«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

تقول لـ«الشرق الأوسط»: الجرح يكون أحياناً أكبر من السينما

الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)
الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)
TT

«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)
الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

تخرج زينة صفير عن صمتها وتكسره بفيلم «سكوت السهل». يشارك الشريط في مهرجان «ميدل إيست ناو» السينمائي في فلورنسا، في 9 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وتوثّق خلاله، في 68 دقيقة، حكاية فقدان 4 رجال من عائلتها: زوج خالتها، وابن عمّه، وابن عمّته، وصهرهم، مستعيدةً واقعة أليمة عاشتها عندما كانت في الثانية من عمرها. وهذا الفقد بقي حاضراً في منزلها طوال هذه السنوات، وكان الكتمان والصمت عنه ضرورة في بلد لا يحاسب المجرم، وإنما يخافه.

تتنقّل في الفيلم بين الذاكرة العائلية الحميمة وتاريخ البلاد، ساعيةً إلى فهم مأساة لم تنتهِ بانتهاء الحرب. ومن خلال قصة عائلة واحدة، يتحدّث الفيلم باسم عدد لا يُحصى ممن يحملون الجرح نفسه. وتطرح صفير سؤالاً كبيراً: ماذا يعني أن نعيش ونتذكّر في بلد لم يتصالح يوماً مع ماضيه؟

تملك زينة صفير خبرة طويلة في عالم الأفلام الوثائقية، وسبق أن نفّذت أفلاماً لبنانية تتناول قضايا اجتماعية وسياسية. أخرجت نحو 15 فيلماً وثائقياً، أُنتج عدد منها بتكليف من محطات تلفزيونية. ونال فيلمها الأول «نكاية بالحرب» جوائز عدة. وعملت أيضاً موزّعة أفلام، ومديرة مهرجانات، ومستشارة إعلامية لمهرجانات سينمائية كبرى، منها «مهرجان دبي السينمائي الدولي»، و«المهرجان الدولي للفيلم» بمراكش، و«مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي». وتولّت بين عامَي 2015 و2019 الإدارة الفنية لمهرجان «أيام بيروت السينمائية» للسينما العربية.

بلدة رياق التي شهدت الحادثة (زينة صفير)

وتقول إنها صنعت هذا الفيلم تكريماً لعائلتها، ولتؤكد من خلاله رفضها النسيان، فوجدت في الصورة وسيلة قادرة على حفظ ما يرفض التاريخ تدوينه. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «جرت الحادثة عام 1976، في حقبة تُعرف باسم (انقلاب الأحدب). وقُتل الرجال الأربعة على يد فصائل مسلّحة يقودها النظام السوري. كنتُ لا أزال طفلة في الثانية، لكن أجواء الحزن والثياب السوداء حفرت في مخيّلتي. وكان هناك صراع على مَن يصمت أكثر طوال 5 أشهر، كي لا يعلم ابن خالتي، الذي كان يدرس في منطقة جونية، بوفاة والده. ومنذ ذلك الوقت، كان ممنوعاً علينا التكلّم عن هذه الحادثة، وهو ما زاد الأمر سوءاً والمشهد العام اسوداداً في العائلة».

عام 1999، راودتها فكرة تنفيذ فيلم عن سكك الحديد، كون زوج خالتها كان يعمل فيها. ثم ما لبثت الفكرة أن قادتها إلى صناعة الوثائقي «سكوت السهل».

وتقول: «مرات يكون الجرح أكبر من السينما، وهذه كانت حالنا في العائلة. لكنني تمسّكت بتنفيذ هذا الفيلم من باب وعد قطعته على نفسي بتخليد هذه القضية. لم أشأ أن يكون دم هؤلاء الأربعة قد ذهب سدى، وبقيت الغصّة تخنق خالتي إلى أن وافتها المنية منذ نحو سنة».

وتؤكد صفير أنها تتطلّع إلى عرض الفيلم في لبنان، في «سينما وصل» بزحلة، التابعة لجمعية «متروبوليس» السينمائية. وتقول: «سعيدة بكون الفيلم يشارك في (مهرجان فلورنسا)، لكنني متحمّسة جداً لعرضه في لبنان، وفي الصالة التي شارك في بنائها، في تلك الحقبة، أحد المغدورين. وأهتم بعرضه مستقبلاً في صالات بمناطق لبنانية تحمل لي قيمة معنوية».

وتقول إنها لم تستطع أن تقولب الفيلم فنّياً كما رسمته في خيالها؛ إذ إن إجراء مقابلات مع عائلات الضحايا واستعادة الحادثة بآلامها وأوجاعها أسهما في إضاعة بوصلتها الفنّية. لكن هدفها الرئيسي كان صناعة الفيلم ليبقى ذكرى لا تُنسى للعائلة. وتُعلّق: «أجريت مقابلات مع كثيرين عايشوا هذه الواقعة. دخلت في أدقّ التفاصيل، رغم خوف يلازمهم، كونهم لا يزالون يعيشون تداعيات الحرب. وهي في الحقيقة لم تنتهِ بعد، ولا تزال ترسّباتها تغلي تحت الرماد. وهذا ما يعيشه كثير من اللبنانيين؛ إذ لم يتصالحوا مع ماضيهم ومع الحرب حتى اللحظة».

وتصف فيلمها بأنه عمل يدوي حرفي، وُلد من جرح واسع لا يزال ينزف حتى اليوم. وتتذكّر: «في إحدى المرات، خلال إجرائي مقابلة مع خالتي، طلبت مني الدخول إلى غرفتها. وهناك أسرّت لي بأنها تخاف على أولادها من الكلام الذي قالته، فهو ربما يحرّك أحقاداً قديمة ترتدّ عليهم بالسوء».

عملت زينة على تنفيذ الفيلم في مراحل متقطّعة منذ عام 1999 حتى 2022. واستطاعت خالتها أن ترى النسخة الأولى من مونتاج الفيلم، ثم رحلت. وتقول: «لكنني خلّدت صوتها وصورتها، وهو أمر يُعزّيني. كما استطعت ملامسة الذاكرة الجماعية من خلاله، وأتوقَّع أن تلقى عروضه في المناطق الصدى المطلوب. وبعد كلّ عرض، سأفتح جلسات نقاش حوله. وأهم تلك العروض سيكون في البقاع، في (سينما ريفولي) سابقاً و(سينما وصل) اليوم، حيث وقعت الحادثة في بلدة رياق الجميلة. ما سيراه اللبناني سيخاطبه مباشرة؛ لأنه ما من أحد في هذا البلد لم تصبه الحرب بألم الفقدان».

صورة أحد ضحايا الحادثة يستعيدها وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

وتُضيف: «لست راضية عنه بالمعنى الفنّي، لكنني سعيدة بما حقّقه معنوياً. كان من واجبي أن أقدّم لعائلتي هذا الفيلم هديةً. قد لا يستطيع إعادة الأموات إلى الحياة، لكنه سمح بإخراج الألم من القلب، بعدما كان مدفوناً سنوات طويلة».

ومن أهداف الفيلم، كما تذكر صفير لـ«الشرق الأوسط»، أن نتعلّم من ماضينا. فشعار «تنذكر ما تنعاد» لا يكفي لالتئام الجرح وإيقاف نزيفه. وتقول: «رغبت في رفع الظلم عن عائلات لبنانية ساءت حياتها بسبب الحرب، وكانت الدموع ملاذها».

ولكن، هل استطاع الفيلم وضع تلك العائلات على طريق الشفاء؟ تردّ: «لا أستطيع الجزم بذلك، لكنه شكّل وسيلة مواساة لهم. حتى إنني تلقّيتُ كلمات شكر من بعض أبناء الضحايا الأربعة الذين هاجروا إلى أميركا. فهذه اللفتة عنت لهم كثيراً، وهذا ما يهمّني ويعزّيني في آن».

وتعترف صفير بأنها كانت تجهل مدى تأثرها بالحادثة والأذى الذي تركته فيها على الصعيدين النفسي والمعنوي. كما تغمز في الفيلم من قناة قانون العفو العام، وتقول: «جروح هؤلاء الناس ومَن يُشبههم لا يمكن طمسها بقانون عفو عام».

ولأن الذاكرة مفقودة لدى اللبنانيين، تحضّر زينة لفيلم آخر من هذا النوع. وتختم: «(سكوت السهل) خصّصته لزوج خالتي، فيما أستعد لتنفيذ آخر عن عمّي، شقيق والدي. وأرغب من خلال هذه السلسلة في إيقاظ ذاكرة اللبنانيين. لقد نسوا هويتهم وجذورهم، وباتت مفقودة حتى في السينما اللبنانية. وفي فيلمي المقبل سأتناول عادات بلادنا وتقاليدها في منطقة جبل لبنان، ممّا سيُحيي تراثنا الذي هو أيضاً في مهبّ الريح».


مقالات ذات صلة

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق توم كروز وريز أحمد في مشهد من الفيلم (imdb)

بعد إخفاقه عالمياً... افتتاحية ضعيفة لـ«ديغر» في شباك التذاكر السعودي

تماشياً مع تعثره في شباك التذاكر العالمي، سجَّل فيلم «ديغر (Digger)» افتتاحية ضعيفة في السعودية، بعدما حقَّق أحدث أفلام توم كروز 1.8 مليون ريال (480 ألف دولار)

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)

استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

مع الاحتفال بانتصارات السادس من أكتوبر في الحرب ضد إسرائيل، استعاد عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» الأفلام التي تناولت الحرب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

أعلنت «استوديوهات MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق اختار المخرج أن تكون الطبيعة بطلة فيلمه الجديد (الشركة المنتجة)

ديربورانس: «زمن الحيوانات»... رحلة سينمائية داخل عالم الحياة البرية

قال المخرج السويسري فينسنت شابلوز إن علاقته بمنطقة ديربورانس في بلده تعود إلى طفولته، وإن معرفته الطويلة بالمكان دفعته إلى تقديمه في فيلمه الوثائقي.

أحمد عدلي (القاهرة)

لخدمة مشروع القاعدة الدائمة على القمر... «ناسا» تعتزم شراء كمية من الصواريخ

مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
TT

لخدمة مشروع القاعدة الدائمة على القمر... «ناسا» تعتزم شراء كمية من الصواريخ

مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)
مبنى تجميع المركبات في مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا حيث يجري تجميع مكونات صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي» التابع لوكالة «ناسا» والمخصص لمهمة «أرتيمس 3» (إ.ب.أ)

تستعد وكالة الفضاء والطيران (ناسا) الأميركية للإعلان عن صفقة ضخمة لشراء صواريخ فضاء لصالح مشروع بناء قاعدة دائمة على سطح القمر بتكلفة تبلغ 30 مليار دولار، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء أن الاستراتيجية الجديدة لوكالة «ناسا» تأتي في الوقت الذي تعاني فيه صناعة الفضاء من نقص في الصواريخ، في ظل زيادة الطلب عليها. لكن الوكالة تأمل في تجاوز عنق الزجاجة بالنسبة للصواريخ، من خلال شراء مجموعة متنوعة منها، بما يتيح خيارات مختلفة لتوصيل شحناتها إلى سطح القمر.

ونقلت «بلومبرغ» عن كارلوس جارسيا جالان، مدير برنامج قاعدة القمر في وكالة «ناسا»، قوله في مقابلة: «نقيم الأمور مثل قيام (ناسا) بشراء كمية من الصواريخ التي يمكن أن تخدم كل احتياجات قاعدتنا القمرية... قد نعلن في المستقبل القريب عن المجموعة الأول من حزمة المشتريات» المستهدفة.

ويذكر أن المرحلة الأولى من مشروع إقامة قاعدة دائمة لاستضافة مجموعة من البشر للعمل والحياة على سطح القمر بدأت بالفعل، حيث تخطط وكالة «ناسا» لإرسال مركبات هبوط وروبوتات جوالة لاستكشاف مواقع وموارد القمر خلال 2028. لكن الوكالة ستحتاج إلى صواريخ فضاء أكبر في 2029 لإرسال معدة تزن 60 طناً إلى سطح القمر لإقامة أنظمة الطاقة، والمساكن وغيرها من البنية التحتية اللازمة لإقامة البشر على سطح القمر بصورة دائمة.

لكن الوكالة تواجه في هذه المرحلة الثانية الأكثر طموحاً مشكلة، حيث تتابع تباطؤ نشاط صاروخ الفضاء «فالكون 9» التابع لشركة الفضاء وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأميركية «سبيس إكس»، وهو الصاروخ الأكثر استخداماً في الولايات المتحدة والعالم.

وفي وقت سابق، ذكرت «سبيس إكس» أنها بدأت رفض طلبات مشغلي الأقمار الاصطناعية الراغبين في حجز رحلات على متن هذا الصاروخ الأساسي لما بعد عام 2028. ومن شأن غياب هذا الصاروخ ونظيره الأكبر حجماً «فالكون الثقيل» عن السوق أن يسبب مشاكل لخطط «ناسا» الرامية إلى إنشاء قاعدة على سطح القمر.

وفي هذا الصدد، قال غارسيا - غالان: «ندرك المشكلة المقبلة مبكراً، فنحن ندركها الآن. لقد تحلت (سبيس إكس) بالشفافية بشأن خططها، ما أتاح لنا خيار البحث عن بدائل، وهو ما قمنا به بالفعل».


اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
TT

اكتشاف أول صورة لفنار الإسكندرية يُبرز آثار مصر الغارقة

الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)
الخاتم المكتشف وعليه نقش للفنار القديم (وزارة السياحة والآثار)

سلَّط اكتشاف خاتم برونزي منقوش عليه صورة لفنار الإسكندرية، يُعدّ الأول من نوعه، الضوء على الآثار الغارقة في مصر، وما قد تضمه من اكتشافات تضيف جوانب وأبعاداً جديدة إلى فهم التاريخ المصري القديم.

وأسفرت أعمال حفائر البعثة الأثرية المشتركة بين المعهد الأوروبي للآثار البحرية والإدارة العامة للآثار الغارقة بالمجلس الأعلى للآثار، في منطقة الميناء الشرقي بمحافظة الإسكندرية، عن اكتشاف الخاتم، إلى جانب عدد من اللقى الأثرية الفخارية والزجاجية.

وأعرب وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، عن تقديره للجهود المبذولة في أعمال الحفائر بالمواقع الأثرية المغمورة بمياه البحر المتوسط، وما يصاحبها من أعمال التسجيل والتوثيق الأثري، التي تتطلب خبرات فنية وميدانية متخصصة.

وأشار، في بيان للوزارة، إلى «أهمية ما يتم الكشف عنه من آثار بهذه المواقع، لما تسهم به في إثراء المعرفة بتاريخ الإسكندرية وإلقاء مزيد من الضوء على جوانب مختلفة من تاريخها وحضارتها عبر العصور».

إحدى القطع الأثرية المكتشفة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن البعثة نجحت، منذ أيام، في الكشف عن خاتم ختم برونزي يحمل نقشاً يصوّر فنار الإسكندرية القديم، في هيئة تشبه صوره المعروفة على بعض العملات المؤرَّخة بالقرن الثاني الميلادي. وعُثر على الخاتم في موقع جزيرة أنتيرودس الملكية، أحد أحياء الإسكندرية الملكية القديمة ضمن منطقة «بورتوس ماجنوس».

وأكد أن هذه هي المرة الأولى التي يُعثر فيها على صورة للفنار منقوشة على خاتم ختم، مما قد يشير إلى أن قصر أنتيرودس، الذي شاهده ووصفه المؤرخ والجغرافي سترابو خلال زيارته لمصر بين عامَي 29 و25 قبل الميلاد، ربما استمر استخدامه حتى القرن الثاني الميلادي لأغراض إدارية، قد يكون من بينها ما يرتبط بإدارة الفنار.

ولفت مدير المعهد الأوروبي للآثار البحرية ورئيس بعثة الحفائر، فرانك جوديو، إلى أن الدراسات والأعمال التي نفّذتها البعثة أسفرت عن العديد من النتائج العلمية والأثرية المهمة.

وأضاف، حسب البيان، أن «اللقى الأثرية المكتشفة خلال الموسم الحالي تضمنت مجموعة من البقايا الفخارية التي تؤرَّخ لفترات زمنية مختلفة، تمتد من القرن الرابع قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي، من بينها أدوات للاستخدام اليومي، وأوانٍ للمائدة، وعدد من الأمفورات والأواني والقنينات والمسارج، إلى جانب بقايا أوانٍ زجاجية».

اكتشاف قطع جديدة من الآثار الغارقة في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

ومن المقرر أن تعقب انتهاء أعمال الموسم الحالي بالميناء الشرقي أعمالُ حفائر جديدة للبعثة في موقع خليج أبو قير.

ويرى عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبد البصير، أن العثور على «خاتم برونزي يحمل تمثيلاً نادراً لفنار الإسكندرية مسألة مهمة علمياً، خصوصاً أن الفنار معروف من تمثيلات أثرية أقدم، أهمها صورته على العملات السكندرية في العصر الروماني، كما توجد له تمثيلات أخرى على أحجار منقوشة وأختام ومواد أثرية مختلفة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القيمة العلمية لخاتم الختم البرونزي المكتشف تتحدد بأربعة عناصر أساسية: أولاً، إثبات أن النقش يمثّل الفنار بالفعل وليس مبنى آخر؛ ثانياً، تحديد تاريخ الخاتم بدقة؛ ثالثاً، توثيق السياق الأثري الذي عُثر فيه عليه؛ ورابعاً، مقارنة عناصر النقش بالتمثيلات المعروفة للفنار».

اكتشافات جديدة ضمن الآثار الغارقة (وزارة السياحة والآثار)

وتابع أنه «إذا أكدت الدراسة الأثرية هذه العناصر، يصبح الاكتشاف مهماً للغاية، خصوصاً إذا كان النقش يقدّم تفصيلاً معمارياً جديداً أو يمثّل الفنار في سياق مختلف عن العملات».

وتزخر مدينة الإسكندرية بالآثار الغارقة في مواقع عدة، من بينها الميناء الشرقي وخليج أبو قير وخليج المعمورة والشاطبي وقلعة قايتباي. وتُعدّ منطقة الميناء الشرقي من أهم مناطق الآثار الغارقة؛ إذ كان الميناء الملكي للعاصمة القديمة التي أسّسها الإسكندر الأكبر، وحملت اسمه، وأصبحت من أعظم مدن العالم القديم. وقد أُقيمت معارض عديدة للآثار الغارقة داخل مصر وخارجها.


اكتشاف سلالة منقرضة من الأبقار في سيبيريا

فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)
فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)
TT

اكتشاف سلالة منقرضة من الأبقار في سيبيريا

فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)
فريق البحث يجري أعمال التنقيب عن بقايا الحيوان المنقرض في كهف دينيسوفا جنوب سيبيريا (جامعة ستوكهولم)

كشفت دراسة دولية عن سلالة منقرضة من الأبقار لم تكن معروفة من قبل، عاشت في جنوب سيبيريا خلال العصر الجليدي، واستمر وجودها في المنطقة حتى نحو 27 ألف عام مضت.

وجاء الاكتشاف بعد تحليل الحمض النووي القديم لبقايا عظمية صغيرة عُثر عليها في كهف دينيسوفا ومواقع أخرى في جنوب سيبيريا، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Current Biology».

وتمكّن باحثون من مركز علم الجينوم القديم التابع لجامعة ستوكهولم والمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي، بالتعاون مع باحثين من جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز وجامعة فيينا، من استخراج 20 جينوماً قديماً تغطي فترة زمنية تمتد لنحو 200 ألف عام.

ورغم أن كثيراً من شظايا العظام لم تكن تحمل خصائص واضحة تسمح بتحديد نوع الحيوان، أظهرت مقارنة الجينومات بجينومات أنواع الأبقار الأخرى أنها تنتمي إلى سلالة لم تكن معروفة سابقاً، وكانت قريبة تطورياً من الياك الحديث، وهو حيوان من فصيلة الأبقار يتميز بجسم قوي وفراء كثيف يساعده على تحمّل البرودة الشديدة. ويعيش الياك البري حالياً في المرتفعات العالية من هضبة التبت وآسيا الوسطى، بينما يُستخدم الياك المستأنس منذ آلاف السنين في مناطق جبلية عدة للحليب واللحوم والنقل.

وقدّر الباحثون أن هذه السلالة المكتشفة بدأت في الانفصال عن أسلاف الياك قبل نحو 400 ألف عام، وأصبحت منفصلة عنه بشكل كامل تقريباً قبل نحو 250 ألف عام. ويرجّح العلماء أن فترة دافئة بشكل ملحوظ شهدتها المنطقة في ذلك الوقت ربما أدت إلى عزل مجموعات من الحيوانات بعضها عن بعض، ما أتاح لها التطور بصورة مستقلة.

وكشفت البيانات الجينية أيضاً عن تغيّر في أعداد هذه الحيوانات خلال فترة دافئة قبل نحو 120 ألف عام، تمثّل في إحلال مجموعة سكانية محل أخرى وانخفاض التنوع الجيني. ويرى الباحثون أن ارتفاع درجات الحرارة ربما أثّر في هذا النوع المتكيّف مع المناخ البارد.

ولم يجد الفريق أدلة تُذكر على حدوث تزاوج بين هذه السلالة المنقرضة وأنواع أخرى من الأبقار التي عاشت في المنطقة، مثل حيوان بيسون السهوب والثور البري، السلف البري المنقرض للأبقار المستأنسة.

وتعود أحدث عينة حلّلها الباحثون إلى نحو 27 ألف عام، ما يشير إلى أن السلالة ظلت موجودة حتى ذلك الوقت على الأقل، قبل أن تنقرض في مرحلة لاحقة. ولا يزال توقيت انقراضها وأسبابه غير معروفين بدقة.

ووفق الباحثين، يضيف الاكتشاف دليلاً جديداً على أن منطقة ألتاي وجنوب سيبيريا كانتا موطناً لتنوع حيوي كبير خلال العصور الجليدية، وربما شكّلتا «نقطة ساخنة للتنوع الحيوي وملاذاً» للأنواع في فترات التغير المناخي، على غرار ما أظهره اكتشاف «الدينيسوفان»، وهم مجموعة من البشر القدماء، بعدما عُثر على حفرية واحدة في المنطقة عام 2010 قادت إلى التعرّف إلى هذه المجموعة البشرية القديمة.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن تحليل الحمض النووي وحده لا يكفي لتصنيف السلالة رسمياً بوصفها نوعاً جديداً وإطلاق اسم علمي عليها، إذ يعتزمون مقارنة نتائجهم ببقايا شبيهة بالياك عُثر عليها سابقاً في المنطقة، لتحديد ما إذا كانت تنتمي إلى السلالة نفسها.