انتخابات بريطانيا: بين رهان ماي... وصعود كوربين

عثرات المحافظين وتغيب ماي عن المناظرات التلفزيونية عزّزا فرص «المفاجآت»

انتخابات بريطانيا: بين رهان ماي... وصعود كوربين
TT

انتخابات بريطانيا: بين رهان ماي... وصعود كوربين

انتخابات بريطانيا: بين رهان ماي... وصعود كوربين

أربكت رئيسة الوزراء تيريزا ماي المشهد السياسي البريطاني بإعلانها، قبل 6 أسابيع، تنظيم انتخابات عامة مبكرة، متراجعة بذلك عن تصريحاتها السابقة الرافضة لتغيير الحكومة للمرة الثالثة خلال 3 سنوات. وبرّرت ماي دعوتها إلى انتخابات مبكرة في 18 أبريل (نيسان) الماضي بسعيها لتحقيق غالبية أكبر قبل المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، مستغلة بذلك الشعبية الكبيرة التي كان المحافظون، حين ذلك، يحظون بها وفق استطلاعات الرأي. إذ كان المحافظون يتقدمون بنحو 20 نقطة مئوية على حزب العمال المعارض، كما كانت تحظى ماي بقبول شعبي تجاوز حتى شعبية رئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر في عزّها، وفق بعض الاستطلاعات. إلا أن هذا التقدم غدا موضع شكوك خلال الأسابيع الماضية، وخصوصاً منذ عرض حزب العمال جدول أعماله اليساري، وعقب الجدل حول مشروع ماي المتعلق بالرعاية الصحية للمسنّين، ورفضها المشاركة في المناظرات التلفزيونية.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، تدفع هذه التطورات إلى التساؤل عما إذا كان من الممكن أن تخسر ماي الرهان الذي أطلقته في أبريل الماضي أم لا.

يصوّت البريطانيون يوم 8 يونيو (حزيران) الحالي في انتخابات عامة جديدة، هي الثانية منذ 7 مايو (أيار) 2015، لانتخاب نوابهم لـ650 مقعداً في مجلس العموم البريطاني. وبخلاف الانتخابات العامة السابقة، لن يختار البريطانيون نوابهم انطلاقاً من القضايا التقليدية كالاقتصاد والصحة والتعليم فحسب، بل سيصوّتون كذلك وفقاً لبرامج الأحزاب من مفاوضات خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي.
تيريزا ماي، التي تسلمت رئاسة الحكومة البريطانية عقب تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو الماضي واستقالة رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون، كانت قد دعت إلى تنظيم انتخابات مبكرة سعياً إلى تحقيق فوز مزدوج. الأول من شأنه أن يعطيها تفويضاً صريحاً لخوض مفاوضات الخروج - أو «بريكست»، والثاني يستغل ضعف حزب العمال وانقسامه حول زعامة جيريمي كوربين لإزاحته من المشهد السياسي.
* مرشحة «بريكست»
اليوم تعد ماي في الأوساط السياسية والشعبية البريطانية مرشحة «بريكست» بامتياز، إذ تجاوب الناخبون معها خلال الفترة الأولى من تسلمها رئاسة الوزراء بإيجابية كبيرة، لأنها وازنت في نظرهم بين الالتزام بتطبيق إرادة الغالبية بالخروج من الاتحاد الأوروبي من جهة، وتمسكها بحماية مصالح بريطانيا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عبر الحفاظ على علاقة وثيقة بجيرانها الأوروبيين من جهة أخرى.
كذلك حظيت ماي باحترام الناخبين لتمسكها بتنفيذ إرادتهم بعدما كانت من قبل في معسكر البقاء. إذ سبق لها أن قالت ماي في أبريل من العام الماضي إن «البقاء في الاتحاد الأوروبي يجعلنا أكثر أمناً، وأكثر ازدهاراً، وأكثر تأثيراً خارج حدودنا»، إلا أنها قبلت نتيجة الاستفتاء الشعبي، بل أصبحت أحد رموز الخروج بعبارة «بريكست يعني بريكست» التي دخلت القاموس السياسي البريطاني في يناير (كانون الثاني) الماضي.
ومن ثم، في تغييرها موقفها من عضوية الاتحاد الأوروبي، كسبت ماي قبولاً واسعاً ضمن قاعدتها الحزبية. ولكن هذا القبول شكّل نقطة ضعف كذلك، إذ فتح الباب أمام منتقديها في صفوف حزبها وصفوف المعارضة التي تعتبر أنها ليست أهلاً لقيادة مفاوضات الخروج مع بروكسل كونها لم تصل لرئاسة الوزراء عبر انتخابات عامة. والقصد، أنها تفتقر إلى تفويض شعبي.
* رهان... وعثرات
بهدف تبديد هذه الشكوك، قرّرت زعيمة حزب المحافظين خوض انتخابات عامة مبكرة، وافق عليها مجلس النواب بأغلبية الثلثين، غير متوقعة أن تتحوّل هذه العملية الديمقراطية إلى اختبار لشعبيتها ومدى قدرتها على إقناع الناخبين.
وحقاً، شهدت الحملة الانتخابية عدة عثرات في المعسكر المحافظ، بدأت أولاً مع عرض برنامج الحزب الذي أثار جدلاً حول مشروع التغييرات في المساعدات الاجتماعية للمسنّين، قبل أن تتعرّض ماي للانتقاد حول الاقتطاعات التي أجرتها الحكومة المحافظة على صعيدي الشرطة والخدمات العامة منذ عام 2010، في أعقاب اعتداء مانشستر الإرهابي الدامي الذي أوقع 22 قتيلاً في 22 مايو الماضي. أيضاً لقي اتهام زعيم حزب العمال جيريمي كوربين لماي بالتهرّب من المواجهة، بعدما رفضت المشاركة في مناظرة تلفزيونية الأسبوع الماضي عبر تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مع مسؤولين سياسيين آخرين.
وفي استطلاعات الرأي تُرجمت هذه الصعوبات غير المرتقبة إلى تقارب فاجأ المتابعين بين المحافظين والعمال. ومع أن معظم الاستطلاعات ما زالت تتوقع فوز حزب المحافظين، فإن الغالبية التي يسعى إلى الحفاظ عليها أصبحت موضع شك. وللعلم، إذا فشل المحافظون في تعزيز غالبيتهم في البرلمان، أو الحفاظ عليها على الأقل، فإن ذلك قد يترجم بـ«برلمان معلّق» يضم كتلة كبيرة من الأحزاب المعارضة.
معلقة عن أحدث استطلاعات الرأي التي تتوقّع تراجعاً حاداً في عدد مقاعد المحافظين، قالت أليشيا كيرنز، المرشحة المحافظة عن منطقة ميتشام أند موردن، بجنوب العاصمة لندن، لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تثق في استطلاعات الرأي في بريطانيا. وهو رأي وافقت عليه أنجيلا راينر وزيرة الثقافة في «حكومة الظل» العمالية أيضاً.
وتابعت كيرنز أنه «لا يجب أن نتقاعس. الانتخابات تُكسب في الشارع وفي المقاهي وفي التجمّعات وفي أماكن العمل»، حاثّة الناخبين على التصويت وإقناع أصدقائهم بالإدلاء بأصواتهم «كي نتفادى كارثة حكومة ائتلافية»، حسب تعبيرها.
* «ظاهرة» كوربين
من ناحية أخرى، لم تكن عثرات الحزب الحاكم وحدها المسؤولة عن إرباك التوقعات بفوز كاسح للمحافظين أمام حزب العمال، أبرز أحزاب المعارضة. بل إن الصعود المفاجئ لجيريمي كوربين، الزعيم اليساري المتشدد للعمال، وتسجيل الحزب نحو 3 ملايين ناخب إضافي، بينهم مليون ناخب شاب لم يتجاوزوا الـ25 سنة، أسهم بدوره في زيادة غموض المشهد السياسي.
وبعد أن مني العمال بالهزيمة الانتخابية الثانية على التوالي في عام 2015، اتجه الحزب أكثر فأكثر إلى اليسار السياسي، واستطاع كوربين تجميع ترشيحات كافية لخوض المنافسة وقيادة الحزب في اتجاه جديد. ومن ثم، انقسمت الكتلة النيابية للحزب بفعل حملة كوربين لإعادته إلى جذوره الاشتراكية، والابتعاد به عن برنامجه الوسطي المؤيد للأعمال الذي دعمه رئيس الوزراء الأسبق توني بلير.
مع هذا، نجح كوربين ليس فقط في اجتذاب آلاف الأنصار الجدد غالبيتهم من الشباب المتحمس لبرنامجه الانتخابي اليساري، بل في التواصل من جديد مع نشطاء اليسار الذين كانوا قد تخلوا عن الحزب في عهد بلير. وبعدما كان محط سخرية قبل أشهر قليلة، عزّز كوربين صفوف حزبه بمناصريه اليساريين وحشد دعماً كافياً مكنه من النجاة من «محاولة انقلاب» قادها الجناح المعتدل في الحزب خلال العام الماضي.
وبدا هذا الحماس الجديد لصالح حزب العمال واضحاً من خلال عشرات اللقاءات الجماهيرية في مختلف أنحاء البلاد، حيث اجتذب كوربين الآلاف، وأيضاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ارتفعت أصوات وسائل الإعلام التقليدية والمؤسسة السياسية «الفاسدة». وفي حديث لوكالة «رويترز»، قال مصدر في الحملة الانتخابية العمالية إن «الزخم وراء كوربين يتزايد منذ بدأ سريان قواعد البث الإعلامي في الانتخابات قبل شهر، التي تضمن تخصيص فترة من البث لقادة الأحزاب... كما أن الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي لتجمعات كوربين تلقى رواجاً واهتماماً كبيرين ضمن نشطاء حزب العمال المحليين ومتطوّعين من النقابات العمالية وناخبين مترددين جذبهم فضولهم إلى الحزب».
* جدل «بريكست»
في أي حال، تتفق كل الأحزاب المتنافسة في الانتخابات البريطانية العامة على ضرورة احترام إرادة الشعب البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تختلف بدرجات متفاوتة حول شروط الخروج و«الخطوط الحمراء» في المفاوضات مع بروكسل (حيث عاصمة الاتحاد).
ويمكن تلخيص برنامج «بريكست» لكل من المحافظين والعمال في 4 محاور أساسية. إذ يرى المحافظون وجوب انسحاب بريطانيا من السوق الأوروبية الموحّدة والاتحاد الجمركي، وأن تنظم مفاوضات خروج سلسة منظمة خلال السنتين المقبلتين، مشددين على أن «الخروج من دون صفقة أفضل من الخروج بصفقة سيئة»، وعلى المصادقة على مشروع قانون للاستعاضة عن قوانين الاتحاد الأوروبي بقوانين خاصة بالمملكة المتحدة.
أما بالنسبة للعمال، فإنهم مع إعادة النظر في أولويات «الخروج» للتأكيد على تمسك بريطانيا بالبقاء في السوق الأوروبية الموحّدة، وبضمان حقوق الأوروبيين المستقرّين في بريطانيا والبريطانيين الذين يعيشون في أوروبا، ومواصلة العمل بالقوانين الأوروبية المتعلقة بحقوق العمال وحماية البيئة. كما يرفض العمال الخروج من الاتحاد الأوروبي دون صفقة.
بعكس الحزبين الرئيسيين، يطالب حزب الديمقراطيين الأحرار (وسط) بعرض الصفقة النهائية للخروج من الاتحاد الأوروبي على الناخبين عبر استفتاء عام جديد يتيح التراجع عن الخروج. وينادي الحزب القومي الاسكوتلندي بزعامة نيكولا ستورغن بمشاركة اسكوتلندا في طاولة المفاوضات وبإبقائها ضمن السوق الأوروبية الموحّدة.
وتشكل «بريكست» نقطة جدال جوهرية بين ماي وكوربين. إذ شددت رئيسة الوزراء أخيراً انتقاداتها للزعيم العمالي على خلفية مفاوضات الانسحاب، مع تقلص تقدم المحافظين في استطلاعات الرأي قبل الانتخابات التشريعية المرتقبة. وادعت ماي أنه بينما هي جاهزة لإجراء المفاوضات التي ستبدأ بعد 11 يوماً من انتخابات 8 يونيو، فإن الزعيم العمالي «سيجد نفسه وحيداً وغير جاهز في غرفة مفاوضات الاتحاد الأوروبي». وفي خطاب ألقته الثلاثاء الماضي في مدينة وولفرهامبتون بوسط بريطانيا، قرب مدينة برمنغهام، أعادت رئيسة الوزراء تركيز النقاش مجدداً حول هذا الموضوع. إذ قالت ماي: «أنا حاضرة وجاهزة للذهاب، ولكن جيريمي كوربين ليس جاهزاً... واحد منا فقط لديه التصميم لتحقيق إرادة الناس وتنفيذ بريكست، وواحد منا فقط يملك الخطة لجعل بريكست ناجحاً».
ثم كرّرت ماي تأكيد أهدافها التفاوضية فيما يتعلق بالانسحاب من أوروبا، التي تشمل انسحاب بريطانيا من السوق الأوروبية الموحّدة وإنهاء سلطة محكمة العدل الدولية. وشدّدت مجدداً على أنها تفضل أن ترحل على أن تقبل اتفاقاً سيئاً مع الاتحاد الأوروبي، قائلة إن رفض كوربين أن يقوم بذلك يعني «القبول بأي شروط، مهما كانت غير منطقية».
وفي هذا الصدد، حذر محللون، وفق وكالة الصحافة الفرنسية (أ ف ب)، من أن الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاقية تجارية جديدة قد يسبب ضرراً كبيراً لاقتصاد بريطانيا، وهو موقف كرّره العمال بعد خطاب ماي. وقال النائب العمالي تشوكا أومونا: «في هذه الانتخابات، من الحيوي ألا نمنح الحكومة شيكاً على بياض من أجل بريكست فوضوي وصعب، يمكن أن يضر باقتصادنا».
وبدوره، ردّ كوربين في مؤتمر صحافي بلندن على مضمون كلام ماي، واعتبره مغلوطاً، متهماً رئيسة الحكومة بالسعي إلى «مواجهة» مع بروكسل يمكن أن تكلّف بريطانيا غالياً. وأيضاً، استخدم خصوم ماي تصريحات مسؤولين أوروبيين بأن مقاربتها لمفاوضات الخروج «منفصلة عن الواقع» لانتقادها، إذ قالت صحيفة «فرنكفوتر ألغماينه تسايتونغ» الألمانية، مطلع الشهر الماضي، إن مباحثات ماي مع جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، وميشال بارنييه، كبير مفاوضي الاتحاد في لندن كانت «سيئة». وتابعت الصحيفة أن يونكر «خرج من الاجتماع متشائماً جداً»، ناقلة عنه قوله: «لقد غادرت 10 داونينغ ستريت وأنا متشكك بشكل أكبر بعشرة أمثال ما كنت عليه من قبل». في المقابل، رد متحدث باسم الحكومة البريطانية في بيان: «لا نعترف بهذه الرواية... وكما أوضح كل من رئيسة الوزراء وجان كلود يونكر، كان هذا الاجتماع بناءً قبل انطلاق المفاوضات رسمياً».
مع هذا، اعتمد نواب من المعارضة على المقال لانتقاد سياسة ماي. واعتبر وزير خزانة «حكومة الظل» جون ماكدونيل أن المقال «مقلق جداً»، وأنه يؤكد الطريقة «المتهورة» التي تجري بها ماي المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي. بينما أكد تيم فارون، زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار، المؤيد لأوروبا، أن الحكومة تتجه بالبلاد «نحو بريكست قاسٍ وكارثي».
* المناظرات التلفزيونية
في سياق ثانٍ، قبل أيام من الانتخابات التشريعية، ركز خصوم رئيسة الوزراء البريطانية انتقاداتهم على تغيبها عن المناظرات التلفزيونية مع قادة الأحزاب المتنافسة. ووصف الزعيم العمالي كوربين تغيب ماي بأنه «إشارة ضعف»، بينما رأته زعيمة حزب «الخضر» البيئي كارولين لوكاس تعبيراً عن «جبن كبير». وللعلم، في المناظرة التي نظمها تلفزيون «بي بي سي» ودعي إليها زعماء الأحزاب الرئيسية السبعة، اختارت رئيسة الوزراء أن تمثلها وزيرة الداخلية آمبر رد، مفوّتة بذلك فرصة الرد مباشرة على انتقادات أحزاب المعارضة أمام ملايين المشاهدين. وفي محاولة منها لتبرير إحجامها عن خوض أي مناظرة تلفزيونية، كرّرت ماي ما أعلنته منذ انطلاق الحملة الانتخابية بأنها تفضل التواصل مع الناخبين مباشرة، وليس مع زعماء الأحزاب الأخرى. لكن هذا الرد لم يقنع تيم فارون الذي قال إنها «دعت إلى انتخابات مبكرة لمصلحتها الخاصة ومصلحة الحزب المحافظ، وهي تخشى إلى حد كبير خوض نقاش معنا».
* معركة استطلاعات الرأي
والآن قبل أيام معدودات من موعد الاقتراع، ترسم استطلاعات الرأي صورة مُربكة عن اتجاهات الانتخابات، فمن جهة يشير بعضها إلى أن المحافظين سيحققون فوزاً مريحاً، بينما يتوقع بعضها الآخر مفاجأة تعطي حزب العمال مقاعد جديدة. وفي حين تتحكم عوامل عدة في مصداقية استطلاعات الرأي، بما حجم عيّنة المستطلعين وهامش الخطأ وتوقيت إجراء الاستطلاع، فإن العامل الأكثر إثارة - وربما الأكثر تأثيراً - قد يكون نسبة إقبال الناخبين الشباب والطبقات العاملة.
موقع مؤسسة «يوغوف» كان في استطلاع نشرت حصيلته صحيفة «التايمز» الأربعاء الماضي أن المحافظين قد يخسرون 20 مقعداً مقابل فوز العمال بـ30 مقعداً إضافياً. وأفادت «يوغوف» على «تويتر» أول من أمس معلقة على النتائج: «ما زالت هناك 8 أيام حتى يوم الانتخابات، وأي تغيّر طفيف قد يسفر عن غالبية جيدة للمحافظين». ومع أن المحافظين سيظلون القوة الأولى في البرلمان وفق معظم الاستطلاعات، فإن خسارتهم 20 مقعداً قد تحرمهم من الغالبية المطلقة. ونشير هنا إلى أن حصيلة استطلاع «يوغوف» استقبلت بتحفظ في المعسكر المحافظ. وقالت ماي خلال زيارة لمدينة بليموث (جنوب غربي إنجلترا) إن «الاستطلاع الوحيد المهم هو الذي سيجرى 8 يونيو» المقبل. ومن جهتها، حذرت صحيفة «التايمز» من هذه التوقعات التي أجريت في غضون أسبوع وشملت نحو 50 ألف شخص، معتبرة أنها تتضمن «هامش خطأ كبيراً»، إذ هناك احتمال آخر بفوز كبير للمحافظين.
وإلى جانب استطلاعات الرأي، تلقي وسائل الإعلام بثقلها في الحملات الانتخابية. وكانت مجلة «الإيكونوميست» الأسبوعية المرموقة قد أعلنت أول من أمس دعمها للديمقراطيين الأحرار المؤيدين لأوروبا، متخلية عن المحافظين. واعتبرت المجلة في افتتاحية لها أن حزبي المحافظين والعمال «ابتعدا» عن الليبرالية، مشددة على مواجهتها «خياراً مزعجاً» نظراً إلى أن الديمقراطيين الأحرار لا يشغلون الآن سوى 9 مقاعد نيابية لا غير، ولا فرصة لديهم بالفوز في هذا الاستحقاق. ويذكر أن «الإيكونوميست» كانت قد دعمت الزعيم المحافظ ديفيد كاميرون في الانتخابات العامة الأخيرة في 2015، لكنها رفضت دعم خلفه رئيسة الوزراء تيريزا ماي بسبب مواقفها المؤيدة الآن للانسحاب الاتحاد الأوروبي والحد من الهجرة. إذ قالت إن «ماي تعد للخروج من السوق الموحدة (...)، وتصر على تخفيض الهجرة الصافية إلى الثلث تقريباً».
وفي المقابل، لم توفر المجلة الزعيم العمالي اليساري من الانتقاد، قائلة إنه «يقدم نفسه بصورة الراديكالي في حين أنه فعلاً أكبر المحافظين والأكثر خطورة». وأضافت أن «كوربين أمضى حياته مدّعياً الدفاع عن المضطهدين، بينما كان يدعم مضطهديهم»، على غرار فيديل كاسترو وهوغو شافيز.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.