الصوم الصحي.. إرشادات ونصائح

تأخير السحور لتخفيف تأثيرات الامتناع عن تناول الطعام والشراب

الصوم الصحي.. إرشادات ونصائح
TT

الصوم الصحي.. إرشادات ونصائح

الصوم الصحي.. إرشادات ونصائح

يشمل الصوم الامتناع التام عن تناول الطعام والشراب طوال ساعات نهار اليوم، أي من الفجر إلى مغيب الشمس. ويُعفى من ضرورة الالتزام بذلك الصوم، المرضى الذين تكون حالتهم الصحية غير مستقرة أو تتأثر بالصوم، إضافة إلى حالات أخرى كالحيض ومراحل من الحمل والرضاعة وغيرها.
* صوم صحي
وتنظر المصادر الطبية إلى الصوم كفرصة عظيمة لإعادة التوازن الصحي في حياة الإنسان وعودة تبني النمط الصحي في عيش الحياة اليومية. ذلك أنه من خلال الصوم يتعلم المرء كيفية ضبط إدارة عمليات تناول الطعام والشراب خلال اليوم وتعويد النفس على الضبط الذاتي لعادات الأكل والشرب اليومية. شهر الصوم هو فرصة لإعطاء المعدة والجهاز الهضمي راحة عضوية وفسيولوجية، وإعطاء الجسم كله فرصة للتخلص من تراكم السموم التي يُخلفها الانفلات اليومي في تناول الأطعمة والأشربة بأنواعها طوال ساعات اليوم.
وما يحتاج الصائم إدراكه هو كيفية التفاعل والتعامل مع التغيرات الفسيولوجية والعضوية التي يمر بها الجسم خلال ممارسة شعيرة الصوم، وكيفية تقليل التأثيرات التي تطال الجسم جراء الامتناع عن تناول الطعام والسوائل خلال ساعات النهار، ووضع خطة للتغذية اليومية، والأهم كيفية رفع مستوى الاستفادة القصوى من هذه الفرصة السنوية العظيمة للصوم.
نوعية ونتائج تفاعل الجسم مع عملية الصوم، في النهار وفي الليل، أي في أوقات الامتناع عن الأكل والشرب وأوقات إمكانية ذلك، يعتمد على المدة الزمنية التي يتم فيها الصوم. ومن المهم إدراك حقيقة علمية، وهي أن دخول الإنسان في مرحلة الصوم تختلف عن دخول الجسم في ذلك الصوم، بمعنى أن المرء قد يصوم 13 ساعة ولكن الجسم لا يصوم تلك المدة كلها بسبب تناول الإنسان لوجبة السحور، ولذا فإن الحرص على تأخير السحور إلى آخر وقت ممكن هو أفضل ما يقوم به المرء لتخفيف تأثيرات الامتناع عن تناول الطعام والشراب خلال صوم نهار رمضان.
* مخزونات الجسم
وتقنيًا، يدخل الجسم مرحلة الصوم بعد ما بين سبع إلى ثمان ساعات من بدء عدم تناول الطعام والشراب، بعد إتمام الجهاز الهضمي هضم طعام وجبة السحور والفراغ من امتصاص الجهاز الهضمي لكل العناصر الغذائية التي احتوتها الأطعمة التي تناولها المرء في وجبة السحور.
وفي الحالات الطبيعية، يلعب دوره سكر الغلوكوز في الجسم، وهو المصدر الرئيسي لحصول خلايا الجسم على وقود إنتاج الطاقة. وخلال الصوم يُستخدم هذا الغلوكوز المخزون في الجسم لتزويد خلايا الجسم بمصدر وقود إنتاج الطاقة كي تستخدمه الخلايا لتستطيع القيام بمهامها وواجباتها لعمل أجهزة الجسم وأنظمته الكيميائية الحيوية.
ثم وفي مراحل تالية من الصوم، وحينما ينتهي مخزون الغلوكوز من العضلات والكبد، يبدأ الجسم باستخدام الشحوم باعتبارها المصدر الثاني لوقود إنتاج الطاقة، كما يُمكن للكبد إنتاج كميات قليلة من سكر الغلوكوز عبر تفاعلات معقدة. وفقط بعد الصوم عن تناول الطعام لعدة أيام متواصلة، يبدأ الجسم باللجوء إلى البروتينات واستخدامها كمصدر لوقود إنتاج الطاقة في خلايا الجسم، ومصدر البروتينات في هذه الحالة هو العضلات.
ولأن صوم نهار رمضان هو عدد من الساعات، من الفجر إلى غروب الشمس، فإن هذه فرصة ممتازة لإعادة بناء مخزون طاقة الغلوكوز، كما أنها تمثل فرصة للتحول التدريجي إلى استخدام الشحوم الموجودة في الجسم بشكل غير قاس، في إنتاج الطاقة. والأهم في الصوم فقط من الفجر إلى مغيب الشمس هو منع حصول عملية تحلل العضلات من أجل توفير البروتين كمصدر لوقود إنتاج الطاقة.
وباستخدام الشحوم يوميًا لإنتاج الطاقة، يُسهم الصوم في خفض وزن الجسم وتقليل كمية الشحوم فيه، وخفض الكولسترول، وخفض ضغط الدم، إضافة إلى ضبط أفضل لنسبة السكر في الدم لدى مرضى السكري.
* إزالة السموم
والواقع أن عملية إزالة السموم عن الجسم Detoxification Process تحصل بالصوم، أي إذابة أي سموم تم خزنها في شحوم الجسم وإخراجها منه.
وتشير المصادر الطبية إلى أن بعد بضعة أيام من الصوم ترتفع نسبة هرمونات إندروفين Endorphins، وهو ما يرفع من مستوى الوعي والشعور بالراحة النفسية والبدنية. ومن المهم إدراك ضرورة صنع حالة من التوازن فيما بين تناول الطعام والسوائل خلال فترة شهر الصوم، وهو ما يُساعد الكلى على أداء مهامها وحفظ معدلات الأملاح في الدم ضمن المستويات الطبيعية.
صيام نهار أيام مفيد للصحة، ولكن إذا لم يتم اتباع نمط صحي في الأكل والشرب فإن الأمر قد يتحول إلى أضرار صحية تُزيل فوائد الصوم للجسم.
* أطعمة طبيعية
ولذا فإن منشأ الضرر ليس الصوم بل ما يتم تناوله من أطعمة وأشربة في ساعات الليل، وذلك عبر الإفراط في تناول الأطعمة والعشوائية في انتقائها واختيار نوعيات غير صحية من الأطعمة. وبالمقابل فإن الاعتدال في تناول الأطعمة والحفاظ على التوازن في مكونات الوجبات للإفطار والسحور والحرص على تناول أطعمة تم إعدادها وطهوها بطرق صحية هو المفتاح لاستفادة الجسم بشكل صحي من الصوم.
والمطلوب تناول أطعمة طبيعية تحتوي على سكريات معقدة وبروتينات ودهون نباتية غير مشبعة وألياف ومعادن وفيتامينات. وهنا يأتي دور تناول البقول والحبوب الكاملة ومشتقات الألبان قليلة الدسم واللحوم الخالية من الشحوم والفواكه والخضراوات.
ومن أمثلة الحبوب القمح والشوفان وبقول الفول والحمص والفاصوليا والبازلاء والعدس، ومن أمثلة الخضراوات الفاصوليا الخضراء والورقيات والجزر والكوسة والبطاطا بقشرتها. ومن أمثلة الفواكه المشمش والرطب والتمر والتين والعنب والرمان.
ولذا من الضروري تقليل تناول جميع أنواع الأطعمة المقلية، والأطعمة المحتوية على السكر الأبيض، والأطعمة الدسمة بالدهون، والأطعمة المحتوية على دقيق القمح الأبيض وغيرها. وأيضًا تقليل تناول الأطعمة والمشروبات المحتوية على الكافيين الذي تتسبب في إدرار البول وفقد الجسم للسوائل.

* استشارية في الباطنية



مشكلة بصرية شائعة قد تؤخر اكتشاف سرطان المثانة

عمى الألوان قد يؤدي إلى تأخر تشخيص سرطان المثانة (رويترز)
عمى الألوان قد يؤدي إلى تأخر تشخيص سرطان المثانة (رويترز)
TT

مشكلة بصرية شائعة قد تؤخر اكتشاف سرطان المثانة

عمى الألوان قد يؤدي إلى تأخر تشخيص سرطان المثانة (رويترز)
عمى الألوان قد يؤدي إلى تأخر تشخيص سرطان المثانة (رويترز)

حذّرت دراسة علمية حديثة من أن عمى الألوان، وهو اضطراب بصري شائع يصيب الرجال في الأغلب، قد يؤدي إلى تأخر تشخيص سرطان المثانة، ما يرفع خطر الوفاة المرتبطة بالمرض.

وبحسب شبكة «فوكس نيوز» الأميركية، فإن الإحصاءات العالمية تشير إلى أن نحو 8 في المائة من الرجال يعانون من شكل من أشكال عمى الألوان، مقارنةً بـ 0.5 في المائة من النساء.

ويؤثر هذا الاضطراب على القدرة على تمييز بعض الألوان، خاصة الأحمر والأخضر، ما قد يجعل المصابين به غير قادرين على ملاحظة وجود دم في البول، وهو العَرَض الأول، والأكثر شيوعاً لسرطان المثانة.

وفي الدراسة الجديدة، حلل الباحثون التابعون لكلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية السجلات الصحية لنحو 300 شخص، نصفهم مصاب بسرطان المثانة وعمى الألوان، في حين أن النصف الآخر مصاب بسرطان المثانة فقط.

ووجد الفريق أن مرضى سرطان المثانة المصابين بعمى الألوان كانوا أكثر عرضة للوفاة بنسبة 52 في المائة خلال 20 عاماً مقارنة بالمرضى ذوي الرؤية الطبيعية.

وكتب الباحثون في دراستهم التي نشرت في مجلة «نيتشر» أن النتائج تشير إلى أنه «نظراً لعدم قدرة المصابين بعمى الألوان على تمييز وجود الدم في البول، فقد يتأخرون في طلب الرعاية الطبية، وبالتالي تشخيص المرض في مراحل متقدمة يصعب علاجها».

وقال الدكتور إحسان رحيمي، الباحث الرئيس في الدراسة وأستاذ طب العيون بجامعة ستانفورد، إن نتائج الدراسة تهدف إلى رفع الوعي لدى المرضى والأطباء على حد سواء بأهمية أخذ عمى الألوان في الاعتبار عند تقييم الأعراض.

يذكر أن سرطان المثانة يعد أكثر شيوعاً بين الرجال بنحو أربعة أضعاف مقارنةً بالنساء.


5 نصائح مهمة من أبطال الأولمبياد الشتوي للمساعدة في النوم

يلعب النوم دوراً في جودة الأداء الرياضي (بيكسلز)
يلعب النوم دوراً في جودة الأداء الرياضي (بيكسلز)
TT

5 نصائح مهمة من أبطال الأولمبياد الشتوي للمساعدة في النوم

يلعب النوم دوراً في جودة الأداء الرياضي (بيكسلز)
يلعب النوم دوراً في جودة الأداء الرياضي (بيكسلز)

لطالما عانت اللاعبة الأميركية تيس جونسون الأرق. تتنافس اللاعبة البالغة من العمر 25 عاماً في رياضة التزلج على المنحدرات الوعرة في الأولمبياد الشتوية، وهي رياضة تتطلب القيام بانعطافات حادة للغاية على مسارات غير مستوية وأداء قفزتين بهلوانيتين أثناء النزول. بعبارة أخرى، لا مجال للخطأ.

وتقول جونسون: «أجد نفسي أستيقظ في منتصف الليل، غارقة في التفكير، سواء كان السبب في أدائي في التزلج أو في النتيجة». ويمكن للتدريب المكثف وجداول السفر المزدحمة وضغط المنافسة أن تؤثر سلباً على نوم الرياضيين المحترفين. في دراسة أجريت عام 2024 على 1603 رياضيين من فريق الولايات المتحدة الأميركية، أفاد ما يقرب من 40 في المائة منهم بسوء جودة نومهم، حسبما أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.

ويلعب النوم دوراً في الأداء الرياضي، لكن الضغط لتحسين جودة النوم قد يأتي بنتائج عكسية. ولهذا السبب؛ تنصح إميلي كلارك، وهي اختصاصية نفسية في اللجنة الأولمبية والبارالمبية الأميركية والتي تقدم المشورة للرياضيين بشكل متكرر بشأن النوم، الرياضيين بالسعي نحو الاتساق وليس الكمال. وقالت: «إنّ الحرص المفرط على النوم يُعيق جودته».

اللاعبة الأميركية تيس جونسون في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية (أ.ب)

إليكم كيف يُساعد خبراء النوم الذين يعملون مع الرياضيين الأولمبيين على تحسين نومهم. لا يشترط أن تكون رياضياً محترفاً للاستفادة من نصائحهم.

1. إذا كنت تنام في مكان جديد فاجعله مكانك الخاص

قد تكون القرية الأولمبية بيئة نوم صعبة؛ نظراً لضيق المساحات وعدم راحة الأسرّة. تتذكر جونسون، التي شاركت في دورة الألعاب الأولمبية عام 2018، الجدران «الرقيقة جداً» في بيونغ تشانغ بكوريا الجنوبية. وتتابع جونسون: «كنت أسمع بوضوح أصوات مَن فوقي، ومَن تحتي، ومَن بجانبي». وقد غلبها النعاس بالاستماع إلى الضوضاء البيضاء عبر سماعات عازلة للصوت. والآن، نادراً ما تسافر من دونها.

تسافر جوليا كيرن، المتزلجة في فريق الولايات المتحدة الأميركية، بانتظام ومعها وسادتها الخاصة وجهاز ترطيب صغير لتوفير قدر من الثبات خلال موسم سباقات الشتاء، حيث تقيم عادةً في فندق مختلف كل أسبوع.

في هذا السياق، تقول الدكتورة كلارك إن تهيئة بيئة النوم، وخاصةً جعل الغرفة مظلمة وهادئة وباردة، عنصر أساسي في اتباع نظام نوم صحي. والهدف هو التحكم فيما تستطيع التحكم فيه، وتقبّل حقيقة أن بعض اضطرابات النوم أمر لا مفر منه.

2. طوّر روتيناً مسائياً هادئاً لتفادي التفكير المفرط

وتابعت كيرن أنها كانت عرضة للتفكير المُفرط في وقت متأخر من الليل، ولا تُساعدها ضغوط المنافسة الأولمبية. تقول: «أحياناً، بعد السباق، أُعيدُ تمثيل السباق في ذهني وأدخل في هذه الدوامة». ولإعادة تركيز ذهنها، تتخيل أنها في سريرها في المنزل، أو تتخيل مساحة فارغة، أو تُمارس تمارين التنفس المربع.

ويقول الخبراء إن تمارين التنفس الإيقاعي هي إحدى الطرق التي تُساعدك على الاسترخاء وإرسال إشارة إلى جهازك العصبي الودي بأن الوقت قد حان للراحة.

وتقول كلارك: «نريد تهيئة وقت مُناسب للجسم للاستعداد للنوم». وتضيف أنه يُمكنكِ أخذ حمام دافئ، أو الاستماع إلى موسيقى هادئة، أو كتابة مُذكراتكِ. تُوصي الدكتورة كلارك بتجنب الأنشطة التي قد تُثيركِ قبل النوم، مثل مُشاهدة المسلسلات الدرامية أو تصفح هاتفكِ.

3. استيقظ في وقت مُحدد

يرتبط انتظام النوم، أو الالتزام بمواعيد نوم واستيقاظ منتظمة نسبياً، بصحة أفضل. لكن الذهاب إلى الفراش في ساعة محددة قد يكون صعباً خلال الألعاب الأولمبية، خاصةً للرياضيين المشاركين في المنافسات المسائية.

وينصح جيم دورلي، وهو طبيب نفسي آخر في اللجنة الأولمبية والبارالمبية الأميركية، الرياضيين بالتركيز بدلاً من ذلك على الحفاظ على استقرار مواعيد استيقاظهم.

ويساعد الاستيقاظ في الوقت نفسه تقريباً كل صباح على ضبط إيقاعك البيولوجي، خاصةً إذا تعرضتَ لجرعة من الضوء الطبيعي. وإذا لم يكن الضوء الطبيعي متاحاً، تقول كلارك إن ممارسة الرياضة وتناول الطعام هما أفضل الطرق لإعادة ضبط ساعتك البيولوجية.

4. لا تُفرّط في الاهتمام بتقييم نومك

على الرغم من أن تتبع النوم قد يكون له بعض الفوائد، يقول الأطباء إنه قد يؤدي أيضاً إلى «الضغط النفسي والسعي للكمال». وهناك رياضيون يقارنون تقييمات نومهم من أجهزتهم (وهو تقييم يعتمد عادةً على جودة النوم ومدته)، بل ويتنافسون فيما بينهم.

وجرّبت جونسون أجهزة تتبع النوم لفترة، لكنها قالت إن تجربة «الاستيقاظ وسماع أنها لم تنم جيداً بينما كانت تشعر بأنها بخير» لم تكن تستحق كل هذا التوتر.

وتتتبع كيرن نومها بجهاز وتجده مفيداً بشكل عام، لكنها تحرص على عدم التحقق من تقييمات نومها في عطلات نهاية الأسبوع التي تسبق السباقات حتى لا تُركّز عليها.

5. تذكر أن جسمك يتمتع بقدرة كبيرة على التحمل

تشير إرشادات النوم الصادرة عن اللجنة الأولمبية والبارالمبية الأميركية إلى أنه على الرغم من أهمية حصول الرياضيين على قسط كافٍ من النوم المنتظم، فإن «ليلة واحدة من قلة النوم نادراً ما تؤثر سلباً على أدائك، خاصةً مع وجود الأدرينالين في جسمك ونوم جيد مخزّن من الليالي السابقة».

وينصح الدكتور دورلي الرياضيين بمحاولة تبني «علاقة طفولية مع النوم»، أي النوم عند الشعور بالتعب دون التفكير فيه كثيراً. ويقول: «الاسترخاء أمرٌ أساسي»، ووافقت جونسون على ذلك قائلةً: «هذا شيء تعلمته على مر السنين. لقد حققت بعضاً من أفضل نتائجي بأربع ساعات من النوم فقط، على الأرجح».


الذكاء السببي في الطب: رؤية جديدة لعلاقة السبب والنتيجة

حين تتعلم الخوارزمية فهم العلة قبل النتيجة
حين تتعلم الخوارزمية فهم العلة قبل النتيجة
TT

الذكاء السببي في الطب: رؤية جديدة لعلاقة السبب والنتيجة

حين تتعلم الخوارزمية فهم العلة قبل النتيجة
حين تتعلم الخوارزمية فهم العلة قبل النتيجة

اعتمد الذكاء الاصطناعي الطبي خلال السنوات الماضية، بصورة أساسية على تحليل الارتباطات الإحصائية بين المتغيرات. فإذا تكررت مجموعة من الأعراض أو المؤشرات الحيوية مع مرض معين في عدد كبير من الحالات، تعلّم النموذج أن يربط بينها ويقترح تشخيصاً أو توقعاً مبنياً على هذا التكرار. وقد حققت هذه المقاربة نجاحاً ملحوظاً في مجالات مثل قراءة الصور الشعاعية، وتحليل تخطيط القلب، والتنبؤ بالمضاعفات في وحدات العناية المركزة.

الإنسان في مركز المعادلة

رصد العامل المسبب... لا المصاحب

غير أن الطب، بوصفه علماً قائماً على فهم الآليات، لا يكتفي بإثبات أن أمرين يحدثان معاً، بل يسعى إلى تحديد ما إذا كان أحدهما يسبب الآخر. فالتمييز بين العامل المسبب والعامل المصاحب ليس مسألة نظرية، بل هو أساس القرار العلاجي الصحيح. من هنا برز في عام 2026 توجه بحثي متقدم يُعرف بالذكاء السببي، وهو إطار منهجي يهدف إلى تمكين الخوارزميات من تحليل العلاقات السببية بدلاً من الاكتفاء بالارتباطات الإحصائية.

«الذكاء السببي»

ما المقصود بالذكاء السببي؟ هو منهج في تصميم نماذج الذكاء الاصطناعي يركّز على بناء خرائط أو نماذج تمثل العلاقات بين الأسباب والنتائج داخل النظام المدروس، سواء كان ذلك جسم الإنسان أو مسار مرض معين. وبدلاً من أن يسأل النموذج: «ما المتغيرات التي تتكرر معاً؟»، فإنه يحاول الإجابة عن سؤال أعمق: «ما المتغير الذي يؤدي فعلياً إلى حدوث الآخر؟».

هذا التحول يسمح للنظام بالتمييز بين العوامل المربكة التي قد تعطي انطباعاً بوجود علاقة، وبين العوامل التي تلعب دوراً سببياً حقيقياً. كما يتيح إمكانية اختبار سيناريوهات افتراضية، أي تقدير ما الذي قد يحدث لو تم تطبيق تدخل علاجي معين أو تغييره.

دراسة 2026: نموذج سببي لدعم القرار السريري

في فبراير (شباط) 2026، نشرت مجلة «نتشر ميديسن» المرموقة (Nature Medicine) دراسة بعنوان «النماذج التأسيسية السببية لدعم القرار السريري»، قادها الباحث إلياس بارينبويم وفريقه في جامعة كولومبيا في نيويورك (*).

ركزت الدراسة على تطوير نموذج سببي قادر على دمج البيانات السريرية الزمنية، مثل العلامات الحيوية وتحاليل المختبر، مع بنية سببية محددة مسبقاً تُمكن النظام من تحليل المسارات المرضية بصورة أعمق. وتم تطبيق النموذج على بيانات مرضى في وحدات العناية المركزة، مع التركيز على التنبؤ بمضاعفات الإنتان (تسمم الدم).

وأظهرت النتائج أن النموذج السببي حقق أداءً أفضل من النماذج الإحصائية التقليدية في تقليل الإنذارات الكاذبة، كما أتاح تفسيراً أوضح لسبب إصدار التوصية؛ ما يعزز قابلية الاعتماد عليه في البيئات السريرية. وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لم ترفع مستوى الدقة فحسب، بل قدمت إطاراً يربط بين التحليل الرياضي والمنطق السريري القائم على فهم الآلية المرضية.

الطب الافتراضي: محاكاة القرار قبل تنفيذه

أثر الذكاء السببي في الممارسة الطبية

يسهم الذكاء السببي في تحسين جودة القرار الطبي على مستويات عدة.

- أولاً، يقلل من أخطار التحيز الناتج من بيانات غير متوازنة؛ لأن النموذج يسعى إلى فصل أثر المتغيرات الديموغرافية أو السياقية عن المسار المرضي الحقيقي.

- ثانياً، يتيح للطبيب الاطلاع على تفسير منطقي للتوصية الصادرة عن النظام، بدل الاكتفاء بنتيجة رقمية.

- ثالثاً، يفتح المجال لاستخدام التفكير الافتراضي، بحيث يمكن تقدير أثر قرار علاجي قبل تنفيذه فعلياً.

ومع ذلك، فإن بناء نموذج سببي يتطلب افتراضات واضحة حول طبيعة العلاقات بين المتغيرات. وإذا كانت هذه الافتراضات ناقصة أو غير دقيقة، فقد يؤدي ذلك إلى تحليل سببي مضلل. لذلك؛ يبقى إشراف الطبيب عنصراً أساسياً، سواء في تفسير النتائج أو في اتخاذ القرار النهائي.

بين التراث الطبي والمنهج الرقمي

فكرة البحث عن العِلّة ليست جديدة في تاريخ الطب. فقد أكد ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن التشخيص الدقيق يقوم على التمييز بين العرض والسبب، وأن العلاج لا يكون فعالاً إلا إذا استهدف أصل المرض لا مظاهره فقط. وما يقدمه الذكاء السببي اليوم هو إعادة صياغة هذا المبدأ بلغة رياضية رقمية، مع الاستفادة من كميات ضخمة من البيانات السريرية.

وبهذا المعنى، فإن الذكاء السببي لا يمثل قطيعة مع التراث الطبي، بل امتداداً له في سياق علمي وتقني مختلف.

مرحلة متقدمة في تطور الذكاء الاصطناعي الطبي

يمثل الذكاء السببي في عام 2026 مرحلة متقدمة في تطور الذكاء الاصطناعي الطبي؛ لأنه ينقل الخوارزميات من مستوى التعرف على الأنماط إلى مستوى تحليل العلاقات بين الأسباب والنتائج. ومع أن هذه المقاربة لا تلغي الحاجة إلى الحكم السريري البشري، فإنها توفر أداة أكثر عمقاً وشفافية لدعم القرار.

ويبقى جوهر الطب ثابتاً: فهم السبب قبل معالجة النتيجة، وتوظيف التقنية في خدمة الإنسان، لا في استبدال مسؤوليته.

(*)Bareinboim, E., et al. (2026). Causal Foundation Models for Clinical Decision Support. Nature Medicine. Columbia University, New York, USA.