رسائل أردنية مشفّرة في مواجهات استفزازات إسرائيلية مستمرة

تأكيد رسمي على شعار «الأردن أولاً» وقلق من تهجير الفلسطينيين من الضفة

فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

رسائل أردنية مشفّرة في مواجهات استفزازات إسرائيلية مستمرة

فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

عاد مصطلح «الأردن أولاً» إلى لسان الرسميين الأردنيين، وذلك أمام استفزازات إسرائيلية مستمرة، وتهديد مستمر بدفع خيار تهجير سكان من الضفة الغربية نحو الأردن، وهو ما كانت عمّان قد اعتبرته سابقاً بـ«بمثابة إعلان حرب». ويأتي ذلك في وقت تثير فيه دعوات اليمين المتطرف في إسرائيل إلى أن يكون الأردن «وطناً بديلاً للفلسطينيين» قلقاً بين الرسميين في الأردن حيال مستقبل العلاقة مع دولة الاحتلال. وفي هذا الإطار تقول مصادر مطّلعة تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إن استمرار اعتداء المستوطنين على الفلسطينيين العُزّل في الضفة يُعتبر أداة إسرائيلية من أدوات «التهجير الناعم، أو الطوعي».

وفي تصريحات غير مسبوقة لشخصية أمنية بوزن مدير المخابرات الأردنية، قال اللواء أحمد حسني، السبت الماضي، إن «الملك عبد الله الثاني يؤمن بكل فرد أردني، وإن كلمة الملك في كل المواضيع الأردن أولاً». وفي مواجهة حملات تستهدف «الوحدة الوطنية»، وتسعى إلى بث التفرقة عبر حسابات مجهولة على منصات التواصل الاجتماعي، شدد حسني على دور العشائر الأردنية التي وصفها بأنها «أساس المرحلة الأولى من بناء المملكة»، مضيفاً أنه «لا تزال تُشكل، بعاداتها وقيمها، قدوة للأردنيين».

ويرى مراقبون في عمّان أن رسالة مدير المخابرات موجهة للخارج بالدرجة الأساسية. فهي تأتي وسط تحديات أمنية على الحدود الشمالية مع سوريا، والشرقية مع العراق، والغربية مع دولة الاحتلال، وبالتزامن مع حرب حسابات إلكترونية تقودها على الأرجح إسرائيل، وتستهدف «دق أسافين» داخل المملكة، والغمز من قناة الأصول، والمنابت، والحقوق، والواجبات داخل التركيبة الاجتماعية. وخلاصة القول في الرسالة الأردنية «المشفرة» تتمثّل في استعادة شخصية شعار «الأردن أولاً»، بوصفه الشعار الذي يعيد تنظيم أولويات المملكة الأردنية في جميع المراحل، وأمام كل التحديات.

الملك عبد الله الثاني يستقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمّان في فبراير الماضي (أ.ف.ب)

و«الأردن أولاً» شعار أطلقه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بعد تسلمه سلطاته الدستورية في فبراير (شباط) عام 1999، مشكلاً لجنة سياسية عام 2002 بهدف تعريف مفهوم الأردن أولاً، وتحديد مضامينه، ومبادئه، لخدمة الوطن، وتعزيز مسيرته، ورسم خريطة إصلاحات شاملة تعكس الأولويات الوطنية، مع ضرورة الحفاظ على مبادئ «الهوية الوطنية الأردنية»، دون إغفال أولوية الحل العادل للقضية الفلسطينية على أساس إقامة الدولة الفلسطينية على ترابها الوطني، وعاصمتها القدس، وهو أمر يعتبره الأردن «مصلحة عليا» للبلاد، مشدداً على أنه لا حلول على حسابه.

وفتحت تلك المبادرة الباب على تحقيق شروط ومكتسبات المواطنة المتساوية، من وجهة نظر البعض، لكن نشأ من بين جناحي اللجنة في حينه ما عرف بتيار «الحقوق المنقوصة»، وهو تيار يتبنى مطالب بـ«الحقوق الكاملة لجميع الأردنيين من شتى الأصول، والمنابت». لكن بالتزامن أيضاً بدأت تتشكل مواقف شعبية تقول بضرورة «الاستدارة إلى الداخل»، باعتبار أن المصالح الأردنية الخالصة تتقدم على بقية الأولويات. وهذا تيار أصبح واضح المطالب، والأهداف.

وتزامن كل ذلك مع أحداث الانتفاضة الثانية في فلسطين، والتداعيات المصاحبة للاقتحام الإسرائيلي للمسجد الأقصى بقيادة رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون في سبتمبر عام 2000.

تهديدات إسرائيلية تأخذها عمان بجدية

بؤرة استيطانية إسرائيلية شمال جنين بالضفة الغربية يوم 12 سبتمبر (إ.ب.أ)

أمام تاريخ من العلاقات «المتوترة» بين عمّان وتل أبيب، منذ توقيع معاهدة السلام عام 1994، وانقطاع خطوط الاتصال سياسياً بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة، ومع استمرار قنوات التواصل الأمني التي تحافظ عليها المؤسسات الأمنية الإسرائيلية مع نظيرتها الأردنية، بحسب مصادر مختلفة، فإن عمّان تتعامل بحذر مع سياسات اليمين المتطرف الإسرائيلي التي تنتهج سياسة مصادرة أراضي الفلسطينيين، وتنفذ خطط توسيع رقعة الاستيطان، وتحاول فرض أمر واقع جديد. وفي ظل ارتفاع وتيرة الاقتحامات للمسجد الأقصى، والحرم القدسي، والتضييق على الفلسطينيين عبر تقطيع أوصال الضفة الغربية بالحواجز، والسعي إلى تنفيذ سياسات تهجير الفلسطينيين طوعاً، أو قسراً، فإن الأردن الرسمي يخشى من تداعيات الإجراءات الإسرائيلية الأحادية.

وهنا تبرز قضية وجود أكثر من نصف مليون فلسطيني يقيمون في مناطق الضفة الغربية، ويحملون الجنسية الأردنية، وتهدد حكومة تل أبيب بدفعهم نحو الأردن، تحت سياسة تستهدف تأجيل خطر الانفجار الديموغرافي لصالح الفلسطينيين، والذي تخشاه إسرائيل. وتحدثت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن بنوداً من معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية تمنع تل أبيب من تنفيذ أي سياسات تهجير قسري لسكان الضفة الغربية. وكان وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، قال في بداية العدوان الإسرائيلي على غزة بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 «إن معاهدة السلام مع إسرائيل هي وثيقة موضوعة على الرف يعلوها الغبار». ورغم ملاحظات أبداها أعضاء من فريق الرئيس دونالد ترمب على الصفدي على خلفية مواقفه المتشددة حيال دولة الاحتلال، فإنّ الصفدي ما زال في موقعه، وعلى مواقفه، بدعم واضح من العاهل الأردني.

وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (د.ب.أ)

ولأن الأردن الرسمي لا يثق بالحكومة الإسرائيلية، فإن عمّان تعتبر محاولات تل أبيب فرض أمر واقع في الجنوب السوري خطراً أمنياً مضاعفاً، وسط اتهامات رسمية لقوى درزية مدعومة إسرائيلياً بأنها «ورثت خطوط إنتاج المخدرات، ومصانع كانت تحت سيطرة ميليشيات إيرانية وأخرى تابعة لـ(حزب الله) اللبناني في مناطق الجنوب السوري زمن النظام السابق». وبالفعل شهدت الأيام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في عدد عمليات تهريب المخدرات على الحدود مع سوريا التي تحبطها قوات حرس الحدود.

ويزيد من المخاوف الرسمية الأردنية قدرة حكومة اليمين المتطرف، بقيادة بنيامين نتنياهو، على التأثير في القرار الأميركي من خلال العمل في الكواليس، لا سيما لجهة مصادرة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس لصالح لجنة دولية تستطيع تل أبيب من خلالها فرض سياسات جديدة تساهم في تحقيق أهداف اليمين المتطرف. وسجّلت التقديرات الرسمية في الأردن أن دولة الاحتلال دخلت في دوامات التطرف من خلال الصمت الرسمي على استهداف المستوطنين للفلسطينيين في مدنهم، وقراهم.

الحركة الإسلامية على جدول حسابات الأردن

عناصر من الجيش الأردني (رويترز - أرشيفية)

ارتدّت فكرة جدية التهديدات الإسرائيلية على مراكز القرار في عمّان، إذ تباينت مواقفها من الحركة الإسلامية (جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة وذراعها الحزبي الذي تغيّر اسمه تحت ضغط رسمي إلى حزب «الأمة» بدل حزب «جبهة العمل الإسلامي»). فثمة اتجاهات تدعو إلى عدم التصعيد مع الحركة الإسلامية التي تستحوذ إلى حد كبير على مزاج الشارع الأردني، وذلك تحت غطاء قدرتها على الاستعراض الشعبي في رفض سياسات دولة الاحتلال، وانسجام موقف بعض قياداتها من الحمائم مع الموقف الرسمي.

وعلى عكس الاتجاه السائد، والاعتقاد بأن المرحلة فرضت تصفية التيار الإسلامي، وحل جماعة «الإخوان»، واعتبارها محظورة في البلاد، لكن آراء مؤثرة على مستوى صناعة القرار قالت بضرورة «التهدئة مرحلياً» مع حزب «الأمة»، و«تسكين» القضايا المرفوعة على قيادات بتهم وجرائم اقتصادية.

وفي حسابات المخاوف الرسمية، بحسب ما استمعت إليه «الشرق الأوسط» من مصادر مطلعة، فإن المزاج الأردني سريع التأثر بما تنشره منصات التواصل الاجتماعي، ومن دون التحقق من مصادر حسابات وهمية تسعى إلى إثارة الفتن. وتوضح هذه المصادر أن هناك خوفاً من أن يصدق بعض المواطنين إشاعات تضرب على عصب محلي حساس يتعلق ببث الفتن على أساس من الأصول، والمنابت، ومخاوف طبقات اجتماعية واسعة على مكتسبات محدودة. وتابعت أن عمّان أدركت قدرات تل أبيب على تحريك جيوش من الحسابات الوهمية لضرب المجتمعات من الداخل، وإضعاف الثقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية.

والحركة الإسلامية في الأردن (مصطلح يطلق اختصاراً على جماعة «الإخوان»، وحزب «الأمة»)، تعرف جيداً التعاطي مع الإعلام، ولعلها الحزب الأكبر الذي يحظى بشعبية جارفة على منصات التواصل الاجتماعي. وهي بذلك قد تساهم بدور حاسم في مواجهة حسابات خارجية وهمية. وفي هذا السياق، فإن مؤثرين في مراكز صناعة القرار قالوا بفكرة «عدم التصعيد ضد الحركة الإسلامية، مع إبداء جانب من الاحتواء». فإلى جانب غياب الحديث عن قضايا تم تحريكها ضد قيادات من الحركة على خلفية اتهامات بجرائم اقتصادية، فإن مطّلعين تحدثوا عن سيناريوهات «لم تُحسم بعد» تقضي بـ«توفر فرص التقارب بين الحركة والحكومة»، وهو ما كان واضحاً خلال الدورة الاستثنائية النيابية التي انتهت مطلع الشهر الحالي. فقد قطف نواب حزب «الأمة» شعبية مضاعفة نتيجة انتقاداتهم اللاذعة لتشريعات أُقرت بنواب الأغلبية الرسمية، ما وضع النواب المحسوبين على الخط الرسمي في حَرج بعد انقلاب الحكومة على قرارات لها دعمت مواقف نواب حزب «الأمة» الـ(31) في مجلس النواب الحالي.

عزاء وتصريحات

يوم السبت الماضي وقع حادث سير على الطريق الصحراوي الذي يربط العاصمة بمحافظات الجنوب. وتسبب في وفاة أربعة من الشباب المنتسبين لخدمة العلم خلال عودتهم من معسكرات التدريب (مكلفين)، ليرتفع العدد إلى 7 يوم الاثنين، ومع أن الحادث وقع بين شاحنة وحافلة للنقل العام، وهو مشهد متكرر على الطريق الصحراوي بسبب مخالفات، وتجاوزات سائقين، لكن تعاطفاً شعبياً واسعاً قادته منصات التواصل الاجتماعي مشارِكة بالعزاء، ودعم أسر المتوفين.

وكان ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبد الله الثاني أعلن العام الماضي عن عودة خدمة العلم ليبدأ العمل باستقبال من وقع عليهم الاختيار من الشباب مطلع العام الحالي، ضمن شروط ومعايير وضعتها القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي).

وفي عزاء أحد الشبان الأربعة أدلى مدير المخابرات الأردني اللواء أحمد حسني، وإلى جانبه رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء مجدي الحراسيس، بتصريحات غير مسبوقة، قائلاً إن الملك عبد الله الثاني «يؤمن بكل فرد أردني»، وإن كلمة الملك في كل المواضيع هي «الأردن أولاً»، قاصداً التذكير بتماسك الأردنيين، ووحدتهم أمام المخاطر، والتحديات التي تواجه بلدهم. والمقصود من كل الرسائل الرسمية مواجهة حملات تستهدف «الوحدة الوطنية»، وتسعى إلى بث الفتن عبر حملات مجهولة على منصات التواصل الاجتماعي.


مقالات ذات صلة

فؤوس وبنادق وطائرات... خطة أكاديمي إسرائيلي لقتل وترحيل فلسطينيين

شؤون إقليمية شاحر نيفو (جامعة بار إيلان) p-circle

فؤوس وبنادق وطائرات... خطة أكاديمي إسرائيلي لقتل وترحيل فلسطينيين

كشفت السلطات الإسرائيلية، الأربعاء، عن هوية أكاديمي إسرائيلي متهم بالتخطيط لتنفيذ سلسلة هجمات تهدف إلى قتل مئات الفلسطينيين في أراضي «48» والقدس والضفة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الجيش الإسرائيلي ينصب شبكة أسلاك في بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي (أرشيفية - سانا)

سوريا: إسرائيل تعتقل شاباً من ذوي الإعاقة بعد إطلاق النار عليه في ريف القنيطرة

توغلت قوات إسرائيلية، الأربعاء، في بلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة الشمالي في جنوب سوريا، واعتقلت شاباً من ذوي الإعاقة بعدما أصابته بالرصاص.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية صورة من أمام القنصلية البريطانية في القدس يوم 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

بريطانيا قد تطرد دبلوماسيين إسرائيليين في حال إغلاق قنصليتها في القدس

قالت أربعة مصادر لوكالة «رويترز» للأنباء، إن بريطانيا من المرجح أن تطرد دبلوماسيين إسرائيليين إذا نفذت تل أبيب قرار إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية فلسطيني أمام منزل اعتدى عليه مستوطنون إسرائيليون قرب رام الله بالضفة الغربية 28 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

«خطة البروفسور»... تهجير الفلسطينيين وقتل المئات منهم في القدس والضفة

أعلنت النيابة العامة الإسرائيلية، الاثنين، توقيف محاضر جامعي كبير بتهمة وضع مخطط يهدف إلى تهجير الفلسطينيين وقتل المئات منهم.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي عنصر من القوات الإسرائيلية يشير بيده إلى فلسطيني أثناء قيامه بأعمال الحراسة خلال هدم مبنى فلسطيني بالقرب من الخليل في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل (رويترز)

500 دبلوماسي ومسؤول أوروبي سابق ينتقدون تقاعس الاتحاد إزاء الاستيطان الإسرائيلي

دعا نحو 500 دبلوماسي ووزير ومسؤول أوروبي سابق في مقال رأي الاثنين الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء إلى «التحرك» إزاء مشروع استيطاني إسرائيلي بالضفة.

«الشرق الأوسط» (باريس)

إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
TT

إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) عن تعرّض موقع لها قرب الحدود مع إسرائيل لإطلاق نار الأربعاء بالأسلحة الخفيفة، من دون أن يسفر الحادث عن إصابات، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت «يونيفيل» في بيان: «تعرّض موقع تابع لـ(يونيفيل) بالقرب من كفرشوبا على الخط الأزرق في القطاع الشرقي صباح اليوم لإطلاق نار من أسلحة خفيفة».

وأضافت أن جميع عناصرها المتمركزين في الموقع سارعوا إلى «الاحتماء»، من دون أن تسجّل إصابات في صفوفهم، بينما أصابت الطلقات «الجدار الخارجي» للموقع وطال بعضها «وحدات سكنية وآليات تابعة للأمم المتحدة داخل القاعدة».

وندّدت «يونيفيل» بإطلاق النار عادّةً أنه «غير مقبول» ويحمل «علامات واضحة».

وأضافت أن «مثل هذه الهجمات المتعمّدة تعرّض حياة حفظة السلام لخطر بالغ»، مشيرةً إلى أنها فتحت تحقيقاً في الحادث.

وتضمّ قوة «يونيفيل» المنتشرة في جنوب لبنان منذ عام 1978 نحو 7500 عنصر من 46 دولة.

لكن مجلس الأمن الدولي قرر في أغسطس (آب) من العام الماضي، تحت ضغط أميركي، إنهاء ولاية «يونيفيل» في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ويأتي اقتراب انتهاء مهمة «يونيفيل» في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال مناطق واسعة في جنوب لبنان.

وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد أكد في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في سبتمبر (أيلول) أن لبنان منفتح على أي قوّة تستبدل قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان، مؤكداً ضرورة تجنّب حصول أي «فراغ» بعد انسحاب «يونيفيل».


مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي

مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي
TT

مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي

مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي

أعادت مديرية مدينة دمشق القديمة فتح خان أسعد باشا الأثري أمام الجمهور، الأربعاء، معلنة «صرف النظر» عن فكرة استثماره على شكل فندق سياحي، بعد موجة انتقادات واسعة لغياب الشفافية في القرار، تزامناً مع جدل مماثل أثير في مدينة حمص يتعلق بمباشرة شركة قطاع خاص أعمال إعادة تأهيل قصري الزهراوي ومفيد الأمين الأثريين، بهدف استثمار كل منهما كمطعم سياحي.

وقال مدير المديرية أمجد الفرخ، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن إجراء الإغلاق وختم العقار «كان مؤقتاً بهدف حسم الجدل حول مستقبل توظيف الخان، ووضع نقطة فاصلة فيما يتعلق بمقترح إعادة استخدامه كمنشأة فندقية».

وبعد التشاور مع وزارة الثقافة ومحافظ دمشق، تم اعتماد إبقاء خان أسعد باشا كفراغ ثقافي ذي وظيفة ثقافية تتناسب مع قيمته التاريخية والمعمارية، بحسب الفرخ، الذي أكد ارتباط فكرة استثمار الخان اقتصادياً مع الحفاظ على هويته واتاحته للجمهور وصون دوره ضمن النسيج التاريخي للمدينة القديمة.

يعدّ خان أسعد باشا من أفخم الخانات الدمشقية وأكثرها رحابة، شيّده والي دمشق أسعد باشا العظم عام 1751، على مساحة 2500 متر مربع في قلب سوق البزورية، إلى الجنوب الشرقي ‏من الجامع الأموي، وذلك بعد 4 ‏سنوات فقط من بناء قصر العظم.

وكانت مديرية دمشق القديمة في محافظة دمشق، قد أصدرت، الثلاثاء، قراراً بإغلاق مؤقت لخان ‏أسعد باشا، وسط تسريبات أفادت بتحويل الموقع إلى منشأة فندقية، دون إعلان مسبق عن المشروع وهوية الجهة التي تنفذه، ما أثار عاصفة من الاستنكار، إذ تزامن مع جدل مماثل يتعلق بمباشرة شركة قطاع خاص إعادة تأهيل قصري الزهراوي ومفيد الأمين الأثريين في مدينة حمص، بهدف استثمار كل منهما كمطعم سياحي، وذلك بموجب عقد مع وزارة الثقافة.

وجرى تداول مقاطع فيديو لأعمال إنشائية ضمن قصر الزهراوي، تتنافى مع قواعد حماية الآثار والقانون السوري المتعلق بذلك.

يعدّ قصر الزهراوي، ومساحته 811 متراً في حي الحميدية، من بيوت حمص الأثرية، ويعود بناء أجزاء واسعة منه إلى العصر المملوكي، وقد تم تسجيله عام 1967 معلماً أثرياً. وفي عام 1978، استملك لصالح مديرية الآثار والمتاحف. وبعد موجة الانتقادات لعملية إعادة تأهيله كمطعم تم إيقاف المشروع دون اتضاح ما إذا كان الإيقاف مؤقتاً أم دائماً.

«تغيب عن معظم المشاريع الاستثمارية المطروحة للتنفيذ في سوريا خلال العام الماضي الشفافية»، بحسب الناشط فادي زيدان هناك حالة من الفوضى وغياب للشفافية تحول دون تحديد الأسباب أو المسؤول عما يحصل. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن خان أسعد باشا يدخل ضمن صلاحيات 4 جهات، هي؛ محافظة دمشق، ووزارات الثقافة والسياحة والأوقاف، وهي جهات رسمية ما زال التواصل بينها يتم عبر المراسلات الورقية، فيما توجد أطراف تريد تمرير قرارات التنفيذ على عجل، لافتاً إلى أن فكرة تحويل الخان إلى فندق طرحت قبل شهور، وكان متوقعاً الإعلان عن دفتر شروط، لكن فوجئنا بأنه تم تمرير الدفتر ضمن مجموعة مغلقة، دون وجود سبب واضح لذلك.

زيدان الذي حاول مع مجموعة أهلية الضغط للتراجع عن مشروع تحويل الخان إلى فندق، حذّر من أي مشاريع قد تهدد هوية المدينة القديمة، ومن المساس بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي.

وما زالت دمشق تخضع لمراقبة مكثفة من قبل اليونيسكو كونها مدرجة على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.

وعبّر فادي زيدان عن الخشية من أن يكون ضعف الإمكانات اللازمة لحماية وصيانة المواقع الأثرية لدى وزارة الثقافة والمحافظة مبرراً لقبول شروط المستثمر، ضمن توجه حكومي عام نحو الخصخصة.

إلا أن مدير مديرية دمشق القديمة، أمجد الفرخ، أكد أن استثمار المواقع الأثرية في دمشق يخضع لمجموعة ضوابط، مؤكداً على وجوب الانطلاق أولاً من طبيعة المدينة القديمة، وقال: نحن لا «نتحدث عن أبنية أثرية منفصلة، وإنما مدينة تاريخية حية ومترابطة تشكل نسيجاً اجتماعية واقتصادياً وعمرانياً وتراثياً واحداً». لذلك لا يمكن ولا ينبغي إقصاء الاستثمار عن المدينة، لأنه جزء من استمرار حياتها، لكن يجب أن يتم ضمن ضوابط واضحة ودقيقة...

أولها ألا يترك الاستثمار أثراً سلبياً على السلامة الإنشائية أو القيمة المعمارية والأثرية للعقار، وألا تتطلب الوظيفة الجديدة تعديلات جوهرية تفقد المبنى خصائصه أو أصالته.

ثانياً أن يكون للاستثمار أثر إيجابي على النسيج الاجتماعي والاقتصادي المحيط به، أي أننا لا نقيس نجاح المشروع فقط من خلال عائده الاقتصادي المباشر، وإنما من خلال أثره على السكان والحرف، والأسواق والأنشطة المحلية واستمرارية الحياة داخل المدينة القديمة.

ثالثاً مراعاة قدرة البنية التحتية للمدينة على استيعاب النشاط الجديد، فالبنية التحتية في أجزاء واسعة من دمشق القديمة «قديمة وحساسة»، وأي نشاط يولد أحمالاً كبيرة إضافية من حيث المياه والصرف الصحي والطاقة والنفايات وحركة الزوار والمركبات يجب أن يخضع لدراسة دقيقة.

يضيف الفرخ بأنه يفترض أيضاً أن يحقق الاستثمار قيمة مضافة للعقار نفسه، سواء من خلال تأمين الصيانة الدورية والحماية الإنشائية وإطالة عمر المبنى، أو من خلال إعادة توظيفه بطريقة تحافظ على قيمته.

ودعا إلى البحث عن «أنماط جديدة من الاستثمار واستقطاب استثمارات ذات طابع ثقافي تراثي وعدم الاقتصار على النموذج السياحي التقليدي القائم على الفنادق والمطاعم»، مشدداً على ضرورة أن يكون الاستثمار أداة لتعزيز النسيج الاجتماعي والاقتصادي والعمراني، وليس سبباً في إضعافه أو استبداله.

وقال إن «المدينة التاريخية التي تفقد سكانها وأنشطتها قد تحافظ على أبنيتها، لكنها تفقد روحها الحية». وعبّر عن التطلع إلى «جعل التراث نفسه منتجاً للقيمة، لا أن نستهلك التراث من أجل تحقيق قيمة استثمارية قصيرة الأجل».

ورأى أن أمام دمشق «فرصة مهمة لإعادة تقديم نفسها، ليس كوجهة سياحية فقط، وإنما كموئل تراثي وثقافي حي يمتلك رصيداً استثنائياً من الحرف والمعارف والأسواق والمنتجات الثقافية التي ارتبطت باسمها».


الجيش الإسرائيلي يحارب صور المقاتلين الفلسطينيين ونُصبهم

صورة لنصب تذكاري متضرر بعد أن دمرته القوات الإسرائيلية خلال مداهمة لنابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
صورة لنصب تذكاري متضرر بعد أن دمرته القوات الإسرائيلية خلال مداهمة لنابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي يحارب صور المقاتلين الفلسطينيين ونُصبهم

صورة لنصب تذكاري متضرر بعد أن دمرته القوات الإسرائيلية خلال مداهمة لنابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
صورة لنصب تذكاري متضرر بعد أن دمرته القوات الإسرائيلية خلال مداهمة لنابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

أطلق الجيش الإسرائيلي مع الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر (تشرين الأول)، عملية في الضفة الغربية تستهدف هدم النصب التذكارية لمقاتلين فلسطينيين وصورهم التذكارية، ممن قضوا اغتيالاً أو أثناء مواجهات مع القوات الإسرائيلية، وتحوّلوا لاحقاً إلى رموز في مناطقهم أو على مستوى الفلسطينيين.

وبدأ الجيش الإسرائيلي العملية، فجر الأربعاء، في شمال الضفة في نابلس وجنين، وهدم هناك عدة نصب تذكارية لمقاتلين فلسطينيين، على أن تتوسع هذه العملية لتشمل باقي الضفة لاحقاً.

وقال الجيش الإسرائيلي، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، إن عمليته التي شاركت فيها عدة وحدات تستهدف هدم عشرات «البنى التحتية للتحريض على الإرهاب»، بينها نصب تذكارية أُقيمت لتكريم المسلحين الفلسطينيين، وذلك في عدد من المدن والقرى والبلدات الفلسطينية في مناطق تابعة للسلطة الفلسطينية. ويستهدف الجيش الإسرائيلي 50 نصباً على الأقل في الضفة.

وجاءت العملية بعد يومين من اقتحام الجيش جامعة بيرزيت في رام الله وهدمه هناك نصباً لشهداء الجامعة. وعلى الرغم من أن هدم نصب تذكارية لرموز فلسطينية وتحطيم صور ولافتات في الضفة بدأ بعد السابع من أكتوبر فإن هذه المرة أراد الجيش أن يحوّل الأمر إلى عملية عسكرية رسمية ذات أهداف.

ويريد الجيش على ما يبدو الاستعراض أكثر في ذكرى أكتوبر وإرسال رسالة للفلسطينيين بأنه صاحب المكان، عبر شنّه حرباً على الرموز السياسية والوطنية إضافة إلى الحرب المستمرة ضد وجوده.

وقال مصدر أمني فلسطيني لـ«الشرق الأوسط» إن «كل ما تفعله إسرائيل لن يغير الواقع». وأضاف: «قد يقتلون البشر قد يهدمون الحجر لكنهم لن يهدموا فلسطين. لن يهدموا الذاكرة ولن يمحو الرموز الوطنية».

وتابع: «إسرائيل تريد القول إنها صاحبة المكان وصاحبة السيادة في الضفة في إطار الحرب المستمرة ضد الفلسطينيين في الضفة وغزة من أجل تهجيرهم وتصفية القضية. إنهم يخاطبون الفلسطينيين ويحذرونهم من تمجيد كل ما هو وطني ويعدونهم بالدمار على غرار غزة. واضح أنهم يستعرضون مع ذكرى السابع من أكتوبر ضمن حملة انتخابية مستعرة».

ودخل وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش على الخط، وحاول أن ينسب إلى نفسه «الفضل» في عملية هدم النصب في الضفة. وقال إن الجيش بدأ عمليته بعد عملية المسح التي أمر بها لصالح الجيش، لتحديد النصب المقامة لتخليد ذكرى من وصفهم بـ«المخربين». وأضاف: «نحن نفرض السيادة على الأرض ونوضح: لا مكان لدعم (الإرهاب)».

وكان الجيش الإسرائيلي قد ترك بيانات ومناشير في مناطق واسعة في الضفة قال فيها إن قواته تعمل على إزالة النصب التي «تمجد الإرهابيين». وخاطب الجيش الفلسطينيين قائلاً إن من «يمجد الإرهاب» أو يدعمه سيُعتقل بتهمة «التحريض»، وأن أي نصب أُقيم لهذا الغرض سيتم هدمه.

وقال الجيش أيضاً في البيانات التي أُلقيت في كل مكان في الضفة إن «الإرهاب لم ولن يجلب سوى الدمار والخراب» مع صور لقطاع غزة. وإضافة إلى هدم النصب أزال الجيش صوراً لمقاتلين فلسطينيين.

ويحرص الفلسطينيون على تمجيد رموز وطنية ومقاتلين ومسلحين عبر إقامة نصب تذكارية في قلب المدن والقرى والمخيمات، بينما تملأ الجدران والشوارع الكثير من صورهم، وتُطلق أسماؤهم على الشوارع والميادين.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن «الجيش بدأ بالتزامن مع مرور 3 سنوات على هجوم السابع من أكتوبر عملية إزالة النصب والصور واعتقال كل مَن يمجد العمل ضد إسرائيل».

وبحسب الصحيفة، اقتحمت القوات نابلس وجنين وبدأت في اعتقال مطلوبين وتدمير واسع لنصب تذكارية تخلد مقاتلين فلسطينيين، وقد شاركت في العملية وحدات مختلفة بينها وحدات المستعربين.

مناشير ورقية وضعها الجيش الإسرائيلي على سيارات الفلسطينيين أثناء عمليته في الضفة تحذرهم من دعم المسلحين (مواقع تواصل)

وأكدت «يديعوت أحرونوت» أن الاعتقالات طالت مؤيدين للسابع من أكتوبر بينهم منفذو هجمات (أسرى) أُطلق سراحهم في الصفقات الأخيرة. وشملت العمليات الإسرائيلية في الضفة إلى جانب نابلس وجنين، شمال غربي القدس وطولكرم وبيت لحم وطوباس.

واعتقل الجيش الإسرائيلي أكثر من 50 فلسطينياً، وقتل رجلاً يدعى علي البزاري في اشتباكات اندلعت بين فلسطينيين ومستوطنين هاجموا قاطفي الزيتون في بلدة برقة شمال غربي نابلس وخلفت أيضاً 16 جريحاً، كما أصاب شاباً بجراح في جنين، وفجّر منزل الأسير قدري سمارة في بلدة بدو القريبة من القدس.

وإضافة إلى عمليات الجيش، هاجم المستوطنون في ذكرى السابع من أكتوبر عدة مناطق في الضفة.

وسُجل أعنف هجوم في برقة، حيث قُتل فلسطيني، إلى جانب هجمات في المغير شمال شرقي رام الله، شملت إحراق المستوطنين مركبة لصحافيين أجانب ومهاجمة منازل.

كما هاجم المستوطنون مركبة في دير نظام شمال غربي رام الله وخطوا شعارات عنصرية على المنازل، وفي الأغوار الشمالية، واصل مستوطنون أعمال تجريف وتوسعة نبع الحمة تمهيداً للسيطرة عليه.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن للعملية التي ينفذها الجيش في ذكرى السابع من أكتوبر أهمية خاصة، وهو يبذل جهداً لإزالة أكبر عدد من النصب التذكارية في الضفة خلال هذه الفترة.