قال المخرج التونسي الطاهر عيسى، مخرج العرض المسرحي «لا موضة- Show Off»، الفائز بجائزة «أفضل مخرج» في الدورة الثالثة والثلاثين من «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي»، إن اختياره عالم الموضة مدخلاً للعرض جاء بوصفها «تجلياً صارخاً لآليات النظام الرأسمالي المعاصر»، موضحاً أنها لم تعد مجرد أزياء أو صرعات عابرة، وإنما أصبحت بنية تفرض الذوق العام، وتوجه السلوك نحو الاستهلاك، وتعيد تشكيل هوية الإنسان وقيمته وفقاً لما يستهلكه.
وأضاف الطاهر في حوار مع «الشرق الأوسط» أن عنوان «لا موضة- Show Off» يعكس حالة التداخل الثقافي التي يعيشها الإنسان المعاصر، موضحاً أن عبارة «لا موضة» تحمل موقفاً نقدياً رافضاً للنمطية والاتباعية الاستهلاكية، كما تشير «Show Off» إلى ثقافة الاستعراض والمباهاة التي فرضتها العولمة، والجمع بين التعبيرين يجسد صراع الذات بين جذورها المحلية وشبكات الهيمنة الثقافية والتسويقية العابرة للحدود.
وتدور فكرة العمل حول الإنسان داخل عالم تحكمه الموضة والاستهلاك والاستعراض؛ حيث تتحول الصورة إلى جزء أساسي من الوجود اليومي، ويصبح الفرد مطالباً باستمرار بتقديم نسخة معينة من نفسه أمام الآخرين. ومن خلال الحركة والأداء الجسدي والرقص والسيرك والميديا الرقمية، يضع العرض الإنسان أمام منظومة تدفعه إلى التكرار والتشابه، وتطرح سؤالاً حول المساحة التي ما زالت متاحة له ليكون ذاته بعيداً عن ضغط السوق والصورة.

وأشار الطاهر عيسى إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي وسَّعت مفهوم الاستعراض ليصبح «شرطاً وجودياً يومياً»، فأصبح الإنسان المعاصر يوثق حياته لا ليعيشها، وإنما ليستعرضها أمام الآخرين، لافتاً إلى أن هذه الواقعية الافتراضية أثرت في رؤيته الإخراجية، ودفعت إلى تفكيك العلاقة بين «الإنسان والآلة»، بعدما أصبحت التكنولوجيا والشبكات جزءاً من منظومة تؤطر الإنسان وتحوله في الوقت نفسه إلى منتج ومستهلك.
وأكد أن هدفه لم يكن تقديم خطاب مباشر أو موعظة أخلاقية حول الاستهلاك، وإنما تفكيك آلياته من خلال الصورة والأداء، موضحاً أن العرض يطرح أسئلة متعددة الدلالات، ويكشف التناقضات على الخشبة، ثم يترك للمشاهد حرية القراءة واكتشاف موقفه بنفسه، عبر رهان على إشراك المتلقي في التجربة، بدلاً من فرض رؤية إخراجية محددة عليه أو تقديم إجابات جاهزة.
وأضاف أن الأداء الجسدي كان ضرورياً للتعبير عن حالة التشظي النفسي والضغط الذي تفرضه المنظومة الاستهلاكية، موضحاً أن الجسد في حالته الحرجة يستطيع التعبير عن القهر والتدجين والتكرار الآلي، بصورة يصعب على الكلمات الوصول إليها.

وأشار إلى أن «العرض تعمَّد في البداية تقديم عالمه بوصفه فرجة غرائبية بعيدة عن المشاهد، قبل أن يكشف تدريجياً أن المتلقي نفسه جزء من هذه المنظومة»، مؤكداً أن الرهان كان على إحداث صورة فنية مباغتة، ينتقل خلالها الجمهور من موقع المشاهد المحايد إلى موقع الشريك الذي يكتشف أنه يمارس الآليات الاستهلاكية ذاتها في حياته اليومية، لتتحول الفُرجة إلى مساءلة للذات.
ويرى عيسى أن التجريب المسرحي لا ينبغي أن يتحول إلى استعراض شكلي؛ لأن التجريب الحقيقي هو بحث مستمر عن أشكال جديدة للتعبير، وربط الفن بالإنسان والتاريخ؛ مشيراً إلى أن التجريب يصبح غاية فارغة عندما يكتفي بالشكليات أو الاستخدام المجاني للتقنيات والوسائط، من دون ضرورة فنية أو فكرية.
وأكد أن المسرح التجريبي قادر على الوصول إلى جمهور واسع، إذا امتلك الصدق الجمالي والوضوح الدلالي، معتبراً أن الفصل بين المسرح التجريبي والمسرح الجماهيري ليس حتمياً؛ لأن التجريب الحقيقي يخاطب وعي الإنسان وحواسه مباشرة. ونجاح العرض في التواصل مع الجمهور يرتبط بقدرته على خلق حالة تفاعلية حية تلامس قضايا المتلقي، إلى جانب امتلاك أدوات مناسبة للتواصل معه.

وقال إن هذا العمل -مقارنةً بأعماله السابقة- شهد مجازفة أكبر في كسر البناء الدرامي التقليدي، واختبار مسرح ما بعد الدراما، مع محاولة تحقيق توازن بين الصرامة الفنية والتواصل مع الجمهور، وهو ما جعله محطة مهمة في مساره الإبداعي.
وأضاف أن موضوع التسليع والاستهلاك يتجاوز الحدود الجغرافية؛ لأنه يمس الإنسان المعاصر في مجتمعات مختلفة، معتبراً أن استقبال الجمهور المصري أثبت قدرة العرض على الانتقال من خصوصيته التونسية إلى سؤال إنساني أوسع.
وأشار إلى أن المشاركة في «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» وفر للعرض فرصة الاحتكاك بتجارب مسرحية دولية من دول عدة، بينها سويسرا وإسبانيا وبيلاروسيا وفرنسا، موضحاً أن هذا التنوع أتاح له مقارنة أدواته الفنية بتجارب مختلفة، لافتاً إلى أن المهرجان لم يكن فقط مساحة للعرض، وإنما وفَّر أيضاً بيئة للتواصل الفني والمعرفي، وإعادة قراءة التجربة ضمن سياق مسرحي أوسع.

وأكد أن حصوله على جائزة أفضل مخرج يمثل تكريماً لمسار البحث الفني الذي خاضه مع العرض، ولكنه لا يغير جوهر التجربة التي اكتملت أساساً من خلال تفاعلها مع الجمهور، معتبراً أن الجائزة تضاعف مسؤوليته الإبداعية، وتمنحه دافعاً للاستمرار في البحث والتجديد، محذراً في الوقت نفسه من أن يتحول النجاح إلى نمطية تحد من المغامرة الفنية.
وأوضح أن خصوصية العرض التونسية ظهرت من خلال أجساد الممثلين وإيقاعهم، والذاكرة الأدائية المرتبطة ببيئتهم، بينما انفتح الطرح الفكري والوسائطي على قضايا إنسانية تتجاوز الحدود.
وقال إن الانطلاق من المحلية لم يكن عائقاً أمام الوصول إلى العالمية؛ بل كان وسيلة للوصول إليها؛ لأن التجريب الحقيقي -من وجهة نظره- لا يلغي الهوية، وإنما يستثمرها في طرح أسئلة تتعلق بالإنسان المعاصر.







