وقف تزويد الوقود يزيد آلام القطاع الصحي في غزة

«الصحة العالمية» أبلغت سلطات القطاع رسمياً بعدم وجود تمويل لتوفير الطاقة للمستشفيات

خدّج في مستشفى «الشفاء» بغزة أُخرجوا من الحضانات بعد انقطاع الكهرباء في نوفمبر 2023 (رويترز)
خدّج في مستشفى «الشفاء» بغزة أُخرجوا من الحضانات بعد انقطاع الكهرباء في نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

وقف تزويد الوقود يزيد آلام القطاع الصحي في غزة

خدّج في مستشفى «الشفاء» بغزة أُخرجوا من الحضانات بعد انقطاع الكهرباء في نوفمبر 2023 (رويترز)
خدّج في مستشفى «الشفاء» بغزة أُخرجوا من الحضانات بعد انقطاع الكهرباء في نوفمبر 2023 (رويترز)

صُدم القائمون على إدارة عدد من منشآت القطاع الصحي في غزة، بإبلاغهم رسمياً من قبل منظمة الصحة العالمية بوقف تزويد المستشفيات والمراكز الصحية بالوقود، بسبب نقص التمويل، ليضاف ذلك إلى أزمات طرأت مؤخراً بفعل نقص الزيوت والفلاتر المستخدمة للمركبات ومولدات الكهرباء.

وقال منير البرش مدير عام وزارة الصحة بغزة، خلال تصريح صحافي مقتضب، إنهم تلقوا إشعاراً رسمياً من قِبل «الصحة العالمية»، بوقف تزويد أكثر من 20 مستشفى ومركزاً صحياً بالوقود، بدءاً من التاسع عشر من الشهر الحالي، مشيراً إلى أن الرسالة أشارت إلى «نقص في التمويل» تعاني منه المنظمة الأممية.

وأكد محمد أبو عفش، مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، تلقيهم الرسالة نفسها من منظمة الصحة العالمية، مشيراً إلى أن القرار يشمل 13 مستشفى، و7 مراكز صحية. مبيناً أن ذلك سيضاعف من خطورة الأوضاع الصحية مع بداية فصل الشتاء الذي ينذر بكوارث بيئية وصحية وانتشار للأمراض في ظل تفاقم أزمات النفايات وتلوث المياه، وتضرر مراكز الإيواء والخيام.

ولفت أبو عفش في إفادة لصحافيين محليين بغزة خلال لقاء لاطلاعهم على الأوضاع، إلى أن الاستمرار في تقييد الإمدادات سواء بالوقود أو إدخال الزيوت وقطع الغيار والمولدات الكهربائية لمدة أطول، يهدد بتوقف كامل للخدمات الصحية، وشلل المنظومة الطبية بالقطاع.

نازح فلسطيني يجلس على الرمال بين بقايا خيمته التي دُمّرت عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت مستودعاً للإمدادات والمستلزمات الطبية والأدوية بالقرب من مستشفى «شهداء الأقصى» في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة في الأول من أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وبيّن أن المؤسسات الصحية والمستشفيات، بما فيها مراكز الإغاثة الطبية السبعة والعيادات المتنقلة المنتشرة في غزة وشمالها وجنوبها، تعتمد بشكل كامل على المولدات لتدبير احتياجاتها الكهربائية.

وأكد أبو عيش أن أسعار هذه المستلزمات في الأسواق، إن وُجدت، باتت خيالية ومستحيلة الشراء؛ ما أدى لتعطل كثير من المولدات، وتقليص الخدمات الصحية للمواطنين.

وفي السياق نفسه، حذرت وزارة الصحة في قطاع غزة من كارثة إنسانية تتهدد المنظومة الصحية في أعقاب القرار الجديد لمنظمة الصحة العالمية، مشيرةً إلى أن القرار يستهدف 13 مؤسسة صحية أهلية تعد شريكاً وركيزة أساسية للمنظومة الصحية في ظل استمرار حالة الطوارئ.

وأوضح مدير عام الشؤون الإدارية في الوزارة. محمود حماد، بتصريح صحافي له، أن هذا القرار ينعكس بشكل خطير ومباشر على تقديم خدمات الرعاية الصحية، لا سيما الخدمات الحيوية والمنقذة للأرواح التي تقدمها هذه المؤسسات، وفي مقدمتها خدمات الجراحة والولادة ورعاية الجرحى والمصابين الذين يتم تحويلهم ونقلهم إليها باستمرار؛ ما ينذر بوقوع كارثة إنسانية محققة في قطاع غزة.

وشدد حماد على أن حماية واستدامة عمل هذه المؤسسات هو حق كفلته القوانين والأعراف الدولية، داعياً المنظمات الدولية والجهات المعنية إلى التدخل الفوري والتراجع عن هذا الإجراء لمنع تدهور الأوضاع وحماية أرواح المرضى والمصابين من خطر الموت المحقق.

وقف المواصلات

يأتي ذلك على وقع إعلان نقابة أصحاب شركات الباصات «الحافلات» العامة في قطاع غزة، عن تعليق خدمة نقل الأطباء والممرضين والكوادر الطبية، يوم الأربعاء المقبل، إلى جميع أماكن عملهم في المستشفيات والمراكز الطبية، بما فيها الحكومية والدولية، احتجاجاً على استمرار عدم الاستجابة لمناشدات النقابة لتوفير قطع غيار الحافلات، بما فيها الإطارات والزيوت ومواد الصيانة الأساسية، وبعد استنفاد جميع الإمكانات المتاحة لضمان استمرار الخدمة.

وأكدت النقابة أن هذا الإجراء اضطراري وخارج عن إرادتها، نتيجة عدم توفر مستلزمات التشغيل والصيانة اللازمة لضمان سلامة الحافلات واستمرار الخدمة.

وقالت وزارة الصحة بغزة، إن هذا التوقف المفاجئ يشكل تهديداً مباشراً للخدمات الصحية داخل المستشفيات، نظراً لتعذر وصول الأطباء والممرضين والفنيين إلى أماكن عملهم؛ ما ينعكس على جودة ورعاية المرضى، ويضاعف الضغط على الطواقم الموجودة حالياً؛ ما ينذر بتوقف أقسام حيوية خدماتها المنقذة للحياة.

مرضى فلسطينيون في مستشفى بخان يونس ينتظرون إجلاءهم من قطاع غزة فبراير الماضي (أ.ف.ب)

وأشارت إلى أن شح المواصلات العامة، وارتفاع تكاليف التشغيل الفردي يجعلان من المستحيل استدامة وصول الموظفين بجهود شخصية، مطالبةً جميع المؤسسات الدولية، والجهات المعنية، والمنظمات الإنسانية بالتدخل الفوري لتوفير الزيوت، وقطع الغيار، والوقود اللازم لإعادة تشغيل أسطول النقل الطبي دون أي تأخير. وقالت: إن الاستهتار بالمتطلبات التشغيلية البسيطة للمنظومة الصحية هو حكم مباشر بالإعدام على الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين.

ورأت أن استمرار أزمة نقص زيوت المولدات الكهربائية في المستشفيات يزيد صعوبة استمرار تشغيلها لتغطية الاحتياج اليومي من الكهرباء، مبينةً أن ما سُمح بإدخاله من كميات محدودة من الزيوت خلال الفترة الماضية، هي ضمن كميات إسعافية لا تلبي إجراءات التشغيل والمتابعات الفنية المطلوبة، مشيرةً إلى أن كثيراً من المولدات الكهربائية في المستشفيات بحاجة عاجلة إلى تغيير الزيوت، والتأخير في ذلك يعرضها إلى تعقيدات فنية وميكانيكية قد تؤدي إلى توقفها.

وبينت أن الاحتياج الشهري من زيوت المولدات الكهربائية يصل إلى 2500 لتر، مشيرةً إلى أن الأيام القليلة الماضية شهدت توقف عمل عدد من المولدات الكهربائية نتيجة عدم توفر الزيوت وقطع الغيار وكميات الوقود الكافية، وأن ما تبقى من مولدات كهربائية في المستشفيات يعمل على مدار الساعة في ظروف فنية وميكانيكية صعبة لا تستطيع تغطية احتياج الأقسام الحيوية والمنقذة للحياة.

وتأتي هذه الأعباء على واقع قطاع الصحة، في ظل ظروف ميدانية معقدة مع استمرار العدوان الإسرائيلي على القطاع. وأعلن عن انتشال جثة فلسطيني بعدما أصابته آليات إسرائيلية عند الخط الأصفر جنوب خان يونس، مساء الأحد.

فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة في 15 يوليو 2026 (رويترز)

وأصيب 10 فلسطينيين، ظهر الاثنين، إثر غارة جوية من طائرة مسيرة إسرائيلية استهدفت خيمة في مخيم للنازحين بالقرب من مستشفى الوفاء وسط مدينة غزة، بينما أصيب غزي بقصف سطح منزل قرب مجمع «الشفاء» الطبي بالمدينة نفسها، وسبق ذلك بوقت قصير، استهداف شابين بشكل مباشر قرب مدخل الزوايدة وسط القطاع؛ ما أدى لإصابتهما بجروح خطيرة، نُقلا على إثرها لمستشفى «شهداء الأقصى»، بينما أصيب 8 آخرون على الأقل في غارة سبقت ذلك، واستهدفت خيمة في مواصي خان يونس جنوب القطاع، ووُصفت بعض الإصابات بأنها حرجة وخطيرة من قبل المصادر الطبية الرسمية.


مقالات ذات صلة

حوار فلسطيني مصغر في القاهرة تمهيداً لـ«اجتماع شامل»

خاص صبي فلسطيني يجلس وسط ممتلكات أسرته بعد أن هدمت القوات الإسرائيلية غرفة كانوا يسكنونها في قرية «أم الخير» بالضفة الغربية المحتلة الأربعاء (أ.ف.ب)

حوار فلسطيني مصغر في القاهرة تمهيداً لـ«اجتماع شامل»

حراك فلسطيني جديد تشهده العاصمة المصرية القاهرة، للمرة الثانية في أقل من أسبوع، بهدف الدفع إلى إقامة حوار شامل بعد تأجيل الانتخابات الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (غزة) محمد الريس (القاهرة )
خاص القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)

خاص «الشرق الأوسط» تكشف وقائع نجاة قائد «حماس» في غزة من الاغتيال الإسرائيلي

نجا قائد «حماس» في غزة علي العامودي، من عملية اغتيال في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وأدت حينها لمقتل 5 فلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تمنع خروج مرضى غزة لليوم السابع

واصلت إسرائيل لليوم السابع على التوالي، إغلاق معبر رفح البري المخصص لسفر المرضى والجرحى والعالقين من وإلى قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا آلاف يتظاهرون في لندن دعمًا للفلسطينيين (أ.ب)

آلاف يتظاهرون في لندن دعماً للفلسطينيين

شارك آلاف المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين في مسيرة، السبت، جابت وسط لندن؛ للمطالبة بوقف الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي خلال تشييع قتيل سقط بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (أ.ب)

غارات إسرائيلية متواصلة توقع قتلى وجرحى في غزة

قُتل 7 فلسطينيين بهجمات إسرائيلية استهدفت مناطق عدة في قطاع غزة، تزامناً مع عمليات قصف مدفعي ونسف طالت مناطق على جانبي الخط الأصفر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.