نوبل الطب 2026... كيف أصبح «علم البصريات الوراثي» مفتاحاً لفك أسرار الدماغ؟

اكتشاف يمنح أملاً لفاقدي البصر وعلاج بعض اضطرابات الجهاز العصبي

«علم البصريات الوراثي» فتح نافذة جديدة على الآليات التي تقف وراء الذاكرة والمشاعر والسلوك (الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد)
«علم البصريات الوراثي» فتح نافذة جديدة على الآليات التي تقف وراء الذاكرة والمشاعر والسلوك (الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد)
TT

نوبل الطب 2026... كيف أصبح «علم البصريات الوراثي» مفتاحاً لفك أسرار الدماغ؟

«علم البصريات الوراثي» فتح نافذة جديدة على الآليات التي تقف وراء الذاكرة والمشاعر والسلوك (الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد)
«علم البصريات الوراثي» فتح نافذة جديدة على الآليات التي تقف وراء الذاكرة والمشاعر والسلوك (الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد)

لطالما حلم العلماء بفهم الطريقة التي يصنع بها الدماغ الذكريات والمشاعر والسلوكيات، وكيف يمكن لعضو لا يتجاوز وزنه نحو 1.3 كيلوغرام أن يخزن تجارب الطفولة، ويولد مشاعر مثل الفرح والحب والغيرة، ويتحكم في وظائف حيوية لا تتوقف، من نبضات القلب إلى التنفس ودورة النوم.

وعلى مدى قرون، حاول الباحثون فك هذا اللغز البيولوجي. وخلال القرن العشرين، تمكنوا من تحديد مناطق في الدماغ ترتبط بوظائف مختلفة، ما وفر أساساً مهماً لفهم طريقة عمله، لكن الأدوات المتاحة آنذاك ظلت محدودة؛ إذ لم يكن بالإمكان تحديد دور خلية عصبية بعينها في توليد شعور أو سلوك محدد، أو إثبات العلاقة السببية بين نشاطها وما يحدث في الدماغ.

وهنا جاءت أبحاث الأميركي كارل ديسيروث والألمانيين بيتر هيغيمان وجيورج ناغل، الذين حصلوا على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب لعام 2026، لتحدث تحولاً جوهرياً في هذا المجال. فقد قادت اكتشافاتهم إلى تطوير «علم البصريات الوراثي»، وهي تقنية تتيح للعلماء استخدام الضوء لتشغيل الخلايا العصبية أو إيقاف نشاطها داخل الدماغ الحي، ما فتح نافذة جديدة على الآليات التي تقف وراء الذاكرة والمشاعر والسلوك.

وقالت مؤسسة نوبل السويدية المانحة للجائزة إن هذا العمل «أرسى الأساس لعصر جديد في علم الأعصاب»؛ إذ أتاح للباحثين تحديد الدوائر العصبية التي تتحكم في «ذكريات ومشاعر وسلوكيات محددة»، بل والتحكم فيها، بما يساعد على دراسة الاضطرابات العصبية والنفسية.

*مفتاح التحكم في الخلايا العصبية:

بدأت القصة بفضول علمي لدى بيتر هيغيمان لفهم كيفية استجابة طحالب وحيدة الخلية تُعرف باسم «كلاميدوموناس» للضوء وسباحتها باتجاه مصدره. وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اكتشف هيغيمان وجيورج ناغل بروتين «تشانيل رودوبسين»، القادر على الاستجابة للضوء وتحويله إلى إشارة كهربائية. وأظهر الباحثان أن إدخال هذا البروتين إلى خلية يجعلها حساسة للضوء، ما فتح الباب أمام استخدام الضوء للتحكم في النشاط الخلوي.

لكن تحويل هذه الفكرة إلى أداة لدراسة الدماغ تطلب خطوة إضافية، جاءت على يد كارل ديسيروث، الذي أدخل الجين المسؤول عن إنتاج البروتين الحساس للضوء إلى الخلايا العصبية لدى الفئران، ثم استخدم الضوء للتحكم في نشاطها. وبحلول نحو عام 2007، تمكن ديسيروث وزملاؤه من استخدام الضوء للتحكم في حركة شوارب الفئران، في واحدة من اللحظات التأسيسية لعلم البصريات الوراثي.

وتكمن أهمية هذه التقنية في أنها لا تكتفي بإظهار ارتباط منطقة معينة من الدماغ بوظيفة ما، بل تتيح للباحثين التدخل في نشاط خلايا محددة وتشغيلها أو إيقافها، ثم مراقبة النتائج. وبذلك أصبح بالإمكان دراسة الدوائر العصبية المسؤولة عن وظائف وسلوكيات محددة، واختبار علاقات السبب والنتيجة بدقة لم تكن ممكنة من قبل.

وقال أندريا بينوتشي، أستاذ علم الأحياء وعلم النفس التجريبي في جامعة كوين ماري في لندن، إن العثور على طريقة لدراسة دور مناطق محددة من الدماغ في الوظائف العقلية «غيّر الطريقة التي ندرس بها الدوائر العصبية المختلة في الاضطرابات النفسية».

وأضاف بينوتشي أن «القدرة على تنشيط الخلايا العصبية في الدماغ أو إسكاتها باستخدام ضوء الليزر فتحت الباب أمام مستوى غير مسبوق من الدقة»، حسب شبكة «سي إن إن».

وأتاح ذلك للباحثين دراسة كيفية تحكم دوائر عصبية بعينها في وظائف وسلوكيات متعددة، من بينها تناول الطعام والتفاعل الاجتماعي والعدوانية، كما ساعد على فهم كيفية تشكل ذكريات محددة، بما في ذلك ذكريات الخوف.

«علم البصريات الوراثي» يتيح للعلماء التحكم في نشاط الخلايا العصبية بالضوء لفهم كيفية عمل الدماغ (الهيئة المانحة لجائزة نوبل في السويد)

وقالت آنا ويديل، أستاذة في معهد كارولينسكا وعضو لجنة نوبل لعلم وظائف الأعضاء أو الطب، إن أبحاث الفائزين أتاحت إمكانات جديدة لرسم خريطة تحدد الخلايا المسؤولة عن وظائف معينة، وكذلك الخلايا التي يتواصل بعضها مع بعض.

وأضافت ويديل أن العلماء كانوا يملكون في السابق «خرائط تشريحية وارتباطات بين مناطق الدماغ ووظائفها»، لكن علم البصريات الوراثي وفر أداة يمكنها تقديم «علاقات السبب والنتيجة»، وتحديد الخلايا المسؤولة بدقة عن وظائف وسلوكيات وحتى مشاعر وذكريات معينة. ويعكس هذا التحول أهمية التقنية في دراسة أمراض الدماغ أيضاً؛ فمعرفة الخلايا التي تعمل بصورة طبيعية تمثل الخطوة الأولى، ثم يمكن مقارنة نشاطها عندما يختل عمل الدماغ، وتحديد الخلايا والدوائر التي يتغير نشاطها في المرض.

وقالت ويديل إن دراسة الحيوانات لفهم كيفية عمل الدماغ الطبيعي تتيح للباحثين استكشاف ما يحدث عندما يختل عمله، في حالات مثل الخرف والصرع والإدمان، مشيرة إلى أن فهم الخلايا النشطة في هذه الأمراض لدى الفئران يمكن أن يساعد في تحديد الأماكن التي ينبغي البحث فيها لدى البشر.

*من علوم أساسية إلى تطبيقات علاجية

على الرغم من أن أبحاث العلماء الثلاثة انطلقت من علوم أساسية تهدف إلى فهم كيفية استجابة الخلايا للضوء، فإن آثارها تجاوزت المختبرات ومهدت الطريق أمام مجال طبي ناشئ يُعرف باسم «العلاج بعلم البصريات الوراثي».

ومن أبرز الأمثلة على ذلك محاولة استخدام التقنية لاستعادة جزء من البصر لدى أشخاص فقدوه بسبب التهاب الشبكية الصباغي، وهو مرض وراثي يؤدي تدريجياً إلى تلف الخلايا الحساسة للضوء في شبكية العين.

وفي إحدى التجارب، نُقلت التعليمات الجينية اللازمة لإنتاج بروتين «تشانيل رودوبسين» إلى الخلايا العقدية في شبكية عين رجل فقد بصره، باستخدام فيروس غير ضار لنقل المادة الوراثية.

ثم زُوّد الرجل بنظارات خاصة تلتقط صوراً للعالم المحيط به وتحولها إلى إشارات ضوئية، قبل إسقاطها على شبكية العين. وبهذه الطريقة، أمكن تنشيط الخلايا التي أصبحت حساسة للضوء وإرسال إشارات كهربائية إلى الدماغ، متجاوزة بذلك الخلايا التي دمرها المرض.

ورحب البروفسور بوتوند روسكا، مدير معهد طب العيون الجزيئي والسريري في بازل بسويسرا، والذي شارك في قيادة هذه الدراسة، بالإعلان عن الفائزين بجائزة نوبل. وقال: «هذه أخبار رائعة حقاً. آمل أن يساعد ذلك في تعزيز جميع الجهود المبذولة في مجال استعادة البصر باستخدام علم البصريات الوراثي، لإعادة البصر إلى المرضى المصابين بالعمى»، حسب صحيفة «الغارديان» البريطانية.

ولا تقتصر الآفاق العلاجية المحتملة لعلم البصريات الوراثي على استعادة البصر؛ فكلما تمكن الباحثون من تحديد الخلايا والدوائر العصبية التي يختل نشاطها في مرض معين، أصبح من الممكن تصور تدخلات أكثر استهدافاً. وقد أسهمت التقنية بالفعل في فهم آليات أمراض عصبية مثل باركنسون والصرع، إلى جانب اضطرابات ترتبط بخلل دوائر دماغية محددة، بينها الاكتئاب والإدمان والخرف.

وبينما لا يزال الطريق طويلاً قبل تحويل كثير من هذه التطبيقات إلى علاجات متاحة على نطاق واسع، تمثل القدرة على التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة بالضوء خطوة مهمة نحو فهم أدق للدماغ، وربما تطوير طرائق جديدة لعلاج بعض الاضطرابات التي تصيب الجهاز العصبي.


مقالات ذات صلة

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

أوروبا هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

أعلنت هانا شتيرنه، المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» المرموقة، استقالتها، الجمعة، بعد أيام من إعلان الفائزين بجوائز نوبل لهذا العام.

الاقتصاد هول وودفورد الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)

«نوبل الاقتصاد» لعالمَيْن أميركيَّيْن

فاز الاقتصاديان الأميركيان روبرت هول ومايكل وودفورد بجائزة «نوبل الاقتصاد» لعام 2026، تقديراً لإسهاماتهما في تعزيز أدوات صانعي السياسات لمواجهة الصدمات الاقتصاد

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد هول وودفورد الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)

أميركيان يفوزان بـ«نوبل الاقتصاد» عن أبحاث غيّرت أساليب مواجهة الصدمات

فاز روبرت إي هول ومايكل وودفورد بجائزة بنك السويد في العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفريد نوبل لـ2026، تقديراً لأبحاثهما في «الأسس الجزئية لاستقرار الاقتصاد الكلي».

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك (رويترز) p-circle

ترمب يشن هجوماً حاداً على لجنة نوبل: «فقدت مصداقيتها إلى الأبد»

أبدى دونالد ترمب استياءه لعدم حصوله على جائزة نوبل للسلام، معتبراً أن جائزة نوبل للسلام فقدت مصداقيتها إلى الأبد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
بروفايل بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

بروفايل نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا «الفصل العنصري» في بلادها.

أحمد عدلي (القاهرة)

المصريون يحملون مذاق البيت في حقائب السفر

طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)
طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)
TT

المصريون يحملون مذاق البيت في حقائب السفر

طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)
طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)

على غرار الفنان المصري عادل إمام في فيلم «عنتر شايل سيفه»، حين سافر إلى إيطاليا حاملاً «زلعة المِش»، حمل مسافر قادم من مصر مأكولات من بلاده إلى الولايات المتحدة، قبل أن تضبط سلطات الجمارك وحماية الحدود في مطار ديترويت حماماً نيئاً، وبطاً، وثمار مانغو، وأوراق ملوخية خضراء في أمتعته.

ووفق مقطع نشره الحساب الرسمي لمدير مكتب العمليات الميدانية التابع للجمارك وحماية الحدود الأميركية في ديترويت، رصدت كلبة مدرّبة تلك المنتجات داخل الأمتعة أثناء مرورها على سير الحقائب. وذكّرت الإدارة المسافرين بضرورة الإفصاح عن جميع المواد الغذائية والمنتجات الزراعية التي يحملونها، لتحديد ما يُسمح بإدخاله وتجنّب الغرامات والتأخيرات المحتملة.

وتفتح الواقعة نافذة على عادة مألوفة لدى كثير من المسافرين المصريين، الذين يخصّصون حيزاً من حقائبهم لمأكولات البيت، من المحشي والملوخية إلى الفطير المشلتت والسمن البلدي. فما الذي يدفعهم إلى حمل هذه الأطعمة رغم أعباء السفر وتوافر بعض مكوناتها في بلدان الإقامة؟

طائرة مصرية بميناء القاهرة الجوي تستعد للإقلاع (الشرق الأوسط)

يقول أشرف شريف، وهو مهندس مصري يعمل في إحدى الدول الخليجية، لـ«الشرق الأوسط»: «تبدو حقيبتي للمسافرين العاديين مجرد أمتعة سفر، لكنها بالنسبة لي تشبه سُفرة مصغّرة. ففي كل مرة أستعد فيها لمغادرة القاهرة والعودة إلى مقر عملي، لا بد أن أحمل معي أصناف المحشي والحمام التي تعدّها لي والدتي. نعم، تتوافر المكونات في الخارج، لكن نَفَس الأم وروح البيت اللذين تحملهما هذه المأكولات يكون علاجاً للاغتراب، ولو لأيام قليلة».

وعلى غرار حقيبة شريف، تتنوع الأطعمة التي يصطحبها المغتربون، خصوصاً الأصناف التي يصعب العثور عليها بالمذاق نفسه خارج مصر. وتشمل القائمة الأسماك المملحة، وأبرزها الفسيخ والرنجة والسردين، والمِش والسمن البلدي، والفطير المشلتت والعسل الأسود، إلى جانب التسالي، مثل اللب والترمس والحمص والفول السوداني.

وحسب الدكتورة روضة حمزة، مدرّسة الاقتصاد المنزلي في جامعة العاصمة المصرية، فإن التوابل والخبز المصري المجفف والطيور البلدية وأصناف المحشي من أبرز ما تحمله حقائب المسافرين، لما تتمتع به من نكهات يفتقدها المغترب.

وتشير إلى أن الملوخية تحظى بمكانة خاصة بين هذه الأصناف، موضحة لـ«الشرق الأوسط»: «الملوخية ليست مجرد أكلة شعبية محببة، بل هي وجبة منزلية حميمة ترتبط بذكريات البيت ودفء العائلة، وخصوصاً الأمهات».

وترى روضة حمزة أن حرص المصريين على اصطحاب هذه الأطعمة يجمع بين عوامل إنسانية واقتصادية؛ فإلى جانب الارتباط العاطفي بها، يجد بعض المغتربين أن شراءها من مصر أقل تكلفة، أو أن مذاقها وجودتها يختلفان عما يتوافر في بلد الإقامة.

مطار القاهرة الدولي (الشرق الأوسط)

ومن المصريين المقيمين في الأردن، يقول عايدي عبد الحافظ لـ«الشرق الأوسط»: «توجد هنا أنواع كثيرة من المأكولات الشهية والجيدة، لكنني أحب كثيراً الطعم المصري الأصيل، لذلك أطلب من أقاربي أو أبناء قريتي بمحافظة الشرقية، قبل قدومهم إلى الأردن، جلب السمن البلدي لاستخدامه في الطهي، إلى جانب بعض التسالي المصرية. وفي المقابل، أردّ لهم هذه الخدمة خلال عودتي من مصر».

وفي تفسيره لهذا السلوك، يرى الباحث في الأنثروبولوجيا وليد محمود أن حمل الأطعمة المحلية أثناء السفر لا يقتصر على المصريين، بل هو سلوك مشترك بين شعوب كثيرة، يرتبط بالرغبة في الاحتفاظ بصلة بالبيئة الأصلية.

ويقول إن الأطعمة التي نشأ عليها الإنسان تصبح جزءاً من ذاكرته الشخصية والجماعية، وإن اصطحابها إلى بلد الإقامة يمنحه إحساساً بالألفة والراحة، خصوصاً عندما يصعب العثور عليها هناك. وينطبق ذلك، بحسب الباحث، على أطعمة مصرية مثل الملوخية والبصارة، التي يرى أن انتشارها خارج المنطقة العربية لا يزال محدوداً مقارنة بأصناف أخرى.

ويلفت محمود إلى قدرة الطعام على استدعاء الذكريات والمشاعر المرتبطة بالماضي؛ لتصبح المأكولات التي يحملها المغترب في حقيبته وسيلة للتخفيف من مشاعر الاغتراب والحفاظ على جذوره الثقافية والغذائية.


زيد أبو حمدان: «بومة» ليس جريئاً بل واقعي

المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
TT

زيد أبو حمدان: «بومة» ليس جريئاً بل واقعي

المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)

قال المخرج الأردني زيد أبو حمدان إن فيلم «بومة» ليس جريئاً، كما يصفه بعضهم؛ بل هو فيلم حقيقي وواقعي عن أشخاص يعيشون بيننا. وأوضح -في حواره مع «الشرق الأوسط» على هامش مهرجان «الجونة» المصري- أن أغلب الشخصيات التي بحث في ظروفها هم من «مجهولي النسب»، متحدثاً عن أثر فقدان الأمان والحب والرعاية في حياتهم.

وشارك فيلم «بومة» ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان «الجونة السينمائي» في دورته التاسعة، ويُعد ثاني أفلام أبو حمدان الطويلة بعد فيلمه الأول «بنات عبد الرحمن» الذي حقق نجاحاً لافتاً. والفيلم من بطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، وفرح بسيسو، ومجد عيد، ونبيل الراعي، ومجد حلو.

ركين سعد على ملصق الفيلم (مهرجان الجونة)

ويروي أبو حمدان أن علاقته بفيلم «بومة» بدأت منذ صغره؛ فقد كان يسمع عن فتيات يُقمن في مناطق عشوائية خارج عمَّان، ويهاجمن المحال لسرقتها، ويعتدين على أصحابها. وكان يتساءل عمَّا يدفع فتاة إلى أن تصبح «هجَّامة»، قبل أن يشاهد واحدة منهن وهو في الخامسة عشرة من عمره.

ويلفت إلى أنه خلال عمله على فيلم «بنات عبد الرحمن»، كانت تستفزه شخصية «زينب»، الأخت الكبرى التي أدتها الفنانة فرح بسيسو، وكان يتساءل عن سبب تقديمها مستضعفة هكذا، فقرر أن يكون فيلمه المقبل عن فتاة قوية وعنيفة، تكون نقيضاً لـ«زينب».

ويؤكد أنه بعد بحث ولقاءات كثيرة مع أشخاص لهم علاقات بـ«الهجَّامات»، وجد أن أغلب من تناولهن بحثه ينتمين إلى فئة «مجهولات النسب»، ويقول بأسى: «اكتشفت كمية الظلم التي يعيشها هؤلاء البنات؛ بل والرجال أيضاً، الذين فقدوا منذ مولدهم الأمان، وليست لديهم أوراق ثبوتية».

لقطة من الفيلم (حساب ركين سعد على فيسبوك)

واستغرق الفيلم 3 سنوات بين التحضير والتصوير؛ إذ يؤمن أبو حمدان بضرورة أن تأخذ الأفكار وقتها الكافي على الورق. وانطلقت رحلة تمويله من مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»؛ حيث فاز بجائزة تطوير النص، وقدرها مائة ألف دولار، كما حاز دعماً من الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، قدره 70 ألف دولار.

وشهد العرضان الأول والثاني لفيلم «بومة» في «الجونة السينمائي» حضوراً لافتاً، وحظي الفيلم بتصفيق كبير. ويقول أبو حمدان: «أذهلني استقبال كبار نجمات مصر، يسرا وليلى علوي وإلهام شاهين، للفيلم، وقد تحدثن معي عقب العرض وكانت الدموع في أعينهن تأثراً بأحداثه، كما أسعدني الحضور الكبير من الجمهور. وعلى الرغم من أن (بومة) امرأة متوحشة، وتسببت في إيذاء كثير من الناس، فإنها لم تولد متوحشة؛ بل نحن من دفعناها وأمثالها لذلك؛ لأننا لم نمد لهم يد العون».

جانب من كواليس تصوير الفيلم (فيسبوك ركين سعد)

ويكشف أبو حمدان أنه كان يرغب في اكتشاف ممثلة جديدة لتؤدي شخصية الهجَّامة «بومة»، غير أن لقاءً استغرق 7 ساعات مع الفنانة ركين سعد كان كفيلاً باختيارها. ويقول: «لم تكن ركين في بالي، ولكن صديقة لنا سمعت بعملي، فقالت لي إن هذا الدور حلم حياة ركين، وتحدثت إليها، ثم سافرتُ إلى مصر لألتقيها، وجلسنا للتحدث عن الفيلم فترة امتدت 7 ساعات، كنت أحكي لها قصة الفيلم، وكانت منتبهة للغاية ولمحت حُرقة في عينيها، وبكت لأجل (بومة)، ووصلني إحساسها العالي بالشخصية».

ويلفت إلى أنه اشترط التدريب على الدور نحو 6 أشهر، مع الاستعانة بمدرب لحركة الجسد، وأحد السجناء السابقين، لتعليمها كيفية استخدام «الموس» و«المطواة». ويضيف: «وقد عملنا على تغيير ملامح وجهها تماماً، واستمرت التدريبات يومياً معها على الشخصية، وأرى أن أداء ركين هو من أعطى للشخصية أبعادها بالفيلم».

وحازت ركين سعد جائزة أفضل ممثلة بمهرجان «الجونة السينمائي»، وأهدتها إلى أسرة الفيلم، وذكرتهم بالاسم خلال تسلُّمها الجائزة، وفي مقدمتهم المخرج زيد أبو حمدان الذي أكد سعادته بفوزها، مهنئاً إياها على أدائها المتميز لشخصية «بومة»، وعادّاً الجائزة تكريماً لفريق الفيلم كله الذي بذل جهداً كبيراً خلال تصويره.

فريق عمل الفيلم بعد فوز ركين سعد بجائزة أفضل ممثلة بمهرجان الجونة (فيسبوك ركين سعد)

ويرتبط أبو حمدان ارتباطاً وثيقاً بأفلامه، ويقول: «أُعدُّ أفلامي مثل أولادي»، لافتاً إلى أن «الفيلم الثاني يُعد أصعب فيلم»، موضحاً: «لو أن الفيلم الأول لم يلقَ قبولاً فلا بد من أن يعمل المخرج كثيراً ليثبت حضوره، ولو نجح فلا بد من أن يثبت موهبته ليؤكد أن نجاحه لم يكن صدفة».

وصُوِّر الفيلم وسط بعض الأحياء التي تأوي خارجين عن القانون، وفق المخرج الذي وصف ذلك بالمجازفة الكبيرة، ولكنه أراد التصوير في أماكن حقيقية تحقيقاً للمصداقية. ويلفت إلى أن فريق العمل تعرض لهجوم من بعض الأشخاص، مؤكداً أن الدولة تبذل جهوداً كبيرة للقضاء على «البلطجة».

ويضيف أنه اختار الطفلة «سما» التي ترتبط بها «بومة» ضمن أحداث الفيلم، خلال تفقده مواقع للتصوير في «مخيم غزة»، بعدما لفتت نظره وهي تلعب مع الأولاد في الشارع.

ورغم اهتمامه بالمرأة في أفلامه، فإن أبو حمدان يقول إنه لا يحب تصنيفه مخرجاً لأفلام المرأة، مؤكداً أن نساء أسرته، من أمه وجدته إلى عماته، أثَّرن فيه، وأنه أدرك من خلالهن قيماً مهمة تحكم الأسرة، وهو ما جعله متعاطفاً مع المرأة.

ويؤكد أبو حمدان أن هدفه من الفيلم إنساني في المقام الأول: «بصفتي شاباً في مجتمع ذكوري، أتمنى قبل أن نحكم على الناس أن ننظر لهم بعين إنسانية، فلو أن (بومة) وجدت تعاملاً راقياً بصفتها إنسانة، لم تكن كل هذه الجرائم قد وقعت، والفرق بيني وبينها أنني عشت وسط أسرة وبيت وحضن أبي وأمي، فصرت إنسانا سوياً».


خالد الصاوي: أجسد خيرت الشاطر بشكل مختلف في «تمكين»

خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)
خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)
TT

خالد الصاوي: أجسد خيرت الشاطر بشكل مختلف في «تمكين»

خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)
خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري خالد الصاوي إنه يستعد لتصوير مسلسله الجديد «تمكين» مع المخرج محمد سامي، ويجسد من خلاله شخصية القيادي بجماعة «الإخوان» خيرت الشاطر، مشيراً إلى أن العمل الذي يشترك فيه مع عمرو سعد وياسمين صبري سيعرض خلال رمضان المقبل على الشاشات.

وأضاف الصاوي في مقابلة مع «الشرق الأوسط» على هامش مشاركته في مهرجان الجونة السينمائي، أن الشخصية التي يقدمها للمرة الثالثة بعد ظهوره بها في مسلسلي «الاختيار» و«رأس الأفعى» سوف تظهر بشكل مختلف مع تناول جوانب مغايرة لم تظهر في الأعمال السابقة، لافتاً إلى أن الحديث عن كون العمل بمثابة جزء رابع من مسلسل «الاختيار» لا يبدو دقيقاً لكون الأحداث تتطرق لتفاصيل جديدة مع تفضيله ترك هذا الأمر لمخرج العمل والجمهور عندما يشاهده في رمضان المقبل.

وهذه ليست المرة الأولى التي يجسد فيها خالد الصاوي أدواراً لشخصيات يعرفها الجمهور، فسبق وقدم دور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والشاعر أحمد فؤاد نجم والسياسي المصري مصطفى أمين في أعمال مختلفة.

وكان الصاوي قد أكد بعد تجسيده خيرت الشاطر للمرة الأولى في «الاختيار» أن تقديمه للدور جعله يشاهد جميع اللقاءات التلفزيونية للقيادي الإخواني، مشيراً إلى أن انخراطه في ثورة 30 يونيو (حزيران) التي أطاحت بتنظيم «الإخوان»، المصنف «إرهابياً» في البلاد، جعلته يتعامل بمنظور مختلف مع الشخصية.

الصاوي قبل فقدان وزنه (حسابه على فيسبوك)

وعبّر الصاوي عن سعادته بردود الفعل على مشاركته في حكاية «ما لم يحكَ عن بني مزار» التي عرضت مؤخراً ضمن مسلسل «القصة الكاملة»، مشيراً إلى أنه منذ معرفته بفكرة القصة وجد فيها العديد من التحديات ليس فقط على مستوى التمثيل، لكن أيضاً الفكرة والمعالجة لواحدة من القضايا التي قيدت ضد مجهول أمام القضاء.

وأكد أن «ثقته في صناع العمل وسابق تعاونه معهم في أعمال أخرى أمور شجعته على خوض التجربة من دون تردد بعد قراءة العمل ليخرج بالنتيجة التي تابعها الجمهور مؤخراً».

على الصعيد السينمائي، أبدى الصاوي حماسه لفيلم «باسط للعضلات»، الذي يجمعه بأحمد مالك وميشيل ميلاد، واكتفى بوصفه بأنه فيلم مهم، مفضلاً ترك تفاصيل شخصيته وأحداث العمل إلى وقت مشاهدته. الفيلم من إخراج خالد منصور، وتأليف محمد الحسيني، وقد انتهى تصويره في أغسطس (آب) الماضي، ضمن مشروعات الصاوي السينمائية الجديدة التي يترقب عرضها قريباً.

وأشار كذلك إلى مشاركته في فيلم «حدوتة» مع أحمد حلمي، من دون الاسترسال في تفاصيله، متمسكاً بتحفظه على حكاية الأعمال قبل عرضها.

وشدد الصاوي على أنه بدأ حياة جديدة عقب استعادة لياقته البدنية، موضحاً أن أصعب ما واجهه قبل اتخاذ هذه الخطوة كان ضيقه من نفسه، وإحساسه بأنه يواصل عادات يعرف ضررها، فجاءت رغبته في التغيير مرتبطة باستعادة احترامه لذاته والثقة بها؛ إذ وجد صعوبة في أن يكون راضياً عن نفسه بينما يتجاهل ما يحتاج إلى إصلاح في حياته.

وأوضح أن الانتقادات التي تناولت مظهره وأداءه وصوته، خصوصاً بعد مشاركته في مسلسلي «المداح» و«سيد الناس»، وافقت شعوراً داخلياً لديه، ودفعته إلى وقفة أكثر صراحة مع نفسه، فكان السؤال الذي واجه به صورته في المرآة هو ما إذا كان هذا خالد الذي يحبه ويرضى عنه، ومن إجابته بدأ التفكير فيما يستطيع فعله، بدلاً من الاكتفاء بالتأثر بما يقوله الآخرون.

خالد الصاوي بدأ حياة جديدة عقب استعادة لياقته البدنية (حسابه على فيسبوك)

وأشار إلى أن رغبته في أن يكون قدوةً للشباب جعلته يشعر بمسؤولية أكبر تجاه اختياراته، فالتأثير في الآخرين، بحسب تجربته، يبدأ بقدرة الإنسان على تطبيق ما يؤمن به، ورغم تعدد الأسباب التي أوصلته إلى تلك المرحلة، رأى أن تجاوزها يقتضي عملاً من الداخل.

وكشف الصاوي عن خضوعه لجراحتين؛ إحداهما لتكميم المعدة والأخرى للمرارة، فيما يواصل التعامل مع مشكلة في الغضروف، موضحاً أن استعادة لياقته استلزمت تغييراً في أسلوب حياته، شمل الانتظام في التمارين الرياضية ستة أيام أسبوعياً ليكون هذا الالتزام جزءاً أساسياً من يومه، بعدما أدرك أثر عاداته السابقة في صحته، وحاجته إلى بذل جهد مستمر لاستعادة قدرته البدنية.

وأضاف أن «الجانب الأصعب في التجربة كان مقاومة نفسه كلما دفعته إلى العودة لما اعتاده، فقرار التغيير كان يحتاج إلى التزام يتجدد مع الممارسة اليومية».