«الأمم المتحدة»: عائلات بأكملها تحت الأنقاض بغزة تثير مخاوف من ارتكاب جرائم حرب

تقديرات ببقاء أكثر من 8 آلاف مدفونين تحت الردم في القطاع

شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة (رويترز)
شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة (رويترز)
TT

«الأمم المتحدة»: عائلات بأكملها تحت الأنقاض بغزة تثير مخاوف من ارتكاب جرائم حرب

شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة (رويترز)
شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة (رويترز)

قال فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الثلاثاء، إن انتشال مئات الجثث من تحت أنقاض المباني التي دمرتها الضربات الإسرائيلية على غزة خلال الحرب التي اندلعت شرارتها قبل ما يقرب من ثلاث سنوات يثير من جديد مخاوف من أن جرائم حرب ربما ارتُكبت هناك.

وأضاف أن رفات ما يبدو أنها عائلات بأكملها يتم انتشالها من المواقع التي دمرتها الهجمات الإسرائيلية، وأن هناك الكثير من القتلى من النساء والأطفال، وذكر في بيان نقلته وكالة «رويترز» للأنباء: «من المفجع أن تتأكد الآن أسوأ مخاوف أحبّاء أولئك الذين ظلوا مفقودين لفترة طويلة».

وأشار إلى أن العثور على المزيد من الرفات أعاد إحياء المخاوف التي أثيرت في تقرير للأمم المتحدة صدر في 2024، وخلص إلى أن الضربات الإسرائيلية على المباني السكنية والمواقع المدنية الأخرى خلال الأسابيع الأولى من الحرب ربما تكون قد انتهكت القانون الإنساني الدولي.

ورفضت إسرائيل مراراً الاتهامات التي وُجهت لها بتعمد استهداف المدنيين، وقالت إنها تصرفت وفقاً للقانون الدولي خلال قتالها مسلحي حركة «حماس» في غزة.

وأنهى وقف لإطلاق النار توسطت فيه الولايات المتحدة القتال الواسع في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، لكنه أخفق في وقف الضربات الإسرائيلية المتكررة. ويتبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار.

دمار واسع النطاق في غزة

قال الدفاع المدني الفلسطيني إنه تم انتشال جثث ورفات أكثر من 630 شخصاً من تحت المباني المدمرة في غزة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وتشير تقديرات السلطات الفلسطينية إلى استمرار وجود أكثر من ثمانية آلاف شخص تحت الأنقاض.

فتاة تغسل يديها من صنبور مياه عام في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وعبَّر تورك عن مخاوفه من أن يكون الرفات المنتشل حتى الآن «مجرد غيض من فيض»، مشيراً إلى أن أجزاء كبيرة من غزة دُمّرت بالكامل في القصف الإسرائيلي أو في عمليات الهدم والإزالة التي تلت ذلك.

واتهم إسرائيل أيضاً بمواصلة تدمير بعض مناطق غزة التي لا تزال قواتها منتشرة فيها، قائلاً إن الجرافات تعمل «دون أي احترام للموتى تحت الأنقاض».

وأشارت إحصاءات إسرائيلية إلى أن هجوم «حماس» على إسرائيل في 2023 أسفر عن مقتل 1200 شخص واقتياد 251 رهينة إلى غزة.

وقالت السلطات الصحية في القطاع إن أكثر من 73 ألف فلسطيني قُتلوا في الحملة العسكرية التي شنتها إسرائيل على غزة رداً على هجوم «حماس» عليها.

وتقول إسرائيل إنها بذلت جهوداً كبيرة لتجنب وقوع ضحايا من المدنيين، وإن «حماس» تستخدم المدنيين في المناطق المكتظة بالسكان في غزة دروعاً بشرية، وهو اتهام تنفيه الحركة الفلسطينية.

ودعا تورك إلى السماح للمحققين الدوليين بالوصول إلى جميع أنحاء غزة للمساعدة في الحفاظ على الأدلة، مشيراً إلى أن هناك إجراءات قانونية جارية لفحص السلوك أثناء الحرب.

وجاء في بيان تورك، أن إسرائيل منعت دخول الآلات الثقيلة اللازمة لإزالة الأنقاض، وقالت فرنشيسكا ألبانيزي، خبيرة الأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية، إنه ينبغي جمع الأدلة والتعرف على رفات الضحايا قبل بدء عمليات إزالة الأنقاض بالكامل.

وقال الدفاع المدني الفلسطيني هذا الشهر إنه تم انتشال جثث ورفات 96 شخصاً من موقع واحد في منطقة الزيتون بمدينة غزة، من بينهم 58 طفلاً و23 امرأة.


مقالات ذات صلة

دعوى قضائية تتهم جامعة كولومبيا بعدم حماية الطلاب المؤيدين للفلسطينيين

الولايات المتحدة​  الناشط الطلابي محمود خليل متحدثا خلال المؤتمر الصحافي (إ.ب.أ)

دعوى قضائية تتهم جامعة كولومبيا بعدم حماية الطلاب المؤيدين للفلسطينيين

وقال خليل في مؤتمر صحفي بجامعة كولومبيا للإعلان عن الدعوى القضائية إن الجامعة أظهرت «تعصبا ضد الفلسطينيين» متجذرا في كل قسم ومدعوما من مجلس أمنائها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي خدّج في مستشفى «الشفاء» بغزة أُخرجوا من الحضانات بعد انقطاع الكهرباء في نوفمبر 2023 (رويترز)

وقف تزويد الوقود يزيد آلام القطاع الصحي في غزة

صُدم القائمون على إدارة المنشآت الصحية في غزة، بإبلاغهم رسمياً من «منظمة الصحة العالمية» بوقف تزويد المستشفيات والمراكز الصحية بالوقود بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية فلسطينيات يبكين محمد اليازوري الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية الخميس الماضي قبيل تشييع جثمانه في خان يونس جنوب غزة (أ.ب)

«سعي رسمي لسحب جنسية المخرجَين»... هجمة إسرائيلية على فيلم عن غزة

أعلن وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي، ميكي زوهار، أنه سيعمل على سحب الجنسية من مخرجَي فيلم «نازا» الإسرائيليين، بعد كشفه عن جرائم حرب وإبادة في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ جاريد كوشنر (إ.ب.أ) p-circle

كوشنر: واشنطن استغلت عزلة إسرائيل بعد هجوم الدوحة لإبرام اتفاق غزة

كشف جاريد كوشنر تفاصيل لافتة بشأن الدور الذي لعبه الهجوم الإسرائيلي على الدوحة العام الماضي في مسار التوصل إلى اتفاق بشأن القطاع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يوفال أبراهام وراشيل تسور يتسلمان جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمهما «نازا» (أ.ف.ب)

وزير إسرائيلي يتعهد بتجريد صانعي فيلم «نازا» من الجنسية

هدد وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار بتجريد صانعي فيلم «نازا» يوفال أبراهام وراشيل تسور من جنسيتهما.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

احتجاجات في شمال شرقي سوريا على رفع أسعار المحروقات

محتجون بريف الحسكة قطعوا طريق M4 أمام صهاريج نقل النفط الخام احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات في سوريا (مواقع تواصل)
محتجون بريف الحسكة قطعوا طريق M4 أمام صهاريج نقل النفط الخام احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات في سوريا (مواقع تواصل)
TT

احتجاجات في شمال شرقي سوريا على رفع أسعار المحروقات

محتجون بريف الحسكة قطعوا طريق M4 أمام صهاريج نقل النفط الخام احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات في سوريا (مواقع تواصل)
محتجون بريف الحسكة قطعوا طريق M4 أمام صهاريج نقل النفط الخام احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات في سوريا (مواقع تواصل)

تظاهر المئات، الثلاثاء، في مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية في شمال شرقي سوريا؛ احتجاجاً على رفع الحكومة أسعار المحروقات من مشتقات النفط، على خلفية النزاع المستمر في الشرق الأوسط وإغلاق المضائق، غداة احتجاجات مماثلة في مناطق أخرى.

وشاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» متظاهرين من رجال ونساء يجولون شوارع مدينة القامشلي رافعين لافتات كتب على بعضها بالعربية «لا لسياسة التجويع»، و«حافظوا على قوت الشعب»، و«لا لرفع أسعار المحروقات»، بينما ردّد بعضهم عبارة «نفطنا ملك الشعب».

وقال عبد الرحمن خليل (56 عاماً): «هذا القرار قرار خاطئ، إنه قرار ضد الفلاحين والعمال والطلاب، ضد كل الفقراء في سوريا».

وأضاف: «هذه الحكومة تقوم بإذلال الشعب السوري وتجويعه وجعله فقيراً ليبقى يحلم بتأمين لقمة عيشه»، مؤكداً أن الشعب «لن يسكت على هذا القرار».

وقالت خنساء نعمت (48 عاماً) خلال مشاركتها بالمظاهرة: «نحن نطالب بحقنا، يجب أن تعود أسعار المازوت كما كانت، وكذلك أسعار الخبز، ويجب أن يرضخوا لطلبات الناس».

وكانت السلطات السورية قد أعلنت، الأحد، زيادة مؤقتة في أسعار المحروقات، وارتفع سعر ليتر المازوت بنسبة 40 في المائة، فيما زاد سعر البنزين بنسبة 26 في المائة، في بلد ما زال فيه الدخل الفردي محدوداً ويعيش غالبية سكانه تحت خط الفقر منذ سنوات النزاع، بحسب الأمم المتحدة.

محتجون يغلقون أوتوستراد الرقة - دير الزور احتجاجاً على رفع سعر المحروقات (نورث برس)

واحتجاجاً على القرار، اندلعت منذ الأحد احتجاجات في مناطق متفرقة من شمال وشمال غربي وشمال شرقي البلاد، من محافظة إدلب والحسكة وحلب ودير الزور والرقة ودرعا، وغيرها.

وبرّرت السلطات ارتفاع أسعار المحروقات بارتفاع الأسعار في أسواق الطاقة العالمية على خلفية الحرب في المنطقة، في وقت تعتمد فيه سوريا على الاستيراد بشكل كبير لتأمين احتياجاتها من مشتقات النفط، فيما لا تزال البنى التحتية للطاقة في البلاد مترهلة نتيجة أكثر من عقد من الإهمال.

وأنهكت سنوات الحرب الاقتصاد السوري ودمرت البنية التحتية ومصادر رزق واسعة، فيما فاقم الغلاء وتدهور قيمة العملة صعوبات تأمين الاحتياجات الأساسية. وقدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار.

وقفة احتجاجية لأهالي بلدة تل براك شرق الحسكة رفضاً لارتفاع أسعار المحروقات يوم الاثنين (شبكة الشرقية 24)

وتعدّ هذه المظاهرات الأوسع نطاقاً منذ وصول السلطات الجديدة إلى الحكم بعد إطاحة الرئيس بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، رغم تعهدها بالعمل على إنعاش الاقتصاد وإعادة تأهيل البنية التحتية ومؤسسات الدولة بعد أكثر من عقد من الحرب.

وتضمّ منطقة شرق وشمال شرقي سوريا أكبر حقول النفط والغاز في البلاد، وهي باتت تحت سلطة الدولة بعدما بسطت سيطرتها في وقت سابق من هذا العام على المناطق التي كانت خاضعة للقوات الكردية.


سلام: تكلفة حربين على لبنان منذ عام 2023 قد تتجاوز 27 مليار دولار

 رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (د.ب.أ)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (د.ب.أ)
TT

سلام: تكلفة حربين على لبنان منذ عام 2023 قد تتجاوز 27 مليار دولار

 رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (د.ب.أ)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (د.ب.أ)

أكد رئيس الحكومة نواف سلام، اليوم (الثلاثاء)، أن «الواقع في لبنان صعب جداً، ولكن الخروج منه ليس مستحيلاً إذا وُضعت المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار»، مشيراً إلى أن تكلفة حربين على لبنان منذ عام 2023 قد تتجاوز 27 مليار دولار، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وأضاف سلام، في كلمة اليوم في مستهل الجلسة العامة للمجلس النيابي التي عُقدت لمناقشة الحكومة، أن «حرباً فُرضت على لبنان في مارس (آذار) الماضي»، موضحاً أن «تكلفة الحرب الأولى التي بدأت في الثامن أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حسب تقدير البنك الدولي، بلغت نحو 14 مليار دولار، فيما التكلفة المباشرة للحرب الأخيرة التي بدأت في الثاني مارس، بلغت حتى الآن، في تقدير أوّليّ للبنك الدولي، بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار».

وأشار إلى أن «الحربين معاً كلفتا لبنان بالتأكيد أكثر من 20 مليار دولار، وقد تتجاوز تكلفتهما الإجمالية 27 مليار دولار عندما يكتمل احتساب حرب 2026».

وأضاف: «بعد أن شهد بلدنا نمواً اقتصادياً بنسبة 4.2 في المائة العام الماضي، مما كان يشكّل بداية لتعافٍ تدريجي، عدنا إلى انكماش مقدّر بنسبة 6.4 في المائة هذا العام».

وأعرب رئيس الوزراء عن مخاوف الحكومة «البالغة الخطورة من النقص الجدي في التمويل والدعم الدوليين مقارنةً باستجابة عام 2024»، مشيراً إلى أن «التمويل المؤمّن لم يتجاوز ما نسبته 49.8 في المائة من إجمالي الاحتياجات، مقارنةً بنسبة تغطية بلغت 94.9 في المائة عام 2024».

وقال: «هدفنا ليس أن ندير نزوح أهل الجنوب، بل أن نعيدهم إلى أرضهم»، مشيراً إلى أن «حجم الدمار أكبر بكثير من قدرة الدولة، بمواردها الحالية. ولذلك فإن إعادة الإعمار والتعافي يحتاجان إلى دعم عربي ودولي وتمويل خارجي كبير».

وتابع: «نريد إنهاء الحرب. وهدفنا انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية، والإفراج عن كل أسرانا، وعودة آمنة وكريمة لأهلنا إلى قراهم وبلداتهم، التي نريد إعادة إعمارها. ولهذا الغرض، وبموجب المادة 52 من الدستور، يتولّى اليوم رئيس الجمهورية وبالاتفاق معي كرئيس للحكومة، المفاوضات مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة».

وأعلن سلام أن «الإطار الثلاثي الذي اتُّفق عليه في المفاوضات يشكّل مرجعاً في المسار التفاوضي. لكنه ليس اتفاقاً بالمعنى القانوني للكلمة، بل إطار سياسي. وهو ليس اتفاقية منجزة ليتم عرضها على مجلس الوزراء بهدف إبرامها».

وأوضح أن «الإطار الثلاثي تضمن سلسلة تدابير تنفيذية، وإن كانت من دون روزنامة، تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار للجيش اللبناني».

وأشار إلى أن التزام لبنان الرئيسي في الإطار الثلاثي «هو حصر السلاح بيد الدولة. وهذا لا جديد فيه، فقد التزمت به حكومتنا في بيانها الوزاري، ومنحتموها الثقة على أساسه».

وقال سلام: «لن نستعيد النمو والثقة من دون استكمال الإصلاح المالي والمصرفي»، مؤكّداً «أهمية التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد، كخيار أساسي التزمت به حكومتنا في بيانها الوزاري».

وأعلن أن «أي إنفاق إضافي غير ممول قد يعني مزيداً من الضغط على السيولة، ومزيداً من الضغط على العملات الأجنبية».

ولفت رئيس الحكومة إلى أن «معالجة أزمة الكهرباء وبناء معامل جديدة تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات. والدولة اليوم لا تستطيع تأمينها وحدها».

ورأى سلام أنه «لا استقرار مستداماً من دون بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية وحدها، وحصر قرار الحرب والسلم بالدولة دون سواها».


الرئيس اللبناني يدفع نحو «إنجازات تفاوضية» ويتعامل بحذر مع مؤشرات تراجع التصعيد جنوباً

الرئيس عون متفقداً الدمار الذي حل بمدينة النبطية السبت الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس عون متفقداً الدمار الذي حل بمدينة النبطية السبت الماضي (أ.ف.ب)
TT

الرئيس اللبناني يدفع نحو «إنجازات تفاوضية» ويتعامل بحذر مع مؤشرات تراجع التصعيد جنوباً

الرئيس عون متفقداً الدمار الذي حل بمدينة النبطية السبت الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس عون متفقداً الدمار الذي حل بمدينة النبطية السبت الماضي (أ.ف.ب)

تتعامل السلطات اللبنانية بحذر بالغ مع التسريبات الإسرائيلية المتواصلة بشأن الانسحاب من بعض المناطق في جنوب لبنان، في ظل غياب المعلومات بشأنها من قبل الوسيط الأميركي الذي لم ينقل إلى بيروت بعد أية معطيات موثوقة بهذا الشأن.

ويعتقد مصدر رسمي لبناني رفيع المستوى أن التباين الحاصل بين الجانبين السياسي والعسكري في إسرائيل في موضوع شكل البقاء في لبنان «لا يعني أن الأمور سالكة في ظل التعثر المستمر في الجانب التفاوضي». ويوضح المصدر أن عدم تسهيل إسرائيل لعملية التفاوض أدى إلى خفض مستوى التفاوض إلى درجة السفراء، كما هو حاصل الآن في واشنطن، وبالتالي لا يوجد من يمكن أن يوحي بمصداقية للمؤشرات الميدانية المعاكسة.

جرافات إسرائيلية تشق طرقاً في منطقة «الشقيف» الجبلية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ورغم أن الهجمات الإسرائيلية استمرت في محيط تلال علي الطاهر بعد تفجير الأنفاق التي دخلتها قواتها، فإن اللافت كان التراجع الواضح في وتيرة هذه الهجمات. وهو ما ترافق أيضاً مع تسريبات إسرائيلية بثتها القناة 12 المعروفة بقربها من دوائر الأمن والجيش عن استعداد تل أبيب للانسحاب نحو «الخط الرمادي».

ومع أن هذه التسريبات تلتها تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي ربطت الانسحاب بسحب سلاح «حزب الله»، إلا أن وقائع الميدان في محيط مدينة النبطية تشبه التسريبات أكثر من التصريحات. وتقول مصادر ميدانية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الإسرائيلية أخلت تلال علي الطاهر وانكفأت نحو قلعة بوفور قرب بلدة أرنون.

وترجح المصادر أن تكون بلدة كفرتبنيت التي تقع ما بين التلال والقلعة ذات الموقع الاستراتيجي باتت خالية أيضاً من الوجود الإسرائيلي. كما أن القوات الإسرائيلية أنجزت طريقاً عسكرياً يربط قلعة الشقيف بمواقع إسرائيلية جنوب نهر الليطاني دون الحاجة للمرور بقرى لبنانية أخرى شمال النهر توجد فيها القوات الإسرائيلية حالياً. وتذهب المصادر إلى ما أبعد من ذلك، بالإشارة إلى أن الوضع الميداني «لا يؤشر حتى الساعة إلى نية إسرائيلية تصعيد أكبر في محيط النبطية، من خلال حجم القوات التي تحشدها إسرائيل في المنطقة، ومن خلال تصرفاتها الميدانية».

علي الطاهر... بانتظار المفاوضات

وقال مصدر رسمي لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل، بادر بعد تفجيرات علي الطاهر للتواصل مع المسؤولين العسكريين الأميركيين في «سنتكوم»، معلناً استعداد الجيش اللبناني للانتشار في منطقة تلال علي الطاهر. وأشار المصدر إلى أن الأميركيين تواصلوا مع قيادة المنطقة الشمالية للجيش الإسرائيلي، وعادوا برد مفاده أن إسرائيل «تفضل ترك الموضوع للمفاوضات الجارية على المستوى السياسي» بين بيروت وتل أبيب.

وزير الخارجية ماركو روبيو يصافح سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة عقب توقيع اتفاق الإطار (أرشيفية - أ.ب)

وينتظر أن تعقد جلسة تفاوض جديدة بين لبنان وإسرائيل في مطلع الشهر المقبل، بعد أن طلب الرئيس اللبناني جوزيف عون من الأميركيين تأجيل الاجتماع الذي كان مقرراً في روما منتصف الشهر الحالي.

وقال المصدر إن عون طلب التأجيل بسبب عدم التجاوب الإسرائيلي مع المطالب اللبنانية واستمرار التصعيد العسكري، وآخره في «علي الطاهر». وأوضح أن عون اشترط جدول أعمال محدداً يسمح بتحقيق تقدم فعلي في المفاوضات لأنه يعتبر أنه لا جدوى من «التفاوض من اجل الصورة فقط». وكشف أن تعليمات عون للسفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض التي تلتقي بنظيرها الإسرائيلي اليوم في واشنطن تختصر بسبر إمكانية التقدم في المفاوضات في مجال تثبيت وقف نار حقيقي، واستكمال عملية إطلاق الأسرى اللبنانيين.

الرئيس عون متفقداً الدمار الذي حل بمدينة النبطية السبت الماضي (أ.ف.ب)

زيارة النبطية... تليها زيارة لمدينة صور

وأشار المصدر إلى أن زيارة رئيس الجمهورية إلى النبطية وجوارها، كانت البداية. كاشفاً أن عون سوف يزور أيضاً مدينة صور الساحلية التي تتمتع بأفضلية بسيطة في وضعها الميداني مقارنة بمدينة النبطية. وقال المصدر إن عون خرج بـ«مشاعر سيئة جدا» جراء ما شاهده في المدينة. ونقل عنه قوله إنه كان يعرف مسبقاً بحجم الدمار والمعاناة، لكن ما رآه بأم العين زاد من مخاوفه وقلقه.

وقال المصدر إن عون بادر بعدها إلى الضغط على الدوائر الرسمية اللبنانية للعودة «الفعلية» إلى المدينة وبقية مناطق الجنوب. وهو طلب من الوزارات المعنية تكثيف عملها في المدينة لدعم صمود أهلها الذين «لا يريدون سوى الأمن والأمان والحياة الكريمة في منازلهم». وأشار إلى أن عون طلب تسريع عملية إعادة بناء السراي الحكومية في المدينة بعد الدمار الذي لحق بها. وأنه طلب تسريع عملية صرف مبلغ 3 ملايين دولار خصصتها الحكومة لهذه الغاية خوفاً من أن يؤخرها الروتين الإداري أكثر من المطلوب. كما طلب من وزارة المال تخصيص قطعة أرض تملكها في المدينة لإعادة بناء مركز لجهاز أمن الدولة بديلاً لمركز دمرته الغارات الإسرائيلية أيضاً.

ويعتقد عون، أن عودة الدولة إلى الجنوب «يجب أن تكون فعلية، وفي المجالات كافة وليس بالأمن فقط». فالجيش اللبناني ينتشر في المدينة ومحيطها، كما الأمن العام وأمن الدولة وقوى الأمن الداخلي، لكن الجنوبيين يحتاجون إلى كل ما يسهل تشبثهم بأرضهم في ظل عدم القدرة المالية للدولة على إعادة الأعمار حالياً.

العلاقة مع «حزب الله»... قطيعة ومطبات

لم تكن مقاطعة «حزب الله» لزيارة عون إلى النبطية، والتشهير بها لاحقاً، إلا مجرد مظهر آخر من مظاهر القطيعة القائمة مع الحزب الذي يأخذ عليه عون «عدم المرونة» في مقاربة الملفات المطروحة، وعدم مراعاته لمصلحة البيئة الشيعية التي دفعت ثمناً هائلاً من أرواح أبنائها وممتلكاتهم والبنى التحتية في المناطق التي يعيشون فيها. واللافت أن علاقة عون بالحزب، منذ كان قائداً للجيش كانت قائمة على «النصائح» والتحذيرات التي لا يأخذ بها الحزب. بداية مع عملية «طوفان الأقصى» ودخول الحزب على خطها، ثم مع إسناد إيران في مارس (آذار) الماضي. في المرتين نقل عون إلى الحزب ضرورة عدم الانخراط في الحرب. لكن الحزب لم يتجاوب.

آخر هذه الاتصالات كانت مع «علي الطاهر» الموقع الذي استطاع عون أن يأخذ من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو موافقة إسرائيلية على عدم التقدم نحوه، مقابل انتشار الجيش فيه. يومها أجاب الحزب عبر أحد الوسطاء بنعم مشروطة بعدم دخول الجيش إلى الأنفاق، وبلا جازمة عبر وسيط آخر، قبل أن تغلب لغة الرفض على الجانبين لاحقاً.

لغاية الآن، لم يفهم عون سبب تفضيل الحزب تسليم الموقع للإسرائيليين على تسليمه للجيش اللبناني، مع كل ما كان يعنيه هذا الخيار من حفاظ على مدينة النبطية والبلدات المحيطة بها.