في ظلِّ تنامي الذكاء الاصطناعي وهيمنته على المهن والعلاقات الاجتماعية، تطرح مسرحية «مش للكل» أسئلة مصيرية حول مستقبل البشرية. وبرؤية طليعية وأسلوب يخرج على المألوف، قدَّم المخرجان كريم شبلي وسارة عبدو العمل على خشبة مسرح «مونو».
وبمشاركة أبطالها: إيلي متري ونور حجار وسارة عبدو، استطاعت المسرحية أن تجذب الحضور بقالبها الحديث وخفّة ظل نجومها، مقدِّمةً موضوعاً جدياً بأسلوب يجمع بين الطرح الفكري والكوميديا.
تتمحور الموضوعات التي تتناولها المسرحية حول هاجس المستقبل والخوف مما يحمله الغد. فهي تُشرِّح واقعاً شائكاً وغامضاً يعيشه اللبنانيون، شأنهم شأن سائر شعوب العالم، في ظلِّ التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. فكيف ستكون طبيعة مستقبلنا؟ ومَن سيقف وراء قراراتنا؟ وهل سنبقى أصحاب القرار في حياتنا، أم نترك للآلة مساحة متزايدة للتحكُّم فيها؟ والأهم، هل سيبقى الإنجاب خياراً شخصياً في زمن تتَّسع فيه المخاوف من مخاطر الذكاء الاصطناعي وانعكاساته على مستقبل الأجيال المقبلة؟
وسط ديكورات بسيطة وأضواء خافتة، تدور أحداث العمل، بينما يتحكَّم في خيوطها ما يُسمَّى «النظام». وهو، باختصار، وليد الذكاء الاصطناعي الذي يفرض اختباراً دقيقاً على أشخاص يرغبون في الإنجاب، ليقرِّر ما إذا كانوا يستحقون هذه الفرصة أم لا. وتحت الضغط والقمع، يخضعون لهذه التجربة، بعدما لم يعد قرار الإنجاب متاحاً لأيٍّ كان.

فثمّة شروط ومعايير اجتماعية لا بدَّ أن يستوفيها كلُّ من يرغب في تولِّي هذه المسؤولية. ومن خلال الاختبارات، يتوقّف كاتبا العمل ومخرجاه عند تفاصيل حياتنا اليومية، ويضعانها أمام مرآة النظام الجديد، محفِّزين الحضور على مساءلة أنفسهم فعلاً: هل نحن مستعدون لاتخاذ قرار بهذا الحجم، أم أننا نحتاج إلى مَن يقرِّر عنّا؟
ويقول مخرج العمل كريم شبلي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه أعاد مع سارة صياغة المسرحية أكثر من 40 مرة، ولم تستقر في القالب الذي قُدِّمت فيه إلا بعد نحو عام ونيّف من التحضير. ويتابع: «إنها من أصعب المسرحيات التي نفَّذتها في مشواري المسرحي. فهي ترتكز على عالم لا يشبه عالمنا، مما ولَّد لدينا تحديات كثيرة. وكان هدفنا الرئيسي أن يستطيع الحضور استيعاب رسائلها البديهية والعميقة في آنٍ واحد».
شبلي، الذي سبق أن قدَّم مسرحيات ناجحة، من بينها «غمّض عين فتّح عين»، و«معمول»، و«جرّة غاز سبيسيال»، يؤكد أن «مش للكل» تفوَّقت عليها من حيث صعوبة الموضوع الذي تتناوله؛ فهي تطرح هواجس جيل التسعينات ومخاوفه من العيش في عالم عبثي، وتحاول، بالتالي، تنبيه جيل اليوم إلى ما قد ينتظره عندما يبلغ سن الزواج والإنجاب. فهذه القرارات المفصلية قد تتبدَّل برمَّتها وتأخذ منحى مغايراً تماماً، لا سيما أن العلاقات الاجتماعية باتت مهددة بالانقراض.
ويشرح شبلي في سياق حديثه: «هناك بعض الأشخاص الذين يستخفّون بالأبوة والأمومة، وآخرون متسرِّعون يتخذون قرارهم بين ليلة وضحاها. فالعلاقات الإنسانية، مهما اختلفت وجوهها، تتطلَّب الالتزام والاطلاع على مخاوف الآخر. فكيف إذا قررنا أن نعطي طرفاً ثالثاً الحق في التدخل في حياتنا واتخاذ قرارات مصيرية عنَّا؟».
ويشير شبلي إلى أن الأولاد يتأثرون بأهاليهم، فكيف إذا كانوا أبناء والدين ينتميان إلى جيل الحرب اللبنانية؟ ويستعيد، في هذا السياق، ملاحظاته على تصرفات والده الانطوائية وقلّة كلامه التي طبعت شخصيته. ومع هيمنة الذكاء الاصطناعي على كل شاردة وواردة في حياتنا، نبدو كأننا نعيش حرباً من نوع آخر.

تُجسِّد سارة عبدو دور «النظام»، فتتصرّف وتتكلّم مثل روبوت. تبتسم أحياناً من دون سبب، وتصدر أوامر صارمة بلطف، كما تمشي وتتحرّك محاولةً تقليد البشر بأسلوب آلي، ما يضفي على العمل طابعاً حداثياً بامتياز. في المقابل، يؤدّي إيلي متري ونور حجار دوريهما بعفوية وحرفية، في ظل خضوعهما لاختبار واحد يتعلَّق بالأبوّة، يطلب منهما «النظام» خلاله التحاور والاطِّلاع على تفاصيل دقيقة من حياتهما.
ومن خلال هذا الاختبار، تتفرَّع جملة من الموضوعات الاجتماعية التي يتناولها العمل، ويتطرّق إلى قضايا مرتبطة بالذكورية وحقوق المرأة ومعاناة الطفولة، وغيرها من المسائل الحاضرة في حياتنا اليومية.
ويؤكّد شبلي أن التكنولوجيا التي تغزو العالم تضع الإنسان على مفترق طرق، ولذلك عليه ألّا ينجرف وراء هذا التطور، كي لا يتحوَّل بدوره إلى آلة مشاعرها وتصرفاتها مزيَّفة.
ويحرص المخرج اللبناني على تقديم مسرح هادف دائماً. وفي ظل إنتاجات تجارية وأخرى ذات محتوى ضعيف، يصرُّ مع سارة عبدو على تقديم أعمال قادرة على جذب الأجيال، من خلال طرح قضايا معاصرة تمسُّ حياتهم وهواجسهم.
ويختم: «التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يسيطران على حياتنا اليوم، ولذلك نشعر بأننا في خطر. وفكرة المسرحية تنطلق من هذه النقطة، وتضع علامات استفهام كثيرة أمام جيل الغد. فقد نفقد عادات وتقاليد وتصرفات يومية كثيرة في ظلِّ الغزو الإلكتروني. ولكن الأهم هو أن نحافظ على علاقاتنا الإنسانية كي لا تندثر. والمسرح يلعب دوراً أساسياً، إذ لا يزال يملك القدرة على جمع الناس ومدِّ جسور التواصل بينهم».










