في القاهرة، يواصل الفنان الكويتي عبد الرسول سلمان حواره مع الذاكرة الخليجية، لكن هذه المرة أمام المتلقّي المصري الذي يشاركه تأمّل تفاصيلها وما تختزنه من ملامح إنسانية وحنين لا يخفت.
ومن خلال معرضه «جذور معاصرة»، المُقام في قاعة «حامد ندا» بغاليري ضي في الزمالك (وسط القاهرة)، تبدو التجربة أقرب إلى حوار بين موروث تشكّل على امتداد سنوات طويلة، ورؤية فنّية تستحضر التراث وتُعيد صياغته من دون أن تحاصره في صورة الماضي.
وتستعيد الأزقّة القديمة دفأها، وتطلّ البيوت بملامحها الحميمة في أعماله، فيما تحضر وجوه الناس وحكاياتهم جزءاً أصيلاً من ذاكرة المكان. فمن أحياء جبلة وشرق والمرقاب، يستدعي الفنان عالماً تتداخل فيه تفاصيل الحياة اليومية مع ملامح التراث الكويتي، لتتحوّل لوحاته إلى نوافذ على زمن لا يزال حاضراً في الوجدان، رغم ما تبدّل من ملامح المدينة وإيقاع الحياة فيها.
ولا يكتفي سلمان باستعادة المَشاهد القديمة، وإنما يمنحها حياة جديدة، مستعيناً بحسّ مرهف في التقاط التفاصيل الإنسانية التي تمنح المكان روحه وخصوصيته.

وبين وجوه ألفتها الحارات وبيوت احتضنت حكايات أجيال متعاقبة، تتشكّل عوالمه التشكيلية مُحمَّلة بالحنين إلى الجذور والاحتفاء بجماليات الحياة البسيطة، وما تختزنه الذاكرة الشعبية من مشاعر وعادات وتقاليد.
ويمنح تجربته خصوصيتها ارتباطه الوثيق بموروث بلاده، من دون أن يتحوَّل إلى قيد يُحاصر خياله. ويقول سلمان لـ«الشرق الأوسط»: «أكتشف مفردات تراث بلادي برؤية فنية تنفتح على التجريب، وتمنح اللون قدرة على التعبير تتجاوز حدود المشهد المرسوم».
ويستمر المعرض حتى الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، مقدّماً مجموعة من أعمال سلمان التي تكشف عن تجربة ممتدّة بدأت ملامحها الأولى في ستينات القرن الماضي، حين كان منخرطاً في الحركة الفنية الكويتية الناشئة، وشارك في معارض الربيع بصالة المدرسة المباركية، ثم في فعاليات الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية منذ تأسيسها عام 1967، داخل الكويت وخارجها.
كما شارك في معارض المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب منذ انطلاقه في سبعينات القرن الماضي، وأقام معارض شخصية عدّة في قاعات كويتية وعربية، إلى جانب مشاركاته الفنّية خارج المنطقة.

ولا تنفصل تجربة سلمان عن مسيرته في المشهد التشكيلي الكويتي والخليجي؛ فقد تولّى رئاسة الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية منذ عام 2004، ورئاسة اتحاد جمعيات الفنون التشكيلية الخليجية منذ عام 2008، كما شغل منصب نائب رئيس الرابطة الدولية للفنون منذ عام 2006.
ويقول الفنان: «هي مسؤوليات جاءت متزامنة مع تجربة فنية بقيت فيها مشغولاً بالسؤال عن كيفية انتقال الهوية من جيل إلى آخر، وكيف يمكن التراث أن يظلَّ حاضراً من دون أن يتحول إلى صورة جامدة من زمن مضى».
البحر ومراكب الصيد والخيل والبيوت القديمة والأحياء التي تحمل ذاكرة أهلها، إلى جانب تفاصيل العمارة والحرف التقليدية، كلّها مفردات تتكرَّر في ذاكرة الفنان البصرية. لكنه لا يتعامل معها بوصفها عناصر للزينة أو إشارات إلى زمن مضى، وإنما يجعلها نقطة انطلاق نحو صياغة أكثر رحابة، يلتقي فيها المألوف بالمتخيَّل، وما تعرفه العين بما تبحث عنه خلف الشكل.
ولا تمنح اللوحة عند سلمان أسرارها كلّها للمتلقي من النظرة الأولى. ويقول: «هناك دائماً مساحة أتركها للمُشاهد، ليتوقّف قليلاً أمام العلاقات التي أصنعها بين الخطوط والألوان والكتل والفراغات».
ويتنقل الفنان بين الواقعية والتجريد، داعياً المشاهد إلى الانتقال معه من الصورة التي يعرفها إلى المعنى الذي يمكن أن يكتشفه.

وهذه المسافة بين الواقع والتجريد إحدى السمات اللافتة في تجربته؛ إذ لا يتخلّى عن ملامح البيئة التي جاءت منها أعماله، وفي الوقت نفسه لا يسمح لها بأن تقيّده. ويقول: «أعمل على أن تتحوَّل العناصر التراثية إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل، وتصبح الذاكرة نفسها مجالاً للتجريب، لا مجرّد سجل بصري لما كان».
وتزخر لوحاته بطاقة إنسانية دافئة، تتماهى مع رؤيته التي ترى أنّ الفن يبدأ من الإحساس قبل أي شيء آخر، وأنّ مهمّة الفنان لا تتوقف عند التعبير عما يراه، وإنما تمتدّ إلى نقل أثره إلى الآخرين، بصورة مباشرة أو عبر إيحاءات أكثر هدوءاً.
ومن هنا، تتمتّع أعماله بنبرة إنسانية تتجاوز حدود المكان؛ فحتى عندما يستعيد مشهداً من البيئة الكويتية القديمة، يترك فيه منفذاً لمشاعر يمكن للمتلقّي أن يتعرَّف إليها من تجربته الخاصة.
ويتوقف الفنان عند التحوّل الذي طرأ على مفهوم الجمال وأساليب التعبير الفنّي: «الجيل الأول من التشكيليين في الحركة الفنّية الكويتية كان أكثر التصاقاً بما عاشه من تفاصيل البيئة الخليجية، من الألعاب والرقصات الشعبية إلى العمارة القديمة، فيما أصبح من الضروري اليوم أن يُعاد النظر في طريقة تناول تلك المفردات من خلال أدوات الفنّ المعاصر».
وهنا تكمن المسألة التي تشغل سلمان: كيف نحافظ على جذورنا من دون أن نكرّرها؟ وكيف نستفيد من التراث من دون أن نحوّله إلى قالب جاهز؟

وبالنسبة إليه، «لا تكمن المعاصرة في إدارة الظهر للماضي، وإنما في القدرة على إعادة اكتشافه، ثم منحه لغة جديدة يستطيع بها أن يخاطب إنسان اليوم».
ويستحضر الفنان في هذا السياق أثر الحضارات المختلفة في تطوّر الفن، مشيراً إلى أن الحضارة الإسلامية تركت حضوراً واضحاً في الزخرفة واللون والتكوين، وأنّ تفاعل الفنون بين الشرق والغرب ظلَّ عبر التاريخ طريقاً متبادلاً للتأثير والتأثر.
وينهي عبد الرسول سلمان كلامه قائلاً: «الفنان العربي يمتلك إرثاً بصرياً ثرياً يعبّر عن إبداع معاصر أصلي وأصيل».





