جددت الاحتجاجات التي تشهدها العاصمة الفرنسية باريس ووصولها خلال الأيام الأخيرة إلى متحف اللوفر مطالبات مصرية بحماية واسترداد الآثار المصرية الموجودة في اللوفر. وكانت حملات مصرية انطلقت قبل سنوات تطالب باستعادة الآثار المصرية من متاحف أوروبية، أهمها اللوفر، والمتحف البريطاني، ومتحف برلين.
وأصدرت مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث بياناً أكدت فيه أنها تتابع بقلق بالغ التطورات والاحتجاجات الحالية التي تشهدها العاصمة الفرنسية باريس، التي أدت إلى إغلاق أبواب متحف اللوفر العالمي إثر المظاهرات التي تجري أمامه.
وأعربت المؤسسة عن بالغ قلقها إزاء سلامة القطع والمقتنيات الأثرية المصرية الفريدة والمميزة المعروضة داخل المتحف، التي تُعد جزءاً لا يتجزأ من تراث الإنسانية جمعاء ومرآة للحضارة المصرية العريقة.
وطالبت المؤسسة الجهات الفرنسية المعنية وإدارة متحف اللوفر «باتخاذ أقصى درجات التدابير الأمنية والاحترازية الفورية لتأمين وحماية الآثار والممتلكات الثقافية المصرية ضد أي أضرار محتملة قد تلحق بها جراء الاضطرابات والمظاهرات الجارية»، وفق البيان.
كما أعربت المؤسسة عن تمنياتها بسرعة عودة الاستقرار والهدوء التام للشارع الفرنسي، وانتظام الحياة العامة بما يضمن سلامة الجميع؛ مؤكدة أن الحفاظ على الأمن والاستقرار يمثل الضمانة الأساسية لحماية المقدرات الثقافية والحضارية.
وتؤكد المؤسسة على أن التراث الحضاري المصري هو خط أحمر وأمانة عالمية يجب الحفاظ عليها وصيانتها في وجه الظروف الاستثنائية كافة.

ويؤكد الدكتور زاهي حواس أن «المؤسسة أصدرت هذا البيان خوفاً على الآثار، لأنه كان من الممكن أن تدخل الجماهير الغاضبة للمتحف وتثير فوضى بداخله»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت اليوم - الثلاثاء - أن الجانب الفرنسي خصص إجراءات حماية قوية على المتحف وهذا أمر جيد، لكن أيضاً هذه المظاهرات وما يحدث في فرنسا يجدد مطالباتنا بعودة الزودياك لمصر (لوحة الأبراج السماوية المنتزعة من سقف معبد دندرة)».
ولفت حواس إلى أن «المتحف البريطاني سُرق منه ألفا قطعة، واللوفر دخلوه من قبل في الصباح وسرقوا منه آثاراً، والآن توجد أمامه احتجاجات، فكيف نأمن على قطعنا الأثرية في هذه المتاحف».
وسبق أن أطلق حواس حملة للمطالبة باستعادة الآثار المصرية من المتاحف الخارجية، من بينها رأس نفرتيتي، وحجر رشيد، ولوحة الزودياك. وفي هذا الصدد قال: «أنتظر أن تجمع الحملة مليون توقيع حتى نبدأ في المطالبة الفعلية».
من جانبها، تشير المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، إلى أن التطورات التي تشهدها باريس، وما صاحبها من اضطرابات وإغلاق متحف اللوفر مؤقتاً، تؤكد أن حماية التراث الأثري لا تنفصل عن الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بالمؤسسات الثقافية. فالآثار المصرية الموجودة في المتاحف الأجنبية ليست مجرد مقتنيات للعرض، بل شواهد مادية على واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية.
وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من هذا المنطلق، فإن تأمين الآثار المصرية في الخارج يمثل مسؤولية أساسية تقع على عاتق المؤسسات التي تحتفظ بها، فالمتاحف الكبرى مطالبة بأن تضمن سلامة مقتنياتها في الظروف العادية والاستثنائية على السواء».
وتابعت: «في الوقت نفسه، تعيد هذه الأحداث فتح ملف استرداد الآثار المصرية التي خرجت من البلاد في ظروف تاريخية مختلفة، وهو ملف لا ينبغي اختزاله في ردود الفعل الآنية، بل يتطلب تحركاً مؤسسياً مستمراً يستند إلى التوثيق الأثري، والبحث في ظروف خروج القطع، والأسانيد القانونية، والتفاوض الدبلوماسي».
وترى أن «المرحلة الراهنة تتيح فرصة لتجديد الحوار المصري الفرنسي بشأن حماية التراث المصري، واسترداد ما يثبت أحقية مصر في استعادته، في إطار من الجدية والاحترام المتبادل».

ويؤكد رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية الدكتور عبد الرحيم ريحان أن «الآثار المصرية بفرنسا في خطر، خصوصاً أن متحف اللوفر الآن تحت التهديد بأي عمل إرهابي»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كانت حجة الغرب دائماً لعدم إعادة آثارنا المصرية أن الآثار عندهم آمنة وأكثر حماية من مصر، وفي ظل هذه الأوضاع تتجدد مطالبنا بضرورة عودة الآثار المصرية من متحف اللوفر الذي يضم أكبر وأهم أجنحة الآثار المصرية القديمة في العالم».
ووفق ريحان: «يضم قسم الآثار المصرية في اللوفر ما يقرب من 55 ألف قطعة أثرية (وتشير بعض الإحصاءات العامة إلى نحو 77,404 قطع شاملة للمجموعات المختلفة أو نحو 55 ألف قطعة معروضة ومخزنة)، وتضع وزارة السياحة والآثار المصرية لوحة زودياك دندرة ضمن قائمة أهم الآثار المطلوب استعادتها رسمياً من الخارج، لأنها تجمع بين الأبراج البابلية (مثل الثور والميزان) والرموز المصرية القديمة».
كما يرى الخبير في الآثار المصرية، علي أبو دشيش، أن «الأحداث والاضطرابات التي تشهدها العاصمة الفرنسية راهناً تؤثر على محيط متحف اللوفر، وتفرض ضرورة ملحة لمطالبة المجتمع الدولي والمنظمات الثقافية العالمية بتوفير أقصى درجات الحماية والأمان للقطع الأثرية المصرية الفريدة المحفوظة هناك».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الآثار، وفي مقدمتها لوحة (زودياك دندرة)، إلى جانب (حجر رشيد) في المتحف البريطاني و(رأس نفرتيتي) في برلين، ليست مجرد قطع فنية معروضة، بل هي شواهد حية على عبقرية التاريخ الإنساني وجزء أصيل لا يتجزأ من الهوية والحضارة المصرية التي يجب أن تُصان وتُحفظ في بيئتها الأصلية».
وشدد على أن «استعادة هذه القطع الأثرية إلى موطنها الأصلي في مصر أصبحت ضرورة أخلاقية وقانونية تفرضها مقتضيات العدالة الثقافية».






