الحرب ثقيلة بما يكفي لتستولي على الصورة كلّها. ومع ذلك، تلتقط الدورة الـ21 من مهرجان «شاشات الواقع» حياةً تستمر في موازاتها، بتفاصيلها وحكاياتها ووجوهها المتعدّدة. تنطلق غداً، 16 سبتمبر (أيلول)، في «سينما متروبوليس» ببيروت وتستمرّ حتى 24 منه، حاملةً أفلاماً وثائقية تتوزّع على بلدان وتجارب وأشكال سينمائية مختلفة، يحضر لبنان في جزء كبير من مختاراتها. بعض هذه الأفلام وُلد على وَقْع الحرب، وبعضها يعود إلى جروح بعيدة، فيما ينصرف بعضٌ آخر إلى الحبّ والعائلة والموسيقى والطبيعة والهجرة. فالحياة وفق الروحية التي تقترحها الدورة، تستمرّ حتى عندما يُحاول العنف أن يصبح صورتها الوحيدة.

هذه الفكرة تمنح البرنامج تماسكه رغم تنوّعه. الذاكرة تعبُر كثيراً من الأفلام، وكذلك الأرشيف والبيت والغياب والبحث عمّا يمكن إنقاذه بعدما يتغيَّر المكان. وتقف الكاميرا مرةً أمام ما خلَّفه الدمار، ومرةً تصبح أداة تنقيب في تاريخ عائلي، أو وسيلة لاستعادة غائب، أو رفيقة لمُسعِف يضطرّ إلى تركها حين يحين وقت إنقاذ حياة.
البداية مع راؤول بيك وفيلمه «Orwell: 2+2=5»، الذي يفتتح المهرجان عند السابعة والنصف مساءً. يعود المخرج إلى الأشهُر الأخيرة في حياة جورج أورويل، وإلى «1984» التي أكملها عام 1949، ليستعيد عالماً صنع فيه الكاتب مفرداته الخاصة للسُّلطة ومراقبة الفكر وتزييف الحقيقة. راهنية أورويل تدفع الفيلم إلى الحاضر، بعدما صار «الأخ الأكبر» أبعد بكثير من شخصية أدبية. وكان العمل قد رُشِّح لجائزة «العين الذهبية» في «مهرجان كان» 2025، وحصد النجمة البرونزية في «مهرجان الجونة».

سرعان ما تقترب الشاشة من المنطقة. تحمل زهراء غندور في «فلانة» ذاكرة اختفاء صديقة طفولتها «نور» في بغداد، وتعود مع خالتها «حياة»، القابلة القانونية، إلى ماضٍ يكشف عن حكايات فتيات تخلَّت عنهن عائلاتهن. وفي «بابا والقذافي» تُنقّب «جيهان» في غياب والدها «منصور رشيد الكيخيا»، المُعارض السِّلمي لنظام معمّر القذافي الذي اختفى عام 1993، وفي رحلة والدتها «بهاء العمري» التي أمضت 19 عاماً تبحث عنه. يصبح الأب طريقاً يقود الابنة أيضاً نحو هويتها اللّيبية.

للبنان حصته الكبيرة، خصوصاً عبر أفلام قصيرة تبدو كأنها تجمع شظايا السنوات الأخيرة. تعود جود بزون في «66 يوماً» إلى قريتها الجنوبية بعد حرب 2024، وتبحث ريان بسام في «سورة وحدة للكل» مع «عباس» و«عبد الله» و«علي» بين بقايا «روضة الشهداء» المدمَّرة في قرية عيناثا. ويضع «هل أنا المُستهدف؟» لمحمد طالب، شاباً وحيداً في بيروت بعدما انتقلت عائلته إلى مدينة بعلبك هرباً من الخطر في الضاحية الجنوبية، فتجعل العزلة هويته وانتماءه وصلته بالبيت موضع اختبار. أما «حتى الحجارة حلّقت بعيداً» لأنيس ناصر الدين، فيقرأ أثر دورات العنف في الأمكنة والذاكرة.

ولا تبقى الحرب حدثاً أمام الكاميرا دائماً. في «أكثر من شاهد» لمحمد نصار يحمل مُسعف كاميراه إلى جانب معدّاته الطبّية، ثم يُطفئها عندما يستدعي الواجب أن يصبح مُنقذاً. وفي «Journacide: The War on Truth» يتناول شون موراي استهداف الصحافيين في لبنان وغزّة، ويربط فعل الحكي وحفظ الذاكرة بتجربته الآتية من بلفاست، عاصمة آيرلندا الشمالية. كذلك يعود عباس فاضل في «حكايات الأرض الجريحة»، الفائز بجائزة أفضل إخراج في المسابقة الدولية لـ«مهرجان لوكارنو» 2025، إلى جنوب لبنان ليلتقط أرضاً محروقة ومجتمعاً يحاول استعادة شيء من حياته.

وتتّخذ آثار الحرب مسارات أقل مباشرةً. كارلا عواد تجعل النباتات التي تركها النازحون في «فيما بين» حاملةً لغياب أصحابها. ويفتح حسان شامي أرشيف صور قريته الجنوبية في «ضيعة خارج الإطار» بعدما بات عاجزاً عن العودة إليها. أما فراس الحلّاق في «جلسات القبّة»، فيدخل إلى قبّة أوسكار نيماير غير المُكتَملة في طرابلس، حيث يتحوّل صداها الممتدّ 23 ثانية إلى مادة لفيلم صوتي يرى في العمارة ذاكرةً للمكان.
ثمة أيضاً حياة عاطفية وشخصية تشقّ طريقها وسط هذا الثقل. يستعيد «عصافير الحرب» لجناي بولس وعبد القادر حبق 13 عاماً من الحبّ والثورات والمنفى عبر أرشيفهما الشخصي، فيما تقدّم مارلين إيدويان في «A Fire There» حكاية ثلاثة أصدقاء أرمن في جنوب جورجيا وهم يقفون بين الموروث والرغبة في اختيار حياتهم. وتربط تمارا كوتيفسكا في «حكاية سيليان» مصير المزارع «نيكولا» بلقلق أبيض جريح، وسط الهجرة الاقتصادية والتغيُّر المناخي.
ويذهب البرنامج إلى قضايا البيئة والموسيقى أيضاً. يفتح «المدينة العطشى» لآدم شمس الدين ملف المياه في لبنان، ويعقبه نقاش حول البنية التحتية والمُساءلة ومستقبل القطاع. ويربط سامي بالوجي في «L’arbre de l’authenticité» بقايا مركز للبحوث الزراعية في الكونغو بالإرث الاستعماري والتغيُّر المناخي. أما لمى طوق فتلاحق في «من أجل مستقبل قد يكون أو قد لا يكون» موسيقيين لبنانيين واصلوا صناعة الموسيقى عبر أزمات توالت منذ الحرب الأهلية وصولاً إلى الحروب الأخيرة.

وتبقى العائلة إحدى أكثر طرق الذاكرة حميميةً. تستعيد زينب سعد صوت أمها وصورها القديمة في «أمي التي لم تكبر»، بينما ينطلق نمير عبد المسيح من رحيل والدته «سهام» في «الحياة بعد سهام» إلى رحلة داخل تاريخ عائلته بين مصر وفرنسا، تحضر فيها سينما يوسف شاهين والمنفى والحبّ. بهذا الفيلم، الفائز بجائزتين في «مهرجان الجونة» 2025 والمرشَّح لـ«العين الذهبية» في «مهرجان كان»، تختتم «شاشات الواقع» دورتها في 24 سبتمبر.
9 أيام لا تقترح صورة واحدة للعالم. بين بغداد والجنوب اللبناني وليبيا والكونغو ومقدونيا وجورجيا ومصر والمغرب، تتباعد الجغرافيا لكنّ الحكايات تجد أكثر من طريق للبقاء. وبينما يسهل اختصار البلدان بأزماتها والحروب بأرقامها، تشاء هذه الأفلام أن تُعيد إلى المشهد ما يسقط عادةً خارجه؛ الإنسان الذي عاش كلّ ذلك.








