قال المخرج السويسري فينسنت شابلوز إن علاقته بمنطقة «ديربورانس» في بلده تعود إلى طفولته، وإن معرفته الطويلة بالمكان دفعته إلى تقديمه في فيلمه الوثائقي «ديربورانس: زمن الحيوانات» (Derborence - Le Temps des Animaux)، موضحاً أن الفيلم يطرح أسئلة عن علاقة الإنسان بالطبيعة والكائنات الأخرى.
وأضاف شابلوز، في حوار مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أنه لم يتوجه إلى المنطقة حاملاً فكرة مسبقة لصناعة فيلم طويل، بل تبلورت الفكرة من خلال علاقته بها واكتشافه المتواصل تفاصيلها. فالمكان، بما يحمله من تاريخ وتنوع في الحياة البرية، بدا له أغنى من أن يُختصر في فيلم قصير، ودفعه إلى البحث عن حكاية تستوعب هذا العالم.
ويتتبع الفيلم الحياة البرية في المنطقة الجبلية السويسرية من خلال الحيوانات نفسها، راصداً عاداتها اليومية ومساراتها وعلاقاتها بالمكان، في تجربة بصرية قليلة الكلمات، حيث تصبح حركة الكائنات وتفاصيل البيئة وأصواتها عناصر أساسية في السرد، الذي يتيح للمشاهد الاقتراب من إيقاع حياة يستمر بعيداً عن حضوره، ولا يتشكل وفق توقعاته أو احتياجاته.
وشارك الفيلم في مهرجان السينما الفرنكوفونية بمدينة بيين السويسرية خلال الشهر الماضي، ومن المقرر عرضه في مهرجان «سلاماندر» بمدينة مورج السويسرية يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
وتقع ديربورانس في وادٍ جبلي معزول بكانتون فاليه جنوب سويسرا، تحيط به منحدرات صخرية وغابات كثيفة، تضم بحيرة تقع على ارتفاع 1449 متراً، وشهدت المنطقة انهيارَين صخريين هائلين عامَي 1714 و1749 في جبال ديابلوريه، أديا إلى سد مجرى نهر ديربون وتشكّل البحيرة، لتصبح آثار تلك الانهيارات جزءاً من تضاريس المكان وتاريخه الطبيعي.
وأرجع شابلوز اختياره الحيوانات محوراً للحكاية إلى رغبته في إعادة النظر في علاقة الإنسان بالكائنات الأخرى، موضحاً أنه أراد أن يقترب المشاهد من الحياة البرية عبر منظور سكانها، ومن خلال هذا الاختيار، يطرح الفيلم سؤالاً عن موقع البشر داخل العالم الطبيعي، وعن علاقتهم بالكائنات التي تشاركهم المكان، ولها عاداتها ومساراتها وطرقها الخاصة في العيش.

وأضاف المخرج السويسري: «هذا التصور انعكس على استخدام الكلمات، إذ تعمدت تقليل الحوار والتعليق حتى أترك للصورة مساحة التعبير، فلم أجد ضرورة لإضافة نص يشرح ما تكشف عنه المشاهد بالفعل، خصوصاً أن التعليق الصوتي كان يمكن أن يقطع حالة الانغماس التي سعيت إلى بنائها، ويعيد المشاهد إلى تفسير بشري لما يجري أمامه».
وخلال سنوات التصوير، اكتشف شابلوز أن الحيوانات تشبه البشر في جوانب أكثر مما كان يتوقع، «خصوصاً في امتلاكها عادات يومية وروتيناً متكرراً، كما أنها تسلك طرقاً محددة، وتتردد على أماكن الشرب في أوقات متقاربة، وتكرر كثيراً من أنشطتها، وهو ما ساعدني على فهم تحركاتها وتحديد المواقع والأوقات المناسبة لانتظارها وتصويرها».

وتابع أن طريقته قامت على تصوير ما تتيحه الحياة البرية من لحظات، ثم بناء الحكاية في غرفة المونتاج. وبدلاً من إعداد مشهد مسبق وانتظار أن تتصرف الحيوانات وفق تصوره، فإن ما يحدث أمامه، على مدار السنوات أصبح بمثابة مادة ثرية حتى قبل اختيار اللقطات القادرة على تكوين سرد متماسك، يمنح التفاصيل المتفرقة معناها داخل الفيلم.
وأوضح أن «التحدي الأكبر كان جمع مادة تكفي لبناء فيلم كامل، وهو ما تطلّب 8 سنوات من العمل. فالانتظار لا يضمن الحصول على مشهد مهم في كل يوم تصوير، لكنه يمنح المصور فرصة التقاط لحظات نادرة قد يفوّتها إذا غاب، ولهذا ارتبط إنجاز الفيلم بالاستعداد المستمر والتكيف مع حركة الطبيعة وتغير ظروفها».

وأشار شابلوز إلى أن تصوير الحيوانات بسلوكها المعتاد يتطلب ألا تشعر بوجود المصور، لأن إدراكها أنها تحت المراقبة قد يغيّر تصرفاتها، لذلك لجأ إلى استراتيجيات مختلفة للاختباء والبقاء على مسافة مناسبة، مستفيداً من معرفته بالمكان وعادات الكائنات، حتى يتمكن من متابعة حياتها اليومية بأقل قدر ممكن من التأثير فيما يجري أمام الكاميرا.
وكانت هذه المهمة أكثر صعوبة مع الحيوانات النادرة، وعلى رأسها «الوشق»، الذي قال المخرج إنه لم تتح له فرصة رؤيته وتصويره سوى مرة واحدة طوال سنوات العمل الثماني، لتعكس هذه التجربة صعوبة الاعتماد على ظهور حيوان بعينه لبناء مشهد، مهما امتلك المصور من معرفة ببيئته، أو أمضى من وقت في تتبع آثاره وانتظاره.
ولفت شابلوز إلى أن تصوير الانهيارات الثلجية فرض تحدياً من نوع آخر، يتعلق بصعوبة توقع توقيتها وتحديد المكان الذي ستبدأ منه، فضلاً عن اختيار موقع آمن للكاميرا، موضحاً أن «هذه المشاهد تطلّبت الجمع بين الانتظار والحذر، لأن الخطأ في تقدير المسافة أو التوقيت قد تكون له عواقب خطيرة، والطبيعة لا تتيح فرصة لإعادة المشهد».



