يبلغ المسرح اللبناني اليوم ذروة نهضته، مع غزارة الأعمال التي يقدّمها وتنوّع الموضوعات التي يتطرّق إليها. وفي قصصه وحكاياته، يعكس هموم جيل اليوم وتطلعاته، فيلامس قضاياه من زوايا مختلفة، ويقدّم في الوقت نفسه مساحة للترفيه والابتعاد عن ثقل الواقع.
في مسرحية «يلّا أنماتش» (Yalla Unmatch)، من إنتاج جنى أبي غصن وبطولتها، نتابع عملاً مسرحياً حديثاً بامتياز، اختارت تقديمه في قالب خفيف وترفيهي. فهي ترى أن الناس اليوم يحتاجون إلى مساحة تجمع الابتسامة والضحك والرومانسية. ومن خلال فكرة شيّقة تحاكي الجيل الجديد، تتطرّق كاتبة العمل ريّسا البرجي إلى موضوعَي التواصل والحوار الغائبين عن علاقات جيل بأكمله. وتستند إلى عالم تطبيقات التعارف الإلكترونية ومواقع التواصل الشهيرة، مثل «فيسبوك» و«إنستغرام»، التي تسهّل اللقاءات بين الأشخاص، لتنطلق منها في بناء فكرة المسرحية.

يبدأ عرض المسرحية على خشبة «المونو» في بيروت، في 17 سبتمبر (أيلول) الحالي، ويستمر حتى 20 منه. ويستغرق العرض نحو 60 دقيقة، يمضيها الحضور في أجواء تنبض بالديناميكية والضحك. وتشير جنى أبي غصن إلى أنها استمعت إلى قصص حقيقية وأجرت بحوثاً دقيقة لتوليد عمل يعكس الواقع اللبناني اليوم. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كان من البديهي أن أبحث وأصغي إلى حكايات تحصل حولنا. وعندما ولدت الفكرة عندي، اتصلت بالكاتبة ريّسا البرجي، وطلبت منها حبكة مسرحية تتمتع بالتلقائية، بعيداً عن الخطاب والوعظ».
وتؤكد أن هذه التطبيقات رائجة اليوم في لبنان والعالم العربي، بسبب نقص ملحوظ في التواصل بين أبناء هذا الجيل. وتضيف أنّ النص الذي تتألّف منه المسرحية يرتكز على طبقات، مما يثريه بموضوعات تسلّط الضوء على العلاقات الاجتماعية بشكل عام. وتتابع: «جيل اليوم ينكبّ على متابعة الأخبار بشكل دائم عبر التطبيقات. وهو يرى فيها جسراً طبيعياً للتواصل مع الأصدقاء والأقرباء. وفي المقابل، نجده يواجه صعوبة في التواصل المباشر من خلال لقاءات تُعقد وجهاً لوجه. وقد تعمّقنا في هذه المشكلة وشرحنا تفاصيل صغيرة تواكبها، فجاء العمل نابعاً من الواقع بشكل واضح، فيشعر الحضور كأنه يخاطبهم بلسان حالهم».
وتهدف المسرحية إلى استقطاب جيل العشرينات، الذي يُعدّ الأكثر تعلّقاً بوسائل التواصل الاجتماعي. وتعلّق جنى أبي غصن: «رغبنا في إحداث تواصل مباشر بيننا وبين الجيل الجديد عبر هذه المسرحية. كما أن هذه الفئة بالذات هي الأقل ارتياداً للمسرح، فرأينا أن مخاطبتها مباشرةً بموضوع يهمّها قد تحضّها على ارتياده».
أما قصة العمل، فتحكي عن زوجين، يؤدّي دوريهما جنى أبي غصن وعمر فيّاض، يعودان من سهرة زفاف ويتشاركان الحديث في موضوع سبق أن أجّلا التطرّق إليه أكثر من مرة. ويطرحان أسئلة، مستعيدين أحداثاً وذكريات معيّنة، يتناولها كلّ منهما على طريقته. وتستطرد: «نلاحظ خلال الحوار اختلاف كلّ شخص في استعادة ذكرياته، فلكلّ منهما وجهة نظر معيّنة ينطلق منها. وعلى مدى ساعة، يضجّ المسرح بالترفيه والضحك ورسائل اجتماعية تميل إلى الرومانسية».
وعن سبب التباعد الاجتماعي الذي يعانيه جيل اليوم، تقول: «أعتقد أن كثيرين يوجدون خارج لبنان للدراسة أو العمل. وقد فاقم هذا الأمر النقص في العلاقات الثنائية، إذ لم تعد تتاح للشاب أو الفتاة فرصة التعرّف إلى أحد ضمن علاقة تنتهي بالارتباط. في العلاقات الطبيعية، المطلوب الوضوح واللقاء والتحاور. أما البُعد، فيغيّب هذه اللقاءات، وهو ما نسلّط الضوء عليه مباشرة في المسرحية».
وتؤكد جنى أبي غصن أن العمل سيحبّه جيل الشباب ومن هم أكبر سناً أيضاً، وأن الأهالي سيستمتعون بالتعرّف إلى ما يدور في أذهان أولادهم بهذا الشأن، فيطّلعون على رؤيتهم المستقبلية لعلاقاتهم الاجتماعية والرومانسية.
وعن الصعوبة التي واجهتها في ترجمته على المسرح، تجيب: «تفادي أسلوب الوعظ والنصائح، فألغيناه تماماً من النص، ليكون العمل انسيابياً ولا يملّ منه المتابع. فنحن لسنا بصدد حملة توعية، بل ننقل واقعاً نعيشه».

وسبق أن شاركت جنى أبي غصن في أكثر من عمل مسرحي، بينها «سباحة بالهوا»، و«سجن النساء»، و«شهرزاد». ولكونها تخصّصت في المسرح والتمثيل، وجدت في الخشبة الوسيلة الأفضل لنقل الواقع. وتقول في هذا السياق: «الخشبة هي الساحة الأوسع للتعبير من دون قيود. كما أن الناس يفضّلون ارتياد المسرح لأنهم يشعرون بالتفاعل مع ممثليه وأبطاله. فالمسافة بين الجمهور والخشبة لا تتجاوز أمتاراً قليلة، مما يولّد أجواء تقرّب بين الطرفين».












