«حنظلة» يعود إلى بيروت... رحلة الأمس في وجع اليوم

جو رميا يستعيد نصّ ونّوس بمعالجة مُحكَمة وأداء يمنح الخضوع شخصية

4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)
4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)
TT

«حنظلة» يعود إلى بيروت... رحلة الأمس في وجع اليوم

4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)
4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)

يعود «حنظلة» إلى الخشبة اللبنانية محمَّلاً بنحو نصف قرن من الأسئلة التي وضعها الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونّوس في طريق رجل اختار السلامة أسلوباً للعيش، فوجد نفسه ذات يوم وسط ما أمضى حياته يتفاداه. في «رحلة حنظلة»، التي أعدَّها وأخرجها جو رميا، لا نشعر بالزمن الفاصل بين ولادة النصّ واللحظة اللبنانية الراهنة. ثمة إنسان ما زال يمشي بمحاذاة الحائط، يُساوم على القليل ليُحافظ على ما تبقَّى، ويُتقن التكيُّف إلى درجة تصعب معها معرفة متى ينتهي الصبر ويبدأ الخضوع.

بعد عروضها على خشبة «مسرح المونو» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تحطُّ المسرحية في «مسرح دوار الشمس»، وقد سبقتها إليه الجوائز التي حصدتها قبل أسابيع في الدورة الأولى من «جوائز المونو». نال جو رميا جائزتَي «أفضل إخراج» و«أفضل اقتباس»، وحصلت بيا خليل على جائزة «اكتشاف العام». وهي جوائز تبدو عند مُشاهدة العمل متّصلة بما أُنجز على الخشبة أكثر ممّا أنها أوسمة مُلحَقة به. هناك بناء يعرف كيف يجمع عناصره فيمنح النصّ المكتوب قبل عقود حياةً معاصرة من دون أن يُثقله بمحاولات تحديث متكلَّفة.

بعض السجون تترك أبوابها مفتوحة (صوَر المُخرج)

يأخذ رميا عن ونّوس رجلاً خرج من السجن بعدما دفع ثمن حرّيته، ليكتشف أنّ ما ينتظره في الخارج امتداد لِما تركه خلف القضبان. «حنظلة» خسر زوجته وعمله، وتتوالى أمامه الوقائع كأنّ العالم قرَّر أن ينتزع منه المُسلَّمات التي عاش عليها؛ واحدةً تلو أخرى. إلى جانبه يظهر «حرفوش» العارف بممرات هذا العالم ومَكْره، فتتحرّك الرحلة بين الاثنين فيما يتبدّل المحيط وتبقى آليات الإخضاع مُتشابهة.

كتب ونّوس «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة» مستنداً إلى نصّ لبيتر فايس، وأعاد صياغته داخل مشروعه المسرحي المُنشغِل بالسُّلطة والوعي ومسؤولية الفرد. قيمة «حنظلة» أنه لم يولَد بطلاً. إنه الرجل الذي درَّب نفسه على النجاة. يعرف كيف يتفادى الاصطدام، ويظنّ أنّ النأي بنفسه عن الشأن العام كفيل بإبقائه بعيداً عن الأذى. حين يصل الأذى إليه؛ تبدأ الرحلة.

يلتقط وسام بتديني هذا التكوين النفسي للشخصية من داخل الجسد. «حنظلة» لديه مُنحني الحضور قبل أن يكون مُنحني الظهر. في وقفته وتردُّده ونظرته التي تتأخَّر عن استيعاب الحدث، تتكوَّن شخصية أمضت زمناً طويلاً في تصغير نفسها كي تمرَّ بأمان. لا يقفز بتديني بـ«حنظلة» نحو الوعي، ويترك الصدمات تعمل فيه بالتراكُم. بذلك تصبح الشخصية إنساناً يمكن التعرُّف إليه قبل أن تصبح حاملةً لفكرة.

وسام بتديني يُلبس «حنظلة» انحناءاته (صوَر المُخرج)

يُقابله كارلوس أنطونيوس الذي يأخذ «حرفوش» إلى مساحة أدائية مُغايرة. يتحكّم في إيقاعه ويمنح الراوي حرارة الشارع وخبرته. يملك خفّة تسمح له بإيصال المرارة من دون أن تتحوّل الشخصية إلى منبر. تنشأ بين الممثلَيْن ثنائية مفيدة للعرض؛ أحدهما لا يزال داخل المتاهة، والآخر يعرف بعض خرائطها.

بيا خليل، التي استحقّت عن العمل جائزة «اكتشاف العام»، تتحرّك بين الشخصيات والنبرات بمرونة تحفظ لكلّ ظهور مَلْمَحه. التحوّل لديها لا يعتمد على تغيير الشكل وحده، إذ يتبدَّل الإيقاع الجسدي وطريقة احتلال الخشبة وفق الشخصية. أما علي منهد، فيستفيد العرض من تعدُّد أدواره في تكوين وجوه مختلفة للسُّلطة والمجتمع. يتغيَّر الشخص ويبقى شيء من الآلية التي يُواجهها «حنظلة» ثابتة، بينما يتمكّن النظام دائماً من العثور على وجه جديد يؤدّي الوظيفة.

كلّ هذه الويلات و«حنظلة» أمضى عمره طالباً السترة (صوَر المُخرج)

هذه الجماعيّة في الأداء من أسباب تماسُك العرض. حتى الفواصل بين المَشاهد، حيث كثيراً ما ينكشف خلل العرض، تدخُل في صُلب لغته. السجن يُفسِح مكانه لفضاء آخر، والمكان يتغيَّر بسرعة تكاد تُشبه السرعة التي تُبدِّل بها المؤسّسات أقنعتها أمام «حنظلة».

وللكوميديا وظيفة دقيقة. يضحك الجمهور على اختلال المواقف، وعلى «حنظلة» الذي يُحاول تطبيق منطقه البريء في عالم تحكمه قواعد ملوَّثة. شيئاً فشيئاً يصبح الضحك مَوْضع ريبة. اللبناني يعرف جيداً هذه الآلية. لقد حوَّل أزماته إلى نكات، وصاغ للانهيار قاموساً ساخراً، وتعلَّم أن يُخفّف ثقل العجز بالتهكُّم. قدرةٌ مثل هذه تُساعده على الاحتمال، وقد تجعله أيضاً يعتاد ما يحدث.

«حنظلة» و«حرفوش»... غفلة تمشي إلى جوار المعرفة (صوَر المُخرج)

تحتفظ «رحلة حنظلة» بقيمتها رغم السنوات. النصّ مُحكَم في انتقاله بين الخاص والعام، والإعداد اللبناني يُقرّبه من الواقع الحالي من غير أن يُفقده روح ونّوس، والإخراج يضبط الحركة والإيقاع والتحوّلات، فيما يمنح الممثلون الأفكارَ أجساداً وطبائعَ ودرجات متفاوتة من الوعي والخوف والمراوغة، حتى يصعب فصل «حنظلة» الآتي من ونّوس عن الرجل الذي يمكن أن نُصادفه اليوم خارج باب المسرح.

تنتهي الرحلة وقد خسر «حنظلة» كثيراً ممّا كان يظنّه أماناً، وربح ما يصعب العيش بعده كما كان قبله. لقد رأى. ومَن يرَ مرّة، فلا يعود قادراً على الاحتماء بالغفلة.


مقالات ذات صلة

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

يوميات الشرق من أبطال المسرحية ميشيل وهبة ولودي الخوري وفادي أبو شعيا (الشرق الأوسط)

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

المسرحية موجّهة إلى جيل الشباب، وتخاطب خصوصاً أبناء جيل «زد» المهتمّين بمتابعة أخبار مواقع التواصل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)
منحنيات أصولية كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق سمر صالح في دور الديفا المجروحة من الماضي (مسرح مونو)

سمر صالح... من ابتسامة «مونو» إلى خشبته في «درجة تانية»

من خلال مسرحية «درجة تانية»، تروي سمر صالح قصتها الحقيقية ضمن رسالة إنسانية مؤثِّرة، وتضفي على أدائها شيئاً من روحها وشخصيتها الطريفة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق قدم العرض مع ترجمة للغة العربية للمرة الأولى في مصر (إدارة المهرجان)

«مجوهرات ضخمة» يُسدل الستار على فعاليات مهرجان «إيزيس» بمصر

أسدل مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» الستار على دورته الرابعة خلال حفل ختام أقيم على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية مساء الجمعة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«معرض الصقور والصيد»... من شباك الصيد إلى ميادين الرماية والسيارات

جانب من منطقة الصقور ضمن «معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026» (تصوير: تركي العقيلي)
جانب من منطقة الصقور ضمن «معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026» (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«معرض الصقور والصيد»... من شباك الصيد إلى ميادين الرماية والسيارات

جانب من منطقة الصقور ضمن «معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026» (تصوير: تركي العقيلي)
جانب من منطقة الصقور ضمن «معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026» (تصوير: تركي العقيلي)

يستقطب معرض «الصقور والصيد السعودي الدولي 2026» المهتمين بالصقارة والصيد والمغامرات من داخل السعودية وخارجها، مقدماً مزيجاً من الموروث التقليدي والأنشطة الميدانية والمنتجات المتخصصة، من شباك الصيد التي يصّنعها الحرفيون يدوياً إلى ميادين الرماية وتجهيزات الرحلات البرية ومركبات الدفع الرباعي.

ويحتضن «مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات» في مَلهم شمال العاصمة، فعاليات المعرض على مساحة تبلغ 197 ألف متر مربع، تتوزع عليها مناطق متخصصة تتيح للزوّار التعرف على جوانب مختلفة من ثقافة الصيد والصقارة، وما يرتبط بهما من حرف وتجارب.

طلال الشميسي الرئيس التنفيذي لـ«المركز الوطني للصقور» خلال حديثه مع صحيفة «الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

وقال طلال الشميسي، الرئيس التنفيذي لـ«المركز الوطني للصقور» لصحيفة «الشرق الأوسط» إن المعرض حقق هذا العام حضوراً وتفاعلاً إيجابيين خلال الأيام الثمانية الأولى من فعالياته، مشيراً إلى أنه تجاوز نطاقه المحلي ليصبح منصة تستقطب دولاً وعارضين من مختلف أنحاء العالم، بدعم من القيادة السعودية واهتمامها بصون الموروث الثقافي والمحافظة عليه.

وأوضح الشميسي أن تنوع المحتوى يُمثل أحد أبرز ملامح المعرض، إذ شمل ورش عمل ومتحدثين دوليين، إلى جانب موضوعات تتناول تعديلات السيارات والبيئة، فضلاً عن منتجات تقدمها شركات متخصصة في مجالات ترتبط بالصقارة والصيد.

وأضاف أن ورش العمل تتوزع على مختلف الأجنحة المشاركة، ما يُتيح للزوّار التعرف عن قرب على المنتجات والتجارب والخبرات المرتبطة بكل قطاع، في تجربة تجمع بين تخصصات واهتمامات متنوعة.

وكشف طلال الشميسي أن قياس أثر المعرض لا يقتصر على أعداد الزوار، بل يرتبط بمدى تفاعلهم مع المبادرات والأنشطة الهادفة إلى توسيع قاعدة المهتمين بالصقارة والصيد. وقال: «من أبرز هذه المبادرات برنامج (صقور المستقبل) والرحلات المدرسية، إلى جانب تنامي مشاركة الشباب في هذه الهوايات وانعكاس ذلك على حجم المشاركة في السباقات».

وأضاف أن منظومة الفعاليات المرتبطة بالصقور والصيد تمتد لنحو 120 يوماً سنوياً، وفي مقدمتها «مهرجان الملك عبد العزيز للصقور»، مؤكداً أن «هذه الفعاليات تتيح متابعة أعداد المنضمين الجدد إلى هواية الصقارة، والمهتمين بالرحلات أيضاً، في ظل شراكات مع المحميات وجهات أخرى تعمل على توسيع نطاق المشاركة».

خلف العطيفي خلال صناعة شباك الصيد في «معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026» (تصوير: تركي العقيلي)

خلف العطيفي... 4 عقود في صناعة شباك الصيد

وتحضر الحرف التقليدية بقوة في أركان المعرض من خلال ممارسيها الذين يواصلون المحافظة على مهن ارتبطت بالموروث المحلي وتوارثتها الأجيال. ومن بينهم خلف العطيفي، الذي أمضى 4 عقود في صناعة شباك الصيد، رغم فقدانه البصر منذ التاسعة من عمره. ويستند العطيفي إلى خبرة طويلة في هذه الحرفة الدقيقة التي تتطلب إعداد الشباك واختيار الخيوط المناسبة لها، وتحديد أساليب استخدامها وفق أنواع الطيور المستهدفة.

ويصنع العطيفي شباكاً مخصصة لصيد أنواع مختلفة من الطيور، من بينها الحمام وطيور «الفري»، مستخدماً خيوط النايلون بمقاسات متعددة، إلى جانب أجزاء أخرى تدخل في تركيب الشبكة، وتختلف طريقة إعداد الشباك حسب الغرض منها، إذ تُستخدم أنواع معينة مع الحمام، فيما تجهز أنواع أخرى لطيور صغيرة، بما يتطلب معرفة بتفاصيل الحرفة وموادها.

وأوضح خلف العطيفي أنه يُشارك في المعرض للمرة الرابعة، مشيراً إلى أن «صناعة الشباك تُمثل مصدر رزقي».

وأعرب عن أمله في أن يقبل الشباب على تعلم هذه الحرفة والمحافظة عليها، لضمان انتقالها إلى الأجيال المقبلة، وحماية المهارات التقليدية التي ارتبطت على مدى عقود بحياة الصيادين وممارساتهم اليومية.

وتمنح مشاركة الحرفيين في المعرض جانباً يتجاوز عرض الأدوات والمنتجات، إذ تتيح للزوار التعرف على طرق تصنيعها والخبرة التي تقف خلفها، وتُسلط الضوء على مهن لا تزال حاضرة ضمن سباق الخيارات الحديثة في تجهيزات الصيد.

تجذب منطقة الأسلحة في «معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026» اهتمام الزوّار (تصوير: تركي العقيلي)

مناطق متخصصة... من الصقور والأسلحة إلى المحنطات والتسوق

وتتوزع تجربة الزوّار على مناطق متخصصة، بدايةً من منطقة الصقور التي تجمع متاجر ومورّدي الصقور ومستلزماتها كالبراقع وأدوات العناية بها، مروراً بمنطقة الأسلحة المخصصة للشركات المتخصصة في الأسلحة النارية والهوائية وإكسسواراتها، ومنطقة الصيد التي تضم مستلزمات الصيد البري والبحري، إلى جانب تجهيزات الفروسية وسباقات الهجن، وتجذب هذه المناطق المهتمين في المنتجات والتجهيزات المرتبطة بالصقارة والمقناص، والتعرف على الخيارات المتاحة لممارسة هذه الهوايات.

وتستهوي منطقة المغامرات هواة الرحلات البرية ومحبي السيارات، عبر ما تعرضه من مركبات الدفع الرباعي وتجهيزاتها وتعديلاتها، إلى جانب الكرفانات ومعدات التخييم وإكسسوارات الرحلات، وتتكامل هذه المعروضات مع أنشطة ميدانية، تشمل تجارب ميادين الرماية بالأسهم والأسلحة الهوائية.

حضور كثيف ضمن منطقة المحنطات في «معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026» (تصوير: تركي العقيلي)

وفي جانب آخر، استحضرت منطقة الفنون والحرف اليدوية الموروث المرتبط بالصقارة والصيد والبيئة، عبر أعمال الفنانين والحرفيين، فيما قدّمت منطقة المحنطات نماذج لحيوانات من الحياة الفطرية، كاشفةً تنوعها وأساليب التحنيط والعناية بالمعروضات، ويشاهد الحضور في منطقة «سفاري» الصقور وأنواعاً مختلفة من الحيوانات.

وتستهدف منطقة «صقّار المستقبل» الأطفال من خلال أنشطة تنمّي اهتمامهم بالصقارة وموروثها، فيما تتيح السوق الشعبية للزوار التجوّل بين متاجر المنتجات المتنوعة ومستلزمات الصقارة والرحلات البرية، إلى جانب الحرف التقليدية. ويعكس تنوّع المناطق اتساع نطاق المعرض، الذي يجمع الصقّارين وهواة الصيد والرحلات البرية بالمهتمين بالحرف التقليدية والتجارب الثقافية والترفيهية.


«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)
الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)
TT

«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)
الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)

يصل الفيلم الفلسطيني «البارح العين ما نامت»، أول عمل روائي طويل للمخرج ركان مياسي، إلى الجمهور العربي عبر مشاركته في «مهرجان الجونة السينمائي»، الذي يُقام بين 15 و23 أكتوبر (تشرين الأول)، و«مهرجان مراكش الدولي للفيلم» بين 20 و28 نوفمبر (تشرين الثاني). وتأتي هاتان المشاركتان بعد عرضه العالمي الأول في قسم «نظرة ما»، ضمن الاختيار الرسمي لـ«مهرجان كان السينمائي» لعام 2026.

تدور الأحداث في سهل البقاع على الحدود بين لبنان وسوريا، حيث يشعل إحراق شاحنة خلافاً داخل مجتمع بدوي متماسك. وفي خضمّ ذلك، تختفي «قمرة»، من دون أن يتّضح ما إذا كانت هربت أم اختبأت، فينطلق ابن عمها «ياسر» للبحث عنها. وكلّما توغّل في بحثه واجه أحقاداً قديمة وأشباحاً من الماضي، وسط أجواء يحكمها منطق الثأر.

حفيد يروي ما سكتت عنه الأجيال (الجهة الإعلامية)

وفي موازاة ذلك، تُختار شقيقتا «ياسر»، «جواهر» و«ريم»، لتكونا جزءاً من تسوية الخلاف، من دون أن يُسأل أيٌّ منهما عن رأيها. فتجد الفتاتان نفسيهما أمام مصير فُرض عليهما باسم الصلح؛ إحداهما هادئة، فيما تقاوم الأخرى، لكنّ كلتيهما تدرك كيف يمكن أن تُقايَض حياة الفتيات بالسلام.

ومن خلال هذه الحكاية، يتناول الفيلم مصير نساء يتحمّلن أعباء ثقيلة، ورجال يتواصلون بالرموز، في مجتمع تحكمه الأحقاد القديمة ومنطق الثأر. وتتقدّم الأحداث وسط الحقول وخلف الستائر وداخل الشاحنات، في أجواء من الترقّب لما قد ينتهي أو يبدأ.

الصلح الذي لم يُصالح أحداً (الجهة الإعلامية)

ويستمدّ مياسي فكرة الفيلم من قصة جدّته الراحلة، التي أُجبرت على الزواج في الـ14 من عمرها. ويقول المخرج: «عدتُ إلى سهل البقاع، حيث لا تزال هذه التقاليد حاضرة، لا لأواجهها بل لأراقبها من الداخل. ما شدّني هو المسافة بين الانتماء والغربة، وكيف يتحرّك الأفراد داخل أنظمة سبقت وجودهم».

وصُوّر الفيلم بالكامل في سهل البقاع خلال ربيع عام 2025، بمشاركة ممثلين غير محترفين ومن دون سيناريو مكتوب. ويُدرج وحيد عجمي وبول سيف في بطاقة الفيلم على أنهما كاتبَا السيناريو، فيما تولّى سيف أيضاً إدارة التصوير. وأنجز المونتاج لويس دي شرايفر، ووضع الموسيقى عبد قبيسي وتيد ريغكليس.

والفيلم من إنتاج «أتاتا» (جينيفر ريتر) وركان مياسي، وهو إنتاج مشترك بين بلجيكا، ولبنان، وفلسطين، وقطر، والمملكة العربية السعودية. وتبلغ مدّته 100 دقيقة، وهو ناطق بالعربية، ومن إنتاج عام 2026.

وحظي العمل بدعم «مركز السينما والسمعي البصري في فيدرالية والونيا-بروكسل»، و«مؤسّسة الدوحة للأفلام»، و«صندوق البحر الأحمر»، و«مؤسّسة الفيلم الفلسطيني».

أرض تنام على أسرارها (الجهة الإعلامية)

أما مخرجه ركان مياسي فهو كاتب ومخرج ومنتج فلسطيني مستقل، وُلد في ألمانيا ويقيم في بروكسل. درس السينما وعلم النفس في لبنان، وتدرَّب على يد المخرج عباس كيارستمي في كوريا الجنوبية، ثم المخرج بيلا تار في بودابست. وحصل على درجة الماجستير في الإخراج من مدرسة «LUCA» للفنون في بلجيكا.

وسبق أن شارك مياسي بأفلام قصيرة في مهرجانات سينمائية دولية، من بينها «ربما»، الذي عُرض في «مهرجان لوكارنو» عام 2012، و«بونبونيه»، الذي شهد عرضه الأول في «مهرجان تورونتو» عام 2017، وحصد 35 جائزة لأفضل فيلم قصير.

كما نال فيلمه «أبواق في السماء» تنويهاً خاصاً لأفضل فيلم قصير دولي في «مهرجان تورونتو» عام 2021، فيما عُرض «المفتاح» للمرة الأولى في «مهرجان SXSW» عام 2023.


«مراحل»... معرض قاهري يراهن على التجريب وطاقة الألوان

جانب من أعمال الفنان (الشرق الأوسط)
جانب من أعمال الفنان (الشرق الأوسط)
TT

«مراحل»... معرض قاهري يراهن على التجريب وطاقة الألوان

جانب من أعمال الفنان (الشرق الأوسط)
جانب من أعمال الفنان (الشرق الأوسط)

تتعدد رهانات الفنان التشكيلي المصري مجدي عثمان في معرضه الأحدث «مراحل». فهو من جانب يراهن على التكوينات الغرائبية في اللوحة، ومن جانب آخر يراهن على طاقة الألوان، ومن جانب ثالث يقيس المسافة بين خيال الفنان وعين الملقى بحذر شديد ليقدم حالته الخاصة في حوار بصري ممتد عبر لوحاته، وهو في كل هذا يراهن على الزمن ومراحله المختلفة في الحركة التشكيلية المصرية.

يقول الفنان: «كثيراً ما كان الفن بالنسبة إليَّ المعادل الموضوعي لحياة تحكمها المشكلات وتتعقد أمور الأسوياء فيها، يُضاف إلى ذلك التأمل وحُب التجريب، فتأتي النتائج والنقلات مُحملة، طوعاً أو كرهاً، بكل ذلك... وفي هذا المعرض أحاول أن يكون الحديث لكم، أنتم الجمهور، فقط أنا أعطي لمحات بسيطة وسريعة عن فعلي الفني المتقطع، على مدار سنوات؛ منذ التسعينات وحتى بداية هذا العام، ليكون الإنتاج مرتبطاً رؤية ولوناً بالزمن فيصبح «مراحل».

راهن الفنان على الألوان بشكل لافت (الشرق الأوسط)

المعرض الذي يستضيفه غاليري «بيكاسو» في الزمالك (وسط القاهرة) تتداخل فيه الاتجاهات الفنية بين التعبيرية والتجريدية والتجريب بخامات مختلفة، وتظهر الوجوه «البورتريهات» ذات الطابع الفني المميز بألوانها الساخنة غالباً لتحكي قصة. كما تقيم التكوينات التجريدية أو السيريالية حواراً فلسفياً ثرياً مع عين المتلقي.

يضم المعرض 40 عملاً مُنفذة على مسطحات مختلفة بين الورق العادي والمصقول والخشب والقماش، منتجة بخامات مختلفة: قلم رصاص، لاكيهات وأكاسيد، ألوان زيتية ومائية، أحبار، وتضم المراحل الفترة من 1991 إلى 2023.

وقد بدأ الفنان مجدي عثمان مسيرته الفنية مع بداية تسعينات القرن الماضي قبل أن يتخرج في كلية الفنون الجميلة عام 1994. وتواصلت مشاركته في المعارض الفنية الجماعية والثنائية بعد تخرجه، وأقام خمسة معارض فردية بين عامي 2002 و2009، ثم جاء معرض عام 2023 بعد فترة طويلة، حتى معرضه «مراحل»، وخلال تلك المراحل والفترات لم ينقطع عن المشاركة في المعارض العامة، ومن هنا جاءت فكرة «مراحل» إذ يقدم نماذج من إبداعه الفني المتنوع عبر أكثر من ثلاثين عاماً.

يوضح الفنان فلسفة هذا المعرض قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «فكرة المعرض وفلسفته قائمة على تتبع المراحل الفنية المختلفة التي مررت بها، وتظهر التباينات بين المراحل في اللوحات التي يضمها المعرض»، وعدّ الرهان على الألوان وتكوين اللوحة والمنظور أحد العوامل التي يخاطب بها المتلقي ليقيم حواراً بينه وبين العمل الفني.

ويضيف: «معرض (مراحل) هو صورة لعملية معقدة بين التجريب وإنتاج الفن، حيث أرى على مدار سنوات عمري الفني أن للفن عنصرين أساسيين لا يمكن الإنتاج إلا من خلالهما.. التأمل ثم التجربة؛ فالأول هو الذي يأخذك من المرئي إلى التعمق داخله ومشاهدة ما لا يراه غير المتأمل؛ العابر بالبصر، ثم تأتي عملية التجريب لتأكيد المشهد – سواء أكان واقعياً أم لا - وما يمكن أن ينتج عنها من أعمال أو «صدف» يمكن اقتناصها لتصبح أعمالاً أخرى».

التجريب بخامات متنوعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

وفي كلمة عن المعرض كتبها وزير الثقافة المصري الأسبق الدكتور عماد أبو غازي، قال موضحاً إن «أعمال الفنان تجمع بين موضوعات الطبيعة الصامتة التي تناولها بشكل مميز يكسر جمود هذا النوع من الأعمال الفنية، وبين الوجوه البشرية التي خرج فيها عن التشخيص التقليدي لكنه حافظ على التعبير عن المشاعر الإنسانية الكامنة وراء الوجه».

ولفت إلى أن «المتلقي للعمل الفني يشعر بأن العيون التي يرسمها الفنان تقودنا إلى داخل النفس الإنسانية، حيث تثير أعمال مجدي عثمان مشاعر متضاربة بين الشجن والبهجة، وتكمن وراءها الطبقات المتراكمة لثقافة المجتمع المصري عبر عصوره دون نقل أو تصريح».

وعلى الرغم من تخصص مجدي عثمان في التصوير الزيتي فإنه قدم خلال مسيرته أعمالاً متنوعة في النحت والرسم والكولاج والأعمال الفنية القائمة على التركيب وهو ما يظهر جلياً في معرض «مراحل».

جانب من افتتاح المعرض (إدارة الغاليري)

وعدّ الكاتب محمد سلماوي أن «الجرأة الفنية هي عنوان الأعمال التي تحمل توقيع الفنان مجدي عثمان، فرغم دراسته الأكاديمية وتخرجه في قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بتقديرات متفوقة، فإنه لم يدرس قاعدة من قواعد التصوير إلا وقام بتكسيرها وتطويعها لرؤيته الفنية التي تعتمد على نسق مميز من حيث الشكل والمضمون معاً»، لافتاً في كلمة كتبها حول المعرض إلى جرأة الفنان في الموضوعات خصوصاً في البورتريه والتشوهات الفنية في الوجوه التي وسمت الفن الحديث، وجرأته في تكوين اللوحة وفي استخدام الألوان الصريحة التي توهمك بأنها لا تعرف أنصاف الحلول.

ويلفت الفنان والناقد الفني أحمد الجنايني إلى أن «التجربة الأهم في معرض مجدي عثمان تتمثل في الجدل البصري الذي يراهن عليه وفق اتزانات استاتيكية ارتبطت بإشارات موغلة في الفلسفة والجمال من خلال تلك الجماليات التجريبية التي خرجت من رحم تكوينات مجسمة لها فلسفتها السيريالية وحضورها البنائي الميتافيزيقي بكل غرائبيته وكأنه في كل ما يقدم يقول للمشاهد: تلك هي البوابات التي عبرتها بين الحين والحين».