أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

الفنان العراقي يتأمل علاقة الذاكرة والفقد في معرضه الجديد بالقاهرة

يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)
يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)
TT

أحمد البحراني يستعيد ذاكرة الطفولة بـ«ضفاف الفرات»

يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)
يهدي الفنان معرضه إلى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة (الشرق الأوسط)

كيف يمكن لقطعة خشب أنهت رحلتها في البحر أن تبدأ حياة جديدة؟ وأي ذاكرة تختبئ في طائر صغير، لا يحاكي الطبيعة بقدر ما يستعيد بيتاً بعيداً وطفولة لا تزال تسكن صاحبه؟

في معرضه «العصفور... ما تبقّى»، المقام في «غاليري ياسين» بالزمالك، يحوّل الفنان العراقي البحراني بقايا سفن أنهكها البحر إلى عصافير تحمل حكايات الذاكرة والاغتراب، مستلهماً تجربته مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وما تعلّمه منهم عن المحبة والسلام وحرية التعبير.

ومن خلال هذه الأعمال، يدعونا الفنان إلى تأمّل العلاقة بين الذاكرة والفقد، وبين ما ينكسر في الحياة وما يستطيع الفن إعادة بنائه.

فتبدو العصافير التي يقدمها البحراني كائنات تحمل آثار رحلات طويلة، بعضها حملتها سفن قديمة عبر البحار قبل أن تصل إلى نهايتها، وبعضها الآخر اختزنتها ذاكرة فنان ابتعد طويلاً عن وطنه، فظل يبحث عن طريق يعيده إليه.

تتَّخذ عصافير البحراني من البساطة لغة للتعبير عن الحنين والاغتراب (الشرق الأوسط)

وبين الخشب والطين ومكعبات البناء، تتشكل تجربة فنية تتجاوز حدود المادة لتطرح سؤالاً أكثر إنسانية: كيف نمنح ما تبقّى فرصة أخرى للحياة؟

يقول البحراني لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت الحكاية في الهند، حين قادتني المصادفة إلى مكان يُعرف باسم مقبرة السفن، حيث تنتهي رحلات السفن التي أمضت عقوداً في البحر، وتبدأ عملية تفكيكها».

هناك، لفتت انتباهه الأخشاب التي حملت آثار الزمن والملح والرحلات الطويلة، فاختار منها قطعاً بعناية، مستشعراً أن هذه المادة التي تبدو وكأنها بلغت نهايتها لا تزال تختزن حكايات تستحق أن تُروى.

ويستعيد الفنان تلك اللحظة، قائلاً: «استشعرت كم تحمل الأخشاب بين ثناياها من آثار البحر والغياب، ومن قصص البشر الذين عبروا على متن السفن، وما واجهوه خلال رحلاتهم».

من هنا، نشأت فكرة تحويل البقايا الثقيلة إلى عصافير خفيفة، تنتقل من ثقل البحر إلى خفة الهواء، ومن النهاية إلى بداية جديدة.

لم يكن البحراني معنياً، في هذه التجربة، بصنع طيور مكتملة وفق مقاييس تشريحية، بقدر ما كان يبحث عن شكل بسيط قادر على استثارة العاطفة وإيقاظ الذاكرة. فالعصفور، بالنسبة إليه، هو «استعارة للحرية، وللإنسان الذي يحاول أن يحتفظ بجزء من عالمه الأول، حتى عندما تتغير الأمكنة وتتباعد المسافات».

ومع تطور المشروع، انتقل الفنان من استخدام أخشاب السفن القديمة إلى الطين، المادة الأقرب إلى روحه، والأقدر على الاحتفاظ بأثر اليد.

وخلال هذا التحول، لم يتخلَّ البحراني عن فكرته الأولى، بل وسّع آفاقها لتصبح مساحة أرحب للتعبير عن الذاكرة والتجربة الإنسانية، بما تنطويان عليه من نقص ومحاولات متكررة للبدء من جديد.

وكان لتعاونه الفني مع أطفال التوحد والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة دور بارز في تشكيل رؤيته الإنسانية والفنية. ويقول عن هذه التجربة: «غيّرت سنوات عملي معهم فهمي للفن على نحو عميق».

ويتابع: «علّمتني هذه التجربة أن الإبداع لا يحتاج دائماً إلى البحث عن الكمال، بل إلى مساحة حرة يستطيع الإنسان فيها التعبير عن نفسه من دون خوف».

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

وحين عجزت الذاكرة عن استعادة صورة بيته الأول، صنع البحراني عصفوراً أعاد إليه الأطفال ذوو الهمم ملامحه المنسية، فأحياه بيديه، في حين أعاده هو إلى بيته البعيد على ضفاف نهر الفرات.

وهكذا، غدا العصفور وسيلة للعودة إلى مكان لا تستطيع المسافات وحدها محوه. وفي هذه العودة الرمزية، تتجاور ذاكرة الطفولة مع تجربة الفنان، وتلتقي براءة البدايات بسنوات من العمل والبحث والتجريب.

كما منح هؤلاء الأطفال الفنان فهماً مختلفاً لفعل البناء؛ إذ استطاعوا، من خلال مكعبات اللعب البسيطة، ابتكار عوالمهم الخاصة، وترتيب القطع وفق رؤيتهم، وتحويلها إلى أشكال تنطوي على كثير من الخيال والصدق والجمال.

تتواصل رحلة العصفور في تجربة البحراني لتتحول النهايات إلى بدايات مشرقة (الشرق الأوسط)

لكن مكاسبه من العمل مع هؤلاء الأطفال لم تقتصر على ذلك؛ إذ كان أكثر ما بقي معه، على حد قوله، هو «المحبة والسلام والصدق في المشاعر».

ومن هنا جاء اختيار عنوان المعرض «العصفور... ما تبقَّى»، ثم إهداؤه إليهم، تقديراً لما أضافوه إلى تجربته، وما فتحوه أمامه من آفاق جديدة لفهم الفن والإنسان.

ولم تخلُ تجربة الفنان العراقي من لمسة عفوية طريفة؛ فداخل قاعة المعرض، لاحظ بعض الحضور أنه يرتدي جوربين بلونين مختلفين. وعن ذلك، يقول ضاحكاً: «نعم، وقد همس أحد الأصدقاء في أذني بخجل لينبِّهني إلى ذلك».

الفنان العراقي أحمد البحراني في معرضه بالقاهرة (الشرق الأوسط)

ويتابع: «كانت تلك فرصة لأوضح له، ولكل المحبين، أنني عاهدت نفسي على ارتداء جوربين بلونين مختلفين في كل مناسبة مهمة تشهد حضوراً كبيراً، لتكون رسالة واضحة إلى العالم تعبِّر عن حبي للأطفال ذوي متلازمة داون ودعمي لهم».

واللافت أن الأعمال الخمسين التي يضمها معرض البحراني، والمستمر حتى 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لا تسعى إلى محاكاة الطيور كما تبدو في الطبيعة. فعند تأمل منحوتاته ورسوماته على السواء، نكتشف أننا أمام أوعية تحتضن الذاكرة والتحوّل معاً، أو كائنات تتأرجح بين النهايات وإمكانات البدء من جديد.

ومن هذه الزاوية، تبدو مكعبات الليغو والطين والخشب أجزاءً من حكاية واحدة تتمحور حول إعادة التكوين. وهنا تتجاوز دلالة المعرض تجربة البحراني الشخصية، لتلامس واقعاً إنسانياً يختبر فيه كثيرون مشاعر الفقد والاغتراب، ويتأرجحون بين اليأس والأمل، محاولين التمسك بما تبقّى من ذاكرتهم وسط عالم هشّ ومضطرب.


مقالات ذات صلة

محمد عبلة يعيد اكتشاف «النهر» بالحركة الصاخبة والألوان

يوميات الشرق جانب من معرض «النزول إلى النهر» (الشرق الأوسط)

محمد عبلة يعيد اكتشاف «النهر» بالحركة الصاخبة والألوان

في معرضه «النزول إلى النهر» يعود الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة إلى نهر الطفولة الذي تشكلت على ضفافه ذاكرته البصرية.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق ستّ محاولات للاحتفاظ بأماكن لا يمكن اصطحابها (الشرق الأوسط)

جميل ملاعب: 50 عاماً بين السماء والأرض على جدران معرض

بيروت نقطة الانطلاق والعودة، لكنّ العودة في الرسم تختلف عن العودة الجغرافية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق معرض «ثرثرة» ينطلق من مساحات تجريبية حول الكلام (الشرق الأوسط)

42 فناناً مصرياً يرسمون «الثرثرة» في معرض «اللقطة الواحدة»

ينطلق معرض «ثرثرة» لمجموعة «اللقطة الواحدة» بمصر من فكرة «الرغي البصري» بوصفه مرتكزاً فنياً وجمالياً.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق التاج الماسي الذي صنعته دار «بريدج آند راندل» عام 1820 (رويال كوليكشن ترست)

500 عام من البريق والقصص... معرض غير مسبوق يوثق تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

تستعد مؤسسة «رويال كوليكشن» لإقامة معرض استثنائي في الغاليري الملحق بقصر باكنغهام العام المقبل، يروي تاريخ المجوهرات الملكية البريطانية

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق معرض «أصلي مصري» يرصد حياة القرية (الشرق الأوسط)

منحوتات عصام درويش تعيد تشكيل جماليات الريف المصري

يضم معرض «أصلي مصري» للفنان عصام درويش 55 عملاً تستعيد حياة الفلاحين والفلاحات في الريف المصري.

نادية عبد الحليم (القاهرة )

هل يحل الذكاء الاصطناعي أزمة إنتاج الأفلام الحربية في مصر؟

الفيلم الحربي نُفِّذ بواسطة الذكاء الاصطناعي (يوتيوب)
الفيلم الحربي نُفِّذ بواسطة الذكاء الاصطناعي (يوتيوب)
TT

هل يحل الذكاء الاصطناعي أزمة إنتاج الأفلام الحربية في مصر؟

الفيلم الحربي نُفِّذ بواسطة الذكاء الاصطناعي (يوتيوب)
الفيلم الحربي نُفِّذ بواسطة الذكاء الاصطناعي (يوتيوب)

أثار فيلم «آخر رقصة في كيبور»، المصنوع بالكامل باستخدام تقنيات «الذكاء الاصطناعي»، تفاعلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية. ويستعرض الفيلم مشاهد تحاكي «ملحمة العبور» خلال حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1973، مستعيداً بطولات الجيش المصري ومعاركه في معالجة سينمائية تسلط الضوء على التخطيط العسكري، وتستحضر كواليس اللحظات الأخيرة قبيل الحرب، في مكتب ومنزل الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات.

وحصد الفيلم، الذي حقق مشاهدات لافتة عبر موقع «يوتيوب»، إشادات من فنانين وكتاب وإعلاميين، لما قدمه من إبراز لدور شخصيات مهمة وتأثيرها في مجريات الحرب، من بينها أشرف مروان، والفريق سعد الدين الشاذلي، والفريق أول أحمد إسماعيل علي، وزير الحربية آنذاك.

وتناول العمل مشاهد عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، كما أظهر تراجع الروح المعنوية لجنود الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب. وركز على تفاصيل حركة المياه والمعدات وحبات الرمل وتساقط الدموع وتعبيرات الوجوه، مقدماً إياها بدرجة لافتة من الدقة. ورأت تعليقات أن الفيلم يعوّض، إلى حد ما، تراجع إنتاج الأفلام الحربية، التي تقلص حضورها كثيراً منذ تسعينات القرن الماضي.

وتوالت التعليقات الإيجابية والمشاركات عبر مواقع التواصل الاجتماعي منذ عرض الفيلم. واهتم مخرجه، كريم عبد الوهاب، بمتابعة ما يُنشر عنه عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، ومن أبرز تلك المشاركات تعليق السيناريست باهر دويدار، الذي أعرب عن سعادته بالعمل، مؤكداً أن «صناعته بالذكاء الاصطناعي خطوة تمهد لتغيير دراماتيكي في عالم صناعة الدراما».

وأضاف دويدار: «بعيداً عن طريقة صناعته، تميز الفيلم بذكاء شديد في اختيار التفاصيل والشخصيات وطريقة السرد، وشكل المعارك واستحضار تفاصيل العبور». وأبدى إعجابه بتفاصيل الشخصيات القيادية وعمليات التمويه والخط الدرامي الخاص بأشرف مروان، لكنه أوضح أن الذكاء الاصطناعي لا يزال أمامه مراحل من التطور ستجعل مثل هذه التجارب أكثر إتقاناً وإبهاراً، مؤكداً أن التجربة تدعو إلى الفخر، وتستحق التشجيع والدعم.

السادات والمشير أحمد إسماعيل في قلب المعركة (يوتيوب)

وفي السياق، كتب الملحن والشاعر محمد محمدي: «حبيبي المبدع العبقري كريم عبد الوهاب قدم شيئاً لا يُقدَّم كثيراً». وأشاد به الإعلامي أحمد سالم، قائلاً: «الفيلم من أجمل ما شاهدت مؤخراً». وعلّق الشاعر الغنائي خالد تاج الدين بقوله: «اعتقدت أنه لا جديد عن الحرب، لكنني فوجئت بانجذابي للفيلم من أول ثانية حتى النهاية». كما كتب السيناريست عمرو محمود ياسين: «الفيلم مبهر، وبه مجهود جبار»، فيما قال الفنان حمزة العيلي: «فيلم خطير وشغل عالمي معمول باحترافية شديدة».

وتعليقاً على قدرة فيلم «آخر رقصة في كيبور» على تعويض تراجع إنتاج الأفلام الحربية في السنوات الأخيرة، أكد المنتج والسيناريست الدكتور مدحت العدل، لـ«الشرق الأوسط»، أن «استخدام الذكاء الاصطناعي بحرفية سيساعد على إعادة إنتاج الأفلام ذات التكلفة الضخمة، وفي مقدمتها الأفلام الحربية التي تحتاج إلى تمويل كبير لصناعتها».

في المقابل، قال المنتج والمخرج مجدي الهواري، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «من الصعب استغلال التقنية في صناعة أفلام حربية كاملة».

من ناحيته، استبعد الناقد الفني طارق الشناوي أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الواقع، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذه التقنية موجودة بالفعل، بنسب معينة، منذ بدايات صناعة الفن، تحت مسمى «الخدع»، لكنها كانت بدائية إلى حد ما، قبل أن تشهد تطوراً ملحوظاً في الوقت الراهن.

وأضاف: «رغم الإشادة بالفيلم، فإنه لن يعوّض الأفلام الحربية، ويمكننا استخدام الذكاء الاصطناعي عاملاً مساعداً في التنفيذ، وليس بديلاً، لأن الفن عموماً يتطلب المصداقية، والذكاء الاصطناعي لا يزال أمامه وقت لتحقيقها».

ومن أبرز الأفلام التي تناولت حرب أكتوبر، وحققت جماهيرية واسعة ولا تزال راسخة في أذهان الجمهور، «الرصاصة لا تزال في جيبي»، و«أبناء الصمت»، و«العمر لحظة»، و«الوفاء العظيم»، و«أغنية على الممر»، التي عُرضت غالبيتها في سبعينات القرن الماضي. وفي السنوات اللاحقة، تناولت أعمال سينمائية أخرى الحرب وما ارتبط بها من أحداث، من بينها «حكايات الغريب» و«الطريق إلى إيلات»، وصولاً إلى فيلم «الممر» الذي عُرض عام 2019.

غولدا مائير في الفيلم (يوتيوب)

ويقول الناقد الفني سمير الجمل: «مهما بلغت دقة الذكاء الاصطناعي وجودته، فإنه يفتقد الإحساس الإنساني والتفاصيل الواقعية، وبالتأكيد سيصنع حاجزاً بين العمل الفني والجمهور». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ربما يصلح هذا الأمر في الرسوم المتحركة، لكنه لن يستمر إنسانياً؛ فأجمل ما في الفن هو التواصل الإنساني، والحرب هي بطولة الإنسان».

ويرى الجمل أن «صناعة مثل هذه الأفلام تُعد إهانة للحرب؛ فالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في مشاهد بعينها أمر وارد، لكن الاعتماد عليه في صناعة فيلم كامل بوصفه بديلاً سيؤدي إلى سينما بلاستيكية، وشكل بلا روح».

من جانبها، ترى الناقدة الفنية صفاء الليثي أن الفيلم يمثل «خطوة بسيطة للتوثيق، لكنه لا يمكن أن يحل محل الفيلم الحربي الحقيقي». وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أنا لا أتحدث عن أفلام الحرب المصرية، لأن الأفلام التي قُدّمت كان أغلبها دراما طويلة، ومساحة الحرب فيها ضعيفة جداً، ولم أرَ أي فيلم يوثّق الحرب بمستوى الأفلام الأميركية».

وتصف صفاء الليثي فيلم «آخر رقصة في كيبور» بأنه أشبه بوسائل الإيضاح، التي يمكن أن يستعين بها من يريد معرفة تفاصيل تاريخية وحربية، ولا يفضّل القراءة أو المتابعة الطويلة. وتختتم حديثها بالتأكيد أن «التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تحل محل الأداء الإنساني وتعبيرات وجه الممثل».


قبل 237 مليون عام... برمائي تحدّى ملوحة المحيطات

كائنٌ من زمن كانت فيه الطبيعة تجرّب احتمالاتها (جامعة غويتشو)
كائنٌ من زمن كانت فيه الطبيعة تجرّب احتمالاتها (جامعة غويتشو)
TT

قبل 237 مليون عام... برمائي تحدّى ملوحة المحيطات

كائنٌ من زمن كانت فيه الطبيعة تجرّب احتمالاتها (جامعة غويتشو)
كائنٌ من زمن كانت فيه الطبيعة تجرّب احتمالاتها (جامعة غويتشو)

أفاد علماء بالعثور على دليل أحفوري على أول برمائي بحري بالكامل، وذلك في دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا في ديفيس، وجامعة بكين، ومتحف الجيولوجيا في غويتشو. والبرمائي المكتشف كائن محيطي مغطّى بدروع عظمية ويعيش في القاع، ويماثل في حجمه السلمندر العملاق، وقد أطلق عليه الباحثون اسم «غيروثوراكس ماريتيموس».

وتستند الدراسة، المنشورة في دورية «نيتشر إيكولوجي آند إيفولوشن»، إلى تحليل هيكلين عظميين شبه كاملين يعودان إلى العصر الترياسي المتأخّر، قبل نحو 237 مليون عام. وقد عُثر على الأحفوريتين في منطقة من مقاطعة غويتشو الصينية كانت مغمورة بالمحيط في الماضي، وتقع على بُعد مئات الأميال من الكتل اليابسة الكبيرة.

وقال المؤلّف المراسل للدراسة، الأستاذ في قسم علوم الأرض والكواكب بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، رايوسوكي موتاني: «هذه المنطقة جزء من منظومة بيئية ظللنا ندرسها ونحاول إعادة بنائها. كنا ندرس في الغالب الزواحف البحريّة والأسماك التي عاشت في هذا المكان، لكن لدينا الآن هذا البرمائي أيضاً، وهو عضو غير مألوف إلى حدّ بعيد في سلالته».

ومن بين أكثر من 8 آلاف نوع من البرمائيات الحديثة، لم يُعرف أنّ أياً منها يعيش في بيئات بحرية بالكامل، ولا تتجاوز نسبة الأنواع التي تُظهر درجةً ما من تحمّل الملوحة 2 في المائة فقط. وهذا أمر غريب، إذ إنّ سائر الحيوانات ذات الأطراف الأربعة، ومنها الثدييات والزواحف والطيور، تضمّ أنواعاً قادرة على البقاء من دون الاعتماد على الغذاء أو الماء من اليابسة. كما لا يوجد في السجل الأحفوري أي دليل على كائن برمائي بحري بالكامل. حتى الآن.

كيف كان يبدو «غيروثوراكس ماريتيموس»؟

بفضل الحالة الممتازة التي حُفظت بها العينات الهيكلية، تمكّن الباحثون من إعادة بناء هيئة «غيروثوراكس ماريتيموس» وطريقة عيشه في بيئته البحرية.

ومن اللافت أنّ هذا الكائن البرمائي كان يتميّز بجسم مفلطح مغطّى بدروع عظمية، قد تكون بمثابة آلية دفاعية في مواجهة المفترسات مثل «الإكثيوصورات». وبلغ طول الحيوان نحو 3 أقدام، وكان جسمه يأخذ شكل القرص.

وقال موتاني: «إذا فكّرنا في البرمائيات الموجودة اليوم، فإن هذا الحيوان غير مألوف لأنه كبير الحجم. فهو على الأرجح يماثل السلمندر العملاق لجهة كتلة الجسم، لكن الفرق أنّ السلمندر العملاق ذو جسم مستطيل، أما هذا الحيوان فجسمه ممتلئ وضخم حقاً».

واستناداً إلى الدرع العظمي لدى «غيروثوراكس ماريتيموس» وشكل جمجمته، يفترض الباحثون أن هذا الكائن كان يعيش في القاع ويتغذّى بالامتصاص.

وقال موتاني: «على الأرجح كان ينتظر في القاع، وعندما تقترب فريسة، يُباشر بامتصاصها». ولفت موتاني إلى أن أسلوب التغذية هذا يشبه أسلوب سمك «الووبيغونغ»، وهو من أسماك القرش السجادية الحالية التي تعيش في القاع.

لماذا لا تستطيع البرمائيات الحالية العيش في المياه المالحة؟

ولا تستطيع البرمائيات الحالية العيش في البيئات البحرية بسبب جلدها الذي لا يتحمّل الملوحة. وقال موتاني: «جلد هذه الكائنات نفّاذ للماء، مما يتيح لها استخدامه لأغراض متعدّدة. فهي تستخدمه في التنفّس وامتصاص الماء، ولذلك لا تشرب البرمائيات ولا تتنفّس عبر الفم، لأنها تستطيع القيام بالأمرين عبر الجلد».

وتفرض هذه الوظائف البيولوجية على البرمائيات أن تعيش في بيئات المياه العذبة أو بالقرب منها. ومع أن بعض الأنواع الحديثة، مثل الضفدع آكل السرطانات، تُظهر درجات من تحمُّل الملوحة، فإنها تفقد وزنها في المياه قليلة الملوحة وتحتاج إلى التعافي في المياه العذبة.

ويقترح الباحثون أنّ «غيروثوراكس ماريتيموس» تغلّب على هذه العقبة بفضل درعه العظمي وخصائصه البيولوجية الأقرب إلى الأسماك. فقد كان الدرع سيمنع امتصاص الماء عبر الجلد، ما يستلزم أن يشرب البرمائي الماء المالح عن طريق الفم، على أن يمتصّه عبر جهازه الهضمي. أما الخياشيم التي يتميّز بها جنس «غيروثوراكس»، فكانت ستتيح له التخلّص من الأملاح.

كيف حدّد الباحثون أن «غيروثوراكس ماريتيموس» عاش في المحيط؟

إلى جانب العثور على الأحفوريات في رواسب أعماق البحار، قال موتاني إن كون العينات هياكل عظمية شبه كاملة قاد الباحثين إلى الاعتقاد بأن «غيروثوراكس ماريتيموس» كان يعيش في المحيط.

وتابع: «الجثث في البحر، ما لم تغرق إلى القاع فوراً، تميل إلى الجفاف وفقدان أطرافها قبل أن تستقرّ في القاع. لكن أصابع هذه الحيوانات كانت محفوظة، وهذا يعني أنها على الأرجح نفقت قرب المكان الذي عاشت فيه».

كما أجرى الباحثون تحاليل كيميائية جيولوجية للأحفوريات، كشفت عن أن نسبة نظائر السترونتيوم فيها تشبه إلى حدّ بعيد النسبة التي كانت موجودة في محيطات العصر الترياسي المتأخّر.


«وعد ووعد»... مواجهة افتراضية بين ربيع العمر وخريفه

المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)
المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)
TT

«وعد ووعد»... مواجهة افتراضية بين ربيع العمر وخريفه

المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)
المواجهة بين زمن الشباب وزمن الشيخوخة على مسرح «شغل بيت» (الشرق الأوسط)

هل سبق أن تخيّلت نفسك في عمر متقدّم، وكيف ستكون بعد 25 أو 50 سنة؟ فكرة قد لا تراود كثيرين، لكنها شكّلت مدخلاً لمواجهة بين زمنين مختلفين لشخص واحد، اسمه وعد. وقد وضعها الكاتب ديمتري ملكي، بالتعاون مع المخرج شادي الهبر، في إطار عمل مسرحي بعنوان «وعد ووعد»، عُرض مؤخراً بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس مسرح «شغل بيت». والعمل من بطولة إبراهيم الحسيني، وعلي بيضون.

سهّلت بعض التطبيقات الإلكترونية استيعاب فكرة مماثلة، من خلال تقنيات متطوّرة تُظهر الشخص في عمر متقدّم. ومن باب الفضول، استخدم كثيرون تطبيقات من هذا النوع، ورسموا صورة افتراضية لأنفسهم في زمن الشيخوخة. كذلك تطرّقت برامج تلفزيونية إلى الموضوع نفسه، أبرزها «حكايتي مع الزمان»، الذي قدّمته الإعلامية منى أبو حمزة عبر إحدى الشاشات العربية. وكانت فكرته ترتكز على استضافة ضيفين لخوض التجربة، بمساعدة فريق عالمي متخصّص في المكياج، يتولّى تحويل ملامحهما ليبدوا أكبر سنّاً بنحو 25 أو 50 عاماً. وتتمحور الأسئلة حول همومهما المستقبلية ومدى تقبّلهما فكرة التقدّم في العمر.

لكن المخرج شادي الهبر قرّر وضع زمن الشباب وزمن الشيخوخة تحت مجهر المسرح. ومن خلال حوار شيّق يتناول أحلام الشباب وخيبات الأمل والحبّ لدى شخص واحد في عمرين مختلفين، يولّد العمل حالة من العبثية، ويضع المشاهد أمام مواجهة بين الإنسان وصورته المستقبلية، حيث تتقاطع الأحلام مع الخيبات، وتُطرح أسئلة عن الذات وما يبدّله الزمن فيها.

تبدأ الحكاية على مقعد خشبي في حديقة عامة، حيث يجلس رجل في الثمانين من عمره غارقاً في قراءة كتاب. وفجأة، يظهر شاب في مقتبل العمر يجلس إلى جانبه، لتبدأ بينهما محادثة حول الكتاب، الذي يتبيّن أنه كتاب الحياة بما تحمله من دروس نتعلّمها مع مرور الزمن.

يلعب بطولة «وعد ووعد» إبراهيم الحسيني وعلي بيضون (الشرق الأوسط)

يحمل الرجلان الاسم نفسه: وعد. لكنّ أحدهما في العشرينات من عمره، والآخر في الثمانين. ومن خلال هذا اللقاء الافتراضي، يخوضان حواراً تتقاطع فيه تجارب الماضي وتطلّعات المستقبل، ويتوقّفان عند الأخطاء التي ارتكباها، والذكريات الحلوة والمرّة التي رافقتهما، والأحلام التي خنقتها التقاليد والقيود المفروضة عليهما. ورغم الفارق العمري بينهما، يعترف كلّ منهما بأنه لم يتمكّن يوماً من فهم كتاب الحياة واستيعاب دروسه. أما النصيحة الأبرز التي يوجّهها الرجل المسنّ إلى الشاب، فهي أن يستمتع بكلّ لحظة من هذه الرحلة. فعندما يتقاعد الإنسان ويبتعد عن العمل، يجد نفسه أمام فسحة يستعيد فيها شريط حياته، فيحاسب نفسه على بعض ما فعل، ويبتسم لأخطاء ارتكبها. فالماضي لا يمكن تغييره، وما مضى لا يعود، مهما تمنّينا استعادته.

ويؤدّي إبراهيم الحسيني وعلي بيضون دوري شخصيتَي وعد في مرحلتَي الشباب والشيخوخة، فينجحان بأسلوب يثير فضول المُشاهد ويضعه أمام تساؤلات عدّة. وبتوجيهات الهبر، يتنقّل الممثّلان بين مواقف العمل وحواراته بإيقاع يحافظ على حيويته، رغم اقتصار الخشبة عليهما. أما الفكرة الافتراضية التي انطلق منها الهبر والكاتب ديمتري ملكي، فتدفع الحضور إلى التفاعل مع العمل وإسقاط مواقفه على تجاربهم الشخصية. فملاحظات الشاب واندفاعه، في مقابل خبرة الرجل المسنّ ونظرته إلى الحياة، تفتحان الباب أمام مراجعة الذات وإعادة النظر في خيارات اتّخذناها أو أحلام تخلّينا عنها. فالعمر يمضي سريعاً، واللحظة التي نعيشها لا تتكرّر بالصورة نفسها. وإذا كان الشباب يرتبط بالفتوّة والحماسة والغضب والتمرّد على الواقع، فإن التقدّم في العمر يمنح الإنسان مساحة أوسع للتروّي والنضج واستخلاص العبر. وبين هاتين المرحلتين، يجد المشاهد نفسه معنيّاً بما يجري أمامه، كأنّه ينظر إلى صورتين مختلفتين منه في مرآة واحدة.

تتناول مسرحية «وعد ووعد» استعادة شريط الحياة بين عمرين مختلفين (الشرق الأوسط)

ويبرز التناقض بين أفكار الشخصيتين ومواقفهما، فالشباب حماسة واندفاع، فيما التقدّم في العمر يحضّ على التروّي والتأمّل. ولا يغفل ملكي والهبر عن استحضار أفكار مألوفة تراودنا في مراحل مختلفة من حياتنا؛ فنحن نصرّ أحياناً على أننا لن نكبر، فيما نتوق في سنّ المراهقة إلى بلوغ سنّ الرشد سريعاً، ونعدّ الأيام والساعات حتى نتحرّر من قيود أهلنا. لكنّ الإجابة التي يقدّمها العمل تختصرها عبارة «يا ريت»، بما تحمله من حنين. فيا ليتنا نعود إلى زمن أهلنا، عندما كانت فرص الإفلات من رقابتهم محدودة، ويا ليتنا نستعيد أيام اللعب والرسم على الجدران، عندما كانت متعتنا في تفاصيل بسيطة لا نعرف قيمتها إلا بعدما تصبح جزءاً من الماضي.

وتضفي الصور العبثية والمَشاهد المنبثقة من الخيال على العمل مزيجاً من الألم والأمل، وتُذكّرنا بأنّ أحلامنا وتطلّعاتنا وقصصنا العاطفية لا يمكن استعادتها كما كانت، مهما حاولنا العودة إليها. فالزمن يمضي ولا يعود، واللحظات التي نعيشها لا تتكرّر، وهو ما تختصره المقولة الشائعة «العمر غفلة».

ينجح الهبر في استدراج المشاهد إلى هذا العالم الافتراضي، من خلال إيقاع مسرحي يتجدّد بالأداء التمثيلي. ويمزج الواقع بالخيال في تنقّل يشبه تعاقب الليل والنهار، من دون الوقوع في فخّ الخطابة المباشرة. كما يمرّر العمل رسائل تدعو إلى التأمّل في علاقتنا بالزمن، وفي ما نريده من الحياة قبل أن يصبح الماضي مجرّد صفحات في كتاب الذكريات.

وتأتي ساعة الرحيل في ختام العمل لتؤكّد أننا لا نتحكّم بالوقت، بل هو الذي يتحكّم بنا. لذا، من الأجدى أن نسير مع الحياة ونتقبّل تقلّباتها، بدلاً من مصارعتها ومحاولة إخضاعها لإرادتنا.