«مش للكل» تطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل البشرية

ضمن رؤية طليعية تتجاوز المألوف

مسرحية «مش للكل» تُعرَض على مسرح «مونو» في بيروت (الشرق الأوسط)
مسرحية «مش للكل» تُعرَض على مسرح «مونو» في بيروت (الشرق الأوسط)
TT

«مش للكل» تطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل البشرية

مسرحية «مش للكل» تُعرَض على مسرح «مونو» في بيروت (الشرق الأوسط)
مسرحية «مش للكل» تُعرَض على مسرح «مونو» في بيروت (الشرق الأوسط)

في ظلِّ تنامي الذكاء الاصطناعي وهيمنته على المهن والعلاقات الاجتماعية، تطرح مسرحية «مش للكل» أسئلة مصيرية حول مستقبل البشرية. وبرؤية طليعية وأسلوب يخرج على المألوف، قدَّم المخرجان كريم شبلي وسارة عبدو العمل على خشبة مسرح «مونو».

وبمشاركة أبطالها: إيلي متري ونور حجار وسارة عبدو، استطاعت المسرحية أن تجذب الحضور بقالبها الحديث وخفّة ظل نجومها، مقدِّمةً موضوعاً جدياً بأسلوب يجمع بين الطرح الفكري والكوميديا.

تتمحور الموضوعات التي تتناولها المسرحية حول هاجس المستقبل والخوف مما يحمله الغد. فهي تُشرِّح واقعاً شائكاً وغامضاً يعيشه اللبنانيون، شأنهم شأن سائر شعوب العالم، في ظلِّ التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. فكيف ستكون طبيعة مستقبلنا؟ ومَن سيقف وراء قراراتنا؟ وهل سنبقى أصحاب القرار في حياتنا، أم نترك للآلة مساحة متزايدة للتحكُّم فيها؟ والأهم، هل سيبقى الإنجاب خياراً شخصياً في زمن تتَّسع فيه المخاوف من مخاطر الذكاء الاصطناعي وانعكاساته على مستقبل الأجيال المقبلة؟

وسط ديكورات بسيطة وأضواء خافتة، تدور أحداث العمل، بينما يتحكَّم في خيوطها ما يُسمَّى «النظام». وهو، باختصار، وليد الذكاء الاصطناعي الذي يفرض اختباراً دقيقاً على أشخاص يرغبون في الإنجاب، ليقرِّر ما إذا كانوا يستحقون هذه الفرصة أم لا. وتحت الضغط والقمع، يخضعون لهذه التجربة، بعدما لم يعد قرار الإنجاب متاحاً لأيٍّ كان.

يحرص مخرجها على تقديم المختلف من خلالها (الشرق الأوسط)

فثمّة شروط ومعايير اجتماعية لا بدَّ أن يستوفيها كلُّ من يرغب في تولِّي هذه المسؤولية. ومن خلال الاختبارات، يتوقّف كاتبا العمل ومخرجاه عند تفاصيل حياتنا اليومية، ويضعانها أمام مرآة النظام الجديد، محفِّزين الحضور على مساءلة أنفسهم فعلاً: هل نحن مستعدون لاتخاذ قرار بهذا الحجم، أم أننا نحتاج إلى مَن يقرِّر عنّا؟

ويقول مخرج العمل كريم شبلي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه أعاد مع سارة صياغة المسرحية أكثر من 40 مرة، ولم تستقر في القالب الذي قُدِّمت فيه إلا بعد نحو عام ونيّف من التحضير. ويتابع: «إنها من أصعب المسرحيات التي نفَّذتها في مشواري المسرحي. فهي ترتكز على عالم لا يشبه عالمنا، مما ولَّد لدينا تحديات كثيرة. وكان هدفنا الرئيسي أن يستطيع الحضور استيعاب رسائلها البديهية والعميقة في آنٍ واحد».

شبلي، الذي سبق أن قدَّم مسرحيات ناجحة، من بينها «غمّض عين فتّح عين»، و«معمول»، و«جرّة غاز سبيسيال»، يؤكد أن «مش للكل» تفوَّقت عليها من حيث صعوبة الموضوع الذي تتناوله؛ فهي تطرح هواجس جيل التسعينات ومخاوفه من العيش في عالم عبثي، وتحاول، بالتالي، تنبيه جيل اليوم إلى ما قد ينتظره عندما يبلغ سن الزواج والإنجاب. فهذه القرارات المفصلية قد تتبدَّل برمَّتها وتأخذ منحى مغايراً تماماً، لا سيما أن العلاقات الاجتماعية باتت مهددة بالانقراض.

ويشرح شبلي في سياق حديثه: «هناك بعض الأشخاص الذين يستخفّون بالأبوة والأمومة، وآخرون متسرِّعون يتخذون قرارهم بين ليلة وضحاها. فالعلاقات الإنسانية، مهما اختلفت وجوهها، تتطلَّب الالتزام والاطلاع على مخاوف الآخر. فكيف إذا قررنا أن نعطي طرفاً ثالثاً الحق في التدخل في حياتنا واتخاذ قرارات مصيرية عنَّا؟».

ويشير شبلي إلى أن الأولاد يتأثرون بأهاليهم، فكيف إذا كانوا أبناء والدين ينتميان إلى جيل الحرب اللبنانية؟ ويستعيد، في هذا السياق، ملاحظاته على تصرفات والده الانطوائية وقلّة كلامه التي طبعت شخصيته. ومع هيمنة الذكاء الاصطناعي على كل شاردة وواردة في حياتنا، نبدو كأننا نعيش حرباً من نوع آخر.

أدوار البطولة لإيلي متري ونور حجار وسارة عبدو (الشرق الأوسط)

تُجسِّد سارة عبدو دور «النظام»، فتتصرّف وتتكلّم مثل روبوت. تبتسم أحياناً من دون سبب، وتصدر أوامر صارمة بلطف، كما تمشي وتتحرّك محاولةً تقليد البشر بأسلوب آلي، ما يضفي على العمل طابعاً حداثياً بامتياز. في المقابل، يؤدّي إيلي متري ونور حجار دوريهما بعفوية وحرفية، في ظل خضوعهما لاختبار واحد يتعلَّق بالأبوّة، يطلب منهما «النظام» خلاله التحاور والاطِّلاع على تفاصيل دقيقة من حياتهما.

ومن خلال هذا الاختبار، تتفرَّع جملة من الموضوعات الاجتماعية التي يتناولها العمل، ويتطرّق إلى قضايا مرتبطة بالذكورية وحقوق المرأة ومعاناة الطفولة، وغيرها من المسائل الحاضرة في حياتنا اليومية.

ويؤكّد شبلي أن التكنولوجيا التي تغزو العالم تضع الإنسان على مفترق طرق، ولذلك عليه ألّا ينجرف وراء هذا التطور، كي لا يتحوَّل بدوره إلى آلة مشاعرها وتصرفاتها مزيَّفة.

ويحرص المخرج اللبناني على تقديم مسرح هادف دائماً. وفي ظل إنتاجات تجارية وأخرى ذات محتوى ضعيف، يصرُّ مع سارة عبدو على تقديم أعمال قادرة على جذب الأجيال، من خلال طرح قضايا معاصرة تمسُّ حياتهم وهواجسهم.

ويختم: «التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يسيطران على حياتنا اليوم، ولذلك نشعر بأننا في خطر. وفكرة المسرحية تنطلق من هذه النقطة، وتضع علامات استفهام كثيرة أمام جيل الغد. فقد نفقد عادات وتقاليد وتصرفات يومية كثيرة في ظلِّ الغزو الإلكتروني. ولكن الأهم هو أن نحافظ على علاقاتنا الإنسانية كي لا تندثر. والمسرح يلعب دوراً أساسياً، إذ لا يزال يملك القدرة على جمع الناس ومدِّ جسور التواصل بينهم».


مقالات ذات صلة

«الأميرة» تخطف الدور... أفعى تتألَّق على مسرح المتروبوليتان

يوميات الشرق الموهبة أحياناً دون أقدام (أ.ب)

«الأميرة» تخطف الدور... أفعى تتألَّق على مسرح المتروبوليتان

يتعيَّن على الجميع تقريباً ممّن يعتلون خشبة المسرح في أوبرا المتروبوليتان بنيويورك خوض اختبارات الأداء؛ حتى الأفعى التي ستستحوذ لبرهة على صدارة المشهد...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق العمل على تجهيز العرض استمر فترة طويلة (إدارة المهرجان)

«حديقة الهيسبيريديس» تقرّب بين الثقافتين الإسبانية والمغربية

ينافس العرض المسرحي الإسباني «حديقة الهيسبيريديس» على جوائز المسابقة الرسمية في الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق تكوينات سينوغرافية لعبت دوراً في العمل المسرحي (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

«الناعشون»... صرخة مسرحية لإعادة الرشد إلى العالم

قد يبدو اسم «الناعشون» للوهلة الأولى ذا وقع صادم، إلا أنه بمجرد أن يُسدل الستار على أحداث العمل يوقن المشاهد أنه الأنسب.

رشا أحمد (القاهرة )
يوميات الشرق العرض يشارك ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (إدارة المهرجان)

كوميديا «ديلارتي» الإيطالية تُطل في «القاهرة التجريبي» بروح مصرية

يعتمد العرض المسرحي المصري - الإيطالي «قصة حب جولدوني في فنيسيا» على إعادة تقديم تقاليد كوميديا ديلارتي الإيطالية بروح مصرية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الليبي أسامة رزق يتوسط الفنانين كافو (إلى اليسار) ومحمد عثمان خلال تصوير مسلسل «زنقة الريح» عام 2019 (الشرق الأوسط)

الكوميدي الليبي «كافو» يترك ضحكة أخيرة... ويرحل

عبّر ليبيون عديدون عن صدمتهم لرحيل الفنان خالد كافو، الذي ترك بصمة جليّة في الوجدان الفني الليبي، عبر مسيرة حافلة، قدّم خلالها تجسيداً لافتاً لشخصيات متنوعة.

جمال جوهر (القاهرة)

«الأميرة» تخطف الدور... أفعى تتألَّق على مسرح المتروبوليتان

الموهبة أحياناً دون أقدام (أ.ب)
الموهبة أحياناً دون أقدام (أ.ب)
TT

«الأميرة» تخطف الدور... أفعى تتألَّق على مسرح المتروبوليتان

الموهبة أحياناً دون أقدام (أ.ب)
الموهبة أحياناً دون أقدام (أ.ب)

يتعيَّن على الجميع تقريباً ممّن يعتلون خشبة المسرح في أوبرا المتروبوليتان بنيويورك خوض اختبارات الأداء؛ حتى الأفعى التي ستستحوذ لبرهة على صدارة المشهد المسرحي في معالجة مرتقبة لإحدى روائع موتسارت الكلاسيكية.

ووفق «أسوشييتد برس»، فإن زوي زيغفيلد تتولّى مسؤولية اختيار الأفعى الفائزة بهذا الدور الاستعراضي. وهي ممثّلة سيرك سابقة انتقلت إلى أداء الأدوار الأوبرالية، وتؤدّي دور مروّضة الأفاعي في النسخة الجديدة التي تقدّمها أوبرا المتروبوليتان من «كوزي فان توتي»؛ المستوحاة من أجواء «كوني آيلاند» في خمسينات القرن الماضي.

الأضواء هذه المرّة لزاحفة (أ.ب)

وتأخذ زيغفيلد كلّ أفعى على حدة، وتدعها تتلوّى وتلتف حولها، ثم ترفعها فوق رأسها؛ تدريباً على ما ستفعلانه تحت الأضواء الساطعة في منتصف خشبة المسرح خلال كلّ عرض. وتنظر في عينَي كل أفعى، في مواجهة تكاد تكون وجهاً لوجه، لتقييم سلوكها ومدى هدوئها.

وتقول زيغفيلد: «يهمّني أن أعلم أنّ الحيوان يشعر بالارتياح تجاه التعامل مع البشر وتجاه ما نقوم به من أعمال».

الخشبة تتّسع لنجومية من نوع آخر (أ.ب)

وفي هذه المنافسة المحمومة، نالت الأفعى «الأميرة»، وهي من نوع أفاعي «البوا العاصرة»، الدورَ الرئيسي؛ إذ تتميّز بحجمها الأكبر وحضورها البصري الأوضح على خشبة المسرح.

وكتبت زيغفيلد في بريد إلكتروني عقب انتهاء اختبارات الأداء: «سنمضي قُدماً مع (الأميرة) -أفعى (البوا العاصرة) الكبيرة ذات اللون الأصفر المتوهّج- في التدريبات على سبيل التجربة! إنها أفعى رائعة، والتجربة لا تتعلّق بها هي، بل بي وبمدى قدرتي الجسدية».

حتى الزحف قد يقود إلى النجومية (أ.ب)

وستكون الأفعى «نالا»، وهي أفعى عاصرة بنية اللون وأصغر حجماً قليلاً، اختيرت في جولة ثانية من اختبارات الأداء، بديلاً جاهزاً لـ«الأميرة» في حال تعذُّر مشاركتها.

وتدور أحداث أوبرا موتسارت في هذه المعالجة بملاهي «كوني آيلاند» خلال خمسينات القرن الماضي. وتعدّ هذه ثالث مرة تؤدّي فيها زيغفيلد دور مروّضة الأفاعي في معالجة أوبرا المتروبوليتان للعمل الذي وضعه فولفغانغ أماديوس موتسارت عام 1790.

وفي أوبرا موتسارت الأصلية، يقرّر جنديان إيطاليان اختبار إخلاص حبيبتيهما بالتظاهر بالتوجّه إلى الحرب، ثم يتنكّران ويحاول كلّ منهما إغواء حبيبة الآخر. أما في هذه النسخة، فتظلّ الحبكة والخط الدرامي كما هما إلى حدّ كبير، لكنّ موقع الأحداث ينتقل إلى ملاهي «كوني آيلاند» في الخمسينات، بكلّ ما تحفل به من مَشاهد حيوية واستعراضات مميّزة.

للخشبة سحر لا يقاومه حتى الزاحفون (أ.ب)

وتقمَّصت زيغفيلد الدور عن خبرة واستحقاق؛ إذ قضت موسمين في «كوني آيلاند»، تقدم 8 عروض يومياً لهواة الأفاعي.

وعندما خاضت اختبار الأداء قبل سنوات، لم يكن يُسمح بإدخال الأفاعي الحيّة إلى قاعة الاختبار. ولذلك؛ فقد جلبت زيغفيلد مقطع فيديو لفقرة استعراض الأفاعي الخاصة بها، ثم أثبتت براعتها الاستعراضية في عروض الملاهي عبر دقّ مسمار في تجويفها الأنفي، فيما تُعرف بفقرة «الإنسان الأحمق».

وقالت: «الموسيقى مختلفة، والأجر مختلف، لكن الإمتاع يظلّ إمتاعاً. أما بالنسبة إلى الأفاعي، فمن دواعي السرور أن تعلم أن هناك بين الحضور مَن ينظر بشغف وانبهار، ومَن يتملّكه الرعب والخوف. وهذه الأمور تحدث في دار أوبرا المتروبوليتان وفي (كوني آيلاند) على السواء، ولذا أقول، وللأمانة، إنهما متشابهان أكثر مما هما مختلفان».

وتعدّ الحيوانات شخصيات مهمّة في بعض عروض أوبرا «متروبوليتان». وجاءت الأفاعي إلى اختبار الأداء بفضل نانسي نوفوغراد وشركتها «أول تيم أنيمالز».

دور حُسم بحضورٍ يلتفّ حول الأنظار (أ.ب)

ودخلت نوفوغراد هذا المجال عندما ظهر حصانها على خشبة مسرح المتروبوليتان في إنتاج لأوبرا «كارمن»، وهي توفر الآن لدار الأوبرا كلّ شيء؛ بدءاً من الفيلة ووصولاً إلى الحشرات.

وكانت أول أفعيين خضعتا للاختبار أصغر حجماً بقليل، بل إن ألوان إحداهما ربما كانت ستتنافر مع أزياء زيغفيلد. وإنما العنصر الأساسي يكمن في الشخصية والسلوك، وفق ما ذكرت نوفوغراد.

وقالت: «على الحيوانات أن تؤدّي أدوارها تماماً كما يفعل الممثلون البشر؛ ففي بعض الأحيان يكون لديها نمط محدّد من السلوكيات التي يتعيَّن عليها إظهارها، وفي أحيان أخرى يجب عليها ببساطة الانسجام والتوافق مع الممثلين. وبناء عليه، يتوجَّب في هذه الحالة أن تكون باللون والحجم المناسبَين، وتنال إعجاب زيغفيلد».


«أثر من ندا» يوثق لبدايات الفنانة الراحلة عطية حلمي

الفنانة المصرية الراحلة عطية حلمي في مرسمها (الشرق الأوسط)
الفنانة المصرية الراحلة عطية حلمي في مرسمها (الشرق الأوسط)
TT

«أثر من ندا» يوثق لبدايات الفنانة الراحلة عطية حلمي

الفنانة المصرية الراحلة عطية حلمي في مرسمها (الشرق الأوسط)
الفنانة المصرية الراحلة عطية حلمي في مرسمها (الشرق الأوسط)

ثمة فنانون يمتلكون موهبة حقيقية، لكن ظروف الحياة قد تحول دون استمرار حضورهم في المشهد، فتبتعد أعمالهم عن الجمهور سنوات طويلة قبل أن تجد مَن يعيد تقديمها واكتشاف قيمتها.

من هنا تأتي أهمية معرض التشكيلية الراحلة عطية حلمي «أثر من ندا»، الذي يستهل به غاليري «ضي الزمالك» نشاطه هذا الموسم؛ حيث يقدم مجموعة نادرة من أعمال فنانة لم تستكمل مشوارها الإبداعي، رغم أن بداياتها كانت تحمل ملامح مشروع فني واضح ومبشِّر.

ويكتسب المعرض خصوصيته من ارتباط اسم عطية حلمي بالفنان حامد ندا، رائد السريالية الشعبية في الفن المصري المعاصر؛ حيث كانت تلميذة وزوجة له في بداياتها.

لكنه لا يتوقف عند هذه العلاقة، إذ يحاول أن يعيد وضع عطية حلمي في المكان الذي تستحقه بوصفها فنانةً مستقلةً، وأن يثير كثيراً من التساؤلات حول تجربة نسائية انقطعت مبكراً، وظلت أعمالها بعيدة عن دائرة العرض، والجمهور، والتوثيق.

تستند إلى تمكُّن واضح من قواعد المنظور والتشريح البشري إلى جانب العناية بالكتلة والضوء (الشرق الأوسط)

وتكشف أعمالها في المعرض عن تمكُّنها من قواعد المنظور والتشريح البشري، وتلفت سماكة الألوان بها كذلك إلى علاقتها باللون بوصفه عنصراً بنائياً، لا مجرد وسيلة لتغطية السطح.

كما تكشف بعض الأعمال عن تمكنها من استخدام سكين التلوين إلى جانب الفرشاة، بما يمنح سطح اللوحة ملمساً وحضوراً مادياً يتناسبان مع اهتمامها الواعي بالكتلة والضوء؛ وهو ما يرجع إلى دراستها بكلية الفنون الجميلة، وتخرجها في هذه الأكاديمية المصرية الراسخة عام 1962.

كما تبرز اللوحات اهتمامها الخاص بالحياة الشعبية المصرية، والحارة، والأطفال وألعابهم، وهي مفردات أعادت صياغتها برؤية ذات حس فني خاص.

وحول ذلك يقول ابنها الفنان عمرو حامد ندا لـ«الشرق الأوسط»: «البيئة الشعبية حاضرة بقوة في فنها من خلال تفاصيلها الصغيرة، الأطفال، الشوارع القديمة، والحركة اليومية التي كانت جزءاً من الحياة المصرية في تلك المرحلة».

لكن يبدو لعب الطفل تحديداً من الموضوعات التي استحوذت على اهتمامها، وهو ما يعزوه ندا إلى مشروع تخرجها الذي تناول الألعاب الشعبية، في دراسة بصرية تحمل إلى جانب قيمتها الفنية، جانباً من توثيق المجتمع وثقافته في زمن كانت فيه تلك الألعاب جزءاً أصيلاً من ذاكرة الطفولة المصرية.

تبدو الألعاب الشعبية نافذة على الحياة المصرية بتفاصيلها الإنسانية الحميمة (الشرق الأوسط)

ويؤكد نجلها أن الفنانة التي رحلت عن عالمنا في فبراير (شباط ) الماضي كانت ستسعد كثيراً لو أنها رأت أعمالها في هذا المعرض، ولمست إعجاب الجمهور بتجربتها التي لم تكتمل للأسف بعد الزواج وتكوين الأسرة، وتداخل مسؤوليات الحياة مع مشروعها الفني.

ويتابع: «بعد انفصالها عن والدي، ابتعدت أكثر عن المجال التشكيلي، واتجهت للعمل في وزارة الثقافة، حيث شغلت مناصب وظيفية مهمة كثيرة»، لافتاً إلى أنه «رغم الانفصال فإن ذلك لا ينفي تأثرها برائد السريالية الشعبية المصرية؛ فقد كانت تلميذة له».

لكن الفنان والناقد المصري سامي البلشي يرى أن «ارتباطها باسم فنان بحجم حامد ندا هو نفسه أصعب ما واجه تجربة عطية حلمي؛ انطلاقاً من أنه حين يكون الزوجان فنانَين تشكيليَّين فإن المقارنة وتطور الأمور لا يكونا دائماً عادلَين، خصوصاً في زمن كانت فيه الحركة الفنية المصرية أكثر ميلاً إلى وضع المرأة في موقع المساند أو الملهمة، لا في موقع الفنان صاحب المشروع المستقل».

في مشهد يجمع الحركة والعفوية تستحضر الألعاب الشعبية روح البيئة المصرية (الشرق الأوسط)

وقال البلشي لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام يكون زواج الفنانة من تشكيلي بارز في حالات كثيرة سبباً في تراجع حضورها، فوجود فنانَين داخل بيت واحد قد يبدو في ظاهره فرصة للتفاعل والتحفيز، لكنه قد يتحول بصورة غير مباشرة، إلى علاقة غير متكافئة يصبح فيها أحدهما صاحب الحضور الأساسي، بينما ينسحب الآخر ـ وهو الزوجة غالباً إن لم يكن دوماً ـ تدريجياً من المشهد».

ويؤكد الناقد المصري أن عطية حلمي كانت «مشروع فنانة كبيرة، وهنا تبدو قصتها جزءاً من سياق أوسع عاشته فنانات مصريات في تلك الحقبة الزمنية؛ فبينما استطاعت بعض الفنانات فرض حضورهن والتمسك بمساحتهن الإبداعية، ابتعدت أخريات عن الفن».

من تفاصيل اللعب إلى حركة الشخصيات تستعيد اللوحات أجواء من البيئة المصرية في صياغة يغلب عليها الدفء (الشرق الأوسط)

لكن من جهة أخرى «يعد اختزال تجربة عطية في كونها زوجة سابقة لحامد ندا ظلماً آخر لها؛ فأعمالها التي يكشف عنها المعرض تؤكد أن لديها صوتاً تشكيلياً خاصاً، وأن علاقتها بالبيئة الشعبية لم تكن مجرد صدى لتجربة زوجها»، وفق ما أشار إليه جانب كبير من النقاد و الفنانين في أثناء افتتاح المعرض.

وهنا يعلق البلشي قائلاً: «صحيح أن ثمة تقاطعاً في الاهتمام بالمجتمع الشعبي ومفرداته، لكن عطية كانت تمتلك معالجتها الخاصة، فتجربتها تجسِّد نواة فنية تستحق التوقف أمامها؛ حيث يفتح التعامل مع أعمالها أيضاً باباً للتأمل في المشهد الذي تشكَّلت داخله تجربة حامد ندا، من دون أن يعني ذلك اختزال تجربة الأخير أو تفسيرها من خلال زوجته».

تلتقط اللوحة أجواء مصرية دافئة وتستعيد من خلال الألعاب الشعبية جانباً من الحياة اليومية (الشرق الأوسط)

ولعل الأهم أن أعمالها تنتمي إلى لحظة كان الفن المصري فيها يبحث عن لغته الخاصة، ويتجه إلى استلهام البيئة المحلية والذاكرة الشعبية بعيداً عن النقل الحرفي للنماذج الغربية.

وفي هذا السياق يمكن قراءة تجربة عطية حلمي بوصفها جزءاً من ذلك التحول، لا مجرد تجربة عائلية مرتبطة باسم ندا. وفق البلشي.

ويقول البلشي: «يكتسب المعرض بُعداً إضافياً مع تدشين قاعة الفنان الرائد حامد ندا في غاليري (ضي الزمالك)، في احتفالية تستعيد جانباً من الذاكرة التشكيلية المصرية، لكن المفارقة أن افتتاح القاعة المرتبطة باسم الفنان يأتي متزامناً مع الكشف عن أعمال زوجته السابقة، وكأن المعرض يمنح عطية حلمي فرصة للظهور من جديد، بعد أن عاشت طويلاً في الظل إلى جوار اسم أكثر شهرة».

ويضم المعرض 6 لوحات كبيرة و5 لوحات صغيرة، إلى جانب مجموعة من اسكتشات حامد ندا التي تُشكِّل سياقاً بصرياً يسمح للمتلقي برؤية المسافة بين التجربتين، والتقاط نقاط التقاطع والاختلاف بين فنانَين عاشا جزءاً من حياتهما داخل البيئة الفنية نفسها.


سمكة «تمشي» إلى الخلف تُفاجئ علماء الأعماق

للحياة أكثر من اتجاه (جامعة صن يات صن ومختبر غوانغدونغ الجنوبي لعلوم وهندسة البحار)
للحياة أكثر من اتجاه (جامعة صن يات صن ومختبر غوانغدونغ الجنوبي لعلوم وهندسة البحار)
TT

سمكة «تمشي» إلى الخلف تُفاجئ علماء الأعماق

للحياة أكثر من اتجاه (جامعة صن يات صن ومختبر غوانغدونغ الجنوبي لعلوم وهندسة البحار)
للحياة أكثر من اتجاه (جامعة صن يات صن ومختبر غوانغدونغ الجنوبي لعلوم وهندسة البحار)

من المعروف أنّ معظم الأسماك القادرة على المشي على قاع البحر تتحرّك إلى الأمام فقط. وأفاد علماء بأنّ واحدة من الأسماك القليلة في الأعماق السحيقة المعروفة بالمشي السريع على قاع المحيط يمكنها أيضاً السير إلى الخلف، واصفين ذلك بأنه «كشفٌ يغيُّر المفاهيم السائدة».

وينمو طول سمكة «روبيان البحر» ليصل إلى 10 بوصات، وتمتلك زعانف صدرية متخصّصة تُمكّنها من المشي على الطين والرمال في قاع المحيط.

وفي حين أنّ معظم الأسماك المعروفة بالمشي على قاع البحر لا تفعل ذلك إلا إلى الأمام، تكشف لقطات جديدة من بحر الصين الجنوبي عن أنّ سمكة «روبيان البحر» يمكنها المشي جانباً أو إلى الخلف أيضاً.

وأوضح باحثون، في دراسة جديدة، أنّ هذا الكائن الهجين بين «السمك والروبيان» يستخدم حركات متقطعة شبيهة بحركات الروبيان، إلى جانب السباحة المدفوعة بالذيل للحركة والتنقل.

وقال هان تيان، الباحث الرئيسي في الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن مجلة «أوشن لاند أتموسفير ريسيرش»: «تقدّم الدراسة كشفاً يغيّر المفاهيم السائدة؛ إذ تُعد سمكة الأعماق السحيقة (سكاليكوس إنجيسيروس)، وهي ممثل للأسماك التي تتميّز بأشعة زعانف صدرية حرّة ومتخصّصة جداً، من بين أنواع الأسماك القليلة المعروفة بالمشي. ويتمتّع هذا الكائن الاستثنائي بمظهر جسدي هجين لافت يجمع بين الروبيان والسمك، وهو ما أكسبه لقب (الهجين بين السمك والروبيان) في وسائل الإعلام المحلية الأميركية».

وقد وصف خبير علم الحيوان الألماني - البريطاني ألبرت غونثر هذه السمكة للمرة الأولى عام 1872، وإنما لم يكن يعلم أحد أنّ بمقدورها السير جانباً وإلى الخلف.

واستخدم الباحثون مركبات بحوث الأعماق السحيقة لتصوير كائنات مختلفة وهي تتحرّك على قاع المحيط في 3 مناطق شمال بحر الصين الجنوبي.

ولاحظوا من كثب أرجل سمكة «روبيان البحر» الشبيهة بأرجل الروبيان، التي اكتشفوا أنها تمكّنها من المشي على رواسب قاع المحيط.

ووفق الباحثين، فإنّ السمكة تمشي جانباً مثل السلطعون، بل وحتى إلى الخلف، وهو «سلوك حركي أو وظيفة لم تكن معروفة أو مرصودة من قبل لدى أي سمكة أخرى».

ولا تُشبه زوائد السمكة الشبيهة بالشعيرات شَعر الوجه الطويل والناعم، إذ تبدو أشبه بمجارف لحفر التربة تمتدّ من وجهها إلى الخارج والجانبين، بشكل متعامد مع محور الجسم.

وقال الدكتور تيان، وهو باحث دكتوراه في جامعة «سون يات سين» في غوانغدونغ بالصين إن «تركيب هذه المجسات يبدو متصلّباً وغير ملائم للحركة، غير أنه يتيح لسمكة (روبيان البحر) استشعار الفريسة المحتملة وفحصها في رواسب قاع البحر، بل وحتى الحفر في الرواسب السطحية للتغذية بكفاءة. ويحتفظ هذا الكائن بالزعانف الصدرية التي تطوّرت إلى ألواح مسطّحة ومستديرة، مما يحسّن التوازن خلال المشي والسباحة، في حين تمكّنه أشعة الزعانف والذيل الشبيهة بتلك الموجودة لدى الروبيان من إجراء قفزات سريعة ومتقطّعة على نمط قفزات الروبيان عند الشعور بالخطر».

وأضاف: «من خلال مراقبة حيوانات الأعماق السحيقة وهي حية في بيئتها، يمكننا اكتساب فهم أعمق للتكيّف والتطوّر لدى هذه الأنواع؛ إذ تمتلك هذه الأسماك المتحرّكة تكيّفات سلوكية وتطورية مبتكرة تفوق بكثير ما كان يُفترض سابقاً».

ويأمل العلماء أن تسهم هذه النتائج في إعادة تشكيل المفاهيم الرائجة عن أشكال الحياة في الأعماق السحيقة، وتكشف عن كيفية ظهور الهياكل البيولوجية الفريدة في البيئات القاسية.