الانتخابات النصفية الأميركية وبداية العد العكسي

معركة المال والاقتصاد والخرائط على أغلبية الكونغرس

ترمب في المؤتمر الوطني الجمهوري في تكساس في 10 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
ترمب في المؤتمر الوطني الجمهوري في تكساس في 10 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

الانتخابات النصفية الأميركية وبداية العد العكسي

ترمب في المؤتمر الوطني الجمهوري في تكساس في 10 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
ترمب في المؤتمر الوطني الجمهوري في تكساس في 10 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أُسدل الستار على موسم الانتخابات التمهيديّة، وبدأَ العدّ العكسيّ لانتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الحاسمة. ومع اكتمال خريطة المرشّحين، بدأت تتّضح موازين قوى جديدة داخل الحزبين، رسمتها سباقات مفاجئة ووجوه جديدة خرج بعضها عن المألوف.

اليوم انتقلت المعركة من داخلِ المؤسّسات الحزبيّة إلى صراعٍ مفتوحٍ بين المعسكرين على الأغلبيّة في الكونغرس. وقبل أقل من خمسين يوماً على انتخابات نوفمبر، تبدو خريطة السباق شديدة التقارب، فيما تتداخل عوامل الاقتصاد والحرب مع إيران والإنفاق الانتخابي وإعادة ترسيم الدوائر مع تحولات داخلية يشهدها الحزبان. يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، أبرز السباقات الانتخابيّة والعوامل التي قد تحسم معركة مجلسي النواب والشيوخ.

الاقتصاد في قلب المعركة

رئيس مجلس النواب مايك جونسون في الكونغرس في 15 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

كما في كل معركة انتخابية، يمثل الاقتصاد وقدرة الأميركيين على تحمل تكاليف المعيشة محوراً أساسياً في السباق، ويرى جارفيس ستيوارت، كبير المستشارين لوزير العمل الأميركي سابقاً، أن حظوظ الديمقراطيين مرتفعة في الفوز؛ لأن الناخب الأميركي مستاء جداً من وضع البلاد الحالي. ويرجح أن تكون فرص فوز حزبه بالأغلبية في مجلس النواب ما بين 80 - 90 في المائة، فيما تتراوح نسب فوزهم بالأغلبية في مجلس الشيوخ ما بين 60 - 65 في المائة، على حد قوله.

واعتبر ستيورات أن الديمقراطيين هم في وضع قوي للغاية مع اقتراب شهر نوفمبر؛ «لأن الرئيس الأميركي غير قادر على توجيه حزبه في اتجاه يعود بالفائدة الحقيقية على قاعدته الانتخابية»، ما أدى إلى قلق عارم أيضاً في صفوف المستقلين.

زعيم الديمقراطيين تشاك شومر في الكونغرس في 14 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

من ناحيته، شدد مايك هاويل، المدير التنفيذي لمشروع المراقبة، على أن الجمهوريين يخوضون سباقاً «ضد التاريخ»؛ لأن حزب الرئيس غالباً ما يخسر الأغلبية في الانتخابات النصفية. وأشار إلى وجود «عوامل كثيرة معاكسة في الوقت الحالي»؛ كالحرب مع إيران، والاقتصاد، وهي ملفات «تلعب دوراً سلبياً في المعسكر الجمهوري».

لكن هاويل رأى أن المشكلة الأساسية تكمن في ابتعاد الجمهوريين عن الرسالة التي ساهمت في وصولهم إلى السلطة عام 2024، ولا سيما التركيز على الاقتصاد والهجرة والحدود وقضايا الطبقة العاملة. وانتقد إصرار حزبه على تجنب الحديث عن الأمور التي تشغل بال الناخب الأميركي.

وهنا تؤكد ناومي ليم، مراسلة البيت الأبيض، لـ«واشنطن اكزامينر» أن هناك مستشارين حول الرئيس الأميركي يدفعون باتجاه التركيز على الرسالة الاقتصادية، مشيرة إلى محاولة الجمهوريين إعادة تقديم أبرز إنجازاتهم التشريعية من زاوية التخفيضات الضريبية للأسر العاملة. لكنها رأت في الوقت نفسه أن ترمب ينظر أيضاً إلى إرثه السياسي، وإلى ملفات تتجاوز الحسابات المباشرة للانتخابات النصفية، لهذا يتحدث عن أمور كوضع اسمه على مركز كينيدي مثلاً.

الديمقراطيون وصعود التقدميين

المرشح الديمقراطي في ميشيغان عبد الرحمن السيد في 7 سبتمبر 2026 (رويترز)

في المقابل، لا يدخل الديمقراطيون المعركة من دون انقساماتهم الخاصة. فقد أظهرت الانتخابات التمهيدية صعوداً لمرشحين تقدميين واشتراكيين ديمقراطيين على حساب بعض مرشحي المؤسسة الحزبية. واعتبر ستيوارت أن هذا التحول يفرض تحدياً على القيادة الديمقراطية التقليدية التي تحاول إبقاء التركيز على الاقتصاد والعجز المالي والرعاية الصحية والقدرة على تحمل التكاليف، وسط نقاش داخلي متزايد حول هوية الحزب ورسائله. وقد يمتد هذا الصراع، بحسب ستيورات، إلى مجلس النواب نفسه في حال فاز الديمقراطيون بالأغلبية، مع حديث عن اعتراض بعض أعضاء الحزب على قيادة زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز، وصعود أصوات تطالب بتغيير في القيادة، ما قد يهدد احتمال انتخابه رئيساً لمجلس النواب في حال فوز الديمقراطيين.

ووجه هاويل انتقادات حادة لأجندة الديمقراطيين الاشتراكيين، معتبراً أن صعودهم يشكل فرصة للجمهوريين للاحتفاظ بالأغلبية. لكنه دعا في الوقت نفسه حزبه إلى التركيز على القضايا التي تهم الناخب، وخاصة القاعدة الشعبوية التي أوصلت ترمب إلى سدة الرئاسة.

وأشاد بقرار الرئيس الأميركي تأييد المرشح الجمهوري في تكساس كين باكستون على حساب السيناتور المخضرم جون كورنين فقال: «هذا هو المستنقع الذي شن الرئيس ترمب حرباً عليه في عام 2015. المشكلة هي أنه، على مدى السنوات الماضية، لم يكن هناك ما يكفي من التغيير من هذا النوع في الحزب الجمهوري. ولهذا السبب لم نتمكن من إقرار مشروع مثل قانون (إنقاذ أميركا). أو حملة ترحيل فعالة. ذلك لأن الحزب الجمهوري هو إلى حد كبير نفس الحزب الجمهوري الذي وعد الرئيس ترمب بتدميره. ولذا أود أن أرى المزيد من التغيير وتقليص نفوذ المؤسسة الحاكمة».

مجلس الشيوخ بين ميشيغان وتكساس

ترمب والمرشح الجمهوري في ميشيغان مايك رودجرز في 27 يوليو 2026 (رويترز)

وفيما يتوسع السباق في مجلس النواب، تتركز الأنظار في سباق مجلس الشيوخ على مجموعة محدودة من الولايات التي يمكن أن تحدد هوية الأغلبية. وتبرز ولاية ميشيغان كإحدى أهم ساحات المواجهة، في سباق يعكس أيضاً الانقسام الآيديولوجي بين الحزبين مع فوز التقدمي عبد الرحمن السيد بترشيح حزبه مقابل الجمهوري مايك رودجرز. لكن المفارقة أن ولاية تكساس، التي كانت لسنوات طويلة من أكثر الولايات أماناً للجمهوريين، دخلت بدورها دائرة المنافسة، مع إنفاق متزايد وتحركات مكثفة من الطرفين.

ويشير هاويل إلى أهمية مجلس الشيوخ، مذكراً بدوره الأساسي في إقرار التشريعات والتعيينات الرئاسية والقضائية والسياسة الخارجية، ما يجعل الاحتفاظ به أولوية استراتيجية للجمهوريين، ومحاولة انتزاعه هدفاً رئيسياً للديمقراطيين. ويوافق ستيوارت مع هذا التقييم، معتبراً أن اهتمام الحزبين ينصب على مجلس الشيوخ نظراً لأهمية دوره.

مئات الملايين تتدفق على السباق

المرشح الجمهوري في تكساس كين باكستون في المؤتمر الوطني الجمهوري في 9 سبتمبر 2026 (أ.ب)

وبدا هذا واضحاً في الحملات الإعلانية المكثفة التي شهدها السباق الانتخابي. فبعد انتهاء الانتخابات التمهيدية، فتحت اللجان الحزبية ومجموعات العمل السياسي أبواب الإنفاق على مصراعيها. ففي سباقات مجلس الشيوخ، بلغ حجم الحجوزات الإعلانية الجمهورية نحو 171 مليون دولار، مقابل 116 مليوناً للديمقراطيين، بحسب (أد إيمباكت) مع تركيز كبير على ميشيغان ونورث كارولاينا وآيوا. أما في مجلس النواب، فتنقلب المعادلة: نحو 283 مليون دولار من الحجوزات الديمقراطية مقابل 175 مليوناً للجمهوريين. مع تخصيص الجزء الأكبر من إنفاق اللجنة الديمقراطية لدوائر هجومية، في إشارة إلى أن الحزب لا يكتفي بالدفاع عن مقاعده، بل يراهن على انتزاع مقاعد يسيطر عليها الجمهوريون.

وأشار ستيورات إلى أن الجمهوريين لطالما تفوقوا تاريخياً على الديمقراطيين في جمع الأموال وفسّر قائلاً: «لقد جمعوا الأموال من أصدقائهم المليونيرات وأصحاب المليارات. أما الديمقراطيون فيسعون إلى إشراك المانحين الصغار، لكننا اليوم نشهد صراعاً شرساً حول من يجمع أكبر قدر من الأموال، وأين يتم توجيهها، سواء في شكل إعلانات تلفزيونية، أو في الميدان من حيث حشد الناس وتنظيمهم».

حرب الخرائط

مناصرو ترمب في المؤتمر الوطني الجمهوري في تكساس في 10 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ولا تتوقف المواجهة عند المرشحين والأموال. فقد تحولت إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في منتصف العقد إلى جبهة سياسية وقضائية قائمة بذاتها، مع محاولات في عدد من الولايات لإعادة رسم الخرائط بما يمنح أحد الحزبين أفضلية إضافية في مجلس النواب.

ورأت ليم أن الجمهوريين يتمتعون اليوم بأفضلية هيكلية في معركة الخرائط، رغم استمرار عدد من النزاعات أمام القضاء، فيما حذّر ستيوارت من أن تغيير الدوائر خلال السنة الانتخابية قد يزيد ارتباك الناخبين ويقوض الثقة بالعملية السياسية، فقال: «أكثر من 90 في المائة من الأميركيين لا يملكون أدنى فكرة عما يجري. نحن نشهد في خضم الانتخابات النصفية دعاوى قضائية ومجالس تشريعية تتناول إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية. وهذا يقلب كل شيء رأساً على عقب. ويزيد من إرباك جميع الأميركيين».

وبهذا تدخل الولايات المتحدة الأسابيع الأخيرة قبل انتخابات نوفمبر بمعركة لا تُحسم بعامل واحد؛ فالاقتصاد يضغط على الجمهوريين، والانقسامات الآيديولوجية تختبر الديمقراطيين، ومئات الملايين من الدولارات تتدفق إلى الولايات والدوائر الحاسمة، فيما يمكن لقرارات المحاكم بشأن الخرائط الانتخابية أن تغير حسابات السباق حتى مراحله الأخيرة.


مقالات ذات صلة

التصويت في أميركا... بين تسهيل الاقتراع ومخاوف التزوير

الولايات المتحدة​ متظاهرون يحملون لافتات تحتج على مساعي ترمب تعديل عملية التصويت عبر البريد خارج مبنى الكونغرس في 14 سبتمبر (أ.ف.ب)

التصويت في أميركا... بين تسهيل الاقتراع ومخاوف التزوير

يتوجّه ناخبون أميركيون إلى صناديق الاقتراع في عدد من الولايات التي فتحت أبواب التصويت المبكر، فيما تلقّى الملايين بطاقات الاقتراع عبر البريد.

رنا أبتر (واشنطن)
بروفايل صورة من حساب كاتي زكاريا على «إكس»

بروفايل ماذا نعرف عن كاتي زكاريا المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض؟

كاتي زكاريا... مِن دهاليز القانون وبكين إلى منبر البيت الأبيض... لسان ترمب الجديد ومحامية «أميركا أولاً».

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ كاتي زاكاريا (فيسبوك)

ترمب يعين المعلقة كاتي زاكاريا متحدثة باسم البيت الأبيض

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، تعيين المعلقة المحافظة كاتي زاكاريا في منصب المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت (رويترز)

كارولين ليفيت الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض تنضم إلى «فوكس نيوز»

أعلنت شبكة «فوكس نيوز» التلفزيونية، الاثنين، أن كارولين ليفيت، الناطقة السابقة باسم البيت الأبيض والحليفة الوثيقة لترمب، ستنضم إليها لتقديم «تعليقات وتحليلات».

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يعلن تشكيل فريق لتقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تشكيل «قوة الذكاء الفائق»، وتعيين مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون، لقيادة فريق عمل مكلَّف بتقييم مخاطر الذكاء الاصطناعي.

هبة القدسي (واشنطن)

مقتل 9 في واقعة إطلاق نار عشوائي بولاية بنسلفانيا الأميركية

عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 9 في واقعة إطلاق نار عشوائي بولاية بنسلفانيا الأميركية

عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
عنصر من الشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)

أكدت السلطات الأميركية مقتل 9 أشخاص في مدينة إيري بولاية بنسلفانيا، في واقعة وصفها حاكم الولاية جوش شابيرو بأنها «إطلاق نار عشوائي مأساوي».

وقالت السلطات في مدينة إيري في بيان، السبت، إن إطلاق النار وقع في وقت متأخر من مساء الجمعة، وإن المحققين خلصوا إلى أن جميع القتلى سقطوا قبل وصول أفراد الشرطة إلى الموقع.

لافتة تشير إلى عدم العبور تابعة للشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)

وكتب شابيرو في منشور على منصة «إكس»، صباح السبت: «تحدثتُ مع رئيسة البلدية ديفلين، وأكدتُ استعداد إدارتي لتقديم كامل الدعم في أعقاب واقعة إطلاق النار العشوائي المأساوي في إيري الليلة الماضية، والتي أودت بحياة تسعة من أبناء بنسلفانيا».


بث إعدام منفّذ مجزرة «فورت هود» يشقّ صفوف الجمهوريين

ترمب وهيغسيث خلال فعالية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)
ترمب وهيغسيث خلال فعالية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

بث إعدام منفّذ مجزرة «فورت هود» يشقّ صفوف الجمهوريين

ترمب وهيغسيث خلال فعالية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)
ترمب وهيغسيث خلال فعالية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)

اتسعت الاعتراضات على خطة البنتاغون بث إعدام الأميركي نضال مالك حسن، الطبيب النفسي العسكري المدان في مجزرة قاعدة «فورت هود» بتكساس عام 2009. وتجاوزت الاعتراضات الديمقراطيين إلى نواب جمهوريين وقادة عسكريين سابقين ومرجعيات دينية، فيما أبدى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس تحفظاً على المشاهدة، وشكّك في تنفيذ البث.

وبات الخلاف حول بثّ الإعدام اختباراً لحدود ممارسة العقوبة باسم العدالة، وسط تحذيرات من تحويلها إلى استعراض يمنح التنظيمات المتطرفة مادة دعائية. لكن الانقسام داخل المعسكر الجمهوري، والغموض المحيط بالموقف النهائي للرئيس دونالد ترمب، يجعلان مصير البثّ أقل حسماً من إعلان وزير الحرب بيت هيغسيث.

انقسام داخل المعسكر الجمهوري

وحسب «نيويورك تايمز» و«بوليتيكو»، فصل جمهوريون مؤيدون لعقوبة الإعدام بين تنفيذ الحكم وعرضه على الجمهور بشكل واسع.

وقال النائب أوستن سكوت إنه يدعم إعدام حسن، لكن «بث الإعدامات ممارسة تلجأ إليها الجماعات الإرهابية». ووصف السيناتور توم تيليس الخطة بأنها «مثيرة للاشمئزاز». بينما حذّر السيناتور جون كيرتس من «تغذية شهية المجتمع لمشاهدة الإعدام بعدِّه ترفيهاً»، فيما شدّد النائب روب بريزنان على احترام آلام الضحايا وعائلاتهم.

وتكتسب هذه المواقف ثقلاً؛ لأنها تصدر عن مشرعين لا يدافعون عن حسن، ولا يرفضون بالضرورة العقوبة، بل يعترضون على طريقة تنفيذها وتقديمها للرأي العام.

فانس يُحيي ناخبين جمهوريين خلال فعالية انتخابية في أوهايو يوم 9 أكتوبر (أ.ب)

أما فانس، فقال، الجمعة، إنه لا يعرف إن كان البث سيحدث فعلاً، مضيفاً أنه لن يشاهده، مع التشديد على بشاعة الجريمة التي ارتكبها حسن، وهذا تحفظ واضح، لكنه لا يرقى إلى مطالبة صريحة بإلغاء الخطة.

في المقابل، رحب النائبان الجمهوريان آندي أوغلز وراندي فاين ببث عملية الإعدام، وأعلنا عزمهما على متابعته ومشاركته.

غير أن التباين برز في نقل موقف ترمب، فبينما أوردت «نيويورك تايمز» و«أكسيوس» تأكيده الموافقة عند سؤاله عن البث، نقلت «إيه بي سي» عنه أن القرار لا يزال قيد التحديد، مع تمسكه بالإعدام رمياً بالرصاص. ونقلت «رويترز» عن مسؤول بالبيت الأبيض أن الرئيس لا يعارض الفكرة، لكنه قد يغير رأيه.

ويضيف الجدل عبئاً انتخابياً على الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي، إذ يجد بعضهم نفسه مضطراً للتمايز عن هيغسيث من دون الظهور بمظهر المتساهل مع مرتكب مجزرة «فورت هود».

ردع أم دعاية؟

الجدل يتعلّق بالعسكري الأميركي المسلم من أصول فلسطينية، الذي قتل 13 شخصاً وأصاب 32 آخرين في قاعدة «فورت هود» بتكساس عام 2009. وأدين حسن عام 2013، بعدما اعترف بالهجوم، وبرره بموقفه من حربي العراق وأفغانستان. ومن المقرر إعدامه في القاعدة نفسها في 3 ديسمبر (كانون الأول)، الخميس عند الواحدة ظهراً، بما يتوافق مع يوم الأسبوع، والتوقيت التقريبي للجريمة.

صورة أرشيفية لجنود في قاعدة «فورت هود» بتكساس خلال نوفمبر 2009 (أ.ب)

ويربط هيغسيث اختيار المكان والجنود المنفذين وإتاحة المشاهدة بإظهار عواقب الاعتداء على العسكريين. لكنّ منتقديه يرون أن هذه الرمزية قد تقلب الغاية المعلنة.

ونقلت «نيويورك تايمز» عن كولين كلارك، المدير التنفيذي لمركز «صوفان»، تحذيره من أن صور إعدام حسن المُقعد ستوفر «دعاية جاهزة لتنظيمي (القاعدة) و(داعش)». وأشارت الصحيفة إلى أن مجموعة «سايت» رصدت بالفعل رسائل متطرفة تستثمر الإعلان لغرض التحريض.

ترمب وهيغسيث خلال فعالية بولاية ماريلاند يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)

ويتقاطع ذلك مع تحذير جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، من منح المتطرفين «دعاية مجانية للتجنيد». وتساءل القائد السابق لـ«فورت هود»، شون ماكفارلاند، الذي أقرّ بحكم الإعدام حين كان قائداً للقاعدة، عمّا إذا كان البث «عدالة أم انتقاماً أم استعراضاً؟»، وفق «بوليتيكو».

وعلى الجانب الديمقراطي، عدّ السيناتور جاك ريد الخطة بأنها «هدية» لمُجنّدي الإرهاب، فيما عدّها النائب آدم سميث، كبير الديمقراطيين في «لجنة القوات المسلحة» بمجلس النواب، تشويهاً لجدية النظام القضائي وتحويل العدالة إلى استعراض.

قيود قانونية ورقمية

وامتدّت المعارضة إلى الأوساط الدينية؛ حيث دعا رئيس «مؤتمر الأساقفة الكاثوليك الأميركيين»، بول كوكلي، إلى إعادة النظر في القرار، عادّاً إياه بأنه «ترويج همجي لثقافة الموت». كما رفض المعلق المحافظ إريك إريكسون الإعدام العلني، رغم تأييده عقوبة الإعدام، حسب «بوليتيكو».

هيغسيث يشارك في تدريبات مع عناصر «المارينز» قرب سان دييغو بكاليفورنيا يوم 7 أكتوبر (رويترز)

وإذا نُفّذ الحكم فسيكون أول إعدام عسكري أميركي منذ عام 1961، وأول إعدام عسكري رمياً بالرصاص منذ 1945، فيما يعود آخر إعدام علني أميركي معترف به إلى 1936. لكن البث الرقمي لتنفيذ العقوبة يوسع الجمهور المحتمل إلى ما يتجاوز حدود المكان والدولة.

وتذكر «نيويورك تايمز» أن دليل الجيش يحصر الشهود بفئات محددة، ويحظر حضور من هم دون الثامنة عشرة، ما يثير أسئلة عن التوفيق بين اللوائح وبث مفتوح. ونقلت «بوليتيكو» عن الخبيرة القانونية العسكرية رايتشيل فانلاندينغهام أن إجراءات قضائية محتملة قد تؤخر التنفيذ سنوات، من دون أن يعني ذلك حصول تأجيل بالفعل.

نضال حسن في 29 يونيو 2012 (رويترز)

وتواجه منصات التواصل الاجتماعي اختباراً مماثلاً؛ حيث قالت «تيك توك» و«كيك» إن البث يخالف سياساتهما، في حين لم تقدم منصات أخرى مواقف معلنة، حسب «بوليتيكو».

وهكذا، يبقى إعلان البنتاغون أمام ضغوط سياسية وأسئلة تنفيذية لم تُحسم، فيما يتسع اتفاق المعترضين على أن إنصاف الضحايا لا يستلزم تحويل الموت إلى مادة للاستهلاك الإعلامي والرقمي واسع النطاق.


«ديزل بوتين» في حسابات ترمب الانتخابية... مكاسب محدودة وتكلفة سياسية متصاعدة

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
TT

«ديزل بوتين» في حسابات ترمب الانتخابية... مكاسب محدودة وتكلفة سياسية متصاعدة

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

يراهن الرئيس الأميركي دونالد ترمب على اتفاق الديزل مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لتخفيف ضغط أسعار الطاقة على الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي، لكن المكسب الانتخابي يظل رهناً بحجم الوقود الذي يصل فعلاً، وسرعة انعكاسه على فواتير المستهلكين، فالاتفاق يمنح البيت الأبيض فرصة لإظهار التحرك دفاعاً عن المزارعين وسائقي الشاحنات، مقابل تكلفة سياسية ظهرت في انتقادات ديمقراطية وجمهورية لتخفيف العقوبات على موسكو، وأزمة ثقة مع كييف تزامنت مع محادثات السلام التي جرت في فلوريدا، يومي الجمعة والسبت.

سباق مع الاقتراع

تكشف أسعار الطاقة حجم المأزق، حيث بلغ متوسط سعر غالون الديزل الأميركي 6.28 دولار، الجمعة، مقابل 3.68 دولار قبل عام، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية التي نقلتها صحف أميركية عدة. وهذه زيادة تقارب 71 في المائة، وتطاول مباشرة الزراعة والنقل، وتنتقل تكلفتها إلى أسعار السلع والغذاء، فتوسع الأثر السياسي خارج مستخدمي الديزل أنفسهم.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الحملة الانتخابية في سان أنطونيو بولاية تكساس مساء الأربعاء (رويترز)

وتبرز الحساسية في ولايات زراعية مثل أيوا وكانساس ونبراسكا، حيث تتقاطع تكلفة الوقود مع موسم الحصاد وهوامش أرباح المزارعين، وتقول صحيفة «واشنطن بوست» إن الاستياء يساعد الديمقراطيين على تحسين مواقعهم في دوائر بالغرب الأوسط كانت تبدو بعيدة المنال؛ ما يجعل تخفيف الأسعار أولوية لحماية الأغلبية الجمهورية في الكونغرس.

وتقوم الصفقة، وفق إعلان ترمب، على إتاحة أكثر من 300 ألف طن من الديزل فوراً للأسواق الأميركية والعالمية، ثم 500 ألف طن في نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن بعدها، مع كميات إضافية مرتبطة بحالة المصافي الروسية. وأصدرت الخزانة الأميركية ترخيصاً مؤقتاً يُخفّف قيوداً على تجارة الديزل الروسي حتى أبريل (نيسان) 2027.

صورة لزيارة ميدانية أجراها بوتين إلى مركز تدريب عسكري في منطقة شليابينسك يوم 2 أكتوبر (أ.ف.ب)

لكن الجدول نفسه يكشف حدود العائد الانتخابي، فمعظم الكميات المعلنة تأتي في نوفمبر أو بعده، ولا يضمن الإعلان وصولها إلى المستهلك قبل اقتراع الثالث منه. وقد يكون الأثر السياسي الأقرب هو تسويق صورة الرئيس القادر على عقد الصفقات، بينما يبقى الاختبار الاقتصادي في الأسعار الفعلية.

وتأتي المبادرة بعد التراجع عن فكرة حظر صادرات الديزل الأميركية، والضغط على الحلفاء للإفراج عن مخزوناتهم، وتوسيع استخدام الديزل المعفى من الضريبة المخصص للمعدات الزراعية. ويعكس تعاقب هذه الإجراءات ضيق الوقت والخيارات أمام إدارة تبحث عن تخفيف ملموس لتكلفة المعيشة.

إمدادات لا تكفي

ظهرت استجابة أولية مشجعة للبيت الأبيض، حيث أفادت «رويترز» بأن العقود الآجلة الأميركية للديزل هبطت قرابة 5 في المائة بعد الإعلان، لكن انخفاض العقود لا يساوي تلقائياً تراجعاً مماثلاً ومستداماً في المحطات، حيث يتوقف انتقال الأثر على الإمدادات والتوزيع واستمرار توقعات السوق.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصافحاً نظيره الأميركي دونالد ترمب بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (رويترز)

وتشير تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز» إلى أن الكميات الإضافية محدودة قياساً باستهلاك عالمي يقارب 30 مليون برميل يومياً من الديزل والوقود المرتبط به. أما «وول ستريت جورنال»، فنقلت أن السوق تعاني نقصا بنحو 1.6 مليون برميل يومياً، وحتى مجموع الكميات الموعودة، إذا أتيح دفعة واحدة، يسد هذه الفجوة لنحو 3 أسابيع فقط.

والعقبة الأساسية، بحسب صحيفة «واشنطن بوست»، ليست توافر النفط الخام وحده، بل تضرّر طاقات التكرير في روسيا ومنطقة الشرق الأوسط؛ لذلك، لا يكفي تحسن المرور عبر مضيق هرمز لاستعادة إنتاج الوقود، بينما تختلف تقديرات الخبراء بشأن قدرة موسكو على الوفاء بوعودها بعد ضربات أوكرانيا التي استهدفت المصافي وقيود التصدير الروسية.

وقد تساعد إمدادات إضافية، ولو محدودة، على تهدئة سوق شديدة الضيق، لكن لا تتوافر ضمانة بأن تعيد الأسعار سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب مع إيران. ومن هنا تنشأ مخاطرة انتخابية معاكسة: إذا بالغ ترمب في وعود الخفض، ثم ظلت الأسعار مرتفعة، فقد يصبح الاتفاق دليلاً يستخدمه خصومه على محدودية استجابته للأزمة.

غضب في واشنطن

في بيان مشترك، عدّ أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ، هم جين شاهين وتشاك شومر وإليزابيث وارن، الصفقة بأنها خذلان لأوكرانيا والحلفاء الأوروبيين والأمن القومي الأميركي. واتّهموا ترمب بمحاولة معالجة أزمة الوقود التي فاقمتها حربه مع إيران عبر مكافأة بوتين، وطالبوه بـ«إنهاء تلك الحرب بدلاً من تمويل آلة الحرب الروسية»، على حد قولهم.

في حين طالب السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال بإلغاء الاتفاق، عادّاً إياه مناقضاً لمقصد الكونغرس من تشريع العقوبات الأخير. ولم يقتصر الاعتراض على الديمقراطيين، فقد دعا النائب الجمهوري دون بيكون إلى استخدام العقوبات لتشديد الضغط على فلاديمير بوتين، بينما حذّر زميله مايكل ماكول من تمويل العمليات الروسية، وإضعاف فرص إنهاء الحرب، رغم تفهمه هدف خفض الأسعار.

وتتيح هذه الردود للديمقراطيين ربط الغلاء بخيارات ترمب الخارجية، بينما تكشف اعتراضات الجمهوريين صعوبة التوفيق بين الاستجابة للمستهلكين ومواصلة الضغط على موسكو؛ فالمكسب الروسي من تخفيف القيود يبدأ سياسياً فوراً، بينما يبقى المكسب الأميركي عند المضخة غير مضمون.

بوتين مستقبلاً مبعوثَيْ ترمب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في الكرملين بموسكو يوم 5 سبتمبر(رويترز)

بيد أن الاتفاق انعكس على محادثات ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع الأوكرانيين والأوروبيين في فلوريدا، التي عدّها الجانب الأميركي مثمرة. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن تخفيف العقوبات كان مقبولاً لو ارتبط بوقف متبادل للهجمات على منشآت الطاقة، عادّاً الصفقة المنفردة غير عادلة. ونقل موقع «أكسيوس» خلافاً حول مطالبة واشنطن كييف بوقف ضرب المصافي الروسية، بما يهدد الثقة المطلوبة لأي هدنة محدودة.

وبذلك، يستطيع الاتفاق منح ترمب متنفساً في السوق ورسالة انتخابية، لكنه لا يضمن إنقاذ الجمهوريين من فاتورة الغلاء. وستتوقف قيمته السياسية على ما يراه الناخب في الأسابيع المقبلة. فهل يؤدي الاتفاق إلى انخفاض محسوس في تكلفته اليومية، أم أنه تنازل لموسكو يفوق مردوده الاقتصادي؟