقة قد أعلنت أول من أمس دعمها للديمقراطيين الأحرار المؤيدين لأوروبا، متخلية عن المحافظين. واعتبرت المجلة في افتتاحية لها أن حزبي المحافظين والعمال «ابتعدا» عن الليبرالية، مشددة على مواجهتها «خياراً مزعجاً» نظراً إلى أن الديمقراطيين الأحرار لا يشغلون الآن سوى 9 مقاعد نيابية لا غير، ولا فرصة لديهم بالفوز في هذا الاستحقاق. ويذكر أن «الإيكونوميست» كانت قد دعمت الزعيم المحافظ ديفيد كاميرون في الانتخابات العامة الأخيرة في 2015، لكنها رفضت دعم خلفه رئيسة الوزراء تيريزا ماي بسبب مواقفها المؤيدة الآن للانسحاب الاتحاد الأوروبي والحد من الهجرة. إذ قالت إن «ماي تعد للخروج من السوق الموحدة (...)، وتصر على تخفيض الهجرة الصافية إلى الثلث تقريباً».
وفي المقابل، لم توفر المجلة الزعيم العمالي اليساري من الانتقاد، قائلة إنه «يقدم نفسه بصورة الراديكالي في حين أنه فعلاً أكبر المحافظين والأكثر خطورة». وأضافت أن «كوربين أمضى حياته مدّعياً الدفاع عن المضطهدين، بينما كان يدعم مضطهديهم»، على غرار فيديل كاسترو وهوغو شافيز.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.