«أرامكو» تواجه تداعيات الحرب بمنظومة طوارئ... والأسواق تترقب نتائجها

خط أنابيب شرق-غرب والمخزونات الدولية وفرق الإصلاح السريع عززت مرونة الإمدادات

أنابيب تمتد في صحراء السعودية (أرامكو)
أنابيب تمتد في صحراء السعودية (أرامكو)
TT

«أرامكو» تواجه تداعيات الحرب بمنظومة طوارئ... والأسواق تترقب نتائجها

أنابيب تمتد في صحراء السعودية (أرامكو)
أنابيب تمتد في صحراء السعودية (أرامكو)

مع ترقب الأسواق إعلان «أرامكو السعودية» نتائجها المالية للربع الثالث من عام 2026، يوم الثلاثاء، تبرز تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران بوصفها أحد أبرز العوامل التي اختبرت قدرة الشركة على الحفاظ على عملياتها وتدفق إمداداتها إلى الأسواق العالمية. فعلى الرغم من الهجمات التي طالت منشآت نفطية والاضطرابات التي شهدتها حركة الشحن عبر مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، واصلت الشركة الاعتماد على منظومة من البنية التحتية والبدائل التشغيلية التي طورتها على مدى عقود، شملت خطوط الأنابيب ومنافذ التصدير البديلة والمخزونات الدولية، إلى جانب تسريع إصلاح المنشآت المتضررة وتأمين مستلزمات الصيانة محلياً.

وفي مقدمة هذه البدائل خط أنابيب «شرق-غرب»، الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزاً مضيق هرمز، ويوفر منفذاً لتصدير النفط عند تعطل الملاحة عبر المضيق. وتعود أهمية هذا المسار إلى التخطيط المسبق لتنويع منافذ التصدير، وهو ما شدد عليه وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، خلال «مؤتمر البترول الدولي» في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، حين أكد ضرورة توفير البدائل قبل وقوع الأزمات، مشيراً إلى دور البنية التحتية الاستراتيجية في تعزيز أمن إمدادات الطاقة.

وبالتوازي مع هذه البدائل، عززت «أرامكو» إجراءاتها للتعامل مع الهجمات والاضطرابات، من خلال تسريع إصلاح المنشآت المتضررة، وتأمين مواد الصيانة وقطع الغيار محلياً، والاستفادة من مخزونات الخام داخل المملكة وخارجها. كما تدرس الشركة خيارات إضافية لنقل النفط بعيداً عن الممرات البحرية المعرّضة للتعطل، بما يوسع نطاق البدائل المتاحة أمامها.

وزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال «مؤتمر البترول الدولي» في أكتوبر 2026 (واس)

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في ضوء تداعيات الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) 2026، وامتدت إلى منشآت نفطية في الخليج، بالتزامن مع اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وتصاعد المخاوف بشأن استمرارية الإمدادات إلى الأسواق العالمية.

كانت منشآت «أرامكو» من بين المنشآت التي طالتها الهجمات؛ فبعد يومين من اندلاع الحرب، تعرضت مصفاة رأس تنورة لهجوم بطائرتين مسيّرتين جرى اعتراضهما، وأدى حطامهما إلى حريق وأضرار محدودين، من دون تأثير في إمدادات المنتجات النفطية إلى السوق المحلية.

وفي مواجهة هذه المخاطر، ركزت الشركة على تسريع إصلاح الأضرار واستعادة التشغيل، بالتوازي مع ضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق. وكشف رئيس «أرامكو» وكبير إدارييها التنفيذيين، المهندس أمين الناصر، في مقابلة مع «رويترز» نُشرت في 15 أكتوبر، عن جانب من هذه الاستعدادات، التي شملت استخدام الطائرات المسيّرة لتقييم الأضرار، وتأمين مواد الإصلاح، وتهيئة فرق متخصصة للتعامل مع حوادث متعددة في وقت واحد.

خزانات وأنابيب تابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

فرق استجابة ومخزونات للإصلاح

عززت «أرامكو» قدراتها على الاستجابة للحوادث وتسريع إصلاح المنشآت المتضررة، من خلال منظومة طوارئ تشمل فرقاً متخصصة، ومخزونات من مواد الإصلاح وقطع الغيار، وأدوات لتقييم الأضرار وتحديد الاحتياجات الفنية.

وأوضح الناصر أن «أرامكو» طوّرت فرقاً متخصصة للاستجابة السريعة عقب الهجمات التي استهدفت منشأة بقيق لمعالجة النفط في عام 2019، وعملت منذ ذلك الحين على تعزيز جاهزيتها للتعامل مع الحوادث، بما فيها المتزامنة.

وتنتج الشركة محلياً أو تحتفظ في مستودعاتها بنحو 90 في المائة من المواد اللازمة للإصلاح، مما يقلص الاعتماد على الواردات ويسرّع استعادة التشغيل، وفقاً للناصر.

وحسب الناصر، تزيد سرعة استجابة «أرامكو» على ستة أضعاف متوسط السرعة المسجلة في القطاع، وهو ما يتيح استئناف تشغيل المنشآت المتضررة خلال أيام في كثير من الحالات.

ولا تقتصر منظومة الطوارئ على إصلاح المنشآت، بل تشمل أيضاً خطط استمرارية الأعمال والاستفادة من المخزونات المحلية والدولية، إلى جانب تعدد مسارات نقل الخام وتصديره، بما يساعد الشركة على مواصلة الإمدادات رغم اضطرابات الإنتاج والشحن.

رئيس «أرامكو» وكبير إدارييها التنفيذيين المهندس أمين الناصر في مؤتمر البترول بالرياض (الشرق الأوسط)

استعادة طاقة خط شرق-غرب

مع تصاعد الاعتماد على خط أنابيب «شرق-غرب» لتجاوز تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، برز دوره بوصفه ممراً رئيسياً لنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ومنه إلى الأسواق العالمية.

لكن هذا المسار لم يكن بمنأى عن تداعيات الحرب؛ إذ تعرضت إحدى محطات الضخ التابعة له لهجوم في أبريل (نيسان)، مما أدى إلى خفض التدفقات بنحو 700 ألف برميل يومياً. وأعلنت وزارة الطاقة في 12 أبريل، استعادة الخط طاقته التشغيلية الكاملة، البالغة نحو سبعة ملايين برميل يومياً.

وتعود فكرة إنشاء الخط إلى مطلع ثمانينات القرن الماضي، خلال الحرب العراقية - الإيرانية، حين قررت السعودية، بتوجيه من الملك فهد بن عبد العزيز، تنويع منافذ تصدير النفط تحسباً لتعطل الملاحة في الخليج. وفي عام 1995، رُفعت طاقته الاستيعابية إلى نحو خمسة ملايين برميل يومياً، وفق ما استعرضه وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان، خلال «مؤتمر البترول الدولي» في أكتوبر 2026.

أنابيب تمتد في صحراء السعودية (أرامكو)

اختبار متجدد لجهوزية البنية التحتية

في التاسع من أبريل، أعلنت وزارة الطاقة أن استهداف محطة الضخ أدى إلى انخفاض التدفقات عبر الخط بنحو 700 ألف برميل يومياً، كما تسببت الهجمات في تراجع إنتاج حقل منيفة بنحو 300 ألف برميل يومياً، إلى جانب تأثيرات مماثلة في حقل خريص. لكن بعد ثلاثة أيام فقط، أعلنت الوزارة استعادة طاقة الضخ الكاملة لخط «شرق-غرب»، إلى جانب استعادة الكميات المتأثرة من إنتاج حقل منيفة، موضحةً أن العمل لا يزال جارياً لاستعادة الطاقة الإنتاجية المتأثرة في حقل خريص.

وتجدد الاختبار في سبتمبر (أيلول)، عندما أُوقف الخط احترازياً للتحقق من سلامته عقب هجوم جديد. وقال وزير الطاقة في 6 أكتوبر، إن استخدامه استؤنف خلال خمسة إلى ستة أيام، مع بلوغ التدفقات نحو 5.8 مليون برميل يومياً، مقارنةً بطاقته القصوى البالغة سبعة ملايين برميل يومياً.

وتعكس هذه التطورات أهمية سرعة إصلاح محطات الضخ واستعادة التشغيل، في وقت ازداد فيه الاعتماد على مسارات التصدير عبر البحر الأحمر لتعويض اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز.

صُمِّمَّ حقل منيفة لإنتاج النفط العربي الثقيل والغاز المر والمكثفات الهيدروكربونية (أرامكو)

منظومة متكاملة لاستمرارية الأعمال

وقالت «أرامكو» في إعلان نتائج الربع الأول من عام 2026 إنها فعّلت خطط استمرارية الأعمال للتعامل مع تداعيات الحرب، مستفيدة من خط أنابيب «شرق-غرب» وسعات التخزين المحلية والدولية، إلى جانب تنوع أصولها وبنيتها التحتية.

وفي خطاب ألقاه في لندن في 5 أكتوبر، قال الناصر إن مرونة الشركة تستند أيضاً إلى المخزونات الاستراتيجية العالمية، والطاقة الإنتاجية الفائضة، وتعدد درجات الخام، ومخزونات الغاز المحلية، وأسطول ناقلات «البحري». كما تشمل تجهيزات المنشآت معدات احتياطية وفصلاً للمرافق الحيوية للحد من أثر الأعطال.

خزانات في ميناء رأس تنورة (أرامكو)

خيارات إضافية لمسارات التصدير

وإلى جانب تعزيز كفاءة البنية التحتية القائمة، تدرس «أرامكو» خيارات إضافية لنقل النفط إلى الأسواق العالمية، بهدف تقليل الاعتماد على الممرات البحرية المعرَّضة للاضطراب، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس.

وقال الناصر إن الشركة تبحث مسارات بديلة، من دون الكشف عن تفاصيلها، موضحاً أنها ستعلنها إذا اتُّخذ قرار نهائي بشأنها.

ويتزامن ذلك مع توجه سعودي لتوسيع قدرة نقل النفط عبر خطوط الأنابيب. ففي تصريحات خلال أكتوبر، تحدث وزير الطاقة عن استهداف رفع الطاقة الاستيعابية لمسارات تصدير النفط عبر الأنابيب إلى عشرة ملايين برميل يومياً، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز أمن الإمدادات.

ويتيح تنويع خيارات نقل الخام إعادة توجيه الصادرات عند تعطل بعض المسارات، ويخفف الاعتماد على الممرات البحرية الحيوية، فيما يضيف توسيع شبكة الأنابيب مستوى آخر من الاستعداد لمواجهة اضطرابات الإمدادات.

يقع الساحل الشرقي للمملكة العربية السعودية على مياه الخليج العربي (غرب مضيق هرمز) في المنطقة الشرقية (أرامكو)

مخزونات خارجية لتعزيز مرونة صادرات النفط

كذلك، لا تقتصر خيارات إدارة الإمدادات خلال الأزمات على تغيير مسارات النقل؛ إذ يتيح التخزين خارج المملكة الاحتفاظ بكميات من الخام بالقرب من الأسواق المستهلكة، بما يوفر مرونة أكبر في تلبية احتياجات العملاء عند تعطل طرق الشحن أو تأخر وصول الناقلات. وتسعى «أرامكو السعودية» إلى توسيع هذه الخيارات، في أحدث خطواتها عبر تفاهم مبدئي مع سنغافورة.

وفي 26 أكتوبر، أعلنت السعودية وسنغافورة التوصل إلى تفاهم مبدئي لتخزين النفط الخام السعودي في كهوف جورونغ الصخرية بجزيرة جورونغ في سنغافورة.

وتقع المنشأة تحت الأرض على عمق نحو 150 متراً، وتبلغ طاقتها الإجمالية قرابة تسعة ملايين برميل من السوائل الهيدروكربونية. ومن المتوقع أن يبدأ تخزين الخام السعودي فيها خلال النصف الثاني من عام 2027.

كهوف جورونغ الصخرية في سنغافورة التي تعتزم السعودية تخزين النفط الخام فيها اعتباراً من النصف الثاني من عام 2027 (هيئة «جي تي سي» السنغافورية)

ولا تمثل سنغافورة نقطة التخزين الدولية الوحيدة للشركة؛ إذ لدى «أرامكو» ترتيبات تخزين في أوكيناوا وكيري في اليابان، وأولسان في كوريا الجنوبية، وروتردام في هولندا، إضافةً إلى مرافق مرتبطة بنظام خط أنابيب «سوميد» في مصر.

وتتيح هذه المواقع الاحتفاظ بالخام بالقرب من مراكز الاستهلاك، وتوفر خيارات إضافية لتلبية طلب العملاء عند اضطراب حركة الشحن. كما تتضمن بعض ترتيبات التخزين منح الدول المضيفة أولوية شراء الخام في حالات الطوارئ، بما يضيف بُعداً آخر إلى دور هذه المنشآت في إدارة الإمدادات خلال الأزمات.

في الختام، تكشف هذه المنظومة عن أن استعداد «أرامكو» لمواجهة اضطرابات الإمدادات لا يعتمد على مسار تصدير واحد أو أداة تشغيلية منفردة، بل على تكامل خطوط الأنابيب والمخزونات وبدائل النقل وسرعة إصلاح المنشآت. ومع إعلان نتائج الربع الثالث، ستكون قدرة الشركة على الحفاظ على مستويات التشغيل وتدفق الصادرات في ظل الحرب من أبرز الجوانب التي ستتجه إليها أنظار المستثمرين، إلى جانب أثر تقلبات الأسعار وتكاليف التعامل مع الأزمة في أدائها المالي.


مقالات ذات صلة

«الجزيرة كابيتال» تتوقع ارتفاع إيرادات «أرامكو» 26.8 % في الربع الثالث

الاقتصاد شعار شركة «أرامكو» في أحد المؤتمرات بالسعودية (أ.ف.ب)

«الجزيرة كابيتال» تتوقع ارتفاع إيرادات «أرامكو» 26.8 % في الربع الثالث

توقعت «الجزيرة كابيتال» ارتفاع إيرادات شركة «أرامكو السعودية» بنسبة 26.8 في المائة على أساس سنوي، لتبلغ 530 مليار ريال (141.3 مليار دولار) خلال الربع الثالث.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد خلال التوقيع على مذكرة أحكام غير ملزمة بين صندوق الاستثمارات العامة و«أرامكو» و«هيوماين» في أكتوبر من العام 2025 (الصندوق)

«أرامكو» تستحوذ على 49 % من «هيوماين» باستثمار نقدي وأصول تقنية

أكمل صندوق الاستثمارات العامة و«أرامكو السعودية» صفقة دخول الأخيرة شريكاً في شركة «هيوماين» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (الظهران)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال إلقائه كلمة رئيسية في أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة (إكس) p-circle 02:07

السعودية توسّع شبكة تخزين نفطها خارجياً عبر سنغافورة

تعتزم السعودية تخزين النفط الخام في سنغافورة اعتباراً من النصف الثاني من عام 2027، في خطوة تعزز حضورها التخزيني في آسيا وتوفر مرونة إضافية لإدارة إمداداتها.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال مشاركته في أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة (إكس)

السعودية وسنغافورة ترتبان لتخزين النفط الخام بدءاً من 2027

أعلنت السعودية وسنغافورة عزمهما اتخاذ ترتيبات لتخزين النفط الخام السعودي في سنغافورة، اعتباراً من النصف الثاني من عام 2027.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الخليج «مطار الملك فهد الدولي» في الدمام (واس)

​ التحالف يدمّر صاروخاً باليستياً و9 طائرات مسيّرة

دمّر «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، الخميس، 9 طائرات مسيّرة استهدفت المنطقة الشرقية والرياض والمدينة المنورة، وأحبط استهداف أحد المعامل في حقل «شيبة» التابع لـ«أرامكو السعودية».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مسؤول في «المركزي» الأوروبي: رفع أسعار الفائدة مجدداً بات ضرورياً لاحتواء التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

مسؤول في «المركزي» الأوروبي: رفع أسعار الفائدة مجدداً بات ضرورياً لاحتواء التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

قال بيتر كازيمير، محافظ البنك المركزي السلوفاكي، إن البنك المركزي الأوروبي سيضطر إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً، لمنع ترسُّخ التضخم المرتفع، محذراً من أن الأسواق قد تقلِّل من حجم التشديد النقدي اللازم لاحتواء الضغوط السعرية.

وأبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، إلا أن عدداً من صانعي السياسة النقدية دعوا منذ ذلك الحين إلى استئناف رفعها في وقت أقرب، في ظل الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، التي يرون أنها قد تؤدي في نهاية المطاف إلى ظهور آثار تضخمية من الجولة الثانية، وفق «رويترز».

وقال كازيمير، أحد الأصوات الأكثر تشدداً في مجلس محافظي البنك المؤلف من 27 عضواً، الاثنين: «بالنسبة إليَّ، لم يعد السؤال يتمحور بشكل متزايد حول ما إذا كانت هناك حاجة إلى مزيد من الإجراءات؛ بل حول حجم الزيادة المطلوبة».

وأضاف: «قد تكون الأسواق لا تزال تقلِّل من حجم الإجراءات اللازمة. فالمسألة لا تتعلق باجتماع واحد ولا خطوة واحدة؛ بل بالمسار المطلوب لإعادة التضخم إلى المستوى المستهدف والحفاظ عليه عند ذلك المستوى».

وتتوقع الأسواق المالية حالياً أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين إلى 3 مرات خلال العام المقبل، قبل أن يبدأ خفضها تدريجياً، في ظل مؤشرات التضخم المستمدة من الأسواق التي تشير إلى احتمال بقاء نمو الأسعار أعلى بكثير من مستهدف البنك البالغ 2 في المائة لسنوات مقبلة.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير الخميس الماضي، مستنداً إلى أن الآثار التضخمية من الجولة الثانية لم تظهر بعد، وأن نمو الأجور لا يزال محدوداً، فضلاً عن احتمال تأثر النمو الاقتصادي سلباً بالارتفاع الحاد في تكاليف الاقتراض على المدى الطويل.

لكن كازيمير رأى أن هذه العوامل لا توفر بالضرورة القدر نفسه من الطمأنينة الذي يعتقده البعض.

وأوضح أن ضغوط التكاليف قد تتراكم قبل أن تنقل الشركات الزيادات إلى المستهلكين، كما قد تتغير توقعات التضخم قبل أن تظهر الضغوط السعرية الأوسع في البيانات الاقتصادية.

وقال: «إن انتظار اليقين لا يشكل بالضرورة نهجاً سليماً في رسم السياسات».

وأضاف أن تباطؤ النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة تراجع التضخم، نظراً إلى أن ضغوط التكاليف تتراكم منذ أشهر. كما أشار إلى أن النمو لا يزال متماسكاً نسبياً، بفضل الدور الذي تؤديه الموازنات الحكومية في دعم الاقتصاد، محذراً من أن غياب الانضباط المالي قد يسهم بدوره في استمرار الضغوط السعرية.

وختم كازيمير بالقول: «إن التوقف الذي شهده الأسبوع الماضي لم يكن خط النهاية. وينبغي أن نتحرك قبل أن يصبح التضخم المرتفع أمراً طبيعياً في نظر الجميع».


واشنطن تسعى لإعادة الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا رغم العقوبات

الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)
الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تسعى لإعادة الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا رغم العقوبات

الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)
الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)

تتحرك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتجاه إعادة صادرات الغاز الطبيعي الروسي إلى الأسواق الأوروبية عبر خطوط الأنابيب العابرة للأراضي الأوكرانية، في مقترح يهدف إلى التوصل إلى تهدئة على جبهة الطاقة بين موسكو وكييف، وتهيئة الأجواء لاتفاق أوسع ينهي الحرب، لكنه يصطدم بموقف أوروبي يرفض العودة إلى الاعتماد على إمدادات الطاقة الروسية.

ووفقاً لما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر طرحا الفكرة خلال زيارتين إلى موسكو وكييف في سبتمبر (أيلول) الماضي. ويقوم التصور على استئناف بيع الغاز الروسي إلى أوروبا عبر وسيط أميركي، بما يتيح تجاوز العقوبات الأوروبية القائمة، ويخلق في الوقت نفسه فرصاً استثمارية أمام شركات ومستثمرين أميركيين.

وتتجاوز أهمية المقترح الجانب التجاري، إذ تراهن واشنطن على أن عودة روسيا إلى سوق الغاز الأوروبية ستشكل حافزاً اقتصادياً للرئيس فلاديمير بوتين للموافقة على اتفاق لوقف التصعيد في قطاع الطاقة، في حين يمكن أن تستفيد أوكرانيا من رسوم عبور الغاز عبر أراضيها، بما يوفر لها مورداً مالياً تحتاج إليه في ظل الحرب.

وبحسب مسؤول أميركي رفيع نقلت عنه الصحيفة، اقترح مسؤولون في البيت الأبيض إيداع عائدات مبيعات الغاز الروسي في حساب ضمان لدى جهة قضائية في دولة ثالثة، للحيلولة دون استخدام الكرملين هذه الأموال في تمويل الحرب. كما حاولت الإدارة الأميركية تسويق الفكرة أمام القادة الأوروبيين باعتبارها وسيلة لخفض أسعار الطاقة قبل الشتاء، في وقت تراجعت فيه مخزونات الغاز الأوروبية إلى مستويات موسمية متدنية مقارنة بالسنوات الماضية.

نموذج توضيحي لأنبوب الغاز نورد ستريم تحت سطح البحر يظهر عليه عَلَمَا الاتحاد الأوروبي وروسيا (إكس)

موقف أوروبي يصعب تغييره

لكن المقترح يواجه عقبة رئيسية تتمثل في الموقف الأوروبي، إذ أقر الاتحاد الأوروبي تشريعات تقضي بالتخلص التدريجي من واردات الغاز الطبيعي الروسي بحلول نهاية عام 2027. كما أكد قادة أكبر الدول الأوروبية عدم رغبتهم في العودة إلى الاعتماد على إمدادات الطاقة من روسيا، التي باتت تُعدّ تهديداً استراتيجياً لأمن القارة.

ونقلت «وول ستريت جورنال» عن مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن قوله، في مقابلة مع صحيفة مجرية خلال أكتوبر (تشرين الأول)، إن الحظر المفروض على واردات الغاز الروسي ينبغي أن يكون دائماً، مضيفاً أنه لا يثق بروسيا حتى في حال التوصل إلى اتفاق سلام.

وفي حين تراهن إدارة ترمب على أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الطاقة قد يدفعان العواصم الأوروبية إلى إعادة النظر في موقفها، نقلت الصحيفة عن مسؤولين أوروبيين تحفظات شديدة على الفكرة. واعتبر مسؤول من إحدى دول الشمال الأوروبي أن استئناف شراء الغاز الروسي يتعارض مع المبادئ التي تتبناها أوروبا، بينما شبّه مسؤول رفيع من دولة أوروبية كبرى المقترح بتنازلات رئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشامبرلين أمام ألمانيا النازية مقابل الحفاظ على المصالح التجارية.

ويمثل هذا التوجه تحولاً لافتاً في موقف ترمب مقارنة بولايته الرئاسية الأولى، حين انتقد المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل بسبب مشروع خط أنابيب «نورد ستريم 2»، محذراً من أن اعتماد ألمانيا عليه سيجعلها رهينة للإمدادات الروسية. وفرضت واشنطن آنذاك عقوبات على المشروع في أواخر عام 2019.

وترى الإدارة الأميركية الحالية أن إعادة فتح خطوط «نورد ستريم» مستقبلاً قد تكون جزءاً مهماً من تسوية أوسع، لا تقتصر على إنهاء الحرب في أوكرانيا، بل تشمل أيضاً معالجة الخلافات القائمة بين روسيا وحلفاء واشنطن الأوروبيين. ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله إن خطأ ميركل تمثل في السعي إلى تنفيذ المشروع من دون العمل أولاً على ترتيب أمني أوسع مع موسكو.

لافتة تُظهر مشروع «نورد ستريم» في ولاية غرب ماكلينبورغ بومرانيا شرق ألمانيا حيث تصل أنابيب «نورد ستريم» (د.ب.أ)

خطوط أوكرانيا أسرع في استئناف الضخ

وعلى المستوى العملي، تبدو خطوط الأنابيب العابرة لأوكرانيا أكثر قابلية لإعادة التشغيل السريع مقارنة بخطوط «نورد ستريم»، التي تعرضت لانفجارات تحت مياه بحر البلطيق في سبتمبر 2022، وألحقت أضراراً جسيمة بِخطَّي «نورد ستريم 1» و«نورد ستريم 2». وكان الأول قد توقف عن نقل الغاز في أغسطس (آب) 2022، بينما لم يدخل الثاني الخدمة أصلاً.

في المقابل، استمرت تدفقات محدودة من الغاز الروسي عبر شبكة الأنابيب الأوكرانية حتى يناير (كانون الثاني) 2025، عندما توقفت عمليات العبور. وتمتد هذه الشبكة من حقول الغاز في سيبيريا إلى أوروبا عبر أوكرانيا، مع ارتباطات بسلوفاكيا ومنها إلى النمسا وألمانيا.

وكانت روسيا وألمانيا قد أنشأتا خط «نورد ستريم 1» لتجاوز شبكات نقل الغاز عبر أوكرانيا، وبدأ تشغيله في عام 2011، قبل أن يتوقف لاحقاً مع تصاعد الحرب وتدهور العلاقات بين موسكو والعواصم الأوروبية.

أنابيب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» في بحر البلطيق (رويترز)

وتشير بيانات أوردتها الصحيفة إلى أن الغاز الروسي يمثل حالياً نحو 11 في المائة من إجمالي استهلاك أوروبا من الغاز الطبيعي، مقارنة بنحو 45 في المائة قبل اندلاع الحرب. وفي المقابل، تشكل إمدادات الغاز الطبيعي المسال الأميركي نحو 30 في المائة من الاستهلاك الأوروبي، بينما تصل كميات من الغاز الروسي إلى بعض الأسواق الأوروبية عبر ناقلات الغاز المسال أو من خلال خطوط «ترك ستريم» التي تغذي المجر وسلوفاكيا.

حارس أمن يقف أمام منشأة وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» في لوبمين بألمانيا (رويترز)

حرب إيران تضغط على حسابات أوروبا

وتأتي التحركات الأميركية في وقت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً إضافية على أمن الطاقة نتيجة الحرب على إيران، التي أدت إلى تعطل شحنات الغاز الطبيعي المسال القطري داخل الخليج، وأسهمت في موجة ارتفاع عالمية لأسعار الطاقة.

ووفقاً للاتحاد الأوروبي، تكبدت دوله إنفاقاً إضافياً على الطاقة بقيمة 100 مليار يورو (نحو 112 مليار دولار) نتيجة الحرب. كما بلغت نسبة امتلاء مخزونات الغاز الأوروبية تحت الأرض نحو 75 في المائة، مع توقعات بدخول القارة فصل الشتاء بمستويات تقل عن متوسط السنوات التسع الماضية.

وتقر أوساط أوروبية بأن تداعيات الحرب على إيران قد تزيد صعوبة التمسك بالموقف الرافض لاستئناف واردات الغاز الروسي، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار وتراجع الإمدادات المتاحة من مصادر أخرى.

وفي ألمانيا، جعل حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف استئناف واردات الغاز الروسي منخفض التكلفة أحد المحاور الرئيسية في حملته استعداداً للانتخابات الوطنية المقررة عام 2028.

ومع ذلك، يرى دبلوماسيون أن تغيير الموقف الأوروبي قد يصبح أكثر قابلية للنقاش إذا أيَّدت كييف استئناف تدفقات الغاز في إطار اتفاق لوقف الهجمات على منشآت الطاقة، بما يحول دون انقطاع الكهرباء وحدوث أزمة إنسانية في المدن الأوكرانية قد تدفع موجة جديدة من اللاجئين إلى مغادرة البلاد.

ويكتسب هذا الاحتمال أهمية إضافية في ظل تراجع قدرات الدفاع الجوي الأوكرانية، والقيود الأميركية على إمدادات صواريخ الاعتراض «باتريوت»، وسط نقص عالمي في هذه الصواريخ نتيجة تداعيات الحرب على إيران.

وتتجه الأنظار إلى مفاوضات ثلاثية مرتقبة بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا في أبوظبي خلال منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، وسط استمرار رفض موسكو حتى الآن محاولات واشنطن التوصل إلى اتفاق شامل لوقف الهجمات على منشآت الطاقة.


وزارة المال والمصارف اللبنانية أمام نزاع ضريبي بـ600 مليون دولار

جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)
جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)
TT

وزارة المال والمصارف اللبنانية أمام نزاع ضريبي بـ600 مليون دولار

جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)
جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)

على أرباح لم تدخل خزائنها، تجد المصارف اللبنانية نفسها أمام مطالبة ضريبية قد تصل إلى 600 مليون دولار، على خلفية فروقات محاسبية في تقييم سندات الدين الدولية (اليوروبوندز). وبينما تتمسك وزارة المال بحقها في احتساب هذه الفروقات ضمن الأرباح الخاضعة للضريبة، تعد المصارف أن التكليف يستند إلى أرباح دفترية غير محققة، وأن تحميلها هذه المبالغ في ظل أزمة الودائع وتراجع ملاءتها سيعمّق الضغوط على سيولتها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

ومع انتقال الخلاف من تبادل المراسلات القانونية إلى اجتماعات تقنية مباشرة مرتقبة بين الطرفين، وتمديد مهلة تنفيذ المطالبات إلى منتصف الشهر المقبل بدلاً من نهاية الشهر الماضي، تتجه الأنظار إلى مدى إمكان التوصل إلى تسوية بشأن تكليفات ضريبية تتصل بمحافظ المصارف من سندات «اليوروبوندز»، وتشمل فروقات أسعار الصرف عن سنوات سابقة.

وتكتسب المطالبة أهمية إضافية بالنظر إلى أن هذه السندات لا تزال مجمّدة منذ قرار الحكومة اللبنانية في ربيع عام 2020 تعليق سداد أصولها وفوائدها، فيما يجري تداولها في الأسواق بنحو 25 في المائة من قيمتها الدفترية. وتقدّر المصارف المبالغ المتوجبة بموجب التكليفات الضريبية بما يتراوح بين 500 و600 مليون دولار، وهو ما تعده عبئاً كبيراً على قطاع تراجعت أمواله الخاصة من نحو 20.6 مليار دولار عشية الأزمة المالية والنقدية في خريف 2019 إلى نحو 5.4 مليار دولار حالياً، وسط تأخير متماد في إقرار التشريعات اللازمة لاستعادة الانتظام المالي، والشروع بإصلاحات هيكلية للقطاع العام، والتقدم في آليات عقد اتفاق تمويلي مع صندوق النقد الدولي.

مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)

مؤونات قانونية

ويتركز اعتراض المصارف على المعالجة الضريبية للمؤونات التي خصصتها لمواجهة خسائر سندات الدين الدولية، والتي تقول إنها أُنشئت بموافقة لجنة الرقابة على المصارف، ما يجعلها مؤونات قانونية يجوز تنزيلها من الأرباح، وفقاً للمادة السابعة من قانون ضريبة الدخل.

كما تعترض على احتساب الخسائر وفق سعر الصرف الرسمي السابق للأزمة، البالغ 1515 ليرة للدولار، في مقابل احتساب الأرباح الخاضعة للضريبة وفق السعر الحالي البالغ 89.5 ألف ليرة للدولار، عادّةً أن هذا التفاوت ينطوي على ازدواجية مجحفة ترفع معدل الضريبة الفعلي بصورة غير قانونية. وترى المصارف أن المطالبة تتعارض أيضاً مع إصلاحات تشريعية وقرار لمصرف لبنان يحظر توزيع أنصبة أرباح دفترية ناتجة عن هذه المعالجات.

ويفترض أن تبتّ الاجتماعات التقنية، التي تم الاتفاق على انطلاقها في «أقرب وقت ممكن» بعد لقاء جمع وزير المال ياسين جابر، ورئيس جمعية المصارف سليم صفير، بالصوابية القانونية للمطالبة الضريبية، والواردة أساساً بموجب كتاب رسمي تبلغته البنوك، قبل شهرين، من دائرة كبار المكلفين في وزارة المال، وتم تعزيزه بكتاب ثان أوائل الشهر الماضي، ردت عليهما جمعية المصارف بمطالعة قانونية مفصّلة، قبل 10 أيام من انتهاء المهلة الأولى، لتختم المراسلات بعد الاجتماع الثنائي، بكتاب من وزير المال يؤكد الجاهزية للتباحث المباشر في «النقاط المثارة».

وبموجب هذه المراسلات المتبادلة، التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، فإن طلب تعديل التصاريح الضريبية والتثبت من صحتها، يركز على بنود مؤونات «اليوروبوندز» واستردادها، وخسائر التقييم غير المحققة، ومخصصات هبوط القيمة الناتجة عن التفرغ عن سندات دين، إلى جانب أسعار الصرف المعتمدة في تسجيل بعض الإيرادات بالعملات الأجنبية، وفروقات الصرف والقطع، ووجوب مراجعة المعالجات الضريبية.

وفي سياق اعتراضها القانوني، تستند المصارف إلى المادتين 81 و82 من الدستور، اللتين تحصران فرض الضرائب وزيادتها بالقانون الصادر عن مجلس النواب، ولا تجيزان للإدارة استحداث ضرائب أو تعديلها بموجب قرارات تنظيمية. وتقول مطالعة المصارف إن ما تصفه الوزارة بأنه ربح محاسبي ناتج عن انهيار سعر صرف العملة الوطنية واحتساب الفارق بالليرة بين سعر التكلفة والسعر الفعلي، يمثل في الواقع خسارة فعلية، ولا يجوز بالتالي إدراجه ضمن الأرباح الخاضعة للتكليف الضريبي.

وفي المقابل، تحذّر المصارف من أن حصيلة الضريبة المطلوبة، التي تقدر بنحو 600 مليون دولار، ستؤدي إلى استنزاف سيولة القطاع بالمبلغ نفسه، بما يحدّ من قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه المودعين ورد حقوقهم. وتؤكد في مطالعتها أن القطاع المصرفي «لا قدرة له على تحمّل هذا المبلغ الضخم في ظل الظروف الحالية».

وزير المال ياسين جابر (رويترز)

في المقابل، يستند موقف وزارة المال إلى قرارات تنظيمية صادرة عن وزير المال، فضلاً عن رأي صادر عن هيئة التشريع والاستشارات مطلع عام 2025. وترى الوزارة، استناداً إلى هذه القرارات والرأي القانوني، أن من حقها تكليف المصارف ضريبياً عن الربح المحاسبي الناجم عن الفارق بين سعر التكلفة التاريخي وسعر صرف الدولار المعتمد بتاريخ التكليف.

أما فيما يتعلق بالأساس القانوني لموقفها، فتقول المصارف إن المؤونات المخصصة لمواجهة خسائر الديون المشكوك في تحصيلها لا تستلزم إعلان إفلاس المدين، بل يكفي أن تكون قد حظيت بموافقة لجنة الرقابة على المصارف.

وتعترض كذلك على إخضاعها لضريبة تُسدّد بالدولار النقدي (Fresh) على فوائد القروض التي قدمتها لمصرف لبنان، في حين أن المصرف المركزي لم يسدد هذه الفوائد بالدولار النقدي، بل بالدولار المصرفي، عادّةً أن ذلك يحمّلها عبئاً غير عادل ويفرض عليها، عملياً، ضرائب مقنّعة.

وفي خلفية هذا النزاع، تحمّل المطالعة المصرفية الدولة المسؤولية الأساسية عن الأزمة المالية، على خلفية استهلاكها الودائع الموظفة لدى مصرف لبنان، بما حال دون تمكّنه من إعادتها إلى المصارف لتتولى بدورها سداد حقوق المودعين. كما تشير إلى تخلّف الدولة عن سداد ديونها المباشرة للمصرف المركزي، والبالغة نحو 16.5 مليار دولار، واستمرارها في عدم الوفاء بالتزامها تغطية خسائره، وفقاً للمادة (113) من قانون النقد والتسليف.